ما حدث نهاية الأسبوع الماضي في جيب سبتة التابع لإسبانيا والقائم على الطرف الشمالي للأراضي المغربية لم يكن حدثاً عادياً؛ ذلك أن تدفق ما قد يصل إلى 60 ألف شخص من المواطنين المغاربة والأفارقة إلى الجيب الصغير بموجات مكثفة، يُعد خارجاً عن المألوف في ميدان الهجرات غير الشرعية بين المغرب وإسبانيا.
ونفى البيان الصادر عن وزارة الداخلية المغربية أي مسؤولية للرباط في الأمر، خصوصاً أنه جاء يوم الاحتفال بارتقاء الملك محمد السادس سدة العرش، ما عكس صورة سلبية عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المغربية، وعن طموحات شريحة واسعة من الشباب للهجرة، حتى وإن لم تكن شرعية، وتحمُّل المخاطر المترتبة على ذلك. وبلغت حصيلة يومَي الفوضى، وفق السلطات الإسبانية، 72 حالة وفاة.

ولا شك أن التدفق الكثيف لآلاف الشبان فاجأ السلطات الأمنية في جيب سبتة التي لم تكن تتوقع حدثاً من هذا النوع. وتفيد الإحصاءات الرسمية الإسبانية بأن أعداد المتدفقين على سبتة يزيد بنحو 15 ألف شخص على الأقل على الذين دخلوا البلاد بصورة غير شرعية طيلة عام 2025، والذين بلغ عددهم 36775 شخصاً.
مَن المسؤول؟
تمت السيطرة على الأمر سريعاً من خلال تعزيز الحضور العسكري والأمني وإرجاع أغلبية المتسللين إلى الجانب المغربي من الحدود بالسرعة نفسها التي دخلوا بها.
ولم تُحدد الأسباب الحقيقية التي أفضت إلى ظاهرة بهذا الحجم، ولم يُفهم ما إذا كانت وسيلة ضغط مغربية على إسبانيا رداً على تقاربها المستجد مع الجزائر، والذي تجلى في الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر يوم 20 يوليو (تموز) الماضي، سعياً لطي صفحة التوتر بين البلدين بعد أن تبنى الخطة المغربية لمستقبل الصحراء.
كذلك طُرحت من بين الأسباب الممكنة إلغاء الخط البحري الذي كان يربط بين محمية جبل طارق البريطانية والمغرب بعد أن دخلت حيز التنفيذ يوم 15 يوليو الماضي الاتفاقية المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، وبموجبها أُلغيت الحواجز المادية بين جبل طارق وإسبانيا، ما يعني أن المحمية أصبحت عملياً جزءاً من معاهدة شنغن للتنقل الحر بين دول الاتحاد.
وترى الرباط أن الاتفاقية تمس بمصالح المواطنين المغاربة الذين يقيمون في جبل طارق والمتمسكين بالتواصل مع موطنهم الأول.
يبقى أخيراً العنصر الذي يُراد له أن يكون في أساس موجات التدفق، والمتمثل في القرار الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية والذي ينص على أنه لا يجوز الترحيل الفوري لمن بلغ الأراضي الإسبانية من غير أن يواجه أي حاجز مادي. وترجمة ذلك عملياً أن من يصل إلى سبتة بحراً لا يمكن طرده، الأمر الذي يفسر أن الآلاف رموا بأنفسهم في البحر ليجتازوا المسافة الفاصلة عن سبتة سباحة.

ويُبرز البيان الصادر عن «الداخلية المغربية»، الأحد، هذا العنصر ويربطه بعوامل متداخلة، منها استغلال الفضاء الرقمي في ترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر، والتفسير الخاطئ لمعطيات قانونية.
وجاء الرد الإسباني على الثغرة القانونية سريعاً؛ إذ بادرت سلطات سبتة إلى بناء ما يشبه «الحائط المادي» الذي من شأنه أن يحول دون الوصول الحر إلى شاطئ سبتة بحراً.
التشظّي الأوروبي
وكثرت التبعات السياسية المترتبة على موجات الهجرة إلى سبتة؛ إذ سعت أطراف غير أوروبية، منها الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى استغلالها في سياق التصويب على حكومة سانشيز المعروف بتشدده إزاء الممارسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، وإدانته لسياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحربه على إيران.
بيد أن الطرف الأول المعني بها هو قطعاً الاتحاد الأوروبي وسياساته العامة إزاء الهجرات وحماية حدوده الخارجية.
والواقع أن صور عشرات الآلاف من المتدفقين على سبتة أخافت الأوروبيين وأعادت إلى أذهانهم ما شاهدوه عامَي 2015 و2016 حيث تدفق مئات الآلاف من اللاجئين من سوريا وغيرها من البلدان التي كانت تشهد نزاعات وحروباً نحو حدود القارة القديمة بحثاً عن ملجأ.
وبعد أن كان قرار الحكومة الإسبانية الأخير، القاضي بتسوية أوضاع 500 ألف مهاجر غير شرعي في البلاد بموجب معايير محددة، موضع انتقادات عنيفة من الحكومات اليمينية المتشددة ممن اعتبرته بمنزلة دعوة للمجيء إلى أوروبا؛ جاءت أحداث سبتة لتكثيف الاتهامات بحق سانشيز.

وتزعمت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني حملة التنديد به وبسياساته، والمطالبة بإخراج إسبانيا مؤقتاً من معاهدة شنغن، بدعم من الدنمارك وفنلندا. وقال وزير خارجيتها أنطونيو تاياني إن التعليق المؤقت «خيار ضروري؛ إذ إن أزمة الهجرة في سبتة تذكّرنا بأن إدارة حدود الاتحاد الأوروبي مسؤولية مشتركة».
وكانت إيطاليا قد عجّلت بفرض الرقابة على الرحلات الجوية والبحرية القادمة من إسبانيا لمدة شهر. وتشاركها هذا الموقف رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، التي دعت إلى «دراسة جميع الخيارات، بما في ذلك التعليق». كما تؤيد هذا التوجه كل من فنلندا والتشيك والسويد.
وكتب رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون، ووزير الهجرة يوهان فورسيل، يوم الأحد: «إن سياسة الهجرة غير المسؤولة التي تنتهجها إسبانيا أصبحت الآن تهدد حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي. ولن تقبل السويد المهاجرين الذين، بعد عبورهم عبر إسبانيا، يواصلون طريقهم نحو شمال أوروبا».
اجتماع الثلاثاء
وكانت النتيجة الأولى للتطورات الأخيرة أن الاتحاد الأوروبي عكس للخارج صورة التشظّي من الداخل. فإذا كانت 22 دولة أوروبية بزعامة إيطاليا والدنمارك ودعم فنلندا قد وجهت رسالة للدعوة إلى عقد اجتماع طارئ عبر تقنية الفيديو لوزراء داخلية الاتحاد، سيُعقد الثلاثاء، فإن فرنسا والبرتغال ولوكسمبورغ رفضت توقيعها، مركّزة من جانبها على ضرورة التضامن مع مدريد.

وتدعو الرسالة المشتركة إلى «اتخاذ إجراءات مشتركة لتعزيز الحدود الخارجية، ومكافحة الهجرة غير النظامية، والتصدي لشبكات تهريب البشر، وجعل عمليات إعادة المهاجرين أكثر فاعلية، والقضاء على أي عوامل قد تشجع على مزيد من الدخول غير القانوني».
وحمل هذا التشظّي أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، إلى التدخل عبر رسالة موجهة إلى سانشيز تدعو إلى البحث عن «رد أوروبي موحد» من أجل تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد. وأعربت عن أملها في أن يفضي الاجتماع إلى «استجابة أوروبية مشتركة» لتحديات الهجرات غير النظامية.
