الكرملين يُعلّق «آمالاً كبيرة» على زيارة بوتين إلى الصين

البلدان يسعيان لتطوير تعاونها الاقتصادي وتنسيق السياسات إقليمياً ودولياً

الرئيسان الروسي والصيني خلال قمة سابقة لـ«منظمة شنغهاي للتعاون» عُقدت في آستانة بكازاخستان (أ.ف.ب)
الرئيسان الروسي والصيني خلال قمة سابقة لـ«منظمة شنغهاي للتعاون» عُقدت في آستانة بكازاخستان (أ.ف.ب)
TT

الكرملين يُعلّق «آمالاً كبيرة» على زيارة بوتين إلى الصين

الرئيسان الروسي والصيني خلال قمة سابقة لـ«منظمة شنغهاي للتعاون» عُقدت في آستانة بكازاخستان (أ.ف.ب)
الرئيسان الروسي والصيني خلال قمة سابقة لـ«منظمة شنغهاي للتعاون» عُقدت في آستانة بكازاخستان (أ.ف.ب)

أعلن الكرملين، الاثنين، أنه يعلق «آمالاً كبيرة» على الزيارة الرسمية التي سيؤديها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الثلاثاء، إلى الصين، والتي تهدف إلى تنسيق السياسات المشتركة وتعزيز «الشراكة الاستراتيجية المتميزة».

ورغم أن الزيارة التي تستمر يومين، تم الإعداد لها سلفاً، فإن توقيتها بعد مرور أيام قليلة على أول زيارة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال فترته الثانية، إلى الصين، أثار اهتماماً واسعاً وردود فعل متباينة داخل موسكو وبكين وفي العواصم الغربية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى ترؤسه اجتماعاً لمجلس الأمن القومي في موسكو الاثنين (أ.ف.ب)

ومهّد بوتين للزيارة الخارجية الأهم له العام الحالي، بترتيب أجندته بشكل جيد وعقد عشية توجهه إلى بكين اجتماعاً لمجلس الأمن القومي وضع إلى جانب مناقشة قضايا لافتة، مثل تطوير قطاع المعادن النادرة، تصورات لما تعول عليه موسكو من هذه الزيارة.

وكان الإعلان عن الزيارة جرى في وقت سابق لزيارة ترمب، وأعلن الكرملين في حينها أن بوتين سيزور الشريك الأهم لموسكو خلال النصف الأول من العام. وأثار تقارب موعدي زيارتي بوتين وترمب إلى العاصمة الصينية تكهنات بشأن احتمال أن تلعب بكين دوراً لدفع تطبيع العلاقات بين موسكو وواشنطن من خلال ترتيب لقاء ثلاثي أو بذل جهود لعمل مشترك في تسوية الملفات الدولية الساخنة.

وأكد الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف، خلال إفادته الصحافية اليومية، الاثنين، أن موسكو «تُعلّق آمالاً كبيرة على الزيارة الرسمية لبوتين إلى الصين». وأوضح أنه: «سيتم التطرق بطبيعة الحال إلى جميع القضايا المدرجة على جدول الأعمال الاقتصادي لعلاقاتنا، كما هو الحال في كل مرة يتواصل فيها قادة البلدين». وتابع أن العلاقات بين روسيا والصين تتسم بتنوع كبير، مشيراً إلى أنه إلى جانب تنسيق السياسات ومناقشة الملفات الإقليمية والدولية يركز الطرفان على تطوير التعاون في مجالات متنوعة للغاية.

وعكس إعلان الكرملين عن تركيبة الوفد الروسي المرافق لبوتين حجم وطبيعة الملفات المطروحة. وبالإضافة إلى عدد من الوزراء ونواب الوزراء المسؤولين عن ملفات مختلفة، يرافق بوتين رؤساء أبرز الشركات الروسية ومسؤولو قطاعات حيوية اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً. وقال بيسكوف رداً على سؤال حول هذا الموضوع: «سيضم الوفد جميع نواب رؤساء الوزراء المعنيين، والعديد من الوزراء، ورؤساء الشركات، الحكومية والخاصة، العاملة في الصين».

وكشف الكرملين عن أنه سيتم إطلاق عام من التعاون الروسي - الصيني في مجالات التعليم والطب والثقافة. مشيراً إلى أنه «إلى جانب التجارة المباشرة والتعاون الاقتصادي، نعمل بنشاط على تطوير حوارنا في مجالات التعليم والطب والثقافة، أي في جميع المجالات الممكنة». وزاد بيسكوف، أن روسيا «تُطوّر علاقات مستقلة ومتعددة الأوجه مع الصين». وهي السياسة التي «نطلق عليها نحن وأصدقاؤنا الصينيون اسم الشراكة الاستراتيجية الخاصة والمميزة».

بدوره، أفاد المتحدث باسم الخارجية الصينية غو جياكون بأن الرئيس الصيني شي جينبينغ سيناقش مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته إلى الصين عدداً من القضايا العالمية والإقليمية. واللافت، أنه في إطار الحديث عن تطوير التعاون، بدا أن موسكو تعول على توسيع وتطوير شراكات استراتيجية مهمة مع بكين في قطاعات حيوية للغاية. وتم الإعلان عن أن بوتين استبق الزيارة بعقد اجتماع لمجلس الأمن القومي الذي يناقش عادة القضايا الاستراتيجية المطروحة، وتم التركيز خلاله، إلى جانب بعض الملفات، على تطوير قطاع المعادن النادرة، وهو ملف يحظى باهتمام خاص في بكين، وكذلك في واشنطن التي تسعى إلى تضمين أي صفقة لتطبيع العلاقات مع موسكو استثماراً مباشراً في هذا القطاع. وسبق أن توصلت موسكو وواشنطن إلى اتفاقات أولية في هذا الشأن. أيضاً برز حديث الكرملين عن تعويل موسكو على تضمين الاتفاقات خلال الزيارة الحالية لبوتين إلى بكين بنداً يتعلق بمشروع «قوة سيبيريا2» لإمدادات الطاقة، وهو مشروع يكتسب أهمية كبرى لبكين لضمان استقرار الإمدادات، حالياً وخصوصاً على خلفية التوترات في مضيق هرمز.

30 عاماً من الشراكة

واستبق الناطق باسم الخارجية الصينية، الزيارة بتأكيد أهمية المناسبة؛ كونها تتزامن مع مرور ثلاثة عقود على تطوير الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. وقال إن العلاقات الروسية - الصينية تُسهم إسهاماً مهماً في الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي العالمي والعدالة الدولية.

وقال جياكون خلال مؤتمر صحافي إن قائدي البلدين سيتبادلان وجهات النظر بشأن قضايا التعاون الثنائي في مختلف المجالات، إضافة إلى القضايا الدولية والإقليمية التي تهم الجانبين. وأكد أن روسيا والصين ستستفيدان من الذكرى الثلاثين لإقامة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، والذكرى الخامسة والعشرين لتوقيع معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بين الصين وروسيا، وكذلك انطلاق عامي التعليم المتبادل بين البلدين، من أجل مواصلة تطوير العلاقات الثنائية نحو مستوى نوعي جديد. ولفت إلى أنه من المقرر أن يتم في ختام المحادثات بين الجانبين توقيع بيان مشترك على أعلى مستوى، إضافة إلى عدد من الوثائق الحكومية والدولية بين مختلف الجهات المعنية.

وزادت الصين مشترياتها من النفط والغاز الروسيين، ووسّعت حجم التبادل التجاري الثنائي مع موسكو، على الرغم من الضغوط الغربية.

وبلغ التعاون التجاري الاقتصادي بين موسكو وبكين أوجه في 2024 عندما شغلت الصين المرتبة الأولى في قائمة شركاء روسيا بحجم تبادل تجاري بلغ 244 مليار دولار، محتلة بذلك الموقع الذي كان يشغله الاتحاد الأوروبي في سنوات سابقة.

وتثير الزيارة الحالية لبوتين اهتمام الأوساط الغربية. ووفقاً لصحيفة «إل موندو» الإسبانية، تُظهر زيارة بوتين المرتقبة إلى الصين رغبة بكين في إثبات متانة شراكتها مع موسكو، وأن الرئيس الصيني شي جينبينغ، يسعى من خلال علاقاته مع موسكو، إلى إثبات أن الشراكة الاستراتيجية لا تزال راسخة، على الرغم من الضغوط الغربية. ونقلت وسائل إعلام حكومية روسية تعليقات مماثلة لمسؤولين غربيين وتعليقات لمحللين في أوروبا والولايات المتحدة.

رجل وامرأة يسيران قرب سيارة محطمة ببلدة دروجكيفكا الواقعة على خط المواجهة في منطقة دونيتسك الاثنين (رويترز)

ملف أوكرانيا

في سياق آخر، وسّعت موسكو وكييف هجمات متبادلة استهدفت البنى التحتية في عمق أراضي البلدين، بعد مرور أيام قليلة على انتهاء هدنة مؤقتة محدودة بين الطرفين تم إعلانها بوساطة أميركية. وحرص الكرملين، الاثنين، على تأكيد التزام روسيا بمسار التسوية السياسية برعاية أميركية. وقال بيسكوف إن «مسار السلام الخاص بالملف الأوكراني متوقف حالياً، غير أن موسكو تعول على استئنافه في القريب العاجل». وأعرب عن أمل بلاده في أن تواصل الولايات المتحدة دورها في الوساطة، وقال: «نأمل في أن يواصل أصدقاؤنا الأميركيون جهودهم في سبيل السلام والوساطة لتسوية النزاع الأوكراني».

في الوقت ذاته، حمل الكرملين بقوة على كييف ووصفها بأنها «تصطنع أكاذيب» من خلال اتهام موسكو بالعمل على تخطيط هجمات وعمليات عسكرية انطلاقاً من أراضي بيلاروسيا الجارة القريبة والحليفة الموثوقة للكرملين.

ووصف الكرملين الاتهامات التي أطلقتها كييف «بأنها ضرب من التحريض المتعمد على تصعيد النزاع». وأوضح بيسكوف إن تصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في هذا الشأن والتي تحدث فيها عن أن موسكو تعتزم شن هجمات على أوكرانيا أو إحدى دول حلف «ناتو» من الأراضي البيلاروسية «ليست سوى محاولة للتحريض على مواصلة الحرب والنفخ في جمرات التوتر». وأكد بيسكوف أن بيلاروسيا «حليف استراتيجي لروسيا، غير أنها تظل في المقام الأول دولة مستقلة ذات سيادة كاملة»، ملمحاً إلى أن «القرارات المتعلقة بأراضيها تخضع لإرادتها الوطنية».

أسيرا حرب روس يحتفلان بعد إطلاق سراحهما في عملية تبادل أسرى بموقع غير مُعلن في بيلاروسيا 15 مايو الحالي (إ.ب.أ)

واللافت، أن التكذيب الروسي تزامن مع انطلاق تدريبات في بيلاروسيا على استخدام أسلحة نووية روسية كانت موسكو نشرتها في وقت سابق على أراضي البلد الجار.

وقالت وزارة الدفاع البيلاروسية، في بيان: «من المقرر خلال التدريبات، وبالتعاون مع الجانب الروسي، التدرب على نقل الذخائر النووية وإعدادها للاستخدام». وذكرت الوزارة أن التدريبات ستختبر جاهزية الجيش لنشر الأسلحة النووية في مناطق مختلفة من البلاد. وأكدت أن التدريبات لا تستهدف أي دولة أخرى ولا تشكل تهديداً أمنياً في المنطقة.



انقطاع عام للكهرباء في سريلانكا سببه وفرة الطاقة الشمسية

حركة مرور كثيفة في كولومبو فيما الإشارات الضوئية معطّلة (أ.ف.ب)
حركة مرور كثيفة في كولومبو فيما الإشارات الضوئية معطّلة (أ.ف.ب)
TT

انقطاع عام للكهرباء في سريلانكا سببه وفرة الطاقة الشمسية

حركة مرور كثيفة في كولومبو فيما الإشارات الضوئية معطّلة (أ.ف.ب)
حركة مرور كثيفة في كولومبو فيما الإشارات الضوئية معطّلة (أ.ف.ب)

شهدت سريلانكا، اليوم السبت، انقطاعاً للكهرباء على مستوى البلاد إثر خلل في الشبكة نجم على الأرجح عن إنتاج للطاقة الشمسية تخطّى الطلب، بحسب السلطات.

وبعد ساعتين من العطل، كان البلد برمّته ما زال محروماً من الكهرباء من دون أن ترشح أيّ معلومات عن موعد عودة التغذية الكهربائية.

وأعلنت «الشركة العامة لتوزيع الكهرباء» أن مهندسيها يعملون على إصلاح العطل، والذي قد يكون مردّه فائضاً في إنتاج الطاقة الشمسية.

وقال وزير الطاقة أنورا كاروناثيلاكا إنه يأمل عودة تدريجية للتيّار، داعياً أصحاب الألواح الشمسية إلى فصلها عن الشبكة.

وقد وضعت الشبكة الكهربائية برمّتها خارج الخدمة في فبراير (شباط) 2025 إثر تخطّي إنتاج الطاقة الشمسية الاستهلاك في يوم شهد إشعاعاً شمسياً استثنائياً. واستغرق الأمر أكثر من ست ساعات لإعادة التيّار.

وقد دفعت تحفيزات ضريبية أسراً كثيرة إلى التزوّد بألواح شمسية، وضخّ فائضها من الإنتاج في الشبكة الوطنية، ما يتسبّب أحياناً في اختلال يصعب على الجهة المشغّلة احتواؤه.

وتتخطّى قدرة إنتاج الطاقة الشمسية في سريلانكا 3000 ميغاواط، في حين يتراوح الطلب على الكهرباء بين 2000 و2500 ميغاواط في اليوم.

وبما أن السبت يوم عطلة في البلاد، فإن من المرجح أن استهلاك الطاقة الشمسية كان أدنى من الإنتاج.

وتأمل الحكومة زيادة إنتاج الطاقة الشمسية إلى نحو 4400 ميغاواط في السنوات الثلاث المقبلة، ما يمثّل ارتفاعا بنسبة 388 في المائة مقارنة بالعام 2024، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


ضباب دخاني سام يغطّي أجزاء من جنوب شرق آسيا

دراجون على طريق وسط دخان منبعث من حريق في مقاطعة جنوب كاليمانتان الإندونيسية (أ.ف.ب)
دراجون على طريق وسط دخان منبعث من حريق في مقاطعة جنوب كاليمانتان الإندونيسية (أ.ف.ب)
TT

ضباب دخاني سام يغطّي أجزاء من جنوب شرق آسيا

دراجون على طريق وسط دخان منبعث من حريق في مقاطعة جنوب كاليمانتان الإندونيسية (أ.ف.ب)
دراجون على طريق وسط دخان منبعث من حريق في مقاطعة جنوب كاليمانتان الإندونيسية (أ.ف.ب)

أدت حرائق مستمرة في إندونيسيا غطت أجزاء من جنوب شرق آسيا بضباب دخاني سام، إلى إعلان الهيئة الإقليمية المعنية بمراقبة المناخ والحرائق أعلى مستوى تأهب في المنطقة.

وذكر مركز آسيان للأرصاد الجوية المتخصصة ومقره سنغافورة، على موقعه الإلكتروني في تحديث رُصد السبت، أنه تم «تفعيل مستوى التأهب الثالث لمنطقة جنوب آسيان».

ويعتمد المركز نظاماً للإنذار يتكون من أربع درجات من صفر إلى 3، يتم فيه تفعيل المستوى الأعلى في حال وجود «خطر كبير لحدوث ضباب دخاني شديد عابر للحدود في المنطقة»، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

ويشمل الخطر رصد بؤر حرائق نشطة ومستمرة، مع انتشار ضباب دخاني تتراوح كثافته بين المتوسطة والشديدة على مدى يومين متتاليين أو أكثر، بالتزامن مع استمرار طقس جاف وهبوب رياح تدفع الضباب نحو دول مجاورة من رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).

رجل يضع قناعاً لحماية نفسه من تنشق الدخان في أحد شوارع سنغافورة (أ.ف.ب)

وصدر الإنذار الجمعة، علماً بأن تحذيرات مماثلة صدرت مرتين في وقت سابق هذا العام، وتحديداً في 26 أغسطس (آب) و27 مارس (آذار).

وتسبب الضباب الدخاني المستمر منذ أشهر بارتفاع حاد في حالات الإصابة بمشكلات تنفسية، كما أدى إلى إغلاق مدارس في إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتيمور الشرقية.

وجاءت سنغافورة السبت في المرتبة الثانية في التصنيف المباشر الذي تضعه منصة «آي كيو إير» لأكثر المدن الكبرى تلوثاً في العالم، خلف بغداد، فيما جاءت كوالالمبور، عاصمة ماليزيا، في المرتبة الثالثة. وأظهرت جميع القراءات مستويات «خطيرة جداً».

وأعلنت سنغافورة، الجمعة، أنها ستوجه تحذيرات إلى سبع شركات في إندونيسيا حددتها كمسؤولة عن هذه الحرائق، محذرة في الوقت ذاته من أن الأسوأ ربما لم يأت بعد.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الفلبينية إن مشكلة الضباب الدخاني ستُناقَش في الاجتماعات المقبلة قبل قمة آسيان المقرر عقدها في نوفمبر (تشرين الثاني) في مانيلا.


«إنذار حقيقي» لدول أخرى... بنغلاديش تخوض معركة ضد الحصبة

مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)
مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)
TT

«إنذار حقيقي» لدول أخرى... بنغلاديش تخوض معركة ضد الحصبة

مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)
مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)

تكافح بنغلاديش لاحتواء أسوأ تفشٍّ للحصبة في العالم، وهي أزمة تفاقمت بسبب ضعف البيانات وقصور جهود التوعية وفجوات التطعيم، ويقول خبراء إنها تشكل إنذاراً لدول أخرى من خطر قاتل لتراجع معدلات التحصين، وفق «رويترز».

وقالت «منظمة الصحة العالمية» إن بنغلاديش، التي تعثر برنامجها للتطعيم الروتيني في 2025، أبلغت عن 202 ألف حالة اشتباه إصابة بالحصبة، تأكدت 22 ألفاً منها في المعامل، منذ بدء ​التفشي في منتصف مارس (آذار) وحتى 9 أكتوبر (تشرين الأول). ويمثل ذلك أكبر عدد من الحالات المشتبه بها في أي بلد هذا العام.

وقالت المنظمة إن 1147 شخصاً توفوا حتى الآن جراء هذا المرض شديد العدوى، وكان الأطفال دون الخامسة يشكلون 94 في المائة من الوفيات المسجلة.

وتظهر تجربة بنغلاديش صعوبة احتواء تفشٍّ للمرض عندما تنخفض تغطية التطعيم إلى ما دون 95 في المائة، وهو المستوى الذي تقول «منظمة الصحة العالمية» إنه ضروري لمنع التفشيات. وكانت بنغلاديش قد اقتربت من بلوغ هذا المستوى في السنوات القليلة الماضية، لكن التغطية تراجعت في 2025.

آباء يرعون أطفالهم الذين يتلقون العلاج في جناح عزل المصابين بالحصبة (رويترز)

وخلص استعراض أجرته «رويترز» لوثائق «منظمة الصحة العالمية»، إلى جانب مقابلات مع أكثر من 10 علماء وعاملين في مجال الصحة ومسؤولين، إلى أن استجابة بنغلاديش الطارئة أعاقتها أيضاً بيانات أغفلت ملايين الأطفال، وقصور في الاستعداد، وإخفاق في الوصول إلى عدد كافٍ من الآباء والأمهات.

وقال مارك جيت مستشار اللقاحات في «منظمة الصحة العالمية» وأستاذ بكلية الصحة العامة العالمية في جامعة نيويورك: «هذا إنذار حقيقي لكل بلد».

وأضاف أن منع التفشي بالتطعيمات أسهل وأقل تكلفة وأكثر أماناً من الاستجابة لحالة طارئة.

وتابع: «ستوقف الاستجابة التفشي في نهاية المطاف، لكن في هذه الأثناء سيصاب كثيرون بالحصبة وسيموت بعضهم».

وقال ضياء الدين حيدر المساعد الخاص لرئيس الوزراء طارق رحمن لشؤون الصحة لـ«رويترز» في سبتمبر (أيلول)، إن الحكومة تبذل كل ما في وسعها لإنهاء التفشي. ولم ترد الحكومة على أسئلة إضافية أرسلت في أكتوبر لإعداد هذا التقرير.

«لم يأتوا إلا بعد أن دفنت ابني»

في منطقة سيلهيت بشمال شرقي البلاد، إحدى أكثر المناطق تضرراً في الدولة التي يبلغ عدد سكانها 178 مليون نسمة، توفي أرمان ‌حسين البالغ من العمر عامين ‌في يوليو (تموز)، من دون تلقي تطعيم بعد 24 ساعة من إدخاله المستشفى لتلقي علاج موله أفراد أسرته ببيع عربة الركشو ذات الثلاث عجلات التي يملكونها. ​ونجت ‌شقيقته البالغة ⁠من العمر 4 ​أعوام، ⁠والتي لم تتلقَّ أيضاً التطعيم.

أقارب يواسون الطفل استياك محمود زيان البالغ من العمر 6 سنوات والذي يتلقى العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة (رويترز)

وقال والده أمين ميا البالغ من العمر 26 عاماً، إن قريتهم النائية في سيلهيت لم يزُرها أي من العاملين في القطاع الصحي لتقديم التطعيمات في الوقت المناسب. وأضاف: «لم يأتوا إلا بعد أن دفنت ابني».

وتقول «منظمة الصحة العالمية» إن الحصبة تقتل عادة شخصين أو 3 من كل ألف حالة، لكن المرض قد يكون أكثر فتكاً في البلدان الفقيرة بسبب عوامل مثل سوء التغذية.

وفي بلدة تشاتاك، التي تقع أيضاً في منطقة سيلهيت، توفيت ابنة النجار همايون رشيد، البالغ من العمر 30 عاماً، في يونيو (حزيران)، عن عمر 9 أشهر من دون تلقي التطعيم. وكان يمكن أن تتلقى لبيبة أختر جرعة تطعيم في أبريل (نيسان)، عندما خفض برنامج طارئ سن التطعيم إلى 6 أشهر بدلاً من 9.

وقال والدها: «لم يأتِ أي عامل صحي ليخبرنا».

وقال وزير الصحة سردار محمد سخاوات حسين في مايو (أيار)، إن الحملة الطارئة خفضت الحالات في بؤر التفشي إلى «ما يقارب الصفر»، وإن التفشي أصبح تحت السيطرة.

لكن بنغلاديش أبلغت في سبتمبر عن متوسط يومي بلغ 1198 حالة إصابة جديدة بالحصبة، التي تتسبب في ارتفاع الحرارة والسعال وطفح جلدي. وكان ذلك أعلى إجمالي منذ مايو.

ويأتي تفشي المرض ببنغلاديش في وقت يتزايد فيه التردد إزاء اللقاحات، خصوصاً في الدول الأكثر ثراء، وسط تشكك يروج له أشخاص مثل وزير الصحة الأميركي.

وقال خبراء إن الحصول على التطعيمات والوعي بها يمثلان عقبتين كبريين ⁠في بنغلاديش.

وحتى وقت قريب، كانت بنغلاديش قصة نجاح في مجال التطعيم. وأشارت تقديرات «منظمة الصحة العالمية» و«منظمة الأمم المتحدة للطفولة» (يونيسف)، إلى أن تغطية الجرعة الأولى من اللقاح ‌بلغت 96 في المائة في 2024، و93 في المائة للجرعة الثانية التي تعطى لاستيعاب النسبة القليلة من الأطفال الذين لا يكتسبون مناعة بعد جرعة واحدة.

لكن في العام نفسه، ‌اندلعت احتجاجات أنهت 15 عاماً من حكم رئيسة الوزراء الشيخة حسينة. وفي الاضطرابات السياسية التي أعقبت ذلك، أضرب العاملون في مجال الصحة، وتأخرت طلبات ​اللقاحات، وتعطلت جرعات المتابعة التي تصاحب عادة البرامج الروتينية.

وخلصت تقديرات «منظمة الصحة العالمية» و«اليونيسف»، في تقرير نشر في يوليو، ‌إلى أن تغطية الجرعة الأولى انخفضت إلى 90 في المائة في 2025، في حين بلغت تغطية الجرعة الثانية 86 في المائة؛ أي أقل بعدة نقاط مئوية من نسبة 95 في المائة اللازمة لإيجاد ما يعرف بمناعة القطيع.

يتلقى معصوم البالغ من العمر 8 سنوات العلاج في جناح عزل المصابين بالحصبة - الذي يعاني من اكتظاظ شديد - في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)

وأثار التقرير أيضاً تساؤلات ‌بشأن جودة البيانات الرسمية عن التطعيمات ضد الحصبة وغيرها من الأمراض للأعوام من 2023 إلى 2025.

وقال إن الأرقام الأولية أظهرت في بعض الأحيان أن أعداد من تلقوا التطعيم تجاوزت 100 في المائة من المستهدفين، مما يشير إلى أخطاء في احتساب الجرعات أو الأعداد المستهدفة.

البرنامج الطارئ أغفل الملايين

مع ذلك، عندما اندلع تفشي الحصبة، استجابت بنغلاديش بسرعة، وبدا في البداية أنها تكسب المعركة.

وأعقب البرنامج الطارئ تباطؤ أولي في الحالات الجديدة بعد تلقي ما يقرب من 20 مليون طفل اللقاح في أبريل ومايو. وقالت الحكومة إنها غطت كل طفل في الفئة العمرية المستهدفة بين 6 أشهر و5 سنوات.

لكن البرنامج لم يحقق هدفه في الواقع. واتضح ذلك عندما تضمن تدخل صحي روتيني آخر في يونيو (حزيران)، قائمة مستهدفين تزيد بـ4 ملايين طفل على حملة الحصبة، رغم أنها تغطي الفئة العمرية نفسها.

وقال حيدر لـ«رويترز» في 14 سبتمبر، مع ارتفاع حالات الحصبة مجدداً: «هناك فجوة»، وعزا عدم وصول الأطفال إلى التطعيم، إلى تردد الآباء والأمهات، أو إصابة الأطفال بأمراض.

وظهرت أيضاً تحديات أخرى.

وتظهر وثائق اطلعت عليها «رويترز»، ولم يُنشر عنها من قبل، تفاصيل اجتماعات عقدت في أبريل وأغسطس (آب)، بين الحكومة و«منظمة الصحة العالمية» وشركاء صحيين آخرين، وكيف ربما أدى السعي ⁠للتحرك بسرعة إلى أوجه قصور.

وأشارت محاضر اجتماع عقد في 19 أبريل، إلى أن الحكومة اختارت إجراء جولة واحدة فقط مما يسمى فحوص الجاهزية قبل إطلاق برنامج التطعيم الطارئ بسبب ضيق الوقت، بدلاً من الجولات الأربع المعتادة. وتشمل الفحوص كل شيء؛ من التأكد من توافر ثلاجات لحفظ اللقاحات باردة إلى تحديد عدد الأطفال الذين ينبغي تطعيمهم.

وجاء في المحاضر أن جولة واحدة من الفحوص خلصت إلى أن معظم المناطق، وليس جميعها، كانت جاهزة.

الفقراء «يدفعون الثمن»

قال البروفسور محمود الرحمن، عالم الأوبئة ورئيس لجنة التحقق الوطنية للقضاء على الحصبة والحصبة الألمانية في بنغلاديش: «عندما لا تجرى فحوص الجاهزية على نحو سليم، غالباً ما يكون الأطفال الأفقر والأصعب وصولاً إليهم، هم من يفوتهم التطعيم ويدفعون الثمن».

وقال حيدر إن حملة أبريل أطلقت خلال 4 أسابيع. لكن تاج الإسلام عبد الباري، الذي قاد برنامج التحصين في بنغلاديش حتى 2017، قال إن الحملات تتطلب عادة شهوراً من التخطيط.

وبحلول اجتماع أغسطس، جرى تحديد أوجه قصور في التنفيذ. وأشارت المحاضر إلى أن نسبة الأطفال الذين لديهم حالات حصبة مؤكدة ولم يتلقوا التطعيم، ظلت «دون تغيير يذكر بين ما قبل الحملة (82 في المائة) وما بعدها (85 في المائة)... مما يؤكد استمرار فجوات التغطية».

ولم ترد «منظمة الصحة العالمية» على أسئلة بشأن اجتماعي أبريل وأغسطس. لكن نائب ممثل المنظمة في بنغلاديش الطبيب راجيش ناروال، قال إن المنظمة مصممة على دعم الحكومة في هدفها تطعيم كل طفل معرض للخطر.

وأضاف: «يجب أن يصبح التحصين الروتيني أكثر فاعلية وقدرة على الصمود، حتى لا تتكرر هذه الفجوات».

وفي سيلهيت، حيث تظهر السجلات الرسمية وفاة 180 طفلاً، قالت 8 من 16 أسرة قابلتها «رويترز» في سبتمبر، إنها لم ترَ عاملين صحيين يقدمون التطعيمات. وقالت 6 أسر على الأقل، إن العاملين الصحيين لم يزوروا المنطقة إلا بعد وفاة طفل بالحصبة في منطقتهم.

وفي نهاية سبتمبر، أطلقت الحكومة حملة جديدة تستهدف 3.4 مليون طفل فاتتهم حملات سابقة.

وقال وزير الصحة في مؤتمر صحافي: «سنشرك الناس في جميع القرى حتى لا يُترك أي طفل خلف الركب».

لكن الوصول إلى كل طفل لا يزال تحدياً. وتقول «اليونيسف» ومكتب إحصاءات بنغلاديش، إن ما يصل إلى 40 في المائة من الأطفال غير مسجلين، في حين أظهرت بيانات حكومية أن نحو ثلث وظائف العاملين الصحيين شاغرة.