جهود سعودية مكثفة تقود مسار التعافي والخدمات في اليمن

مشروعات تنموية وإغاثية تعزز الاستقرار وتحسين المعيشة

الدعم السعودي لليمن بالوقود يعيد تشغيل 70 محطة كهرباء للعمل (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)
الدعم السعودي لليمن بالوقود يعيد تشغيل 70 محطة كهرباء للعمل (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)
TT

جهود سعودية مكثفة تقود مسار التعافي والخدمات في اليمن

الدعم السعودي لليمن بالوقود يعيد تشغيل 70 محطة كهرباء للعمل (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)
الدعم السعودي لليمن بالوقود يعيد تشغيل 70 محطة كهرباء للعمل (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

في مشهد يعكس تكاملاً بين الدعم السياسي والأمني والتنموي والإغاثي، تواصل السعودية ترسيخ حضورها فاعلاً محورياً في دعم الاستقرار وتحسين الخدمات الأساسية في اليمن؛ من العاصمة المؤقتة عدن إلى أقصى المحافظات، حيث تكشف سلسلة التحركات الحكومية والإنسانية الأخيرة عن مقاربة شاملة تجمع بين البنية التحتية، والطاقة، والصحة، والمياه، بما يعكس رؤية سعودية بعيدة المدى تتجاوز المعالجات المؤقتة نحو بناء أسس التعافي المستدام.

في هذا السياق، بحث وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، مع مدير مكتب «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، في عدن، أحمد مدخلي، سبل تعزيز التعاون المشترك، ودعم حزمة من المشروعات التنموية والخدمية ذات الأولوية في العاصمة المؤقتة. الاجتماع، الذي حضره وكلاء المحافظة، لم يكن بروتوكولياً، بل جاء محمّلاً بملفات حيوية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وفي مقدمة تلك المشروعات، برز مشروع الطريق البحرية بوصفها شرياناً استراتيجياً يخفف من الاختناقات المرورية، ويعزز الحركة الاقتصادية والسياحية في المدينة، إلى جانب مناقشة الحلول الفنية لمشكلة جسر البريقة، أحد أبرز التحديات الخدمية المزمنة. كما جرى التأكيد على رفع الدراسات الأولية للمشروعات إلى «البرنامج السعودي»، في نموذج يعكس الانضباط المؤسسي والتخطيط المشترك.

محافظ عدن مجتمعاً مع فريق «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» (سبأ)

ولم يقتصر النقاش على الطرق، بل امتد إلى دعم مشروعات مطار عدن، وتوفير الوقود لمحطات توليد الكهرباء، إضافة إلى تدخلات نوعية في القطاع الصحي. وأكد محافظ عدن حرص قيادة السلطة المحلية على تذليل الصعوبات أمام تنفيذ المشروعات، مثمّناً الدور الفاعل لـ«البرنامج السعودي» في دعم البنية التحتية وتحسين مستوى الخدمات، بما يعزز ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.

من جانبهم، شدد ممثلو «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» على استمرار الدعم وفق توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشية في عدن وبقية المحافظات المحررة.

الكهرباء والطاقة

في قطاع يُعدّ الأعلى حيوية لدى المواطن اليمني، أعادت «المؤسسة العامة للكهرباء» في عدن تشغيل عدد من محطات التوليد التي كانت متوقفة منذ أشهر؛ لتعويض الفاقد الناتج عن الإيقاف المفاجئ لمحطتَي الطاقة الشمسية في عدن وشبوة من قبل الشركة الإماراتية المشغلة، دون تنسيق مسبق مع وزارة الكهرباء أو الجهات المحلية.

وجاء هذا التحسن عقب تدخل عاجل من السعودية، تمثل في توفير دفعة وقود إسعافية من مادة الديزل، بمتابعة مباشرة من «قيادة القوات المشتركة لدعم الشرعية» في عدن، وبالتنسيق مع السلطة المحلية وشركة النفط. هذا التدخل أسهم في رفع القدرة التوليدية، والحفاظ على استقرار خدمة الكهرباء خلال مرحلة حرجة.

عودة عدد من محطات الكهرباء في عدن للعمل بعد توفير الوقود بدعم سعودي (سبأ)

وأكدت «المؤسسة العامة للكهرباء» أن الدعم السعودي لا يقتصر على الحلول الإسعافية، «بل يمتد إلى ترتيبات استراتيجية طويلة الأمد، حيث سيبدأ نقل وقود الديزل والمازوت من شركة (بترو مسيلة) بموجب الاتفاقية الموقعة بين (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن) ووزارة الكهرباء والطاقة. وتُعد هذه الخطوة ضمانة لتأمين كميات وقود كافية لتشغيل محطات الكهرباء في عدن وعدد من المحافظات المستفيدة، بعد توقف لأشهر».

وفي هذا الإطار، حمّلت وزارة الكهرباء والطاقة الشركة الإماراتية مسؤولية الإرباك الذي أصاب منظومة التوليد، مطالبة بإعادة تشغيل المحطات الشمسية فوراً، والتزام التنسيق المؤسسي، بما يحفظ استقرار الخدمة العامة، ويمنع اتخاذ قرارات أحادية تؤثر على حياة المواطنين.

وقود سقطرى

في بُعد اقتصادي وتنموي أوسع، وصلت إلى محافظة أرخبيل سقطرى أولى دفعات منحة المشتقات النفطية المقدمة عبر «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء في مديريات المحافظة.

وتأتي هذه المنحة ضمن حزمة دعم أعلنت عنها المملكة بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي، تشمل 28 مشروعاً ومبادرة تنموية؛ دعماً للتعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية.

المنحة السعودية الجديدة من وقود الكهرباء في اليمن تتجاوز 81 مليون دولار (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

وتغطي المنحة الحالية نحو 339 مليون لتر من الديزل والمازوت، بقيمة 81.2 مليون دولار، لتشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء في مختلف المحافظات. ولا ينعكس هذا الدعم على إنارة المنازل فقط، بل يمتد إلى ضمان استمرارية الخدمات في المستشفيات، والمدارس، والمطارات، والموانئ، ودعم الحركة الاقتصادية والتجارية.

وتأتي هذه الجهود امتداداً لسلسلة منح سعودية سابقة في أعوام 2018 و2021 و2022؛ مما يعكس التزاماً ثابتاً بدعم استقرار قطاع الكهرباء في اليمن، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية، بعيداً عن الحلول الظرفية.

إغاثة وصحة ومياه

إلى جانب البعد التنموي، يبرز الدور الإنساني السعودي بوصفه ركيزة مكملة لمسار التعافي؛ فقد دُشّن في منفذ الوديعة البري بمحافظة حضرموت «مشروع الاستجابة العاجلة لمكافحة الكوليرا»، بتمويل من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية».

ويهدف المشروع إلى تعزيز الإجراءات الصحية والوقائية، وضمان سلامة المسافرين، وتقديم الرعاية الصحية الأولية للعاملين في المنفذ، في نقطة عبور حيوية تربط اليمن بالمملكة.

وفي الساحل الغربي، واصل «مركز الملك سلمان» تنفيذ «مشروع الإمداد المائي والإصحاح البيئي» في مديرية الخوخة بمحافظة الحديدة، حيث ضُخّ أكثر من 1.3 مليون لتر من المياه، ونُفذّت عمليات واسعة لإزالة المخلفات وتجفيف مياه الصرف الصحي وصيانة المرافق الصحية المؤقتة. واستفاد من هذه الخدمات أكثر من 16 ألف شخص، معظمهم من النازحين، في تدخل يعكس حساسية عالية للاحتياجات اليومية.

كما قدمت العيادات الطبية المتنقلة التابعة لـ«المركز» خدماتها العلاجية لمئات المستفيدين في مديرية عبس بمحافظة حجة، التي شملت مكافحة الأمراض الوبائية، والحالات الطارئة، والباطنية، والخدمات التمريضية، مع صرف الأدوية، والتدخلات الجراحية البسيطة، في مناطق تفتقر إلى البنية الصحية الثابتة.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

العالم العربي مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)

الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

في قبضة القمع الحوثي، تتراجع حرية الصحافة في اليمن إلى مستويات خطيرة، مع تصاعد الانتهاكات ضد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، وسط تحذيرات من تغييب الحقيقة.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)

عدن تستقبل صيفها الملتهب بنقص حاد في الكهرباء

تواجه عدن صيفاً كهربائياً قاسياً، مع عجز يتجاوز 70 % من الاحتياج، وسط تعثُّر مشاريع التوليد، ونقص الوقود، واتساع الأحمال، وازدياد الضغوط على الحكومة اليمنية.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

العليمي: الرهان على اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى

جدَّد العليمي تأكيد متانة الشراكة مع واشنطن، داعياً إلى دعم الإصلاحات، ومواجهة التهديدات الإقليمية، بالتوازي مع جهود حكومية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والخدمي.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي حشد موالٍ للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

اقتصاد اليمن يدفع تكلفة الحرب الحوثية الباهظة

دفعت الحرب التي فجرتها الجماعة الحوثية اليمن إلى واحدة من أعمق أزماته الاقتصادية والإنسانية، مع خسائر تراكمية للناتج المحلي بلغت 126 مليار دولار وارتفاع البطالة

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي لقاء موسع للقوى والمكونات والقيادات الحضرمية في المكلا برئاسة الخنبشي (سبأ)

القوى الحضرمية تحتشد في المكلا لصوغ رؤية جامعة

لقاء سياسي واسع في المكلا برئاسة الخنبشي يضع مشروع المجلس التنسيقي الأعلى للقوى الحضرمية على طاولة النقاش، وسط دعوات لتوحيد الصف.

«الشرق الأوسط» (عدن)

الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية خلال الفترة الأخيرة من حملاتها ضد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، في مسار يستهدف إحكام القبضة على المجال العام، ومنع أي أصوات ناقدة من كشف الوقائع على الأرض، في وقت تزداد فيه التحذيرات المحلية والدولية من التدهور الحاد الذي يطول واقع حرية الصحافة في اليمن.

وكشفت سلسلة الإجراءات القمعية التي اتخذتها الجماعة، من مداهمات واعتقالات واستدعاءات أمنية ومحاكمات غير عادلة، عن سياسة متواصلة لتجفيف ما تبقى من المساحات الإعلامية المستقلة، وسط اتهامات باستخدام أدوات القمع لإسكات الأصوات التي تنقل معاناة السكان، أو تفتح ملفات الفساد والانتهاكات في مناطق سيطرتها.

وفي أحدث حلقات هذا التصعيد، استولت الجماعة الحوثية على أرض تابعة للصحافي اليمني طه المعمري، مالك شركتي «يمن ديجيتال ميديا» و«يمن لايف»، وشرعت في البناء عليها من دون أي مسوغ قانوني، وفق ما أكدته مصادر حقوقية وإعلامية.

وأثارت هذه الخطوة موجة تنديد واسعة، بوصفها امتداداً لسلسلة طويلة من الإجراءات التي استهدفت المعمري خلال السنوات الماضية، وشملت مصادرة أمواله وممتلكاته، والاستيلاء على منزله ومقر مؤسساته الإعلامية، بما في ذلك معدات البث والأرشيف، إلى جانب إصدار حكم غيابي بالإعدام بحقه، في واحدة من أبرز القضايا التي تعكس حجم التضييق على الإعلاميين في مناطق سيطرة الجماعة.

مسلحون حوثيون يحرسون تجمعاً في صنعاء (إ.ب.أ)

ولم تقتصر الانتهاكات على العاصمة المختطفة صنعاء، بل امتدت إلى محافظة إب، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مبنى إذاعة «سما إب» الخاصة، وأغلقوها نهائياً بعد فترة وجيزة من انطلاق بثها، في خطوة مفاجئة فجّرت موجة استياء واسعة في الأوساط الإعلامية والحقوقية.

وحسب مصادر محلية، فإن عملية الإغلاق تمت من دون إعلان مسبق أو تقديم أي مبررات رسمية، رغم أن الإذاعة كانت تقدم محتوى يومياً متنوعاً يتماشى، في كثير من جوانبه، مع طبيعة الخطاب الإعلامي السائد في مناطق سيطرة الجماعة، مما عزز الاعتقاد بأن أي مساحة إعلامية خارجة عن السيطرة المباشرة باتت هدفاً محتملاً للإغلاق أو المصادرة.

في السياق نفسه، اختطفت عناصر حوثية الصحافي فؤاد المليكي من منزله في مدينة إب، ونقلته إلى جهة مجهولة، مع استمرار رفضها الكشف عن مكان احتجازه أو مصيره.

جاءت عملية الاختطاف، وفق مصادر مطلعة، على خلفية اتهامه بإدارة حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تنشر ملفات تتعلق بالفساد الإداري، وتسلط الضوء على ممارسات عبثية لقادة ومسؤولين محليين موالين للجماعة في المحافظة.

تصنيف دولي

على وقع هذه التطورات، جاء تقرير دولي حديث ليعكس حجم التدهور الذي أصاب واقع الصحافة في اليمن، بعدما صنف البلاد ضمن المستوى «الخطير جداً» في مؤشر حرية الصحافة العالمي للعام الجاري، واضعاً اليمن في المرتبة 164 من أصل 179 دولة.

ويشير التقرير إلى تراجع اليمن عشرة مراكز مقارنةً بالعام السابق، في مؤشر إضافي على اتساع دائرة المخاطر التي تواجه الصحافيين، سواء من خلال الاعتقالات والاختطافات، أو عبر التهديدات المباشرة والهجمات التي تطول العاملين في المجال الإعلامي.

أشخاص يستقلّون دراجة نارية في أحد الشوارع بمدينة إب (الشرق الأوسط)

كما وثّق التقرير مقتل صحافي واعتقال اثنين آخرين خلال العام الحالي، في استمرار لمسلسل الاستهداف الذي حوّل العمل الصحافي في اليمن إلى مهنة محفوفة بالمخاطر، في ظل غياب بيئة قانونية ضامنة للحريات، واستمرار توظيف المؤسسات القضائية والأمنية في تصفية الحسابات السياسية مع الإعلاميين.

بيئة خانقة وغير آمنة

على وقع هذه الصورة القاتمة، حذّرت نقابة الصحافيين اليمنيين من تدهور غير مسبوق في أوضاع الصحافة، مؤكدةً أن بيئة العمل الإعلامي أصبحت أكثر تقييداً وخطورة، مع تصاعد الانتهاكات وتفاقم الضغوط المهنية والمعيشية التي تواجه العاملين في هذا القطاع.

وقالت النقابة إن الصحافيين باتوا يواجهون تحديات مركبة تشمل الملاحقات الأمنية، والتدخلات في طبيعة العمل الإعلامي، والضغوط الاقتصادية الناتجة عن تدني الأجور وغياب الحماية الاجتماعية، فضلاً عن هشاشة المؤسسات الإعلامية وتراجع قدرتها على توفير الحد الأدنى من الاستقرار الوظيفي للعاملين فيها.

مدينة إب اليمنية تعيش في فوضى أمنية برعاية حوثية (فيسبوك)

وأبدت النقابة قلقاً بالغاً حيال الحالة الصحية للصحافي وليد علي غالب، نائب رئيس فرع النقابة في الحديدة، المعتقل لدى الحوثيين، مطالبةً بالإفراج الفوري عنه وتوفير الرعاية الصحية اللازمة له.

وأكدت أن تسعة صحافيين لا يزالون رهن الاحتجاز في ظروف وُصفت بالمقلقة، داعيةً إلى الإفراج عنهم، ووقف الملاحقات ذات الطابع السياسي، وتعزيز استقلال القضاء، ومنع استخدامه أداةً للضغط على الإعلاميين.


عدن تستقبل صيفها الملتهب بنقص حاد في الكهرباء

مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
TT

عدن تستقبل صيفها الملتهب بنقص حاد في الكهرباء

مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)

مع دخول فصل الصيف، وارتفاع درجات الحرارة على امتداد السواحل اليمنية، تتجه أزمة الكهرباء في مدينة عدن إلى مزيد من التعقيد، في ظل اتساع الفجوة بين القدرة التوليدية المتاحة وحجم الطلب المتزايد على الطاقة، نتيجة النمو السكاني المتسارع، والتوسع العمراني الكبير، وتهالك البنية التحتية لمحطات التوليد، إلى جانب تعثُّر مشاريع استراتيجية كان يُعوَّل عليها في تخفيف حدة الأزمة المزمنة التي تعيشها المدينة منذ سنوات.

وتكشف بيانات حكومية عن واقع بالغ الصعوبة؛ إذ لا تغطي القدرة التوليدية الفعلية لمحطات الكهرباء في العاصمة اليمنية المؤقتة سوى نحو 30 في المائة من الاحتياج اليومي، وهو ما يفرض عجزاً يتجاوز 70 في المائة خلال ساعات الذروة الليلية.

ويفرض هذا النقص الحاد تطبيق برامج تقنين قاسية تنعكس آثارها على مختلف مناحي الحياة، من المنازل إلى المستشفيات، ومن المؤسسات الخدمية إلى النشاط التجاري، مع امتداد التأثيرات إلى محافظتَي لحج وأبين المجاورتين المرتبطتين جزئياً بالشبكة.

ويأتي هذا الوضع في وقت تزداد فيه الأحمال الكهربائية بشكل موسمي، مع اعتماد السكان الواسع على وسائل التبريد لمواجهة حرارة الصيف المرتفعة، ما يجعل المنظومة الكهربائية أمام اختبار شديد القسوة، في ظل محدودية الموارد الحكومية وتعثر الحلول الإسعافية والاستراتيجية معاً.

محطات الكهرباء في عدن تعمل بأقل من نصف طاقتها (إعلام حكومي)

وحسب مدير الإعلام في وزارة الكهرباء والطاقة، محمد المسبحي، فإن إجمالي الطلب على الكهرباء في عدن يبلغ نحو 630 ميغاواط، في حين لا يتجاوز التوليد الفعلي خلال ساعات النهار 257 ميغاواط، بما في ذلك مساهمة الطاقة الشمسية، ما يعني وجود عجز يومي يصل إلى 373 ميغاواط، وهو رقم يعكس اتساع الفجوة بين الاحتياج والإنتاج.

لكن الأزمة تبلغ ذروتها خلال ساعات الليل، حين يتراجع الإنتاج إلى 191 ميغاواط فقط، مقابل عجز يصل إلى 439 ميغاواط، أي ما يقارب 70 في المائة من إجمالي الاحتياج، وهو ما يفسر الانقطاعات الطويلة التي تشهدها المدينة، ويضع السكان أمام واقع معيشي بالغ القسوة؛ خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة الساحلية.

ويحذر مسؤولون في قطاع الكهرباء من أن استمرار هذا الوضع، بالتزامن مع اقتراب الأحمال من ذروتها خلال الأسابيع المقبلة، قد يقود إلى مزيد من الانهيار في الخدمة، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لزيادة الإنتاج وتأمين الوقود ورفع كفاءة المحطات العاملة.

مشاريع ناقصة

جانب مهم من الأزمة يرتبط -وفق المسؤولين- بعدم اكتمال عدد من مشاريع التوليد الجديدة بالشكل الذي يضمن تشغيلها وفق طاقتها التصميمية. فمحطة شركة «بترو مسيلة»، التي تعد أكبر محطات التوليد في عدن، لم يُستكمل فيها حتى الآن إنشاء خزانات الغاز اللازمة لتشغيلها وفق الخطة الفنية الموضوعة، ما أجبر المؤسسة العامة للكهرباء على تشغيلها بالنفط الخام، وهو خيار أعلى تكلفة وأكثر تعقيداً من الناحية التشغيلية، فضلاً عن صعوبة تأمينه بالكميات المطلوبة.

ونتيجة لذلك، لا تنتج المحطة حالياً سوى نحو 95 ميغاواط، رغم أن قدرتها التشغيلية يمكن أن ترتفع إلى قرابة 230 ميغاواط إذا توفرت كميات الوقود المطلوبة واستكملت التجهيزات الفنية اللازمة.

حملة لمكافحة الربط العشوائي للكهرباء في عدن وتحصيل المديونيات (إعلام حكومي)

ولا تقف المشكلة عند هذه المحطة، إذ تؤكد المصادر أن المرحلة الثانية من المشروع، التي كان يُعوَّل عليها لتقليص العجز بشكل ملموس، لا تزال متأخرة رغم مرور سنوات على اكتمال المرحلة الأولى. كما أن المحطة القطرية، التي خُطط لها أن تعمل على 3 مراحل بإجمالي قدرة تصل إلى 280 ميغاواط، لم تُستكمل وفق الرؤية الفنية المطلوبة، ما حرم الشبكة من قدرات توليدية كان يمكن أن تُحدث فارقاً واضحاً في مستوى الخدمة.

ويرى مختصون أن الصراعات السياسية، وعدم الاستقرار الإداري، وتعثر التمويل، أسهمت مجتمعة في فقدان المنظومة ما يقارب 400 ميغاواط من الطاقة التي كان يمكن أن تدخل الخدمة خلال السنوات الماضية، وهو رقم كفيل بتغيير المشهد الكهربائي في عدن بصورة كبيرة لو أُنجزت المشاريع كما خُطط لها.

أزمة وقود وتمويل وديون

إلى جانب الاختلالات الفنية، تواجه الحكومة اليمنية أزمة تمويل خانقة تعيق تنفيذ الخطط الإسعافية. وكان وزير الكهرباء والطاقة، عدنان الكاف، قد تحدث عن خطة عاجلة تشمل تأمين إمدادات منتظمة من النفط الخام لتشغيل توربينات «بترو مسيلة» بكامل طاقتها، إلى جانب تنفيذ أعمال صيانة لمحطات التوليد الأخرى لرفع كفاءتها التشغيلية، غير أن هذه الخطة اصطدمت بالعجز المالي الذي تواجهه الحكومة.

وترتبط هذه الأزمة المالية بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي تمثل أحد أهم الموارد السيادية، بعد الهجمات الحوثية على موانئ التصدير وتهديد ناقلات النفط، وهو ما تسبب في تراجع الإيرادات الحكومية بصورة حادة، وألقى بظلاله على مختلف القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها الكهرباء.

وفي مواجهة هذا الواقع، اتجهت وزارة الكهرباء اليمنية إلى إطلاق حملات ميدانية لمكافحة الربط العشوائي والمزدوج، باعتبار هذه الظاهرة من أبرز أسباب زيادة الأحمال وارتفاع نسبة الفاقد الفني والتجاري، فضلاً عن تسببها في أعطال متكررة على مستوى الشبكات.

أزمة الكهرباء في عدن تضاعف التحديات أمام الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

وترى الوزارة أن الحد من هذه الظاهرة يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على شبكات النقل والتوزيع، ورفع كفاءة التشغيل، وترشيد استهلاك الوقود، غير أن هذه المعالجات تبقى جزئية ما لم تُرفق بإصلاحات أوسع في منظومة التحصيل والإدارة.

وفي هذا السياق، تتجه المؤسسة إلى تشديد إجراءات تحصيل المتأخرات المالية، بما في ذلك إلزام الوزارات والجهات الحكومية بسداد مديونياتها، إلى جانب تعزيز حملات التحصيل لدى المشتركين، ونشر ثقافة الالتزام بسداد الفواتير.

كما تعمل الوزارة على إدخال نظام الدفع المسبق إلى المنازل، لضمان تحصيل قيمة الاستهلاك مستقبلاً، بعد سنوات طويلة توقف خلالها معظم صغار المستهلكين عن دفع التعريفة الشهرية.

لكن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في كيفية التعامل مع المديونية المتراكمة على قطاع واسع من المستهلكين، وهي قضية شائكة ترتبط بالأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الثقة باستقرار الخدمة.


العليمي: الرهان على اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى

العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)
TT

العليمي: الرهان على اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى

العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)

جدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، التأكيد على أهمية الشراكة الاستراتيجية بين بلاده والولايات المتحدة، بوصفها أحد المرتكزات الرئيسية لدعم الاستقرار ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، مشيراً إلى الرهان على أنَّ اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى.

تصريحات العليمي جاءت في وقت تمضي فيه الحكومة اليمنية في تنفيذ حزمة إصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية تستهدف تعزيز أداء مؤسسات الدولة، والحفاظ على استقرار السوق المحلية، وتخفيف التداعيات الإنسانية التي فاقمتها الحرب المستمرة.

وخلال استقبال العليمي سفير الولايات المتحدة لدى اليمن ستيفن فاغن، بحضور عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق محمود الصبيحي، تناولت المباحثات مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، وأوجه التعاون المشترك في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب التطورات المحلية والإقليمية، والجهود المطلوبة لدعم الحكومة اليمنية في مواجهة التحديات المتراكمة، وفق ما ذكره الإعلام الرسمي.

وأكد العليمي، خلال اللقاء، أنَّ الشراكة مع واشنطن تمثل عنصراً محورياً في مواجهة المخاطر الأمنية المتنامية، خصوصاً تلك المرتبطة بتهديدات الملاحة الدولية، والأنشطة العابرة للحدود، والتنسيق بين الجماعات المسلحة وشبكات التطرف والتهريب في المنطقة، مشيراً إلى أنَّ هذه التحديات تتطلب مقاربةً دوليةً أكثر صرامة في التعامل مع مصادر التهديد وأدوات زعزعة الاستقرار.

نهج تصعيدي

في قراءة للتطورات الإقليمية، عدَّ رئيس مجلس القيادة اليمني أنَّ استئناف طهران سلوكها التصعيدي في المنطقة يمثل مؤشراً إضافياً على استمرار نهج قائم على إدارة الأزمات وتوسيع دوائر النفوذ عبر أدوات غير مباشرة، مؤكداً أنَّ التجارب الممتدة من اليمن إلى دول أخرى في الإقليم أظهرت أنَّ أي رهان على تغيُّر هذا السلوك من دون معالجة أسبابه البنيوية كان يقود دائماً إلى مزيد من التصعيد، لا إلى فرص حقيقية للسلام.

وأشار العليمي إلى أنَّ السلوك الحوثي خلال الأسابيع الأخيرة يقدم، وفق تقديره، دليلاً عملياً على استمرار هذا النهج، سواء من خلال التهديدات البحرية، أو عبر الممارسات التي تمس الأمن الإنساني والاقتصادي، أو من خلال ما وصفه بـ«تنسيق متزايد مع شبكات إرهابية في القرن الأفريقي»، في تطورات يرى أنَّها تعكس اتساع نطاق المخاطر المرتبطة بالأزمة اليمنية وتجاوزها حدودها المحلية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

وفي المقابل، شدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنَّ الحكومة في بلاده تواصل العمل على أكثر من مسار داخلي، في مقدِّمتها الإصلاحات الاقتصادية والمالية المدعومة من السعودية، إلى جانب جهود توحيد القرارَين الأمني والعسكري، وتعزيز فاعلية المؤسسات العامة، بما يسمح ببناء قدرة أكبر للدولة على التعامل مع الملفات الملحة، ورفع مستوى التنسيق بين أجهزتها المختلفة.

تنظيم الواردات

بالتوازي مع هذه التصريحات السياسية، عقدت اللجنة الوطنية اليمنية لتنظيم وتمويل الواردات، اجتماعها الرابع للعام الحالي في مقر البنك المركزي بالعاصمة المؤقتة عدن، برئاسة محافظ البنك المركزي أحمد غالب، وبمشاركة وزير الصناعة والتجارة نائب رئيس اللجنة محمد الأشول، إلى جانب ممثلين عن الجهات ذات العلاقة، بينما شارك وزير المالية مروان غانم في الاجتماع، بدعوة من اللجنة، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به الوزارة ومؤسساتها في دعم استقرار السوق، وتنظيم حركة التجارة.

واستمعت اللجنة إلى تقارير تنفيذية وفنية تناولت سير الأداء في المنافذ البرية والبحرية، ومستوى الالتزام بالتعليمات والآليات المُنظِّمة لعمل اللجنة، فضلاً عن مراجعة الملاحظات المرتبطة ببعض الإشكالات الناجمة عن التطورات الإقليمية واضطرابات سلاسل الإمداد، وما ترتب عليها من تحويل وجهات الشحن وتغيُّر مسارات الوصول لبعض الواردات.

ونقل الإعلام الرسمي أنَّ الاجتماع ناقش حزمةً من المعالجات المقترحة لتجاوز التحديات التشغيلية، وأقرَّ إجراءات تستهدف تعزيز كفاءة الأداء، وضمان استمرار تدفق السلع الأساسية واحتياجات السوق المحلية بانسيابية أكبر، إلى جانب تطوير الآليات الإدارية والتنظيمية بما يواكب المتغيرات المتسارعة، ويسهم في تسهيل الإجراءات، وتسريع إنجاز المعاملات، ورفع مستوى التنسيق بين المؤسسات المعنية.