عادت أزمة المياه إلى واجهة المشهد في غرب ليبيا، بعد تحذيرات رسمية من تفاقم العجز المائي نتيجة انتشار التوصيلات غير الشرعية على مسار منظومة «الحساونة - سهل الجفارة»، في وقت توعد فيه جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي بإطلاق «حملة أمنية» لإزالة هذه التعديات، وحماية إمدادات المياه المتجهة إلى العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية.
ويُعد «النهر الصناعي العظيم» المصدر الرئيسي لمياه الشرب في معظم المدن الليبية منذ عقود، ويُعرف محلياً بـ«شريان الحياة»، إذ ينقل هذا المشروع المياه الجوفية من الأحواض الصحراوية في جنوب البلاد إلى المناطق الساحلية في الشمال، عبر شبكة من الأنابيب تمتد مئات الكيلومترات.

وتفجرت هذه المخاوف والتحذيرات عقب جولة ميدانية أجراها رئيس اللجنة الإدارية للجهاز في غرب البلاد، أحمد الديب، على امتداد المسار الأوسط للمنظومة، شملت ترهونة وبني وليد ومحطة التحكم بالشويرف، وصولاً إلى حقول آبار الحساونة، للوقوف على حجم التعديات المقامة على خطوط نقل المياه، بحسب بيان للجنة فجر الأربعاء.
يشار إلى أن منظومة «الحساونة - سهل الجفارة»، التي تعرضت للاعتداءات هي المرحلة الثانية من المشروع، وقد صُممت لنقل نحو 2.5 مليون متر مكعب من المياه يومياً من حقول آبار جبل الحساونة إلى الشريط الساحلي حتى العاصمة طرابلس.
وكشفت جولة المسؤول الليبي عن انتشار توصيلات غير قانونية تُستخدم لري مزارع عشوائية بطريقة الغمر، وهو ما اعتبره الجهاز سبباً في «نقص الإمداد المائي» إلى العاصمة طرابلس وبلديات المنطقة الغربية، ونتج عنه «عجز مائي خطير» بسبب «الاستنزاف غير القانوني للمياه».

وحمّل الجهاز المزارعين الذين يمدون هذه التوصيلات «المسؤولية المباشرة عن الأزمة المائية الحالية»، محذراً من أن استمرار هذه الممارسات «سيؤدي إلى زيادة العجز المائي»، وقد يفضي إلى «إيقاف الإمداد المائي عن العاصمة والبلديات الغربية بالكامل».
وفي مؤشر على تصعيد الإجراءات، أعلن الجهاز الشروع «فوراً» في «حملة أمنية» بالتنسيق مع الأجهزة المختصة لإزالة التوصيلات غير الشرعية، مؤكداً أنه «لن يسمح باستمرار هذه الأعمال العبثية»، التي قال إنها «أتلفت المكونات الميكانيكية للمسار»، و«زادت معاناة المواطنين». وشدد الجهاز على أن «الأمن المائي للدولة خط أحمر»، مؤكداً أنه «لن يُسمح لأي طرف بتهديده أو العبث به».
وبرزت مؤشرات الأزمة منذ يوم الجمعة الماضي، مع تعرض منظومة آبار النهر الصناعي لتذبذبات متتالية في الجهد الكهربائي، أسفرت عن فقدان أكثر من 120 ألف متر مكعب من المياه، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، وما صاحب ذلك من زيادة في الاستهلاك، واتساع نطاق التوصيلات غير الشرعية على مسارات النهر.
ودفعت هذه التطورات الجهاز إلى تسيير دوريات تابعة لـ«كتيبة حماية النهر» لإزالة التجاوزات، بالتوازي مع أعمال تركيب مضخات بديلة للمضخات، التي تعرضت للأعطال، في محاولة لضمان استمرار تدفق المياه إلى المدن المستفيدة وتقليص آثار الأزمة.

ويُعد مشروع «النهر الصناعي العظيم» أحد أكبر مشروعات نقل المياه في العالم، وقد أطلقه الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي في ثمانينات القرن الماضي لنقل المياه الجوفية من أحواض الجنوب إلى المدن الساحلية في الشمال، بتكلفة قُدرت آنذاك بنحو 35 مليار دولار، ليصبح المصدر الرئيسي لمياه الشرب لملايين الليبيين.
ومنذ سقوط نظام القذافي عام 2011، لم تتوقف الاعتداءات على المشروع، سواء عبر إغلاق الآبار، أو تعطيل محطات الضخ عبر مجموعات مسلحة، أو تنفيذ توصيلات غير قانونية تستخدم في ري الأراضي الزراعية، أو تزويد تجمعات سكانية بالمياه خارج الشبكة الرسمية، الأمر الذي أدى إلى تكرار أزمات الإمدادات، لا سيما خلال أشهر الصيف، إلى جانب انقسام إدارته بين طرابلس وبنغازي.
ورغم الحديث عن حملة أمنية لكبح الاعتداءات على مشروع النهر الصناعي، فإنها «تبقى أزمة مفتوحة»، بحسب رؤية الدكتور سيف الله الحطاب، الأكاديمي الليبي والباحث المتخصص في التنمية المستدامة، في ظل ما عدّه «استمراراً لغياب سلطة الدولة على كامل مواردها ضمن سياق عام من العدالة الاجتماعية».
وقال الحطاب لـ«الشرق الأوسط» إن «ضعف القبضة الأمنية سمح باستمرار التعديات على مسارات النهر، ويضع مناطق غرب ليبيا على حافة عطش حقيقي»، لكنه اعتبر أن «المشكلة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل ترتبط أيضاً باختلالات متجذرة في توزيع الثروة والتنمية بين المناطق الليبية، ما يدفع بعض الفئات إلى محاولة انتزاع ما تعتبره حقوقاً لها عبر التعدي على هذا المورد».
وانتهى الحطاب إلى أن معالجة الأزمة «لا يمكن أن تقتصر على إزالة التوصيلات غير الشرعية أو تنفيذ حملات أمنية»، مؤكداً أن الحل يتطلب «معالجة جذرية في إطار دولة مستقرة تقوم على قواعد جديدة للحكم والإدارة وتوزيع عادل للثروة، بما يضمن حماية الموارد الاستراتيجية، ويحد من اللجوء إلى فرض الأمر الواقع».










