القدرة الشرائية والبطالة الرهان الأبرز لنواب البرلمان الجزائري الجديد

صناديق الاقتراع تكرس ريادة «جبهة التحرير»... والصحافة تنتقد «إفلاس الأحزاب السياسية»

نواب من الأغلبية الرئاسية خلال جلسة سابقة لمناقشة قانون التعبئة العامة (البرلمان)
نواب من الأغلبية الرئاسية خلال جلسة سابقة لمناقشة قانون التعبئة العامة (البرلمان)
TT

القدرة الشرائية والبطالة الرهان الأبرز لنواب البرلمان الجزائري الجديد

نواب من الأغلبية الرئاسية خلال جلسة سابقة لمناقشة قانون التعبئة العامة (البرلمان)
نواب من الأغلبية الرئاسية خلال جلسة سابقة لمناقشة قانون التعبئة العامة (البرلمان)

بينما أظهرت هندسة صندوق الاقتراع في الجزائر، تصدر حزب «جبهة التحرير الوطني» لنتائج الانتخابات التشريعية التي جرت الخميس، في نسخة شبيهة بانتخابات 2021، يواجه النواب الجدد تطلعاً شعبياً جارفاً نحو توفير فرص عمل حقيقية ومستدامة، تمتص معدلات البطالة، ووضع حد لتدهور القدرة الشرائية، التي أثقلت كاهل الأسر الجزائرية جراء التضخم وغلاء المعيشة.

تترقب الأوساط السياسية والإعلامية في الجزائر، حالياً، إعلان «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» النتائج النهائية للاقتراع التشريعي، لفتح الباب أمام رفع الطعون إلى المحكمة الدستورية.

أمين عام جبهة التحرير الوطني مدلياً بصوته في الانتخابات (إعلام حزبي)

كانت «السلطة» قد قدمت مساء الخميس نتائج جزئية تتمثل في نسبة التصويت العامة، التي كانت في حدود 20.79 في المائة، حيث ينتظر التعرف على عدد المقاعد البرلمانية، التي عادت لكل حزب من الأحزاب الـ34 المشاركة في الاستحقاق.

وأظهرت النتائج التي عرضها كل حزب من هذه الأحزاب، على صفحاتها بالإعلام الاجتماعي، حفاظ حزب «جبهة التحرير الوطني» على الريادة في أغلب الولايات الـ69، مكرساً بذلك سيطرته على «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى)، حيث حصد في العاصمة 7 مقاعد من مجموع 31 مقعداً، يليه حزب «جبهة المستقبل» بـ6 مقاعد، ثم «التجمع الوطني الديمقراطي» بـ5 مقاعد.

والأحزاب الثلاثة تشكل مع «حركة البناء الوطني» ما تسمى «الأغلبية الرئاسية»، المؤيدة لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون.

رئيس حزب جبهة «المستقبل» (إعلام حزبي)

وسجلت الانتخابات عودة حزبي المعارضة إلى مقاعد البرلمان المخصصة للعاصمة، الإسلامي «جبهة العدالة والتنمية» للشيخ عبد الله جاب الله (بـ3 مقاعد)، واليساري «جبهة القوى الاشتراكية» (بمقعدين) وهو أقدم حزب معارض أسسه رجل الثورة الراحل حسين آيت أحمد. وشهد التنافس على هذه المقاعد دخول الحزب الناشئ «صوت الشعب» (بـ4 مقاعد) لأستاذ الجامعة الأمين عصماني، متفوقاً على أحزاب عريقة. وأكثر ما لفت الانتباه، بهذا الخصوص، عدم حصول «حزب العمال» على أي مقعد في العاصمة.

كما كرست النتائج ريادة «جبهة التحرير» في غالبية الولايات الكبرى، مثل وهران بالغرب وقسنطينة بالشرق. وفي منطقة القبائل، حيث العزوف عن الصندوق كان كبيراً امتداداً للانتخابات الماضية، اقتسم حزبا «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» و«القوى الاشتراكية»، المتجذران في المنطقة، مقاعد ولايتَي تيزي وزو وبجاية مع «جبهة التحرير» و«التجمع الوطني».

قائمة مرشحي حزب «صوت الشعب» في وهران

وأعرب رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، عثمان معزوز، الجمعة، عن قلقه إزاء شفافية عمليات تركيز وجمع النتائج ونشرها الخاصة بالانتخابات التشريعية في ولاية بجاية.

وفي منشور شاركه على حسابه بـ«فيسبوك»، أكد معزوز أن حزبه يتصدر النتائج في الولاية، التي تعد معقله الرئيسي، وفقاً للتقارير الواردة من ممثلي حزبه الموجودين في مختلف مراكز التصويت. موضحاً أن «التقارير الواردة من ممثلينا عبر مختلف مراكز التصويت واضحة ولا لبس فيها: حزبنا يحل في الصدارة في بجاية». ومع ذلك، أكد أن «الصعوبات التقنية التي لوحظت في أثناء عملية تركيز النتائج» تثير مخاوف حزبه، مشيراً على وجه الخصوص إلى انقطاعات في شبكة الإنترنت، بالإضافة إلى أعطال في المنصة الرقمية التابعة لـ«السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات».

الأمينة العامة لحزب العمال داخل أحد مراكز الاقتراع (إعلام حزبي)

ورأى عثمان معزوز أن أي مساس بنزاهة الانتخابات التشريعية سيشكل «مساً خطيراً بالإرادة الشعبية»، مذكّراً بأن «إرادة المواطنين ليست محل تفاوض، ويجب أن تُحترم».

في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية، يجد النواب الجدد (عددهم 407) أنفسهم أمام مسؤولية كبيرة لم تعد تقبل التأجيل، وفق مراقبين، حيث يتصدر المشهد تطلع شعبي جارف، لا سيما بين فئة الشباب، نحو توفير فرص عمل حقيقية ومستدامة تمتص معدلات البطالة. ويأتي هذا الطموح موازياً لمطلب ملحّ بضرورة وضع حد لتدهور القدرة الشرائية، التي أثقلت كاهل الأسر الجزائرية جراء التضخم وغلاء المعيشة.

وبينما أكدت المعارضة أن نسبة «الرفض الشعبي» للانتخابات (4 ملايين من 24 مليون ناخب فقط أدلوا بأصواتهم)، تعود إلى «حالة الإغلاق السياسي والإعلامي» السائد في البلاد، حمَّلت صحف كبيرة في أعدادها الصادرة السبت، الأحزاب مسؤولية «غياب الشغف» عن هذه الانتخابات.

مرشحون من حزب «جبهة العدالة والتنمية» خلال الحملة الانتخابية في حي بالعاصمة (إعلام حزبي)

وكتبت صحيفة «الوطن» الفرانكفونية أن الرقم، الذي يمثل نسبة التصويت «كان من شأنه أن يثير الرعب داخل المقرات الحزبية أو يفعل آليات الهندسة الانتخابية التي كانت معتمدة في الماضي؛ أما اليوم، فيتعين قراءة هذا الرقم وفق واقع مغاير تماماً. فهذه النسبة هي بمنزلة مرآة للحقيقة العارية، حقيقة اقتراع وقع رسمياً على إفلاس الأحزاب السياسية التقليدية».

ويرتكز «تشخيص هذا الإفلاس»، وفق الصحيفة، على «غياب القيادة والرؤية؛ إذ لا تزال الهياكل الحزبية تشتغل بالأساليب القديمة، متخندقة في منطق الولاءات الضيقة، وفي ظل غياب شخصيات قادرة على حمل مشروع مجتمعي حديث، عجز الخطاب السياسي عن إقناع كتلة سكانية شابة، متطلبة، ومرتبطة برهانات العصر وتحدياته».

وأكدت صحيفة «الشروق» أن «الصناديق تحررت اليوم (من التزوير)، وبقيت الأحزاب السياسية وجهاً لوجه مع الجزائريين، لتسقط في الاختبار الانتخابي وتفشل في إقناع المواطنين بالانتخاب على برامجها». مشددةً على أن «السلطة لم تترشح حتى تتحمل مسؤولية العزوف، ورفع نسبة المشاركة يقع أخلاقياً وسياسياً واجتماعياً على عاتق الأحزاب حصرياً».

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

الاتحاد الجزائري يودّع محرز «القائد بالفطرة»

رياضة عربية رياض محرز قائد منتخب الجزائر المعتزل دولياً (إ.ب.أ)

الاتحاد الجزائري يودّع محرز «القائد بالفطرة»

كرَّم الاتحاد الجزائري لكرة القدم، السبت، رياض محرز بعدما أعلن لاعب الأهلي السعودي السابق اعتزاله اللعب دولياً، عقب مسيرة حافلة مع المنتخب الوطني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الأرقام في الساعات الأولى من فتح الصناديق (سلطة الانتخابات)

عزوف قياسي عن الانتخابات يرسم ملامح برلمان الجزائر الجديد

أعلنت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر عن فرز مؤقت حدد نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية بـ20.79 %، مسجلة بذلك إقبالاً ضعيفاً على الصناديق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية فلاديمير بيتكوفيتش مدرب الجزائر (أ.ب)

بيتكوفيتش: دفعنا ثمناً باهظاً لأخطائنا أمام سويسرا

قال فلاديمير بيتكوفيتش مدرب الجزائر إن فريقه دفع ثمن أخطائه ليخسر 2- صفر أمام سويسرا في دور الـ32 بكأس العالم.

«الشرق الأوسط» (فانكوفر (كندا))
رياضة عالمية مدرب سويسرا مراد ياكين (أ.ف.ب)

ياكين: صلابة سويسرا أنهت طموح الجزائر في المونديال

حقق منتخب سويسرا فوزاً رائعاً 2-صفر على الجزائر ليتأهل إلى دور 16 في كأس العالم، وذلك بعدما أوقف خطورة منافسه الخطير وتنفيذ خطة المدرب مراد ياكين الدفاعية.

«الشرق الأوسط» (فانكوفر)
رياضة عالمية بريل إيمبولو لاعب المنتخب السويسري (د.ب.أ)

إيمبولو «الأفضل» بمواجهة الجزائر: الأهم لنا هو تحقيق الفوز

أعرب بريل إيمبولو، لاعب المنتخب السويسري لكرة القدم، عن سعادته بحصوله على جائزة أفضل لاعب في المباراة، مشيراً إلى أن الفوز على المنتخب الجزائري كان الأهم.ِ

«الشرق الأوسط» (فانكوفر)

الجيش السوداني يصعّد هجماته على «الكرمك» الحدودية مع إثيوبيا

دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)
دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)
TT

الجيش السوداني يصعّد هجماته على «الكرمك» الحدودية مع إثيوبيا

دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)
دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)

يواصل الجيش السوداني عملياته الهجومية في جبهة القتال بإقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، في محاولة للتقدم بوتيرة متسارعة نحو مدينة الكرمك الاستراتيجية القريبة من الحدود الإثيوبية، التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» منذ مارس (آذار) الماضي.

وتشير تقارير ميدانية متواترة إلى أن الجيش نفّذ خلال اليومَين الماضيَين ضربات جوية مكثفة باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة، استهدفت مواقع وخطوط دفاع متقدمة لـ«قوات الدعم السريع» في محيط مدينة الكرمك، ثاني أكبر مدن الإقليم. وتنطلق العمليات العسكرية التي يقودها الجيش والقوات المتحالفة معه من منطقة البركة، الواقعة على بُعد نحو 15 كيلومتراً من المدينة.

وبثت عناصر من الجيش السوداني مقاطع مصورة تظهر تقدم قواته في محاور متقدمة باتجاه الكرمك. وخلال الأيام الماضية، حقق الجيش تقدماً ملحوظاً في جبهة النيل الأزرق، تمثّل في استعادة السيطرة على بلدات الكيلي ومقجة وسركم، الواقعة على الطريق الرئيسي الرابط بين الدمازين، عاصمة الإقليم، ومدينة الكرمك، مما دفع «قوات الدعم السريع» إلى التراجع نحو مناطق أعمق داخل الإقليم.

في المقابل، نفى قائد «قوات الدعم السريع» في محور النيل، اللواء حمودة البيشي، صحة الأنباء التي تحدثت عن تقدم الجيش نحو مدينة الكرمك، واصفاً إياها بأنها «مزاعم لا أساس لها من الصحة». وأكد البيشي، في تدوينة نشرها عبر صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك»، أن المدينة لا تزال بالكامل تحت سيطرة قواته.

سيارات عليها آثار طلقات نارية في إحدى ساحات الخرطوم 11 يونيو 2026 (رويترز)

وشهد إقليم النيل الأزرق خلال الشهرَين الماضيَين تصعيداً ملحوظاً في العمليات العسكرية، تبادل خلاله الجيش و«قوات الدعم السريع» السيطرة على عدد من البلدات الصغيرة.

وتكتسب مدينة الكرمك أهمية استراتيجية نظراً إلى موقعها الحدودي مع إثيوبيا، وكانت قد سقطت قبل أشهر في قبضة قوات تحالف «تأسيس»، الذي تقوده «قوات الدعم السريع» بالتنسيق مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو.

ولا تزال قوات تحالف «تأسيس» تنتشر بأعداد كبيرة في مناطق دوكان وكرن كرن وخور الحسن بمحافظة الكرمك، إلى جانب مناطق أخرى تمتد باتجاه مدينة قيسان.

وكان الجيش السوداني قد أعلن، في وقت سابق، إرسال مزيد من القوات والتعزيزات العسكرية إلى إقليم النيل الأزرق، في إطار مساعيه لاستعادة جميع المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات الدعم السريع».

مسيّرات تهاجم أم درمان

وفي ولاية الخرطوم، أفادت مصادر محلية بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني تصدّت، السبت، لطائرات مسيّرة حاولت استهداف مواقع في مدينة أم درمان، مرجحة أن تكون تلك المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع». كما ذكر سكان في مدينة أم درمان، ثاني أكبر مدن العاصمة الخرطوم، أنهم سمعوا دوي انفجارات متتالية في شمال غربي المدينة، ناجمة عن عمليات اعتراض نفذتها الدفاعات الجوية ضد عدد من الطائرات المسيّرة، دون التمكن من التحقق من طبيعة الأهداف التي كانت تستهدفها.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، شهدت ولاية الخرطوم هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة، تصاعدت وتيرتها خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع عودة آلاف المواطنين إلى منازلهم في الولاية.

Your Premium trial has ended


ليبيون ينشدون إطلاق حملة واسعة لمواجهة الفساد على غرار العراق

من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)
من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

ليبيون ينشدون إطلاق حملة واسعة لمواجهة الفساد على غرار العراق

من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)
من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)

لم يكن أكثر ما استوقف قطاعات واسعة من الليبيين في الحملة الواسعة، التي تشنها السلطات العراقية على مسؤولين وسابقين ومتهمين بالفساد، هو حجم الأموال والمصوغات الذهبية المضبوطة، ولا أسماء المسؤولين الذين طالتهم أوامر القبض، بقدر ما أثاره المشهد نفسه من سؤال تكرر على نطاق واسع: هل يمكن أن يتكرر ذلك في ليبيا؟

جلسة سابقة لمجلس النواب برئاسة صالح وبحضور نائبيه دومة والنويري (مجلس النواب الليبي)

ومع توالي صور المداهمات وإعلانات توقيف نواب ومسؤولين حاليين وسابقين في العراق أخيراً، تحولت الحملة إلى مادة للنقاش داخل الأوساط الليبية، حيث رأى كثيرون فيها نموذجاً ينشدونه في بلدهم المصنف دولياً بين أكثر 5 دول العالم معاناة من الفساد، في ظل تعثر جهود المحاسبة، واستمرار الانقسام السياسي والمؤسسي.

تفاعل ليبي مع الحملة

امتد التفاعل الليبي مع الحملة العراقية، التي يقودها رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، منذ الأسبوع الماضي، من مواقع التواصل إلى شخصيات سياسية وأكاديمية وناشطين ليبيين، رأوا فيها مناسبة لإعادة فتح النقاش بشأن مستقبل مكافحة الفساد في ليبيا.

على سبيل المثال، استغل رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، الحملة العراقية لتوجيه انتقادات إلى أعضاء مجلس النواب، الذين طال بقاؤهم لأكثر من 12 عاماً، عاداً أن بعضهم يتصرف وكأنه بمنأى عن القانون والمحاسبة، بينما رأى الناشط السياسي المبروك السويح أن «التجربة الليبية تعثرت رغم استلهامها النموذج العراقي عند تأسيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عام 2014، بسبب الانقسام السياسي الذي ضرب البلاد».

تحدثت لجان خبراء المنظمة الدولية عن مظاهر فساد على نطاق واسع خصوصاً في قطاع النفط (رويترز)

في المقابل، توقع الخبير في إصلاح النظام الصحي، هاشم بالخير، إطلاق حملة مماثلة في ليبيا، فيما ذهب المدون عبد القادر الفارسي إلى استعجال انطلاق هذه الحملة والتساؤل عن موعدها. أما الباحث السياسي، محمد الأمين، فقد اختصر هذه الأمنيات بقوله: «المرآة عراقية... والوجع ليبي».

وتأتي هذه الأصداء بينما لا تزال ليبيا تسجل تراجعاً في مؤشرات مكافحة الفساد الدولية؛ إذ أظهر أحدث تصنيف لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية تراجعها إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة في عام 2025.

ولا تبدو هذه المقارنات بعيدة عن واقع ترصده تقارير الأمم المتحدة بصورة متكررة؛ إذ لطالما تحدثت لجان خبراء المنظمة الدولية في تقاريرها السنوية عن مظاهر فساد على نطاق واسع، خصوصاً في قطاع النفط وسوء الإدارة، علماً بأن النفط يمثل نحو 95 في المائة من إيرادات الدولة الليبية.

ولم تقتصر التحذيرات من استفحال الفساد في ليبيا على التقارير الدولية، بل تكررت على لسان كبار المسؤولين الأمميين السابقين والحاليين المعنيين بالملف الليبي.

المبعوثة الأممية إلى ليبيا حذرت من أن «الفساد الذي يصب في مصالح خاصة يؤثر على التنمية» (غيتي)

فقد سبق أن حذرت المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، من أن «الفساد الذي يصب في مصالح خاصة يؤثر على التنمية»، فيما وصفت الممثلة الخاصة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة، ستيفاني ويليامز، ما تشهده البلاد بأنه «فساد فظيع وسوء الإدارة في جميع أنحاء البلاد».

أما المبعوث الأممي الأسبق، غسان سلامة، فقد رسم صورة أكثر قتامة عندما قال في تصريحات سابقة إن «حجم الفساد في ليبيا لا يمكن تصوره... كل يوم هناك مليونير جديد».

تشابه بين التجربتين العراقية والليبية

هنا يرى عبد الرحيم الشيباني، عضو الحوار السياسي الليبي الذي رعته الأمم المتحدة، أن هناك أوجهاً من التشابه بين التجربتين العراقية والليبية، تتمثل في سقوط نظامين شموليين كانا يحتكران إدارة الموارد العام في بلدين نفطيين (إشارة إلى نظامي الرئيسين معمر القذافي وصدام حسين في البلدين). وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «نتائج الحوار السياسي المهيكل برعاية الأمم المتحدة الذي شارك فيه «تضمنت معالجات مهمة لتعزيز دور الأجهزة الرقابية ومكافحة الفساد»، لكنه عاد ليؤكد أن «الإرادة السياسية تظل المؤشر الحقيقي على انتقال الدولة إلى مرحلة جديدة في مكافحة الفساد».

ومن منظور الشيباني، «فمن المستبعد بلوغ تقدم حقيقي في مكافحة الفساد في ليبيا من دون إنهاء الانقسام السياسي؛ لأن ذلك سيمهد لإعادة هيكلة الاقتصاد، وبناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر استقراراً».

ويأتي هذا التفاعل الليبي بالتزامن مع تأكيد رئيس الوزراء العراقي استمرار حكومته في ملاحقة المتهمين بالفساد واسترداد الأموال العامة، بعد حملة شملت مسؤولين ونواباً حاليين وسابقين، إلى جانب مسؤولين كبار في قطاع النفط، وأسفرت عن ضبط مبالغ مالية كبيرة ومصوغات ذهبية، استناداً إلى مذكرات قضائية.

نائبتا المبعوثة الأممية ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون خلال لقاء مع رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

ووسط الإشادة الواسعة بالحملة العراقية، يرى خالد الزنتوني، الرئيس السابق لـ«شركة الاستثمارات الخارجية والمحفظة طويلة المدى»، أن الفساد ليس ظاهرة تخص العراق أو ليبيا وحدهما. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الفساد موجود في كثير من دول العالم، حتى في بعض الدول المتقدمة والعربية، ومؤشرات الشفافية الدولية تؤكد اتساع هذه الظاهرة، لكن الفارق يكمن في قدرة الدول على مكافحتها».

وأعرب الزنتوني عن الأسف من أن «مفهوم الفساد أصبح محل تباين في الفهم، حتى إن بعض الممارسات باتت تُبرر، رغم أنها تشكل جرائم واضحة، مثل تقاضي العمولات على العقود الحكومية، أو إساءة استخدام الاعتمادات المستندية، أو الأنشطة المرتبطة بالسوق الموازية، التي أسهمت في تراجع قيمة الدينار الليبي نتيجة عمليات غسل الأموال».

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

ومع ذلك، يشير الزنتوني إلى أن «مكتب النائب العام يقود خلال الفترة الأخيرة جهوداً إيجابية في مكافحة الفساد، من بينها التحقيقات المتعلقة بتهريب الوقود، التي انتهت إلى توجيه اتهامات لعدد من المتورطين، لكن الطريق لا يزال طويلاً ومعقداً بسبب التعقيدات الأمنية والسياسية، وأحياناً الاجتماعية».

وشدد الزنتوني على «ضرورة دعم الأجهزة القضائية وتمكينها من أداء دورها، وتعاون السلطتين التشريعية والتنفيذية مع مكتب النائب العام وسائر الجهات المختصة، بما يضمن ممارسة مهامها بحرية وعدالة، ومن دون توفير أي حصانة أو حماية لأي متورط، أياً كان موقعه».

أما الشيباني فلا يرى خياراً سوى الوفاء بمتطلبات أساسية لمكافحة الفساد، من بينها «تشريعات تمنح الدولة القدرة على ملاحقة المتورطين وفق إجراءات قانونية عادلة، مع ضمان حقوق الدفاع، إلى جانب تطوير المنظومات الرقابية بما يتوافق مع المعايير الدولية، وتدريب الكوادر المختصة، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل الدور الرقابي لمجلس النواب، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة في إدارة المال العام».

كما دعا إلى «التعاون مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الشفافية الدولية، وإنشاء قواعد بيانات موثوقة تساعد على قياس مؤشرات النزاهة، والتأكد من التزام المؤسسات بمعايير الشفافية والإفصاح المالي».


حكم بحبس طبيبة مصرية زعمت وجود «انتهاكات» في مستشفى جامعي

مبنى جامعة الإسكندرية (الشرق الأوسط)
مبنى جامعة الإسكندرية (الشرق الأوسط)
TT

حكم بحبس طبيبة مصرية زعمت وجود «انتهاكات» في مستشفى جامعي

مبنى جامعة الإسكندرية (الشرق الأوسط)
مبنى جامعة الإسكندرية (الشرق الأوسط)

أصدرت محكمة مصرية حكماً بحبس طبيبة شابة زعمت وجود «انتهاكات» في مستشفى جامعي، لمدة 6 أشهر وغرامة 20 ألف جنيه (الدولار يساوي 49 جنيهاً) بتهمة «نشر أخبار كاذبة عن (مستشفى الشاطبي) بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر) عبر مواقع التواصل الاجتماعي من شأنها تكدير الأمن العام».

إلا أن المحكمة الاقتصادية في الإسكندرية قررت في حكمها، السبت، «إيقاف تنفيذ عقوبة الحبس لمدة 3 أعوام»، وفق ما نقلت وسائل إعلام محلية.

كانت الطبيبة الشابة أشارت في تدوينة عبر صفحتها على «فيسبوك»، الشهر الماضي، إلى «تجاوزات» قالت إنها شهدتها داخل «مستشفى الشاطبي الجامعي» حين كانت في مرحلة الامتياز عام 2021، تضمنت كذلك التدخل بإجراءات طبية غير ضرورية دون إذن المرضى، والامتناع عن أداء الخدمة أو التهديد بالامتناع عنها.

وتسببت ادعاءات الطبيبة في حالة من البلبلة والفزع بين المواطنين، أعقبها قيام «جامعة الإسكندرية» بفتح تحقيق في الاتهامات. وأكدت حينها «احتفاظها بحقها القانوني حال ثبوت عدم صحة هذه الاتهامات».

كما أعلنت «نقابة الأطباء» أنها «لم تتلق أي شكاوى رسمية عمَّا هو متداول على وسائل التواصل الاجتماعي»، ودعت في بيان رسمي لها حينها «كل من يمتلك معلومات أو أدلة أو تعرَّض لواقعة تستوجب التحقيق إلى تقديم شكوى رسمية موثقة إلى نقابة الأطباء، أو إدارة المستشفى، أو كلية الطب في جامعة الإسكندرية، أو الجهات الرقابية المختصة، أو النيابة العامة، لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة».

مسؤولون من وزارة الصحة خلال تفقد مستشفيات في محافظة كفر الشيخ في سبتمبر الماضي (وزارة الصحة)

وتنقسم تبعية المستشفيات العامة في مصر إلى وزارة الصحة، التي تشرف على النسبة الأكبر من المستشفيات، ووزارة التعليم العالي، التي تتولى الإشراف على عدد من المستشفيات الجامعية التي تقدم خدمات للمواطنين، ويجري فيها تدريب الأطباء في مرحلة الامتياز قبل تخصصهم في القطاعات الطبية المختلفة.

وكانت النيابة العامة قد أحالت الطبيبة الشابة إلى المحاكمة الجنائية. ووفق التحقيقات في القضية أبلغ مدير الشؤون القانونية بمستشفيات «جامعة الإسكندرية»، النيابة العامة، «عدم تلقي إدارة المستشفى أو أي من قطاعاتها أي شكاوى أو بلاغات من المريضات تشير إلى وقوع أي تجاوزات أثناء مباشرة الإجراءات الطبية».

كما باشرت النيابة العامة فحصاً فنياً دقيقاً للحساب الإلكتروني الذي نشر تلك الادعاءات، حيث استمعت لأقوال القائمين على الفحص الفني. وبمواجهة المتهمة بحسب التحقيقات، «أقرت بأنها مالكة الحساب الإلكتروني وكاتبة المنشور، وأنها خريجة كلية الطب وأدت فترة التكليف بمستشفيات جامعة الإسكندرية خلال عامي 2020 و2021، قضت منها شهرين بقسم النساء والتوليد».

وبررت المتهمة منشورها بأنها شاهدت بعض الإجراءات الطبية التي ظنت «بسبب قلة خبرتها وحداثة عهدها بالممارسة» أنها غير معتادة أو غير مرخص بها. كما أضافت أن «من المعلومات التي تضمنها المنشور ما لم تشاهده بنفسها، وإنما نقل إليها من أشخاص لا تستطيع تحديدهم، ولم تتحقق من صحة تلك الوقائع قبل نشرها».

أطباء داخل مستشفى قصر العيني بالقاهرة (المستشفى)

وخضعت أكثر من 13 ألف سيدة لعمليات ولادة طبيعية وقيصرية داخل «مستشفى الشاطبي» الجامعي خلال عام 2025، حسب بيانات رسمية. كما يخدم المستشفى المقيمين في نطاق 4 محافظات هي الإسكندرية، ومطروح، والبحيرة، وكفر الشيخ، حيث استقبل أكثر من 24 ألف حالة طارئة في عام 2025، وتردد على العيادات الخارجية أكثر من 21 ألف مريض خلال العام نفسه، وفق «جامعة الإسكندرية».

وكانت النيابة قد أكدت في بيان لها أخيراً أن «حرية الرأي والنشر مكفولة في إطار أحكام القانون، إلا أن نشر الأخبار الكاذبة أو المضللة، متى كان من شأنه إثارة الفزع بين المواطنين، أو تكدير السلم والأمن العام، يوجب المساءلة القانونية». وناشدت المواطنين «ضرورة تحري الدقة والتثبت من صحة المعلومات قبل نشرها أو تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

كما نشرت «جامعة الإسكندرية» حينها عدة طرق يمكن من خلالها تقديم الشكاوى والشهادات الموثقة، مشددة على الحفاظ على سرية بيانات المُبلغين. وأكدت «الفحص الدقيق وفق المستندات والأدلة المتاحة، لما يتم تداوله، بما يضمن الوصول للحقائق كاملة دون اجتزاء أو استباق لنتائج التحقيق».