أعاد الانقلاب العسكري الذي شهدته النيجر، الأسبوع الماضي، طرح العديد من التساؤلات حول قدرة المنظمات الأفريقية على ردع ظاهرة الانقلابات، التي تكررت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة في عدة دول بالقارة، فغالباً ما تسارع تلك المنظمات إلى إعلان عقوبات تجاه الدول التي تشهد «تحولات غير دستورية»، إلا أن تلك العقوبات - بحسب كثير من المراقبين - عادة ما تكون «بلا أنياب» للحيلولة دون حدوث الانقلابات في دول أخرى.
وفي 26 يوليو (تموز) الماضي، احتجز الحرس الرئاسي في النيجر الرئيس محمد بازوم، وأعلن قائد الحرس الرئاسي الجنرال عبد الرحمن تشياني نفسه قائداً للمجلس العسكري الجديد، وهو ما يُعد خامس انقلاب عسكري تشهده البلاد منذ استقلالها عام 1960، والأول منذ عام 2010.
ويعد انقلاب النيجر هو السابع في القارة الأفريقية في غضون 3 سنوات فقط؛ إذ وقعت قبله 6 انقلابات عسكرية معظمها في دول غرب أفريقيا، ومن بين 25 انقلاباً ناجحاً في أفريقيا منذ 1990، وقع 21 انقلاباً في دول غرب أفريقيا بواقع 13 انقلاباً في الساحل و8 انقلابات في دول خليج غينيا.
إجراءات عسكرية
ودعا الاتحاد الأفريقي جيش النيجر لـ«العودة إلى ثكناته وإعادة السلطات الدستورية» خلال 15 يوماً، فيما هدد قادة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، عقب قمتهم (الأحد)، باتخاذ إجراءات عسكرية ضد المجلس العسكري في النيجر، وأمهل المجلس العسكري في النيجر، 7 أيام، لإعادة الرئيس محمد بازوم المحتجز، إلى منصبه.
ويعد تهديد «إيكواس» إجراءً غير معتاد في مثل هذه الحالات؛ إذ غالباً ما كانت المجموعة تكتفي بفرض عقوبات اقتصادية على الدول الأعضاء التي تشهد انقلابات عسكرية، إضافة إلى تجميد العضوية لحين «عودة الحياة الدستورية»، وهو ما ينطبق كذلك على موقف «الاتحاد الأفريقي».
وتشير المادة 30 من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي إلى عدم السماح للحكومات التي تصل إلى السلطة بطرق غير دستورية بالمشاركة في أنشطة الاتحاد، كما يرفض «إعلان لومي» الذي أقره الاتحاد الأفريقي، عام 2000، التغييرات غير الدستورية للحكومات.
ويعتبر «الميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم»، الصادر سنة 2007 التغييرات غير الدستورية «تهديداً خطيرا للسلم والأمن والتنمية»، وسبق للمنظمة الأفريقية أن أصدرت عدة قرارات تشدد على رفض «الوصول إلى السلطة بطرق غير دستورية»، ففي قمة هراري (1997) أصدر القادة الأفارقة قراراً يدين الانقلابات، وفي قمة الجزائر (1999) صدر إعلان يحظر حضور القمم على القادة الذين استولوا على السلطة عن طريق الانقلاب.
عقوبات بلا أنياب
ورغم كل المواثيق والإجراءات التي يتخذها الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية بالقارة، فإن الدكتور أيمن السيد عبد الوهاب، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية والخبير بالشؤون الأفريقية، يرى أنها «بلا أنياب ولا تمثل رادعاً حقيقياً أو أداة حاسمة لمواجهة الانقلابات».
ويوضح عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط» أن معظم من يقومون بالانقلابات ينظمون انتخابات في مرحلة لاحقة، ويرحب بهم الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية كقادة منتخبين، وهو ما يجعل الإجراءات والتهديدات التي تتخذ عند حدوث الانقلابات «مجرد ناقوس خطر أو رسالة تحذيرية رمزية»، دون أن يكون لها تأثير حقيقي في وقف تلك الظاهرة التي عادت بكثافة في السنوات الأخيرة إلى القارة السمراء.
ويلفت نائب مدير مركز الأهرام إلى أن تطبيق العقوبات من جانب الاتحاد الأفريقي أو المنظمات الإقليمية في بعض الأحيان «يتسم بالانتقائية»؛ إذ غالباً ما يكون لتلك الانقلابات امتدادات إقليمية ودولية، وفي كثير من الأحيان يكون لسلطة الانقلاب دول داعمة مجاورة أو لها مصلحة، وهو ما يفرغ العقوبات في معظم الأحيان من مضمونها.
ويُعتبر مجلس السلم والأمن الأفريقي الآلية القانونية التي يتعاطى من خلالها الاتحاد الأفريقي مع أي تغييرات غير دستورية، حيث يحظى المجلس بسلطة فرض عقوبات عندما يحدث تغيير غير دستوري للحكومة، لكن مجلس السلم والأمن الأفريقي يواجه صعوبات جمة في إجبار السلطات الجديدة التي تتولى الحكم عقب الانقلابات على الإذعان لمطالبه بالعودة إلى الحكم الدستوري؛ إذ لا تحدد لوائح الاتحاد أدوات واضحة لفرض القرارات في هذا الصدد.
تأثير التنافس الدولي
ويبدي الدكتور محمد يوسف الحسن، الباحث السياسي التشادي، تأييداً للرأي القائل بضعف الأدوات المتاحة للمنظمات الأفريقية عامة والاتحاد الأفريقي على وجه الخصوص، مشيراً إلى أن «كثيراً ممن يقومون بالانقلابات في الدول الأفريقية يبدون اهتماماً أكبر بمواقف الدول الغربية أكثر من القلق بشأن مواقف المؤسسات الأفريقية».
ويضيف الحسن لـ«الشرق الأوسط» أن الانقلابات المتكررة، وبخاصة في منطقة الساحل والغرب الأفريقي، تكشف حجم وتأثير البعد الدولي في عودة تلك الظاهرة، وهو ما يعول عليه الكثير من المنقلبين لتخفيف واحتواء أي إجراءات يمكن أن تتخذها دول مجاورة أو مؤسسات قارية، فالظهير الدولي، وغالباً ما يكون دولة كبرى، يوفر الحماية اللازمة، كما يوفر بدائل لتعويض الأضرار الاقتصادية التي قد تقع جراء العقوبات المفروضة.
ويلفت الباحث السياسي التشادي الانتباه إلى احتدام التنافس الدولي على القارة الأفريقية الغنية بثرواتها بين الغرب الذي كثيراً ما مثلته فرنسا التي تقهقرت خلال الأعوام الأخيرة، وروسيا والصين اللتين نجحتا في ترسيخ نفوذهما بعد انقلابي مالي وبوركينافاسو عامي 2021 و2022؛ إذ استعانت المجالس العسكرية في هذين البلدين بمرتزقة «فاغنر»، كما يشير كذلك إلى أن انقلاب النيجر «لن يكون الأخير» لأسباب بعضها متعلق بالواقع في الدول الأفريقية، والبعض الآخر له صلة بالتنافس الدولي على القارة.
ويتفق الدكتور أيمن السيد عبد الوهاب، مع الطرح السابق؛ إذ يرى أن هشاشة البنية السياسية والأمنية في معظم الدول الأفريقية، فضلاً عن الطبيعة القبلية وغياب الصفة المؤسسية في إدارة تلك الدول، تجعلها عرضة دائماً للتحولات غير الديمقراطية، إذ لا تجد أدوات الديمقراطية فرصة للرسوخ في تلك المجتمعات.
وشهد العقد الأخير عودة ظاهرة الانقلابات في القارة السمراء؛ إذ بلغ عدد محاولات الانقلابات الفاشلة والناجحة، نحو 205 محاولات منذ بدء استقلال البلدان الأفريقية عن الاستعمار الأوروبي نهاية خمسينات القرن الماضي».






