أثارت النيابة العامة في الجزائر جدلاً حاداً عقب إعلانها أن سائق حافلة الركاب، التي انقلبت يوم الجمعة الماضي بمنطقة بومرداس شرق العاصمة، في حادث أسفر عن مقتل 27 شخصاً وإصابة 36 آخرين، كان تحت تأثير مواد مخدرة، وهو ما فُسّر على أنه حسم لأسباب الفاجعة وحصر للمسؤولية في السائق.
وأكدت النيابة العامة لدى مجلس قضاء بومرداس (محكمة الاستئناف) في بيان، الأحد، أن التحقيقات الأولية في الحادث المروّع «أظهرت قيادة السائق المتوفى تحت تأثير مواد مخدرة مختلفة الأصناف، مع العثور على قرصين من المؤثرات العقلية بحوزته».
وأضافت: «الفاجعة ناجمة أيضاً عن تجاوزات كبيرة؛ إذ كانت الحافلة تسير بسرعة 121.63 كيلومتر في الساعة في منحدر حُددت فيه السرعة بـ60 كيلومتراً في الساعة».
أسئلة عالقة
ووفق بيان النيابة، كانت الحافلة تقل 64 شخصاً، في حين أن طاقتها الاستيعابية المرخصة لا تتعدى 51 راكباً. وأشار البيان إلى «مواصلة مصالح الضبطية القضائية للدرك الوطني تحقيقاتها المعمقة تحت إشراف نيابة الجمهورية للإحاطة بكافة ظروف الحادث وتحديد المسؤوليات بدقة»، مؤكداً «اتخاذ الإجراءات القانونية بكل صرامة وحزم ضد كل من تثبت مسؤوليته في الحادث، وإطلاع الرأي العام على النتائج في حينها».

وكانت «حافلة الموت» قد انطلقت فجر الجمعة من مدينة العلمة، الواقعة على بعد 300 كيلومتر شرق العاصمة، متوجهة إلى ولاية بومرداس الساحلية على مسافة نحو 400 كيلومتر، حيث كان المسافرون يعتزمون قضاء يوم على الشاطئ والعودة مساءً. وما إن اقتربت الحافلة من نقطة الوصول، حتى انحرفت عن الطريق وسقطت في منحدر بعد أن انقلبت عدة مرات. وأدخل الحادث البلاد في حالة حزن، وأعلنت الرئاسة حداداً لمدة 3 أيام.
وأثارت الخلاصات التي انتهت إليها النيابة بشأن المأساة نقاشاً قانونياً ومجتمعياً حاداً عكسته منصات الإعلام الاجتماعي. وكتب المحامي والناشط السياسي المعروف سعيد زاهي: «التحقيق لم يقل كلمته بعد... ما زال في بدايته ولا يعدو في هذه المرحلة أن يكون تحريات أولية، لذلك فإن إصدار الأحكام أو تحديد المسؤوليات يبقى سابقاً لأوانه».
وأضاف: «من المفروض أن يشمل التحقيق جميع الجوانب التي قد تكون تسببت في وقوع الحادث، بما في ذلك الأسباب التقنية والفنية والميكانيكية، وحالة الطريق، ومدى احترام معايير السلامة، والظروف الجوية إن وُجدت، إلى جانب العامل البشري، وكل عنصر يمكن أن يساعد في كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات بدقة».

من جهته، تساءل المحامي المختص في الثغرات القانونية عبد الله هبول في منشور بحسابه: «هل كُل قيادة لمركبة تحت تأثير الكحول أو المخدرات أو المؤثرات العقلية تؤدي بالضرورة وحتماً إلى وقوع حادث مرور، أو قد تكون للحادث أسبابٌ أخرى؟». ويُفهم من هذا المنشور أن نتائج التحقيق الرسمي لا تغطي كامل زوايا القضية.
وفي سياق التشكيك في شمولية الرواية الرسمية، طرح الناشط الحقوقي البارز عبد المؤمن خليل مجموعة من الاستفهامات الجوهرية، مشيراً إلى أن تركيز النيابة على شخص السائق يُغفل جوانب تقنية مفصلية، وفي مقدمتها نتائج المعاينة الفنية للحافلة، وآلية تحديد سرعتها بدقة والمقطع الذي سُجلت فيه... مؤكداً أن ملف القضايا المماثلة يحتمل فتح مسارات أعمق للتحقيق.
«حرمة الموتى»
وفي محيط الشاب السائق المتوفى أسامة ذيب (33 سنة)، طرح أحد أصدقائه هذا التساؤل: «لو تخرج العائلة عن صمتها وتقول إن ابننا لا يتعاطى هذه الأشياء، ونطالب بخبرة محايدة... فهل يُقبل ذلك؟».

وفي شهادة مناقضة للرواية الرسمية، فَنَّد صديق آخر لأسامة كل الأخبار المتداولة حول تعاطيه مؤثرات عقلية، مشدداً في فيديو نشره بالإعلام الاجتماعي على أنه كان «إنساناً خلوقاً ومشهوداً له بالاستقامة الطيبة بين معارفه». وأكد الصديق أن السبب الحقيقي وراء هذه الفاجعة يعود إلى خلل فني مفاجئ طرأ على نظام المكابح أثناء نزول الحافلة في المنحدر، مشيراً إلى أن السائق استمات في محاولة تدارك العطب والتصرف بحكمة لتفادي الكارثة، غير أن أعداد المسافرين الغفيرة، إلى جانب ثقل الأمتعة، جعلا التحكم بالمركبة والسيطرة عليها أمراً مستحيلاً في تلك اللحظات الحرجة.
من جهته، اختار السكرتير الأول السابق لـ«جبهة القوى الاشتراكية» (أقدم حزب معارض)، عبد المالك بوشافة، مقاربة سياسية لموقف النيابة من الحادث، مؤكداً في منشور أن «احترام مشاعر عائلة السائق المتوفى ليس تفضلاً من أحد، بل هو واجب أخلاقي وإنساني يفرضه الضمير قبل أن تفرضه القوانين أو الأعراف. فحرمة الميت خط أحمر لا ينبغي أن تُنتهك تحت أي ظرف؛ لأن الموت يضع حداً لكل شيء».

وأضاف: «ما تعيشه أسرة فقدت أحد أفرادها من ألم وحزن يكفيها، ولا يجوز مضاعفة مأساتها بكلمات قاسية أو تعليقات تفتقر إلى الرحمة».
واستطرد قائلاً: «إن المجتمعات الراقية تُعرف بقدرتها على احترام الإنسان حتى بعد رحيله؛ لأن الأخلاق الحقيقية تظهر في كيفية تعاملنا مع الضعفاء والمكلومين، لا في استغلال مآسيهم... فلنحفظ للميت حرمته، ولأهله حقهم في الحزن بكرامة، ولنتذكر أن الحوادث لا تستأذن أحداً، وأن ما وقع اليوم لغيرنا قد يقع غداً لأي واحد منا».
