عزوف قياسي عن الانتخابات يرسم ملامح برلمان الجزائر الجديد

الاقتراع سجّل أدنى معدل مشاركة رغم عودة أحزاب المعارضة للصناديق

الأرقام في الساعات الأولى من فتح الصناديق (سلطة الانتخابات)
الأرقام في الساعات الأولى من فتح الصناديق (سلطة الانتخابات)
TT

عزوف قياسي عن الانتخابات يرسم ملامح برلمان الجزائر الجديد

الأرقام في الساعات الأولى من فتح الصناديق (سلطة الانتخابات)
الأرقام في الساعات الأولى من فتح الصناديق (سلطة الانتخابات)

أعلنت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر، مساء الخميس، النتائج الأولية لفرز الأصوات، والتي أظهرت أن نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية بلغت نحو 20.79 في المائة، في مؤشر يعكس ضعف الإقبال على هذا الاستحقاق الانتخابي.

الرئيس الجزائري في مكتب التصويت (الرئاسة)

ودُعي 24.8 مليون جزائري إلى الاقتراع في 2 يوليو (تموز) لتجديد أعضاء «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة السفلى للبرلمان)، البالغ عدد مقاعده 407، لعهدة مدتها 5 سنوات، بمشاركة 35 حزباً سياسياً قدمت قوائم مرشحيها، بما في ذلك بعض الأحزاب التي كانت قد قاطعت الانتخابات التشريعية السابقة عام 2021.

أما بالنسبة إلى تصويت الجزائريين المقيمين في الخارج، فقد بلغت نسبة المشاركة 10.67 في المائة، وفق الأرقام التي قدمها رئيس «سلطة الانتخابات» بالنيابة، كريم خلفان، الذي صرّح بأنها «مؤقتة وستتغير وتتحرك بالتأكيد»، في إشارة إلى احتمال ارتفاعها، لا سيما أن النتائج الكاملة لم ترد بعد من بعض الولايات المستحدثة منذ أشهر قليلة.

ماذا قالت الأرقام؟

ووصفت وسائل الإعلام الحكومية والخاصة مجريات الانتخابات بأنها شهدت «توافداً ملحوظاً ومستمراً للمنتخبين في ظروف تنظيمية محكمة وأجواء جيدة»، مع تسجيل نسبة مشاركة بلغت 3.05 في المائة في حدود الساعة العاشرة صباحاً، أي بعد ساعتين من فتح مكاتب التصويت.

حرم الرئيس الجزائري تدلي بصوتها في مكتب الانتخاب وسط العاصمة (الرئاسة)

وفي حدود الساعة الثالثة بعد الظهر، بلغت نسبة المشاركة 11.24 في المائة على المستوى الوطني، ونحو 10 في المائة في أوساط الجالية الجزائرية المقيمة في الخارج، وفقاً للبيانات التي نشرتها الهيئة المكلفة بتنظيم العمليات الانتخابية. وفي المساء، أظهر فرز أولي أجرته السلطات أن نسبة المشاركة الإجمالية بلغت 20.79 في المائة، وهو مستوى قد يُمثل أدنى معدل تاريخي إذا تأكد رسمياً، علماً بأن نسبة المشاركة في انتخابات عام 2021 استقرت عند 23 في المائة، وكانت تُعد الأدنى في تاريخ البلاد.

وأمام ضعف الإقبال، مددت السلطات، الخميس، فترة التصويت ساعة إضافية، كما دعا وزير الداخلية، سعيد سعيود، في ختام اليوم المواطنين إلى التوجه بكثافة إلى صناديق الاقتراع.

سكرتير حزب «جبهة القوى الاشتراكية» العائد للانتخابات (إعلام حزبي)

وشارك نحو 10 آلاف مرشح في هذه الانتخابات التشريعية، توزعوا بين 35 حزباً سياسياً، وتحالف واحد، وأكثر من 100 قائمة مستقلة. ولوحظ في هذه الدورة ارتفاع عدد المرشحات النساء؛ حيث مثلن 21 في المائة من إجمالي الترشيحات، في حين كان أكثر من نصف المرشحين دون سن الأربعين، وفق ما يقتضيه قانون الانتخابات.

وبعد أن أدلى بصوته في الصبيحة، صرح الرئيس عبد المجيد تبون بأن الاقتراع جرى في ظروف جيدة، مؤكداً في الوقت ذاته أنه «لم يشتكِ أي مرشح أو حزب من التزوير أو تحويل للأصوات».

جزائرية تدلي بصوتها قبيل ساعات من الإعلان عن غلق مراكز الاقتراع (أ.ف.ب)

يُذكر أن 4 أحزاب سياسية كانت قد قاطعت الانتخابات التشريعية لعام 2021، التي بلغت نسبة المشاركة فيها 23 في المائة، وهي الأولى التي نُظمت بعد الحراك الشعبي عام 2019، عادت للمشاركة في هذا الاستحقاق، وهي: «جبهة القوى الاشتراكية»، و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، و«حزب العمال»، و«جبهة العدالة والتنمية». غير أن اللافت أن عودتها إلى المعترك الانتخابي لم تشجع الناخبين على التصويت بكثافة.

وخلال الحملة الانتخابية، شكّلت الدعوات إلى المشاركة في التصويت محوراً أساسياً في خطابات الأحزاب السياسية، ولا سيما تلك المقربة من السلطة، وفي مقدمتها «جبهة التحرير الوطني».

وحتى الساعة الثالثة بعد ظهر الجمعة، لم تكن النتائج الكاملة قد أُعلنت، ولا سيما ما يتعلق بحصة كل حزب من المقاعد، فيما يُنتظر إعلانها خلال الليل، على أن تصدر ردود فعل المشاركين في الانتخابات صباح السبت.

دلالات العزوف السياسي

وتوالت ردود المحللين وقراءات المتابعين للانتخابات منذ الإعلان عن نتائجها عبر حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

وكتب أستاذ علم الاجتماع السياسي، نوري إدريس، في هذا السياق: «حتى قبل الإعلان الرسمي عن نسبة المشاركة الوطنية في الانتخابات التشريعية، كان من السهل التنبؤ بضعف هذا الإقبال واستمرار منحاه التنازلي؛ إذ لا يمكن، منطقياً، أن نطلب من المواطنين مشاركة سياسية عبر صناديق الاقتراع، في وقت يُمنعون فيه من ممارسة السياسة في الفضاء العام».

رئيس سلطة الانتخابات بالنيابة (السلطة)

وحسب إدريس، «تعني ممارسة الفعل السياسي بالضرورة فتح باب النقاش والنقد، وضمان حق التجمع وحرية التعبير، وإتاحة انتقاد السياسات العمومية علناً وعبر وسائل الإعلام. غير أن الواقع أظهر أن الحملة الانتخابية لآلاف المترشحين وعشرات الأحزاب قد خلت تماماً من أي سجال سياسي حقيقي أو نقاش جاد، وغاب عنها نقد سياسات الحكومة الحالية. فكيف إذن نطلب من الجزائريين انخراطاً سياسياً في حدث أُفرغ أساساً من أبعاده ومضامينه السياسية؟».

وأضاف إدريس قائلاً: «مبعث الخوف الأكبر اليوم هو أن تهجر السياسة منابرها الرسمية والقانونية لتسكن الأقبية والسراديب الخلفية التي لا تخضع لأي قانون أو وازع. وإن إضفاء الطابع السلمي والمؤسساتي على الحقل السياسي يمر حتماً عبر احترام حق الناس في العمل السياسي، وعبر دسترة وتقنين قواعد اللعبة. وهنا تبرز أهمية القضاء المستقل والصحافة الحرة، فهما الركيزتان الكفيلتان بضمان حق المجتمع في السياسة، عبر السهر على احترام الجميع لقواعد لعبة سياسية عادلة ونزيهة».

من جهته، أكد برلماني الجالية في فرنسا خلال العهدة البرلمانية المنتهية، عبد الوهاب يعقوبي، أن النتائج «تكشف عن معطى سياسي ودستوري بالغ الدلالة، لا يمكن اختزاله في مجرد أرقام فنية مرتبطة بمسار انتخابي عادي. فحين يمتنع ما يقارب 4 أخماس الهيئة الناخبة عن التوجه إلى صناديق الاقتراع، فإن الأمر يتجاوز مفهوم العزوف الانتخابي التقليدي، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة».

زعيمة حزب «العمال» العائد إلى المسار الانتخابي (إعلام حزبي)

وأوضح يعقوبي، الذي ينتمي لحزب «حركة مجتمع السلم»، بأن «الأزمات السياسية لا تبدأ فقط عندما تنخفض الأرقام، بل تبدأ عندما يتحول الامتناع عن المشاركة من سلوك فردي إلى رسالة سياسية جماعية، وعندما تصبح المشاركة في نظر جزء من المواطنين إجراءً شكلياً، لا يفضي إلى تغيير حقيقي في موازين القرار والتأثير».

بدوره، كتب الناشط السياسي والمخرج السينمائي المعروف، بشير درايس: «لديَّ شعور بأن نسبة المشاركة هذه تُعد على الأرجح واحدة من أدنى النسب المسجلة منذ الاستقلال، وهذا يعني أن أقلية ستتولى الحكم والقرار والتشريع لغالبية ساحقة لم تعبر عن رأيها عبر صناديق الاقتراع»، مؤكداً أن «الدرس الحقيقي المستخلص من هذه الانتخابات هو التالي: إن حبل الثقة بين المواطنين والسياسة يبدو اليوم مقطوعاً تماماً».


مقالات ذات صلة

«الدوري الفرنسي»: الجزائري عمورة يمنح نيس انتصاره الأول

رياضة عالمية الجزائري محمد الأمين عمورة يحتفل بهدف نيس الثاني في مرمى ليل (أ.ف.ب)

«الدوري الفرنسي»: الجزائري عمورة يمنح نيس انتصاره الأول

سجّل المهاجم الجزائري محمد الأمين عمورة هدفاً ليمنح فريقه نيس أول انتصار له في الدوري الفرنسي لكرة القدم هذا الموسم بفوز ثمين على ليل.

«الشرق الأوسط» (نيس (فرنسا))
شمال افريقيا صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

أثار حبس ناشطة وأستاذة للُّغة الأمازيغية في الجزائر موجة جدل حقوقي وسياسي واسع، بعد احتجازها بسبب منشور متصل بالانتخابات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبعة الكبار بإيطاليا في يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

تقرير يكشف حجم تداعيات الأزمة الجزائرية - الفرنسية على العلاقات الاقتصادية

تتواصل الأزمة الجزائرية الفرنسية منذ أكثر من عامين، مخلّفة تداعيات مباشرة على العلاقات الاقتصادية، أبرزها تراجع حضور المؤسسات الفرنسية في السوق الجزائرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

الكاتب صنصال يفجّر الجدل بإعلان مواقف تصعيدية ضد الجزائر

عاد الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال إلى واجهة الجدل الإعلامي بتصريحات صحافية في فرنسا أعرب فيها عن رفضه القاطع للعفو الرئاسي الذي استفاد منه.

شمال افريقيا من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)

«ملف حارق» يختبر التشريع الجديد أمام البرلمان الجزائري

يشرع البرلمان الجزائري الجديد، المنبثق عن الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، في أعماله اليوم الأربعاء ضمن دورته التشريعية الأولى

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.