توقعات محلية ودولية بصعوبة الوصول إلى سلام حقيقي في اليمن

بسبب تكتيكات إيران وأساليب الحوثيين الابتزازية

تتناقض الجماعة الحوثية مع نفسها في الخطاب والممارسة حول عملية السلام (أ.ف.ب)
تتناقض الجماعة الحوثية مع نفسها في الخطاب والممارسة حول عملية السلام (أ.ف.ب)
TT

توقعات محلية ودولية بصعوبة الوصول إلى سلام حقيقي في اليمن

تتناقض الجماعة الحوثية مع نفسها في الخطاب والممارسة حول عملية السلام (أ.ف.ب)
تتناقض الجماعة الحوثية مع نفسها في الخطاب والممارسة حول عملية السلام (أ.ف.ب)

بينما كانت الثقة بإمكانية تحقيق تقدم في عملية السلام في اليمن، وبإمكانية حدوث تطور حقيقي من جهة الجماعة الحوثية نحو إنهاء الحرب، جاءت ممارسات التصعيد على المستويات العسكرية والسياسية لتحقق التوقعات بصعوبة الوصول إلى سلام حقيقي، وهي الممارسات التي اتفق الجميع على أنها تكتيك انقلابي يهدف للابتزاز وتحقيق مكاسب استراتيجية.

فبرغم الحديث عن التقدم الملحوظ في مفاوضات السلام، فإن مركز «رع» للدراسات يرى أن الحوثيين لا يزالون يمارسون استفزازاً عسكرياً وسياسياً، في خطوة معاكسة للمباحثات مع الجانب السعودي، مما يهدد بعرقلة المساعي السلمية لإحلال السلام والعودة إلى نقطة الصفر مرة أخرى على الساحة اليمنية.

وكانت آخر تلك الاستفزازات، منع الجماعة الحوثية شركة الخطوط الجوية اليمنية من سحب أموالها في بنوك صنعاء.

يعد الباحثون الإجراءات الحوثية الأخيرة ضد شركة الطيران اليمنية تصعيداً يهدف إلى تعطيل مساعي السلام (أ.ف.ب)

وطبقاً لتحليل «رع»، وهو مركز دراسات مصري، فإن هذه الخطوة الاستفزازية تهدف إلى التصعيد على المستويين السياسي والأمني، خصوصاً وأنها لم تكن العملية الاستفزازية الوحيدة، حيث أعقبها استهداف موقع داخل الأراضي السعودية بطائرة مسيرة، أدى إلى مقتل ثلاثة جنود بحرينيين تابعين للوحدة العسكرية المشاركة في تحالف دعم الشرعية.

وحيث أن هذا الاستهداف هو أول عملية عسكرية على الحدود منذ تطبيع العلاقات السعودية الإيرانية؛ فإن المركز يصنفه كورقة ضغط تمكن الجماعة من الحصول على أكبر قدر من المكاسب في المفاوضات حال استمرارها، غير أنه من المحتمل بشكل كبير أن تداعياتها ستكون عكس المساعي السلمية.

فهذه العملية، جاءت عقب النقاشات التي جرت في الرياض مع وفد حوثي وبحضور عماني، التي وصفت بالإيجابية والمثمرة من طرف السعودية، وتمحورت حول آلية دفع أجور الموظفين، وإعادة فتح الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون ومطار صنعاء بشكل كامل، وكذلك جهود إعادة البناء والإعمار.

لكنها على جانب آخر يمكن أن تؤدي إلى استمرار حالة الحرب التي تعدّ مكسباً لبعض القيادات الحوثية نظراً لما تحصل عليه من دعم مادي وعسكري. وفق ما يقوله المركز.

تصعيد تكتيكي

يرى الباحث السياسي محمد فوزي من المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية أن التصعيد الحوثي نسف أي ادعاءات حوثية بشأن السلام، وطرح جملة من الدلالات المهمة، مثل استراتيجية التصعيد التكتيكي، التي تتمثل في خطاب سياسي حول الحلول السياسية للأزمة، بالتزامن مع التصعيد الميداني لتحقيق مكاسب متعددة.

استعرضت الجماعة الحوثية قوتها العسكرية في ذكرى انقلابها بشكل مفرط (إ.ب.أ)

وشنت الجماعة الحوثية مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي هجوماً على حفل عسكري لقيادة محور علب باقم في محافظة صعدة شمالاً بطائرات مسيَّرة مفخخة وعبر المدفعية وصواريخ الكاتيوشا، مما أسفر عن مقتل عسكري وجرح آخرين، والتوسع في حملة الاعتقالات ضد المشاركين في الاحتفال بذكرى ثورة 26 سبتمبر (أيلول)، وتهديد قادة سياسيين بالقتل.

ومن دلالات هذا التصعيد الحوثي الذي يستنتجه الباحث فوزي، عدم استجابة الحوثيين أو جديتهم في التعامل مع الجهود الإقليمية والأممية والدولية، الرامية إلى إنهاء الحرب وإحلال السلام، إلى جانب استفزاز مكونات الشرعية، ودفعها إلى رد عسكري.

وبحدوث أي تصعيد عسكري؛ تتراجع فاعلية أي مباحثات بخصوص حلحلة الأزمة، فيكسب الحوثيون من خلال ذلك الوقت لإعادة تنظيم صفوفهم، فضلاً عن التحرك لبناء واقع ميداني يخدم أجندتهم، إلى جانب هدم الثقة مع الأطراف الأخرى.

ويخلص فوزي إلى أن نهج التصعيد التكتيكي الحوثي يهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف السياسية والميدانية التي تعزز نفوذ الجماعة، ويكشف عن استمرارها في المراوغة عبر إظهار الدعم لمبادرات التسوية، مع انعدام فرص الوصول حتى اللحظة إلى تسويات إقليمية واضحة للأزمة اليمنية.

الولايات المتحدة الأميركية بدورها ترى عدم جدية إيران في حل الملف اليمني، حيث طالب المبعوث الأميركي إلى اليمن تيم ليندركينغ النظام الإيراني بضرورة العمل بشكل إيجابي لإنهاء معاناة اليمنيين.

تستخدم الجماعة الحوثية الأزمة الإنسانية في المساومة من أجل الحصول على مكاسب (أ.ف.ب)

وفي ندوة نظمها معهد الشرق الأوسط أكد ليندركينغ، إن بلاده لم ترَ أي مؤشرات لدعم إيران لجهود السلام في اليمن، وأنها وشركاءها يرغبون في أن تتصرف طهران بشكل مرن في اليمن، فمعالجة التحدي الإيراني يكمن في إحراز بعض التقدم في ملف الأزمة اليمنية، مشدداً على حرصهم على عدم وقوع المضائق المائية في المنطقة تحت السيطرة الإيرانية.

الاستراتيجية الإيرانية والحسابات الحوثية

يضع الباحث السياسي فارس البيل في حديث لـ«الشرق الأوسط» شرطين لإمكانية حدوث تغيير حقيقي يؤدي إلى الدخول في عملية سلام ممكنة وفعلية، يتعلق الأول بالداعم والموجه للجماعة الحوثية، وهو النظام السياسي في إيران الذي يمكن استغلال الضمانات الصينية المصاحبة لاتفاقه مع السعودية على تطبيع العلاقات لترويضه وأذرعه وجرهم إلى مربع بعيد عن العنف والتآمر والهيمنة.

أما الثاني فيرتبط بمراقبة سلوك الحوثي وتعاطيه إعلامياً وعلى الأرض، ومدى تخليه عن المكاسب المهمة التي حققها، والتي تعدّ أدوات يحتفظ بها للصراع الطويل، فإذا ما تخلى عنها، يمكن التفاؤل بحذر حول انتهاء دور العنف لديه.

ويتابع البيل: «صحيح أن لدينا ضمانات صينية ومتغيرات، ولعل إيران التزمت بعدة شروط وقضايا ليست معلنة، لكن مع يقين أنها مرحلية فقط؛ فيمكن الحكم على كل ذلك في كيف سيغير الحوثيون من سلوكهم وإلى أي مدى سيصلون من السلام والتفاوض وتطبيقه».

فالنظام الإيراني، طبقاً للبيل، لن يتخلى عن مشروع استراتيجي هو عقيدة وفكر وآيديولوجيا بالنسبة له وليس مجرد سياسة، وبالتالي لا يمكن تصديق أنه سيتخلى فجأة عن نظام الولاية والتمذهب والفكر الطائفي، الذي انتهجه طوال أكثر من أربعة عقود، خصوصاً ولم نشهد بعد تغيراً هيكلياً أو فكرياً داخل النظام الإيراني، ولا حركة تصحيح أو إفاقة أو مراجعة، ولا حتى تغير في خطاب أو سلوك.

تتخذ الجماعة الحوثية تكتيكات تصعيدية ومراوغة للحصول على مكاسب استراتيجية (أ.ب)

أما الناشط السياسي عبد الجليل الحقب فيتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن الشروط التي وضعتها الجماعة الحوثية على التحالف كثمن للقبول باستمرار الهدنة، حيث أظهر التحالف حسن نواياه من خلال زيادة الطيران إلى عمان، وفتح خط مباشر لتفويج الحجاج إلى مكة.

وبحسب الحقب، يأتي التصعيد الكلامي والمناورات العسكرية المتكررة للجماعة الحوثية لتذكير التحالف والحكومة اليمنية أنها منحت فترة استقرار دون مقابل، مما يعني أن الجماعة ترى في الهدنة التي لا تحقق مطالبها تنازلاً من دون ثمن لا ينبغي أن يستمر كثيراً، فهي تطالب بما تسميه استحقاقات الملف الإنساني، وهو الملف الذي لا ينبغي إخضاعه لأي مساومات.

وبرغم أن هذا الوعيد يوحي أننا نسير نحو استئناف المعارك العسكرية الكبيرة؛ غير أنه لا يمكن الجزم بحتمية هذا المآل قبل معرفة الحسابات الدقيقة التي تحرك قرار السلم والحرب لدى الجماعة، حيث يعتمد مسار الأحداث على ما تقرره الجماعة من خيار في مواجهة مشاريع خصومها بناء على توجهات الرعاة الداعمين لها إقليمياً ودولياً.

ويذهب الحقب إلى أن الجماعة الحوثية لا تبدو مكتفية بواقع سيطرتها على الكتلة السكانية الكبيرة في شمال اليمن، فالحكم من دون موارد يبدو مستحيلاً، لذلك نجدها تلح على موضوع تسليم الجزء الأكبر من عوائد النفط إليها دون السماح بمروره مباشرة إلى مستحقيه على شكل رواتب.

ويحذر من أن الجماعة في حال شعرت بتصاعد السخط الشعبي؛ فقد تذهب نحو استئناف جزئي للحرب، لكنها في حال أمنت على مكاسبها المحدودة؛ فستحافظ على هذه الحالة السائلة من اللاحرب واللاسلم، بما يعزز من توجهات إيران للتهدئة وتصفير الأزمات مع جيرانها.


مقالات ذات صلة

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

العالم العربي الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

تثير إجراءاتٌ حوثية تربط تسليم نتائج الطلاب بالمشاركة في معسكرات صيفية قلقَ اليمنيين، وسط تحذيرات من انتهاك حق التعلم، وتعريض مستقبل الأطفال لمخاطر متصاعدة.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

كشفت دراسة حديثة عن تحول تجارة المخدرات إلى مصدر تمويل رئيس للحوثيين، مع تصاعد نشاط شبكات منظمة تهدد المجتمع اليمني والأمن الإقليمي وتطيل أمد الصراع

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي خلال 2026 يعزّز الكهرباء والاقتصاد والبنية التحتية والتعليم والصحة، ويدعم الاستقرار والتعافي عبر شراكات دولية فعّالة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)

سيول في اليمن تحصد الأرواح وتدمر المنازل والبنية التحتية

تسببت فيضانات شديدة ضربت اليمن في خسائر بشرية، ومادية، كما طالت البنية التحتية، بما في ذلك شبكات الكهرباء، وأنظمة إمدادات المياه، وتدمير آلاف المنازل.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي مزارع «القات» في اليمن تشهد استخداماً مفرطاً لأنواع مختلفة من المبيدات المحظورة (فيسبوك)

مبيدات قاتلة بأسماء جذابة تهدد الأمن الغذائي اليمني

أطلق مزارعون تحذيرات من تفشي مبيدات خطرة في مناطق سيطرة الحوثيين، وسط اتهامات لهم بإنشاء شبكات لاستيرادها وترويجها وتغييب الرقابة، مما يزيد من المخاطر الصحية.

وضاح الجليل (عدن)

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.