بينما أظهرت هندسة صندوق الاقتراع في الجزائر، تصدر حزب «جبهة التحرير الوطني» لنتائج الانتخابات التشريعية التي جرت الخميس، في نسخة شبيهة بانتخابات 2021، يواجه النواب الجدد تطلعاً شعبياً جارفاً نحو توفير فرص عمل حقيقية ومستدامة، تمتص معدلات البطالة، ووضع حد لتدهور القدرة الشرائية، التي أثقلت كاهل الأسر الجزائرية جراء التضخم وغلاء المعيشة.
تترقب الأوساط السياسية والإعلامية في الجزائر، حالياً، إعلان «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» النتائج النهائية للاقتراع التشريعي، لفتح الباب أمام رفع الطعون إلى المحكمة الدستورية.

كانت «السلطة» قد قدمت مساء الخميس نتائج جزئية تتمثل في نسبة التصويت العامة، التي كانت في حدود 20.79 في المائة، حيث ينتظر التعرف على عدد المقاعد البرلمانية، التي عادت لكل حزب من الأحزاب الـ34 المشاركة في الاستحقاق.
وأظهرت النتائج التي عرضها كل حزب من هذه الأحزاب، على صفحاتها بالإعلام الاجتماعي، حفاظ حزب «جبهة التحرير الوطني» على الريادة في أغلب الولايات الـ69، مكرساً بذلك سيطرته على «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى)، حيث حصد في العاصمة 7 مقاعد من مجموع 31 مقعداً، يليه حزب «جبهة المستقبل» بـ6 مقاعد، ثم «التجمع الوطني الديمقراطي» بـ5 مقاعد.
والأحزاب الثلاثة تشكل مع «حركة البناء الوطني» ما تسمى «الأغلبية الرئاسية»، المؤيدة لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون.

وسجلت الانتخابات عودة حزبي المعارضة إلى مقاعد البرلمان المخصصة للعاصمة، الإسلامي «جبهة العدالة والتنمية» للشيخ عبد الله جاب الله (بـ3 مقاعد)، واليساري «جبهة القوى الاشتراكية» (بمقعدين) وهو أقدم حزب معارض أسسه رجل الثورة الراحل حسين آيت أحمد. وشهد التنافس على هذه المقاعد دخول الحزب الناشئ «صوت الشعب» (بـ4 مقاعد) لأستاذ الجامعة الأمين عصماني، متفوقاً على أحزاب عريقة. وأكثر ما لفت الانتباه، بهذا الخصوص، عدم حصول «حزب العمال» على أي مقعد في العاصمة.
كما كرست النتائج ريادة «جبهة التحرير» في غالبية الولايات الكبرى، مثل وهران بالغرب وقسنطينة بالشرق. وفي منطقة القبائل، حيث العزوف عن الصندوق كان كبيراً امتداداً للانتخابات الماضية، اقتسم حزبا «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» و«القوى الاشتراكية»، المتجذران في المنطقة، مقاعد ولايتَي تيزي وزو وبجاية مع «جبهة التحرير» و«التجمع الوطني».

وأعرب رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، عثمان معزوز، الجمعة، عن قلقه إزاء شفافية عمليات تركيز وجمع النتائج ونشرها الخاصة بالانتخابات التشريعية في ولاية بجاية.
وفي منشور شاركه على حسابه بـ«فيسبوك»، أكد معزوز أن حزبه يتصدر النتائج في الولاية، التي تعد معقله الرئيسي، وفقاً للتقارير الواردة من ممثلي حزبه الموجودين في مختلف مراكز التصويت. موضحاً أن «التقارير الواردة من ممثلينا عبر مختلف مراكز التصويت واضحة ولا لبس فيها: حزبنا يحل في الصدارة في بجاية». ومع ذلك، أكد أن «الصعوبات التقنية التي لوحظت في أثناء عملية تركيز النتائج» تثير مخاوف حزبه، مشيراً على وجه الخصوص إلى انقطاعات في شبكة الإنترنت، بالإضافة إلى أعطال في المنصة الرقمية التابعة لـ«السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات».

ورأى عثمان معزوز أن أي مساس بنزاهة الانتخابات التشريعية سيشكل «مساً خطيراً بالإرادة الشعبية»، مذكّراً بأن «إرادة المواطنين ليست محل تفاوض، ويجب أن تُحترم».
في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية، يجد النواب الجدد (عددهم 407) أنفسهم أمام مسؤولية كبيرة لم تعد تقبل التأجيل، وفق مراقبين، حيث يتصدر المشهد تطلع شعبي جارف، لا سيما بين فئة الشباب، نحو توفير فرص عمل حقيقية ومستدامة تمتص معدلات البطالة. ويأتي هذا الطموح موازياً لمطلب ملحّ بضرورة وضع حد لتدهور القدرة الشرائية، التي أثقلت كاهل الأسر الجزائرية جراء التضخم وغلاء المعيشة.
وبينما أكدت المعارضة أن نسبة «الرفض الشعبي» للانتخابات (4 ملايين من 24 مليون ناخب فقط أدلوا بأصواتهم)، تعود إلى «حالة الإغلاق السياسي والإعلامي» السائد في البلاد، حمَّلت صحف كبيرة في أعدادها الصادرة السبت، الأحزاب مسؤولية «غياب الشغف» عن هذه الانتخابات.

وكتبت صحيفة «الوطن» الفرانكفونية أن الرقم، الذي يمثل نسبة التصويت «كان من شأنه أن يثير الرعب داخل المقرات الحزبية أو يفعل آليات الهندسة الانتخابية التي كانت معتمدة في الماضي؛ أما اليوم، فيتعين قراءة هذا الرقم وفق واقع مغاير تماماً. فهذه النسبة هي بمنزلة مرآة للحقيقة العارية، حقيقة اقتراع وقع رسمياً على إفلاس الأحزاب السياسية التقليدية».
ويرتكز «تشخيص هذا الإفلاس»، وفق الصحيفة، على «غياب القيادة والرؤية؛ إذ لا تزال الهياكل الحزبية تشتغل بالأساليب القديمة، متخندقة في منطق الولاءات الضيقة، وفي ظل غياب شخصيات قادرة على حمل مشروع مجتمعي حديث، عجز الخطاب السياسي عن إقناع كتلة سكانية شابة، متطلبة، ومرتبطة برهانات العصر وتحدياته».
وأكدت صحيفة «الشروق» أن «الصناديق تحررت اليوم (من التزوير)، وبقيت الأحزاب السياسية وجهاً لوجه مع الجزائريين، لتسقط في الاختبار الانتخابي وتفشل في إقناع المواطنين بالانتخاب على برامجها». مشددةً على أن «السلطة لم تترشح حتى تتحمل مسؤولية العزوف، ورفع نسبة المشاركة يقع أخلاقياً وسياسياً واجتماعياً على عاتق الأحزاب حصرياً».








