كيف تجنب الخليج التصادم مع الأزمة الإيرانية ـ الإسرائيلية؟

مضادات صواريخ إسرائيلية في طريقها لاعتراض مسيّرات وصواريخ إيرانية في سماء إسرائيل (رويترز)
مضادات صواريخ إسرائيلية في طريقها لاعتراض مسيّرات وصواريخ إيرانية في سماء إسرائيل (رويترز)
TT

كيف تجنب الخليج التصادم مع الأزمة الإيرانية ـ الإسرائيلية؟

مضادات صواريخ إسرائيلية في طريقها لاعتراض مسيّرات وصواريخ إيرانية في سماء إسرائيل (رويترز)
مضادات صواريخ إسرائيلية في طريقها لاعتراض مسيّرات وصواريخ إيرانية في سماء إسرائيل (رويترز)

نوّه مراقبون إقليميّون بدور الخليج ومواقف دوله واستراتيجيتها السياسية التي تعاملت مع مختلف منعطفات المنطقة، وهو ما جنّبها التصادم مع الأزمة الإيرانية ـ الإسرائيلية على خلفية هجمات شنتها إيران على إسرائيل، فجر الأحد، بعدد من الطائرات المسيّرة وصواريخ «كروز» وأخرى باليستية؛ رداً على اغتيال إسرائيل 7 ضباط رفيعي المستوى بالمبنى القنصلي لسفارة إيران في دمشق.

وطالبت الرياض بالتزام أعلى درجات ضبط النفس، في بيان فجر الأحد، طالبت فيه مجلس الأمن بـ«الاضطلاع بمسؤوليته تجاه حفظ الأمن والسلم الدوليّين، لا سيما في هذه المنطقة بالغة الحساسية للسلم والأمن العالمي، وللحيلولة دون تفاقم الأزمة، التي سيكون لها عواقب وخيمة في حال توسّع رقعتها»، ودعا البيان كل الأطراف لـ«التحلّي بأقصى درجات ضبط النفس، وتجنيب المنطقة وشعوبها مخاطر الحروب».

وتذكر محللون تحدثت معهم «الشرق الأوسط» أبرز الإجراءات الدبلوماسية التي اتخذتها دول المنطقة، مثل اتفاق بكين الذي أعاد العلاقات بين الرياض وطهران، إلى جانب تماسك موقف دول الخليج العربي والأردن إزاء التطورات التي حاقت بغزة وما تلاها من أحداث.

وزيرا الخارجية السعودي والإيراني يتوسطهما نظيرهما الصيني في بكين العام الماضي (رويترز)

النزاع بين تل أبيب وطهران كان يشكّل فرصةً لاحتمال «توسّع الصراع» الذي يهدّد مستقبل المنطقة، في الوقت الذي جاءت فيه مساعي المنطقة متمسكة بوقف النار في غزة، واحتواء التوتّرات التي وصلت إلى البحر الأحمر، والانتقال إلى عملية سلام تُفضي إلى إقامة دولة فلسطينية، وتمنح المنطقة الأمل بالتنمية والازدهار بعد عقود من الحروب والصراعات.

الحوار جنّب الخليج التصعيد

«إيران تجنّبت أي استفزاز لسيادة الدول العربية المجاورة، وتحديداً الخليجية لكنّها عدَّت العراق والأردن ممرّاً إلزامياً لمقذوفاتها». هذا ما يقوله المحلل السياسي إبراهيم ريحان خلال اتصال مع «الشرق الأوسط»، تحدث فيه عن «دقة واستراتيجية قرار دول مجلس التعاون الخليجي وفي مقدمتها السعودية بالحوار مع إيران على قاعدة الاحترام المتبادل، إذ إنّ الاتفاق السعودي - الإيراني كان من ضمن أهدافه الاستراتيجية تجنيب دول الخليج العربي أي تصعيد بين إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة».

ريحان رأى أن اتفاق بكّين وتحسُّن العلاقات بين طهران وعواصم الخليج العربي، أتاحا للأخيرة أن «تلعب دوراً مهمّاً في إطار خفض التصعيد، وأن تكون وسيطاً لا طرفاً، وأن تبقى هذه الدول بعيدة عن أي نيران مواجهة بين طهران وتل أبيب».

ردود الأفعال

سارعت دول الإقليم إلى الدعوة لضبط النفس، وتذكير مجلس الأمن بمسؤولياته، والتأكيد على ضرورة الحفاظ على السلم.

وصدرت بيانات لعدد من دول المنطقة ومنظماتها، مثل مجلس التعاون الخليجي الذي دعا جميع الأطراف إلى «التحلي بأقصى درجات ضبط النفس»، مؤكداً «ضرورة بذل كل الأطراف جهوداً مشتركة، واتخاذ نهج الدبلوماسية سبيلاً فعالاً لتسوية النزاعات، وضمان أمن المنطقة واستقرارها».

وشدّد جاسم البديوي الأمين العام للمجلس على «دور المجتمع الدولي في دعم جهود السلام والاستقرار لتفادي أي تداعيات قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد، وحث كل الأطراف المعنية على الالتزام بالحفاظ على الأمن والسلام الإقليمي والعالمي».

الهجوم الإسرائيلي على القنصلية الإيرانية في دمشق مطلع الشهر الجاري أوقع 7 قتلى من ضباط الحرس الثوري الإيراني. (غيتي)

ومن ناحيته، نوّه أيمن الصفدي وزير الخارجية الأردني بأن «وقف التصعيد ضرورة إقليمية ودولية تتطلب تحمُّل مجلس الأمن مسؤولياته في حماية الأمن والسلم»، كما أكد الصفدي ضرورة تكاتف الجهود الدولية لخفض التصعيد، وحماية المنطقة كلها من تبعاته»، مضيفاً في تصريح لوكالة «بترا» أن الأردن «سيستمر أيضاً في اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لحماية أمنه وسيادته، ولن يسمح لأي عنصر كان بتعريض أمنه وسلامة شعبه لأي خطر».

مشاورات «خفض التوتّر»

خلال الأسبوع الماضي، تحدثت وسائل إعلام أميركية عن اتصالات البيت الأبيض بعدد من العواصم العربية والخليجية بهدف دفع إيران إلى عدم توسيع الصراع، بينما اتصل أنتوني بلينكن وزير الخارجية الأميركي، بعدد من نظرائه بمن فيهم السعودي فيصل بن فرحان والأردني أيمن الصفدي والصيني وانغ يي، لحضّ إيران على تجنب «التصعيد»، بينما قالت الخارجية الإيرانية من جهتها، الأربعاء، إن وزراء خارجية السعودية والإمارات وقطر والعراق تحدّثوا هاتفياً مع حسين أمير عبداللهيان، وتمحورت المشاورات حول «خفض التوتر».

حسن المومني عميد كلية الأمير الحسين بن عبد الله الثاني للعلوم السياسية والدراسات الدولية قال لـ«الشرق الأوسط» إن «مواقف الدول العربية مثل السعودية والأردن هي مواقف وازنة، واستندت في الأساس إلى المصالح الاستراتيجية لهذه الدول، وعبّرت في مضمونها عن فهم منطقي لتعقيدات الواقع للحالة التنافسية الإيرانية - الإسرائيلية، التي بها درجة عالية من البراغماتية».

وفسّر المومني: «إيران تتصرّف ضمن مصالحها وطموحها بالتمدد، وإسرائيل تستخدم هذا الطموح الإيراني فزاعة، وتقدّم هذه الطموحات بعبعاً ضد دول المنطقة، لذلك جاء موقف السعودية والأردن ودول الخليج، موقفاً وازناً يعبّر عن رؤية واضحة في هذا الجانب، ويبشّر بأن هناك منطقاً عربياً ذا قدرة على فهم السياسة الدولية تجاه الشرق الأوسط وتعقيداتها، وكذلك يستطيع عدم الانجرار وراء أهداف متعلقة بكلتا الدولتين إسرائيل وإيران، ومن جانبٍ آخر يُظهر مدى الرؤية التي استبقت وقوع هذه الأحداث وقرأت احتمالاتها، لتصبح المصالح الاستراتيجية والمصلحة العربية بالذات هي من تحكم هذا الموقف، ويشير تطابق هذه المواقف إلى درجة عالية من التنسيق السياسي والأمني بين تلك الدول».

تطابق المواقف

المومني أشار إلى أن نقطة ذات أهمية أسهمت في تطابق المواقف «هناك حتماً واقع جيو استراتيجي بين الأردن ودول الخليج خصوصاً السعودية، ومثل هذه المواقف في مثل هذه الظروف، تدعم الهدف الأساسي بالانتقال إلى عملية سياسية تفضي إلى حالة استقرار، وإنهاء الواقع القائم في غزة».

وتسلّط تلك الجهود الضوء على الدور المحوري الذي لعبته دبلوماسيّة عدد من دول المنطقة للحد من خروج رد الفعل الإيراني عن السياق، ناحية دفع المنطقة إلى صراع أوسع، ما أدّى في نهاية المطاف إلى هجوم إيراني لم يوقع ضحايا من الجانب الإسرائيلي، غير أن «خدمة الطوارئ الإسرائيلية» أفادت في بيان بأنها اهتمت بـ31 جريحاً إصاباتهم طفيفة و«تغلب عليهم أعراض قلق أو إصابات ناجمة عن بحثهم عن ملجأ».


مقالات ذات صلة

الكويت تؤكد دعمها الكامل للحكومة الشرعية اليمنية وتدعو للحلول الدبلوماسية

الخليج الكويت العاصمة (كونا)

الكويت تؤكد دعمها الكامل للحكومة الشرعية اليمنية وتدعو للحلول الدبلوماسية

شددت الكويت على ضرورة الحفاظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه، وحماية مصالح الشعب اليمني الشقيق، بما يضمن تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
الخليج سلطان عمان مستقبلاً وزير الخارجية السعودي (الخارجية السعودية)

48 ساعة من المباحثات المكثفة والتعاون السياسي والدفاعي بين السعودية وعمان

سجلت الساعات الماضية تصاعداً في مستوى التنسيق والتشاور الثنائي بين السعودية وعمان على الصعيدَين السياسي والدفاعي، بالإضافة إلى الشراكة الاقتصادية، وذلك وسط…

غازي الحارثي (الرياض)
خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) play-circle

خاص العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
الاقتصاد سوق الاستشارات في الخليج تشهد تحولاً متسارعاً بفعل ارتفاع التوقعات والمنافسة والبحث عن قيمة طويلة الأمد (الشرق الأوسط)

طفرة التنمية في دول الخليج تعيد تشكيل قطاع الاستشارات

شهد قطاع الاستشارات في منطقة الخليج مرحلة تحول نوعية تدفع الحكومات والشركات إلى البحث عن شركاء قادرين على تحقيق قيمة مستدامة.

«الشرق الأوسط» (دبي)
تحليل إخباري أعلام دول مجلس التعاون الخليجي معلقة في سوق المباركية بمدينة الكويت (رويترز)

تحليل إخباري كيف أصبح الخليج ملاذاً للاستثمارات الآسيوية وسط اضطرابات الأسواق الكبرى؟

شهدت سندات وقروض الخليج العربي تدفقاً كبيراً من المستثمرين الآسيويين هذا العام، ما يعكس تعميق العلاقات التجارية والمالية مع المنطقة سريعة النمو.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي - سنغافورة)

«التعاون الإسلامي» تؤكد حق الصومال في الحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه

لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
TT

«التعاون الإسلامي» تؤكد حق الصومال في الحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه

لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
لقطة عامة لمدينة هرجيسا عاصمة كبرى مدن إقليم «أرض الصومال» (أ.ف.ب)

أكدت منظمة التعاون الإسلامي، اليوم (الخميس)، أن وحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه مبدأ راسخ لا يقبل أي مساومة أو تنازل في مواجهة إقدام إسرائيل على الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي.

وشددت المنظمة، في بيان بعد اجتماع للجنة التنفيذية على مستوى المندوبين في جدة بالسعودية، على الرفض القاطع لأي محاولات تهدف إلى فرض أمر واقع جديد يقوض الاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي ويفتح المجال أمام مزيد من النزاعات والتوترات.

وأوضحت منظمة التعاون الإسلامي أنها تدين الإعلان الإسرائيلي الاعتراف بأرض الصومال، ووصفته بالانتهاك الصارخ لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية.

وطالب البيان «بتكثيف الجهود وتوحيد الصفوف والوقوف صفاً واحداً إلى جانب جمهورية الصومال».


هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
TT

هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)

هذه قصتنا يا محمد. وقعنا باكراً في الفخ. استدرجنا الحبر وهو جميل، وماكر. اخترنا مهنة شائكة. اخترنا نفقاً طويلاً. لا استراحات ولا هدنات. مطاردة محمومة للأخبار تنسينا تراكم السنوات الهاربة من شجرة العمر. مطاردة مضنية. لا القارئ يرتوي، ولا المؤسسات تفعل. يغالب الصحافي الأخبار طويلاً ثم تغلبه. تحوّله خبراً في صحيفته. خبر وفاة. خبر وداع.

كنا نستعد لوداع العام لا لوداعك. شاركتنا اجتماع أول من أمس. حملت دائماً إلى موعدنا اليومي. خبرتك الطويلة. ونبل مشاعرك. ورقي لغة التخاطب. وكأنك تعمدت أن تُبلغنا الرسالة. إن المحارب القديم لا يتقاعد. يفضّل السقوط على الحلبة. بعد ساعات فقط من الاجتماع جاءنا الخبر المؤلم. خانك القلب. ومن عادته أن يخون.

شاءت المهنة أن ينشغل هذا الرجل الهادئ بملفات عاصفة ورجال قساة. سرقت أفغانستان جزءاً كبيراً من اهتماماته. وكان يذهب إليها يوم كانت تغلي بـ«المجاهدين». وكان يرجع من تلك الأسفار المتعبة محملاً بالأخبار، والتحقيقات، والمقابلات. وحتى حين أوفد العمر رسائله لم يتنازل محمد الشافعي عن شغفه. تستوقفه كلمة. إشارة. عبارة تشبه عبوة ناسفة. وتثيره الأخبار، ويغريه التعب المتوّج بهدية طازجة إلى القراء.

قبل نحو أربعة عقود انتسب إلى عائلة «الشرق الأوسط». أحبها، وأحبته. وكما في كل قصص الحب لم يتردد ولم يتراجع ولم يبخل. أقول عائلة «الشرق الأوسط» وهي حديقة. حديقة أخبار وعناوين، وتحقيقات، ومقالات. وحديقة جنسيات وخبرات، وتجارب. تحت سقف المهنة وسقف الشغف. كان فخوراً بانتمائه إلى صحيفة متوثبة تُجدد وسائلها، وتحفظ روحها.

ما أصعب أن يطرق الموت الباب. ويخطف من العائلة ابناً عزيزاً، وأستاذاً قديراً. وما أصعب الغياب. اعتدنا أن نشاكسك. وأن نسألك. ونتعلم منك. ونعاتبك على أصدقائك القساة. ما أصعب مكتبك مسكوناً بغيابك. وما أصعب الاجتماع مفتقداً مساهمتك ورهافة تمنياتك.

هذه قصتنا يا محمد. نعيش بين سطرين ونموت بين سطرين. ننام أخيراً في أرشيف الصحيفة. وفي مودة زملائنا. و«الشرق الأوسط» بتنوعها، وأجيالها تحتضن ذكرى كل من بنى مدماكاً، وفتح نافذة، وأثرى أيام قرائها. خانك القلب ومن عادته أن يفعل، لكن المودات لا تعترف بالخيانات.


استعجال نزع سلاح «حماس» يعرقل جهود استكمال «اتفاق غزة»

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

استعجال نزع سلاح «حماس» يعرقل جهود استكمال «اتفاق غزة»

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

خرجت تسريبات إسرائيلية، الأربعاء، عن اتفاق تل أبيب مع واشنطن على استعجال نزع سلاح حركة «حماس»، مع حديث عن مهلة محتملة لنحو شهرين لإنهاء المهمة، وسط ترقب لبدء المرحلة الثانية المتعثرة.

وجاء ذلك في ختام تفاهمات أميركية - إسرائيلية توعدت «حماس» بالسحق حال لم يتم نزع السلاح، وهذا يشي بأن ثمة عراقيل تطرح مسبقاً، خاصة أن إسرائيل بالمقابل، لم تعلن التزاماً بالانسحاب من قطاع غزة، وفق تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مشيرين إلى أن الأمر يحتاج إلى مزيد من التفاهمات بين الوسطاء و«حماس» للوصول لأفضل الصيغ بشأن سلاحها، والتي قد تكون في «ضبطه وليس نزعه».

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، إن «حماس» لا تزال تمتلك نحو 20 ألف مسلح يحتفظون بنحو 60 ألف بندقية «كلاشينكوف»، مشدداً على أن أهداف الحرب لم تتحقق بالكامل، وعلى رأسها «القضاء التام على (حماس)»، وفق تعبيره.

تلك الإحصائية الإسرائيلية تأتي غداة نقل صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مصادر، أن الولايات المتحدة وإسرائيل حددتا مهلة نهائية مدتها شهران لتفكيك سلاح الحركة عقب لقاء، الاثنين، بين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترمب في فلوريدا.

وقال ترمب، في مؤتمر صحافي مشترك مع نتنياهو: «تحدثنا عن (حماس) وعن نزع السلاح، وسيمنحون فترة زمنية قصيرة جداً لنزع سلاحهم، وسنرى كيف ستسير الأمور».

وأضاف: «إذا لم ينزعوا سلاحهم كما وافقوا على ذلك، لقد وافقوا على ذلك، فسيكون هناك جحيم بانتظارهم، ونحن لا نريد ذلك، نحن لا نسعى لذلك، ولكن عليهم نزع السلاح في غضون فترة زمنية قصيرة إلى حد ما»، محذراً، من أن عدم الامتثال سيكون «مروعاً» بالنسبة للحركة، ومضيفاً أن دولاً أخرى «ستتدخل وتسحقها» إذا فشلت في إلقاء سلاحها.

غير أنه قال رداً على سؤال بشأن ما إذا كانت إسرائيل ستسحب جنودها من غزة قبل نزع سلاح «حماس» بشكل كامل: «هذا موضوع آخر سنتحدث عنه لاحقاً».

ولم تعلق «حماس» على هذه التهديدات رسمياً، غير أنها عادة ما ترفض تسليم سلاحها ما دام الاحتلال الإسرائيلي مستمراً، وقالت أكثر من مرة إنها منفتحة على أي حلول وسط بشأن ذلك.

أطفال فلسطينيون نازحون في خيمة أقيمت على أرض غمرتها المياه وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى المدير التنفيذي لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير عزت سعد، أن استعجال إسرائيل لنزع سلاح «حماس» يعرقل جهود الوسطاء لاستكمال اتفاق وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أنه مطلب غير واقعي لا يقابله أي التزام من إسرائيل بشأن الانسحاب وإعادة الإعمار.

وبرأي المحلل السياسي الفلسطيني المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، فإن ملف سلاح المقاومة لن يكون عقبة حقيقية أمام استكمال الاتفاق، خلافاً لما تحاول إسرائيل الترويج له، موضحاً أن هناك مرونة كافية لدى حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية، مقرونة برؤية سياسية ناضجة جرى بلورتها في القاهرة خلال اجتماع جامع ضمّ مختلف الفصائل، باستثناء حركة «فتح»، وبمشاركة الجهات المصرية.

هذه الرؤية تبلورت في موقف موحّد تبنّته الدول الوسيطة، وعلى رأسها مصر وتركيا وقطر، وتم نقله إلى الجانب الأميركي خلال اجتماع ميامي هذا الشهر، وينصّ بوضوح «على ضبط السلاح والالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، دون الانزلاق إلى منطق نزع السلاح كشرط مسبق أو أداة ابتزاز سياسي».

ويرى المدهون أن «حماس» معنية بشكل واضح بالوصول إلى المرحلة الثانية وتنفيذ الاتفاق كاملاً، وقدّمَت خلال المرحلة الأولى نموذجاً من الانضباط والالتزام وضبط الميدان، ما شجّع الوسطاء على تبنّي موقف داعم لاستمرار الاتفاق والانتقال إلى مرحلته التالية باستبدال ضبط السلاح بدلاً عن نزعه.

وثمة تهديدان بانتظار «اتفاق غزة»؛ الأول ذكره نتنياهو لموقع «نيوز ماكس» الأميركي، قائلاً: «سنستعيد رفات آخر رهينة في غزة بأي طريقة كانت»، والذي لم يتم الوصول له بعد، والثاني، بدء إعمار جزئي في رفح الفلسطينية قبل نزع سلاح «حماس»، بحسب ما نقلت «القناة الـ12» الإسرائيلية، وهو ما يتعارض مع جهود الإعمار الشامل الذي تسعى له الدول العربية.

ويرى السفير عزت سعد ضرورة الانتظار لمتابعة نتائج لقاء ترمب ونتنياهو على أرض الواقع، وهل ستبدأ المرحلة الثانية قريباً أم لا، محذراً من سعي إسرائيل لإعمار جزئي يهدد المرحلة الثانية.

ويعتقد المدهون أن العقدة الحقيقية ليست عند «حماس»، بل عند الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يلتزم حتى اللحظة بكامل استحقاقات المرحلة الأولى، ويواصل محاولاته لتخريب الاتفاق أو التهرّب من الانتقال إلى المرحلة الثانية.

ويرى أن هناك خطورة إذا بدأ الاحتلال الإسرائيلي، أو الجانب الأميركي، بالإعمار في المناطق المحتلة من قطاع غزة، والتي تشمل شرقي «الخط الأصفر»، وهذا يعني انقلاباً على الاتفاق، مشيراً إلى «أن المرحلة الثانية، والإعمار، يجب أن يتمّا في كامل قطاع غزة، ويجب أن يكون هناك انسحاب إسرائيلي الآن من الخط الأصفر، ومن ثم تبدأ عملية الإعمار بعد تشكيل حكومة فلسطينية أو إدارة فلسطينية مقبولة داخلياً وإقليمياً ودولياً».

ونبه إلى أن أحاديث إسرائيل هي «محاولة للتهرب من مقتضيات المرحلة الثانية، والأساس فيها هو الانسحاب من القطاع».