الجيش السوداني ينقل المعركة مجدداً إلى دارفور

أنباء عن تقدمه نحو مدينة الجنينة عاصمة غرب الإقليم

أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب)
أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني ينقل المعركة مجدداً إلى دارفور

أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب)
أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب)

تجددت المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في عدة محاور بإقليم دارفور غربي البلاد، في تطور ميداني يأتي بالتزامن مع تصاعد التوترات حول مدينة الأُبيِّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي تشهد استعدادات عسكرية متزايدة من الطرفين.

ونفذ الجيش السوداني والقوات المشتركة المتحالفة معه من حركات الكفاح المسلح، خلال اليومين الماضيين، عمليات عسكرية في ولايتي غرب وشمال دارفور، استهدفت مناطق حدودية واستراتيجية، في إطار مساعٍ لتعزيز نفوذها الميداني وفتح جبهات جديدة للقتال، وتشير مصادر محلية إلى أن قوات الجيش تقترب من مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، تحت غطاء جوي من الطيران الحربي الذي نفذ غارات استهدفت عدداً من المواقع العسكرية داخل المدينة. ويُعد هذا التحرك من أبرز التطورات العسكرية التي يحققها الجيش السوداني في إقليم دارفور منذ أشهر، في ظل استمرار المعارك واتساع رقعة المواجهات بين الطرفين في مناطق متفرقة من البلاد.

نساء نازحات من جنوب كردفان هرباً من الحرب يجلسن على الأرض في مدينة الأبيض 15 يناير (رويترز)

وتأتي المعارك في دارفور في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مدينة الأُبيِّض، التي تشهد تصعيداً عسكرياً متزايداً، مع استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة وتكثيف الحشود العسكرية على الأرض، رغم الدعوات الدولية المطالبة بوقف العمليات العسكرية وتجنب اتساع رقعة النزاع.

وقال رئيس هيئة أركان الجيش السوداني السابق، هاشم عبد المطلب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الجيش والقوات المتحالفة معه نفذوا ما وصفه بـ«مناورة ناجحة» أعادت المعارك إلى إقليم دارفور، معتبراً أن هذه الخطوة تعكس تطوراً في إدارة العمليات العسكرية. وأضاف عبد المطلب أن الجيش تمكن من استعادة زمام المبادرة، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة تطورات ميدانية جديدة في دارفور، مشيراً إلى أن التقدم الأخير في غرب وشمال الإقليم يأتي ضمن خطط عسكرية أعلن عنها سابقاً مساعد القائد العام للجيش، الفريق ياسر العطا.

وكانت القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش قد أعلنت، الاثنين، سيطرتها على مدينة كلبس بولاية غرب دارفور، الواقعة على الحدود مع تشاد، فيما أكدت استمرار سيطرتها على مناطق الطينة وكرنوي وأمبرو في شمال الإقليم.

وفي المقابل، أعلن الجيش السوداني تنفيذ عمليات عسكرية في عدة محاور بدارفور وكردفان والنيل الأزرق، قال إنها أسفرت عن إلحاق خسائر كبيرة بـ«قوات الدعم السريع»، بينما لم يصدر تعليق فوري من الأخيرة بشأن تلك العمليات.

الجنينة في الأفق

وفي السياق ذاته، قالت «تنسيقية لجان مقاومة الفاشر»، وهي مجموعة محلية، في بيان نشرته على صفحتها بموقع «فيسبوك»، إن قوات الجيش السوداني تقترب من مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، تحت غطاء جوي من الطيران الحربي الذي نفذ غارات استهدفت عدداً من المواقع العسكرية داخل المدينة.

وكانت «قوات الدعم السريع» قد أحكمت سيطرتها على مدينة كلبس وعدد من البلدات المحيطة بها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وتقع المدينة على بعد نحو 140 كيلومتراً من مدينة الجنينة.

من جانبه، قال الخبير العسكري عبد الله محمد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن تجدد القتال في إقليم دارفور من شأنه إطالة أمد الصراع وتوسيع نطاقه، بما قد يدفع الحرب إلى مرحلة جديدة تتسم بمزيد من العنف والتصعيد العسكري. وأضاف أن أحد الأهداف الرئيسية في الحروب يتمثل في حرمان الخصم من خطوط الإمداد والمواقع الاستراتيجية التي يعتمد عليها في الدعم العسكري، مشيراً إلى أن تحركات الجيش في غرب دارفور قد تندرج ضمن مساعيه لاستعادة السيطرة على المناطق الحدودية مع تشاد.

في المقابل، رأى المتحدث باسم «حركة جيش تحرير السودان»، محمد الناير، أنه من المبكر الحديث عن انتقال المعارك بشكل كامل إلى إقليم دارفور، موضحاً أن ما جرى في مدينة كلبس تمثل، بحسب وصفه، في عملية توغل نفذتها مجموعات تابعة للقوات المشتركة المتحالفة مع الجيش، استمرت لساعات قبل أن تنسحب عقب وصول تعزيزات كبيرة لـ«قوات الدعم السريع» وحلفائها إلى المنطقة.

وأشار الناير إلى أن الهدف من هذه العمليات يتمثل في إشغال «قوات الدعم السريع» بمعارك استنزاف داخل مناطق سيطرتها في دارفور، بما يحد من قدرتها على مواصلة عملياتها العسكرية في إقليمي كردفان والنيل الأزرق.

من جهتها، حذرت «حركة تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد محمد نور، التي تسيطر على مناطق في جبل مرة وشمال دارفور، من أن الهجمات التي تشنها القوات المتمركزة في منطقتي الطينة وأمبرو قد تدفع «قوات الدعم السريع» إلى تنفيذ عمليات عسكرية واسعة تستهدف القضاء على تلك القوات في معاقلها والسيطرة على مناطق نفوذها.

وفي موازاة ذلك، بثت «قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي أظهرت انتشار عناصرها في منطقة جبل مون، التي كانت القوات المشتركة قد أعلنت في وقت سابق السيطرة عليها.

وتفرض «قوات الدعم السريع» سيطرتها على الولايات الخمس لإقليم دارفور، منذ إحكام قبضتها على مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور أواخر العام الماضي، باستثناء جيوب محدودة لا تزال تحت سيطرة القوات المشتركة أو مجموعات محلية، فيما تواصل عملياتها العسكرية في إقليمي كردفان والنيل الأزرق.


مقالات ذات صلة

«الخارجية المصرية» لـ«الشرق الأوسط»: العلاقات مع السودان عميقة وممتدة

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)

«الخارجية المصرية» لـ«الشرق الأوسط»: العلاقات مع السودان عميقة وممتدة

أكدت مصر على متانة العلاقات مع السودان واستمرار التنسيق بالملفات الاستراتيجية بعد حادثين متتالين أحدهما يخص منقبين سودانيين والآخر بشأن سائقين مصريين

محمد الريس (القاهرة )
تحليل إخباري جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)

تحليل إخباري «الدهّابة» على الحدود المصرية-السودانية... مخاطر أمنية وتشابكات معقّدة

ثلاث مراحل دشَّنها الجيش المصري، منذ يونيو (حزيران) حتى أكتوبر (تشرين الأول) في مواجهة ظاهرة «الدهّابة» على الحدود مع السودان، مع تنامي التنقيب غير المشروع هناك

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فتى سوداني يمسك وعاء للحصول على طعام من مطبخ خيري بالخرطوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)

قوى سودانية تبحث مع «الآلية الخماسية» سبل وقف الحرب

بحث وفد «إعلان المبادئ السوداني» بأديس أبابا مع «الآلية الخماسية» إنهاء الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

تحذيرات رسمية في مصر من محاولات إحداث «وقيعة» مع السودان

تواترت التحذيرات المصرية من محاولات «الوقيعة» مع السودان على خلفية الجدل الذي صاحب استهداف «منقبين عن الذهب والمعادن» قرب الحدود المصرية - السودانية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جنود بمطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

السلطات السودانية تحقق في مقتل مصريَّين بالخرطوم

فتحت السلطات السودانية تحقيقاً رسمياً في حادث إطلاق نار أدى إلى مقتل مصريين وإصابة ثالث في السوق المحلية جنوب العاصمة الخرطوم.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

سلطات شرق ليبيا أعدمت 31 شخصاً منذ أغسطس الماضي

أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)
أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)
TT

سلطات شرق ليبيا أعدمت 31 شخصاً منذ أغسطس الماضي

أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)
أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)

أفادت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الأربعاء، بأن السلطات العسكرية في الشرق الليبي أعدمت 31 شخصاً على الأقل منذ أواخر أغسطس (آب) الماضي، مشيرة إلى أن عمليات الإعدام هذه هي الأولى التي يُعلَن عنها في ليبيا ككل منذ 2010.

وبحسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد نددت المنظمة في بيان بإقدام القوات الخاضعة لسيطرة المشير خليفة حفتر، والمسيطرة على شرق ليبيا، وجنوبها على إعدام هؤلاء الأشخاص «عقب محاكمات عسكرية جائرة للغاية»، وتفتقر بوضوح إلى «معايير العدالة».

وإذ لاحظت بأن هذه الحالات تشكّل «أول عمليات إعدام معروفة في ليبيا منذ عام 2010»، نبّهت إلى أن «ما لا يقل عن 50 شخصاً آخرين محتجزين في سجن قرنادة العسكري، عرضة لخطر الإعدام الوشيك»، لكنها لم توضح مزيداً من التفاصيل عن زمان ومكان إعدامهم.

وتشهد ليبيا فوضى أمنية وانقساماً سياسياً ومؤسساتياً منذ سقوط معمر القذافي ومقتله عام 2011. وتسيطر قوات المشير خليفة حفتر على شرق البلاد، حيث توجد حكومة مدعومة منه، فيما تدير الغرب حكومة مقرّها طرابلس، برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

ويواجه معظم مؤسسات الإصلاح والتأهيل (السجون) في ليبيا، اتهامات متكررة من منظمات حقوقية محلية ودولية، بتسجيل انتهاكات «جسيمة» لحقوقهم، تصل إلى حد وفاتهم جراء التعذيب، إلى جانب «تنفيذ أحكام عسكرية بالسجن أو الإعدام بحق بعضهم، لا تستوفي الإجراءات القضائية اللازمة»، خاصة في الشرق حيث تسيطر قوات حفتر.

ويقع سجن قرنادة على بعد نحو مائة كيلومتر شمال شرقي بنغازي، ويخضع في معظمه لسيطرة عسكرية، مما يجعله خارج نطاق اختصاص السلطات القضائية. وغالباً ما تثار اتهامات لهذا السجن بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من بينها ممارسات تعذيب وسوء معاملة.

واتهم نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، بسام خواجا، قوات حفتر بإعدام أشخاص «بعد محاكمات سرية بنيت على اعترافات يزعم انتزاعها بالتعذيب، أمام محاكم قالت المحكمة العليا الليبية نفسها إنها ينبغي ألا تحاكم المدنيين».

ورأى خواجا أن «كل إعدام ينفذ في هذه الظروف ظلم لا رجعة فيه، وعلى كل حكومة لها نفوذ على القوات المسلحة، الضغط بشدة لمنع الإعدام التالي».

ولا تزال عقوبة الإعدام سارية في ليبيا، إذ ينص عليها قانون العقوبات لجرائم القتل والأعمال الإرهابية والمساس بأمن الدولة. وتصدر المحاكم الليبية أحكاماً بالإعدام، إلا أنها ظلت، حتى الآن، غير منفذة.

وإذ لاحظ خواجا أن «ليبيا لم تنفذ أي حكم بالإعدام طوال 15 عاماً»، أسف لكسر هذا التوقف عن التنفيذ «في غضون بضعة أسابيع»، وشدّد على أن «حياة ما لا يقل عن 50 شخصاً آخرين باتت مرهونة بقرار قوات حفتر، والحكومات التي تدعمها، بشأن ما إذا كانت ستضع حدّاً لعمليات الإعدام هذه أم لا».

وأشارت المنظمة غير الحكومية إلى أن عائلات المتهمين لم تتلق أي إخطار سلفاً بموعد تنفيذ الإعدامات، وإلى أن السلطات في شرق ليبيا رفضت تسليم جثامين من أعدموا، وطلبت من أقاربهم تأكيد هوياتهم، ثم دفنتهم من دون حضور العائلات، وحذرت الأقارب من إقامة جنازات.


تحرك برلماني في مصر لكشف أسباب التراجع بمؤشرات «مكافحة الفساد»

مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)
مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)
TT

تحرك برلماني في مصر لكشف أسباب التراجع بمؤشرات «مكافحة الفساد»

مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)
مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)

قدّم نائب برلماني مصري طلب إحاطة عاجل إلى الحكومة، الأربعاء، لمساءلتها عن أسباب التراجع في مؤشر «مدركات الفساد» العالمي، الذي احتلت بلاده فيه المركز 130 من بين 180 دولة، وما يمثله ذلك من «إهدار للمال العام» في ظل أوضاع جيوسياسية صعبة.

وقال فريدي البياضي، عضو مجلس النواب عن «الحزب المصري الديمقراطي» المعارض، في طلب الإحاطة، إن «الفساد يزداد في مصر، والحكومة مطالبة بكشف حساب».

وصدر مؤشر «مدركات الفساد» عن منظمة الشفافية الدولية في فبراير (شباط) الماضي، وأرجع البياضي تقديم طلب الإحاطة متأخراً عن وقت صدور التقرير إلى إجازة المجلس طيلة 3 أشهر، نافياً ربطه بأي وقائع حديثة تتعلق بالفساد، وفق تصريحه لـ«الشرق الأوسط».

غير أن مراقبين ربطوا هذا الطلب بـ«منتدى مصر 2026»، المقرر إقامته في التاسع عشر من الشهر الحالي.

وتترقب الساحة المصرية عقد «منتدى مصر» التفاعلي لعرض الإنجازات الحكومية. ويتيح المنتدى للمواطنين تقديم تساؤلات واقتراحات عبر موقع خاص به أطلقته الحكومة مطلع الشهر الحالي، وكذلك تسجيل طلبات للمشاركة فيه.

واستقرت مصر في المرتبة 130 بمؤشر «مدركات الفساد» عن العام 2025، وهو المركز نفسه الذي هبطت له في عام 2024، من المركز 108 الذي حققته في 2023، والمركز 94 في عام 2014.

المال العام

ويشير عضو مجلس النواب في طلب الإحاطة، وفق بيان بصفحته على «فيسبوك»، إلى أن «الفساد قد يكون في مشروع يقام بتكلفة أكبر من قيمته، أو في مناقصة تُحسم بالمحسوبية، أو في مسؤول يستغل منصبه، أو إنفاق مال عام دون رقابة».

وأضاف أن مصر أطلقت «الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد» في عام 2014، وأنه بعد مرور أكثر من 10 سنوات من «الاستراتيجيات والمؤتمرات وتصريحات مكافحة الفساد، تراجعنا للوراء بدلاً من تحقيق تقدم في الملف».

ويعتبر الخبير السياسي وعضو البرلمان السابق عماد جاد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المؤشر يعكس عدم إحراز تقدم في مكافحة الفساد، رغم أن مصر لديها منظومة دستورية وقانونية واستراتيجية جامعة وشاملة لمجابهة إهدار المال العام، لكن الأزمة تظل في التطبيق، وليس التشريع.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي الدوري للحكومة في 4 يونيو الماضي (رئاسة مجلس الوزراء)

وتعمل «هيئة الرقابة الإدارية» المستقلة على مكافحة الفساد في مصر، وتعلن من وقت لآخر عن ضبط قضايا متنوعة بين رشاوى واستغلال نفوذ واختلاس وغيرها في قطاعات مختلفة من الدولة.

وفي 14 يوليو (تموز) الماضي، أعلنت الهيئة عن ضبط «تشكيل إجرامي تخصص في الاحتيال الإلكتروني والنصب على المواطنين». وفي التاسع من نفس الشهر، أعلنت عن ضبط مسؤولي 13 شركة زوّروا تخليصات جمركية للإفراج عن 122 رسالة جمركية بالمخالفة للقانون ودون تحصيل الرسوم المستحقة.

وحذّر النائب البرلماني من تأثيرات الفساد على الاستثمار، قائلاً في طلب الإحاطة إن «المستثمر لن يطمئن لبيئة بها محسوبية أو منافسة غير عادلة، والنتيجة فرص عمل أقل واقتصاد أضعف».

الرقابة والمساءلة

وسبق أن أكد مسح لـ«منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» عن عام 2024 الأمر ذاته، إذ أوضح أن «الفساد يقف عائقاً أمام الاستثمار والمنافسة وكفاءة الاقتصاد المصري». ولفت التقرير إلى أن «المشكلة لا تكمن أساساً في غياب القوانين والاستراتيجيات، بل في ضعف تنفيذ الأدوات القائمة، وقصور آليات الإبلاغ والمساءلة والرقابة، وصعوبة الوصول إلى المعلومات».

وقال جاد لـ«الشرق الأوسط»: «البيروقراطية وقلة أعداد موظفي الرقابة تجعل هناك صعوبات في محاصرة الفساد... وعدد القضايا المُعلن عنها قليل مقارنة بحجم الفساد».

وأضاف: «ملف مواجهة الفساد يتطلب أيضاً رفع الأجور بما يتناسب مع الأسعار، حتى يتمكن الموظف من العيش دون أن يلجأ إلى الرشاوى وغيرها من الأشكال».

ولا توجد إحصائيات دورية عن عدد قضايا الفساد التي يتم ضبطها، والقطاعات الأبرز من حيث تفشي الفساد فيها، ونتائج هذه القضايا، أو حجم الأموال المُستردة من مكافحة الفساد؛ غير أن «هيئة الرقابة الإدارية» أشارت في تقرير عن أول 7 أشهر من عام 2019 إلى ضبط 412 قضية جنائية لرشوة واختلاس وتسهيل الاستيلاء على المال العام والتزوير والكسب غير المشروع، كما أعلنت اتخاذ إجراءات قانونية حيال 1433 موظفاً عاماً بسبب انحرافات وظيفية.

وعن المسارات المفترض أن يخوضها طلب الإحاطة الذي قدّمه النائب البياضي، قال: «يُفترض أن تُرسِل الحكومة لجنة لمناقشته مع اللجان المختصة في مجلس النواب، ثم يرد الوزراء المعنيون على ما جاء فيه مع تقديم كشف الحساب»، لكنه أردف قائلاً إن ذلك «غير مضمون... وقد لا ترد الحكومة» على الطلب.


ليبيون يتخوفون من تأثير تراجع الدينار أمام الدولار

يشتكي عدد من الليبيين من ضغوط المعيشة مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع (أ.ف.ب)
يشتكي عدد من الليبيين من ضغوط المعيشة مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع (أ.ف.ب)
TT

ليبيون يتخوفون من تأثير تراجع الدينار أمام الدولار

يشتكي عدد من الليبيين من ضغوط المعيشة مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع (أ.ف.ب)
يشتكي عدد من الليبيين من ضغوط المعيشة مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع (أ.ف.ب)

تزداد المخاوف في ليبيا من تداعيات تراجع قيمة الدينار أمام الدولار على معيشة المواطنين والمالية العامة للدولة، مع استمرار صعود العملة الأميركية في «السوق الموازية»، وبالتزامن مع تجدد تلويح محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي محمد عيسى، بالاستقالة في ظل خلافات بشأن الإنفاق العام، واستنزاف موارد الدولة بالعملة الصعبة، وفق مصدر بـ«المصرف».

وواصل الدولار ارتفاعه في السوق الموازية، الأربعاء، مسجلاً 9.98 دينار مقابل 9.82 دينار مطلع الأسبوع، وفق أسعار متداولة. واتسع الفارق بين السعرين الرسمي والموازي إلى 3.56 دينار، بعدما سجل الدولار في التعاملات الرسمية نحو 6.42 دينار، في مؤشر على اتساع الفجوة بين السوقين.

وامتدت تداعيات ارتفاع الأسعار إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، إذ تداولت صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي أخيراً مقطع فيديو لمواطن من طرابلس وهو يشكو ارتفاع تكلفة وجبة إفطار بسيطة إلى نحو 32 ديناراً، ويؤكد أن طبق البيض بلغ 25 ديناراً، والجبن 4 دنانير، والخبز 4 دنانير، معبّراً عن استيائه من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، في ظل أزمة الدولار، وصعود سعر صرفه أمام الدينار الليبي، وتساءل عن مصير العملة المحلية في ظل هذه التطورات.

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

وتعكس هذه الشكوى جانباً من الضغوط المعيشية التي يواجهها الليبيون، مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع. ويرتبط سعر الصرف بأوضاع السوق المحلية، خصوصاً في بلد يعتمد على الاستيراد لتلبية جانب كبير من احتياجاته، ما يجعل أي زيادة في تكلفة العملة الأجنبية عاملاً ضاغطاً على الأسعار.

وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، إن وصول الدولار إلى عشرة دنانير يعني أن راتب شهر بقيمة ألفي دينار لا تتجاوز قيمته ما يعادل 200 دولار، وفق سعر الصرف الموازي.

وأضاف في منشور عبر صفحته الرسمية بـ«فيسبوك»، مساء الثلاثاء، موضحاً أن هذه القيمة تقل عن مستوى 300 دولار، الذي استند إليه في تقديره لخط الفقر، بما يعكس حجم التراجع في القوة الشرائية للدينار ومستوى معيشة المواطنين.

وفي موازاة الضغوط على سعر الصرف، يتجدد الحديث عن مستقبل إدارة السياسة النقدية، بعدما أفاد مصدر في المصرف المركزي لوسائل إعلام ليبية، مساء الثلاثاء، بأن المحافظ لا يزال متمسكاً بطلب الاعتذار عن الاستمرار في منصبه، بسبب ما وصفه بغياب المساندة الواضحة من مؤسسات الدولة لجهود المصرف، وعدم إقرار إصلاحات تحد من الإنفاق العام، واستنزاف موارد البلاد من النقد الأجنبي.

محافظ مصرف ليبيا المركزي خلال مشاركته باجتماع محافظي دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بانكوك الأربعاء (صفحة المركزي)

وفيما يشارك محافظ المركزي في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، المنعقدة بالعاصمة التايلاندية بانكوك، أوضح المصدر أن استمرار الإنفاق على مختلف الأغراض من دون دراسات تتناسب مع الواقع الاقتصادي، إلى جانب تهريب السلع والمحروقات، عطّل جهود المصرف للدفاع عن سعر الصرف، وأدى إلى بروز عوامل مؤثرة باتت، حسب تقديره، خارج نطاق اختصاصه المباشر. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل هذه المواقف.

وأشار المصدر ذاته إلى تعرض المصرف لضغوط من أطراف في شرق البلاد وغربها للحصول على الأموال، في مقابل عدم الاستجابة لمطالب المحافظ ومجلس الإدارة، الرامية إلى الحد من الإنفاق العام، محذراً من انعكاسات ذلك على الوضع المالي وسعر صرف الدينار.

وهنا استنتج الباحث الاقتصادي، عبد الحميد الفضيل، أن تجدد التلويح بالاستقالة يمثل إشارة إلى خطورة الوضع الاقتصادي، ورجح أن يؤدي استمرار الاختلالات الحالية إلى مزيد من تراجع قيمة الدينار، وربما بوتيرة أسرع، إذا لم تُتخذ إجراءات لمعالجة أسباب الضغط على العملة.

مواطن ليبي يعد عملات ورقية من فئة الدينار الليبي في مصرف الجمهورية الحكومي (الصفحة الرسمية للمصرف)

ورأى الفضيل في منشور عبر «فيسبوك»، مساء الثلاثاء، أن مشاورات المصرف المركزي مع صندوق النقد الدولي كشفت، على ما يبدو، عن معطيات مقلقة بشأن التوسع في الإنفاق العام من جانب حكومتي الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، إلى جانب الإنفاق المرتبط بملف الإعمار.

وعزا الفضيل تعقيد المشهد إلى غياب أفق قريب لتوحيد الإنفاق العام، بالتزامن مع ارتفاع فاتورة المحروقات، وتصدير النفط خارج القنوات الرسمية، فضلاً عن عدم امتثال بعض المصارف التجارية لتعليمات المصرف المركزي، وما وصفه بغياب استقلالية المؤسسة النقدية. وعدّ أن هذه العوامل تحد من قدرة المصرف على كبح استنزاف الاحتياطيات، في ظل ضغوط للحصول على مزيد من الأموال، بما يتجاوز القدرة الاستيعابية للاقتصاد.

في غضون ذلك، شارك محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي محمد عيسى، الأربعاء، في اجتماع محافظي المجموعة الأفريقية مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، وذلك على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، عاصمة تايلاند، بحضور محافظي مصارف مركزية، ووزراء مالية أفارقة ومسؤولين من الصندوق.