الجزائر تنقل مخلفات ألغام الاستعمار إلى واجهة النقاش الدولي

أكثر من 7 آلاف ضحية في قلب شروط «مصالحة الذاكرة» مع فرنسا

الجيش الجزائري ينزغ ألغاماً بغرب البلاد (وزارة الدفاع)
الجيش الجزائري ينزغ ألغاماً بغرب البلاد (وزارة الدفاع)
TT

الجزائر تنقل مخلفات ألغام الاستعمار إلى واجهة النقاش الدولي

الجيش الجزائري ينزغ ألغاماً بغرب البلاد (وزارة الدفاع)
الجيش الجزائري ينزغ ألغاماً بغرب البلاد (وزارة الدفاع)

تضع الجزائر ملف تطهير أراضيها من الألغام ومخلفات التفجيرات النووية الفرنسية في قلب مسعى «مصالحة الذاكرة» مع باريس، وتطرحه شرطاً أساسياً لإرساء علاقات ثنائية طبيعية ومتوازنة بعدما مرت العلاقات بـ«عثرات» كثيرة كان سببها الرئيسي آلام الحقبة الاستعمارية، ومسائل الاعتراف بجرائم الاستعمار، والمطالبة باعتذار رسمي عنها.

وبعد مرور أزيد من 64 عاماً على الاستقلال، لا يزال ملف الألغام المضادة للأفراد الموروثة عن الحقبة الاستعمارية (1830 - 1962) يشغل حيزاً بارزاً في السياسة الخارجية الجزائرية.

فخلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، المنعقدة حالياً في جنيف من 15 يونيو (حزيران) إلى 7 يوليو (تموز)، قال ممثل الجزائر الدائم إدريس لطرش إن هذه القضية «لا تنتمي فحسب إلى الذاكرة التاريخية أو المقاربة الأمنية، بل تظل رهاناً حقيقياً معاصراً لحقوق الإنسان، لا تزال تبعاته تثقل كاهل السكان بالحدود الشرقية والغربية»، حيث زرع الاستعمار 11 مليون لغم، وفق تقارير جزائرية حكومية.

ونقلت «وكالة الأنباء الجزائرية» عن لطرش قوله خلال مداخلة، يوم السبت، في اجتماع حول «آثار الألغام المضادة للأفراد على حقوق الإنسان» إن آثار الألغام المضادة للأفراد لا تقتصر على الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد لتشمل نطاقاً واسعاً من حقوق الإنسان الأساسية. وقال إن التجربة الجزائرية «صاغها إرث ثقيل من نحو 11 مليون لغم مضاد للأفراد، زرعها المستعمر الفرنسي على طول الحدود الشرقية والغربية».

تطهير مساحات ملغمة بالمتفجرات بالحدود الشرقية الجزائرية (وزارة الدفاع)

وترى الجزائر، حسب السفير لطرش، أن مخلفات هذه المتفجرات «تتخطى الخسائر المادية المباشرة، لتطال استدامة الحق في الحياة والصحة والتنمية وحرية التنقل في المناطق التي شهدت هذا التلوث»؛ وتؤكد أن الألغام التي زرعها الاستعمار لا تزال تحصد الأرواح، رغم تطهير أراض شاسعة.

وقال لطرش: «وراء أرقام نزع الألغام تختبئ جراح جسدية، وإعاقات دائمة، وصدمات نفسية، وصعوبات اجتماعية تواجه الناجين وعائلاتهم».

وانتهاء عمليات التطهير لا يعني، حسب السلطات الجزائرية، نهاية مسؤولية فرنسا تجاه الضحايا، خاصة ما يتعلق بدفع التعويضات.

وقد خُصص اجتماع جنيف لبحث «دور مجلس حقوق الإنسان في تعزيز دعم ضحايا الألغام المضادة للأفراد»، بمشاركة عدة دول هي: جنوب أفريقيا، والمملكة المتحدة، والنمسا، وموزمبيق، وبيرو، وكرواتيا، ولبنان، وفانواتو، وأذربيجان، بالإضافة إلى منظمات دولية وإنسانية متخصصة في مكافحة الألغام، كمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وخدمة الأمم المتحدة لمكافحة الألغام، ووحدة دعم اتفاقية حظر الألغام، فضلاً عن منظمات غير حكومية كالحملة الدولية لحظر الألغام، ومركز جنيف الدولي لإزالة الألغام للأغراض الإنسانية.

وزير المجاهدين الجزائري يستمع لعرض عسكري حول نزع الألغام (وزارة الدفاع)

وفي كلمته، شدد السفير الجزائري على أن «العمل ضد الألغام لا يمكن أن يقتصر على تدميرها، فمسار التحرر من الألغام لا ينتهي عند إزالة آخر لغم، بل يمتد ليشمل ضمان دعم شامل ومستدام للضحايا وإعادة إدماجهم الكامل في المجتمع».

والمعروف أن السلطات الاستعمارية الفرنسية أقامت «خط موريس» المكهرب، الذي يحمل اسم وزير الدفاع الفرنسي السابق آندريه موريس، على الحدود مع المغرب على امتداد 700 كيلومتر، ووضعته تحت مراقبة دائمة ابتداء من شهر يوليو 1957، من خلال زرع حقول من الألغام، وتم تعزيزه بـ«خط شال»، نسبة إلى الجنرال موريس شال، على الحدود الشرقية مع تونس وليبيا بطول 460 كيلومتراً بين 1958 و1960.

وفي 2019، رفعت الحكومة الجزائرية تقريراً إلى الأمم المتحدة يتناول «الجهود الجبارة المبذولة منذ عشرات السنين في مجال تطهير الأراضي المزروعة بالألغام»، مؤكدة أن المواد المتفجرة خلَّفت 4830 ضحية من المدنيين خلال الثورة (1954 - 1962)، و2470 ضحية بعد الاستقلال بسنوات قليلة، ومن ثم بلغت الخسائر البشرية 7300 قتيل حسب آخر إحصائية والتي صدرت عام 2021.

كما أشار التقرير إلى أن العدد الأكبر من ضحايا الألغام المضادة للأفراد تم تسجيله بالمناطق الحدودية الرئيسية المعنية، ابتداء من عام 1956، وبخاصة في ولايات الطارف وسوق أهراس وقالمة وتبسة بشرق البلاد، وولايات تلمسان والنعامة وبشار بالغرب.

وأبرز التقرير تفكيك أكثر من مليون لغم، وتطهير أكثر من 50 ألف هكتار من الأراضي زُرعت بها أشجار بعد تنظيفها.


مقالات ذات صلة

«مونديال 2026»: قلوب المشجعين العرب تتحول إلى المغرب ومصر والجزائر

رياضة عربية منتخب مصر أحد 3 منتخبات عربية تأهلت إلى دور الـ32 بالمونديال (أ.ب)

«مونديال 2026»: قلوب المشجعين العرب تتحول إلى المغرب ومصر والجزائر

لا تزال آمال المتابعين العرب للمونديال معلقة بـ3 منتخبات تخوض منافسات دور الـ32 الذي لا يعرف سوى منطق الفوز.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا أطر سلطة الانتخابات يتابعون حملة الانتخابات في أوساط المهاجرين بالخارج (السلطة)

انتخابات الجزائر... حملة «بلا حشود» تبحث عن الناخب المفقود

بدأ أفراد الجالية الجزائرية في الخارج، السبت، التصويت في انتخابات البرلمان المقررة الخميس المقبل داخل البلاد.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة سعودية رياض محرز خلال مباراة الجزائر والأردن (د.ب.أ)

مصادر لـ «الشرق الأوسط»: رياض محرز يريد الاستمرار مع الأهلي لسنة رابعة

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن النجم الجزائري رياض محرز يريد الاستمرار مع النادي الأهلي، وإكمال عقده حتى نهايته.

«الشرق الأوسط» (جدة)
رياضة عربية أمنيات بفرحة جزائرية بالتأهل (أ.ب)

مونديال 2026: مهمة مزدوجة للجزائر لتكرار إنجاز 2014

تخوض الجزائر مهمة مزدوجة السبت عندما تلاقي النمسا في كانساس سيتي في الجولة الثالثة الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (موريستاون (الولايات المتحدة))
شمال افريقيا رئيس الجزائر في جناح سلطنة عمان بالمعرض الدولي (الرئاسة)

الجزائر: تبون يعيد إلى الواجهة «أزمة اتفاق الشراكة» مع «الأوروبي»

أعاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى الواجهة الأزمة الحادة التي تجمع بلاده مع الاتحاد الأوروبي منذ عامين، والتي تتعلق بـ«اتفاق الشراكة» ومشكلات الاستيراد.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الجيش السوداني يستعيد منطقتين في إقليم النيل الأزرق

صورة متداولة لعناصر من الجيش السوداني عند دخولهم في وقت سابق منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق
صورة متداولة لعناصر من الجيش السوداني عند دخولهم في وقت سابق منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق
TT

الجيش السوداني يستعيد منطقتين في إقليم النيل الأزرق

صورة متداولة لعناصر من الجيش السوداني عند دخولهم في وقت سابق منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق
صورة متداولة لعناصر من الجيش السوداني عند دخولهم في وقت سابق منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

في تطور ميداني جديد، استعاد الجيش السوداني، يوم الاثنين، سيطرته على مناطق حيوية في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، قرب الحدود مع إثيوبيا، بعد مواجهات ضد «قوات الدعم السريع» التي كانت قد استولت على المنطقة قبل أشهر.

وقال الجيش -في بيان صحافي نُشر في صفحته الرسمية على «فيسبوك»- إن «الفرقة الرابعة مشاة» التابعة للجيش ومعها القوات المساندة لها، تمكنت من استعادة السيطرة على بلدتي مقجة وسركم، بعد معارك ضارية خاضتها ضد «قوات الدعم السريع».

وأضاف البيان أن قواته كبدت «الدعم السريع» والقوات المتحالفة معها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

وبث الجيش مقاطع مصورة أظهرت انتشار قواته داخل البلدتين، مؤكداً أن العمليات العسكرية ستتواصل «حتى استعادة الأمن والاستقرار، ومنع أي محاولات تسلل وإعادة تمركز للقوات الهاربة».

وأكد الرائد علي عوض علي، من «الفرقة الرابعة مشاة»، أن قواته ستواصل عمليات الانتشار في المناطق التي تمت استعادتها.

وتكتسب تلك المناطق أهمية استراتيجية، لوقوعها على الطريق الرئيسية الرابطة بين مدينتي الدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق، والكرمك القريبة من الحدود الإثيوبية. وكانت الأخيرة قد سقطت في مارس (آذار) الماضي في يد «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية» بقيادة عبد العزيز آدم الحلو.

وشهد الإقليم خلال الشهرين الماضيين تصاعداً ملحوظاً في العمليات العسكرية، تبادل خلاله الجيش و«قوات الدعم السريع» السيطرة على عدد من البلدات الصغيرة في المنطقة.

حصار الأُبيِّض

في الأسابيع الأخيرة، كثَّفت «قوات الدعم السريع» هجماتها الجوية على الأُبَيِّض، كبرى مدن إقليم كردفان، مستهدفة البنية التحتية المدنية، ومرافق الكهرباء والوقود، والطريق السريعة المؤدية إلى خارج المدينة، مع نشر تعزيزات عسكرية تعيد إلى الأذهان مشاهد ما قبل الهجوم على الفاشر في شمال دارفور نهاية العام الفائت.

وقال خبراء الأمم المتحدة، إن هذا الهجوم حمل سمات الإبادة الجماعية.

ومع انقطاع المياه بفعل تضرر المحطات، أفاد السكان «وكالة الصحافة الفرنسية» بأنهم أصبحوا يعتمدون على الآبار وشاحنات نقل المياه وبعض نقاط التوزيع.

وتقع الأُبَيض التي يبلغ عدد سكانها أصلاً نصف مليون وأصبحت تؤوي نحو مائة ألف نازح بسبب العنف في المناطق المجاورة، على طريق حيوية تربط إقليم دارفور الذي تسيطر عليه «قوات الدعم السريع» في الغرب بوسط وشرق السودان؛ حيث مناطق سيطرة الجيش.

والأسبوع الماضي، أعرب مجلس الأمن الدولي عن قلقه من «حشد تعزيزات عسكرية كبيرة من (قوات الدعم السريع) حول المدينة»، محذراً من «فظائع جماعية» وشيكة.

وقال شهود محليون إن تحركات عسكرية لـ«قوات الدعم السريع» رُصِدَت خلال الشهر المنصرم على بُعد نحو 60 كيلومتراً شرق الأُبَيِّض وجنوبها وغربها. وتضم الأُبَيِّض فرقة مشاة للجيش وقاعدة جوية وخط أنابيب نفط رئيسياً، وسوقاً كبيرة للصمغ العربي، وهو سلعة سودانية استراتيجية.

ويرى محللون أن من شأن الاستيلاء على المدينة أن يعزز سيطرة «قوات الدعم السريع» على غرب السودان، وربما يمهد الطريق للزحف نحو العاصمة الخرطوم.

تضاؤل الإمدادات الغذائية

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

وعلى مدار الأسابيع الماضية، تضاءلت إمدادات المساعدات الإنسانية والغذائية التي تصل إلى المخيم، بسبب قطع الطرق وتدمير البنية التحتية.

وحذَّر محمد رفعت (من المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة) من أن المدينة تقترب من حصار شامل؛ حيث سيصبح المدنيون قريباً «غير قادرين على الخروج الآمن أو العودة الآمنة». وأوضح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن منظمات الإغاثة علَّقت أنشطتها في المدينة بسبب تدهور الأوضاع الأمنية وصعوبة الوصول إليها، في حين تفوق الاحتياجاتُ الإنسانية حجم الإمدادات المخزنة مسبقاً.

وصرح مصدر حكومي بأن الجيش حاول إبطاء تقدم «قوات الدعم السريع»، ودمَّر عتاداً تابعاً لها خلال تحركها الأسبوع المنصرم.

في المقابل، اتهم مصدر مقرب من «قوات الدعم السريع» الجيش باستخدام المدنيين «دروعاً بشرية»، معتبراً أنه كان ينبغي إجلاؤهم.

نداء تحالف «صمود»

حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)

وفي موازاة ذلك، وجَّه التحالف المدني الديمقراطي المعروف اختصاراً بـ«صمود»، والذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، نداءً إنسانياً عاجلاً بشأن حصار مدينة الأُبيِّض، مطالباً بوقف فوري للعمليات العسكرية واستهداف المدنيين.

ودعا التحالف أطراف النزاع إلى الاستجابة العاجلة لهدنة إنسانية شاملة لحماية المدنيين، مشدداً في الوقت نفسه على أهمية فتح ممرات إنسانية آمنة، لضمان وصول المساعدات الغذائية والطبية إلى المتضررين في المدينة.

وذكر في البيان: «إن المدينة تعيش أوضاعاً إنسانية بالغة الخطورة؛ حيث يدفع المدنيون الثمن الأكبر نتيجة استمرار المواجهات، وسط نقص حاد في الاحتياجات الأساسية، من الغذاء والمياه والرعاية الطبية».

وحض الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والحقوقية على التدخل العاجل، بالضغط على الأطراف المتحاربة لوقف استهداف المناطق والمنشآت المدنية، والالتزام الكامل بمبادئ القانون الدولي الإنساني.

وفي وقت سابق، قال حاكم ولاية شمال كردفان، عبد الخالق عبد اللطيف، إن الأُبيِّض غير محاصرة برياً، مضيفاً أن أقرب قوات لـ«الدعم السريع» توجد في مدينة بارا التي تبعد نحو 70 كيلومتراً عن الأُبيِّض، بيد أنه تحدث عن وجود حشود للأخيرة يتعامل معها الجيش.

دعوة لفتح ممرات آمنة

«مخيم الرحمانية» للنازحين على أطراف مدينة الأُبيِّض في شمال إقليم كردفان يوم 25 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال تحالف «تأسيس» الذي تتزعمه «قوات الدعم السريع»، إنه يتابع باهتمام بالغ الحوارات الجارية بين الشركاء الدوليين، بشأن حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى مدينة الأُبيِّض.

وأكد في بيان استعداده لمواصلة التنسيق مع جميع الشركاء الدوليين والإقليميين، وعلى وجه الخصوص مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، من أجل التوصل إلى إجراءات عملية وعاجلة تكفل حماية المدنيين، تحت إشراف المجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي.

ودعا التحالف إلى فتح ممرات آمنة، تمكن المدنيين الراغبين في مغادرة الأُبيِّض من الوصول إلى مناطق آمنة تتوفر فيها الحماية والضمانات القانونية، مؤكداً التزامه الكامل بتأمين المساعدات الإنسانية وضمان وصولها للمحتاجين دون عوائق، بالتنسيق مع المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والإقليمية.

وجدَّد تحالف «تأسيس» الدعوة للتوصل إلى هدنة إنسانية فورية غير مشروطة، لحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، وإجلاء الجرحى والمرضى من المدينة.


تسريب ملفات حكومية «حساسة» على «الدارك ويب» يستنفر الأجهزة الليبية

واجهة مصرف ليبيا المركزي على ساحل البحر المتوسط في طرابلس (رويترز)
واجهة مصرف ليبيا المركزي على ساحل البحر المتوسط في طرابلس (رويترز)
TT

تسريب ملفات حكومية «حساسة» على «الدارك ويب» يستنفر الأجهزة الليبية

واجهة مصرف ليبيا المركزي على ساحل البحر المتوسط في طرابلس (رويترز)
واجهة مصرف ليبيا المركزي على ساحل البحر المتوسط في طرابلس (رويترز)

أقرَّ مصرف ليبيا المركزي بتسريب «عيِّنة من بياناته» على ما يُطلق عليه «الدارك ويب»، بعد عملية اختراق لمنظومة المصرف تمت قبل 3 أسابيع. وقال إنه على الرغم من حساسية وخصوصية هذه البيانات، فإنه سيتعامل مع هذا الأمر بأعلى درجات المهنية والشفافية.

ومنذ بدايات الشهر الجاري، أعلن «المصرف المركزي» رصد ما وصفه بـ«حادث سيبراني خطير» طال بعض أنظمته وخدماته التقنية؛ وقال حينها إنه «اتخذ إجراءات عاجلة لعزل الأنظمة المتضررة، والحد من أي آثار محتملة».

وفي أعقاب ذلك، نفت وزارة المالية في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة اختراق المنظومات المالية التابعة لها، وقالت في بيان رسمي، إن «البيانات والمعلومات الإدارية والمالية مؤمَّنة على مستوى عالٍ من درجات التأمين ضد الاختراق».

لقطة للملفات المتداولة عبر «الإنترنت المظلم»

وأمضى ليبيون ليلة الأحد أمام شاشات الحاسوب، لمتابعة بيانات وُصفت بـ«السرية»، تسربت عبر «الدارك ويب» أو «الإنترنت المظلم»، وتضمنت مراسلات مكتب المحافظ المركزي مع وزارات وأجهزة ليبية، ولجنة العطاءات، ونصوص محاضر اجتماعات مع شركات محلية.

وأظهر التسريب محاضر وملفات تعود إلى عامَي 2020 و2021، وتتعلق بعدد من المصارف الليبية الخاضعة لإشراف مصرف ليبيا المركزي، من بينها مصارف: «الإسلامي الليبي»، و«الوفاء»، و«الواحة»، و«الوحدة»، و«الأمان»، و«مصرف الأندلس»، و«السراي».

محاولات ابتزاز

وقال جهاز الأمن الداخلي بطرابلس، في ساعة مبكرة من صباح الاثنين، إنه تابع «الحادث السيبراني الذي استهدف بيانات المصرف المركزي، وما تبعه من نشر ملفات مسرَّبة عبر مواقع (الإنترنت المظلم)».

ووفقاً للجهاز: «أثبتت نتائج الفحص احتواء عدد من الملفات على برمجيات ضارة، وأدوات تستخدمها المجموعات الإجرامية الإلكترونية لاستهداف ضحاياها»، وقال إن تداول هذه الملفات «لا يقتصر على تسريب البيانات فحسب؛ بل يشكِّل وسيلة لنشر الإصابة الإلكترونية داخل المؤسسات والأجهزة التي تقوم بتحميلها أو تشغيلها، دون اتباع الإجراءات الفنية الآمنة».

وتداول ناشطون مهتمون بالشؤون التقنية والاقتصادية في ليبيا لقطات شاشة، قالوا إنها تُظهر نماذج من الملفات التي جرى تسريبها في «الهجوم السيبراني» على المصرف المركزي. وقال بعضهم إن الحجم الإجمالي للبيانات المعروضة يقارب 20.7 غيغابايت، وإن القراصنة يستخدمونها «ورقة ضغط في إطار محاولات الابتزاز».

ولفتوا إلى أن المعطيات الأولية تشير إلى أن التسريب لا يمس الحسابات الشخصية للأفراد، وإنما يتركز على وثائق وملفات ذات طابع إداري ورقابي شديد الحساسية.

وحسب النماذج المتداولة، تشمل الملفات المسرَّبة تقارير مرتبطة بالسيولة النقدية، ووثائق تخص إدارات المخاطر والامتثال والمتابعة.

محافظ المصرف المركزي يطلق خدمة بطاقات «فيزا» الدولية بالعملة الأجنبية في 17 يونيو 2026 (مكتب الدبيبة)

ومن قبيل طمأنة الليبيين، قال «المركزي» إن فِرَقَه الفنية، بالتعاون مع الشركات والخبراء الدوليين الاختصاصيين، تواصل أعمال التحقق والتحليل الفني، لتحديد طبيعة البيانات المنشورة وحجمها، بالإضافة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحديد الأثر المحتمل واحتوائه، والتعامل معه وفق أفضل الممارسات والمعايير الدولية.

الأمن السيبراني

واستغل الخبير الاقتصادي الليبي محمد الشحاتي هذه الحادثة، للتشديد على أنه «تزداد أهمية الأمن السيبراني مع توسع الخدمات الرقمية في المصارف، وقطاع النفط، والاتصالات، والإدارة الحكومية».

وذهب الشحاتي -في تصريح صحافي- إلى أن «مواجهة التهديدات لا تكون بالتركيز على (الويب المظلم) وحده؛ وإنما ببناء منظومة متكاملة تشمل تحديث البنية الرقمية، وتدريب العاملين»، مشدداً على أهمية «اعتماد معايير الأمن السيبراني، وإنشاء فرق متخصصة للاستجابة للحوادث، والتعاون مع المؤسسات الدولية وشركات الأمن الرقمي، لرصد أي بيانات ليبية قد تظهر في الأسواق الإلكترونية غير القانونية».

وأمام هذه الواقعة، دافع المصرف المركزي عن نفسه، وقال إن موقفه يستند إلى التزامه بالقوانين والتشريعات النافذة؛ وإنه يرفض رفضاً قاطعاً الدخول في أي مفاوضات أو مساومات، أو الاستجابة لأي مطالب تنطوي على ابتزاز ومخالفة للأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، ويتعامل مع هذه الحوادث وفق الإجراءات الرسمية المعمول بها.

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي مستقبلاً محافظ المصرف المركزي في نوفمبر 2025 (مكتب المنفي)

وبشأن حسابات العملاء، قال إن «الخدمات المصرفية الأساسية، وحسابات العملاء، واستقرار النظام المالي، مستمرة في العمل بصورة طبيعية، ولم تتأثر بهذا المستجد»، متعهداً باستمرار التحقيقات الفنية والجنائية بالتعاون مع الخبراء الدوليين، ومؤسسات أمنية محلية، بالتوازي مع تنفيذ إجراءات إضافية لتعزيز منظومة الأمن السيبراني، ورفع مستوى الجاهزية والمرونة التشغيلية.

برمجيات خبيثة

ومع تصاعد المخاوف الليبية من عملية الاختراق، قال جهاز الأمن الداخلي بالعاصمة، إن نتائج التحليل «تشير إلى أن المهاجمين استغلوا الملفات المسرَّبة لإخفاء برمجيات خبيثة داخلها، بحيث تبدو طبيعية، وكأنها تحتوي على بيانات حقيقية؛ بينما تتضمن مكونات ضارة قد تؤدي إلى اختراق الأجهزة، أو منح المهاجم وصولاً غير مصرح به إلى الأنظمة المستهدفة».

وحذَّر الجهاز الجهات السيادية والحكومية، والمصارف، والشركات العامة والخاصة كافة، من تحميل أو فتح أو استخراج أي ملف تم الحصول عليه من مواقع «الإنترنت المظلم» أو من مصادر غير موثوقة، مهما كانت المبررات، لما قد يترتب على ذلك من مخاطر أمنية جسيمة.

كما أهاب الجهاز «بجميع موظفي الجهات العامة الذين حمَّلوا أياً من هذه الملفات، سواء على أجهزة العمل أو الأجهزة الشخصية المستخدمة للوصول إلى شبكات العمل، بسرعة التواصل مع إدارة تقنية المعلومات، أو فريق الأمن السيبراني في جهاتهم». وحضَّ على عدم محاولة حذف الملفات أو فحصها أو تشغيلها، وذلك لتمكين المختصين من اتخاذ الإجراءات الفنية اللازمة «لاحتواء أي تهديد محتمل».

وأشار الجهاز إلى أن بعض البرمجيات الخبيثة الحديثة تعمل بصورة خفية، مما يبقيها داخل النظام لفترات زمنية طويلة، مما يسمح لها «بجمع المعلومات، واستطلاع بيئة الشبكة، وسرقة بيانات الاعتماد، قبل الانتقال إلى تنفيذ مراحل الهجوم اللاحقة، بما في ذلك تعطيل الأنظمة أو تشفير البيانات أو سرقتها».

وحذَّر جهاز الأمن الداخلي من أن «تداول هذه المستندات على مواقع التواصل الاجتماعي لغرض التشهير، يُعرِّض جهة النشر للمساءلة القانونية لاحقاً».


مصر تتضامن مع السعودية في حادث تحطم مروحية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تتضامن مع السعودية في حادث تحطم مروحية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

أكدت مصر تضامنها مع المملكة العربية السعودية الشقيقة في حادث تحطم مروحية بمنطقة رأس تنورة، الذي أسفر عن عدد من الوفيات.

وأعربت مصر، في بيان لها، الاثنين، عن خالص تعازيها وصادق مواساتها للمملكة العربية السعودية الشقيقة، في ضحايا الحادث.

كما أشارت إلى «تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية الشقيقة في هذا المصاب الأليم»، معربة عن أصدق التعازي لأسر الضحايا، ومتمنيةً للمملكة وشعبها الشقيق دوام الأمن والسلامة.

وتقدّم الرئيس عبد الفتاح السيسي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، والشعب السعودي الشقيق، في ضحايا حادث سقوط الطائرة التابعة لشركة «أرامكو».

وقال السيسي، عبر صفحته الشخصية على «فيسبوك»، الاثنين: «نسأل الله أن يتغمد الضحايا بواسع رحمته، وأن يُلهم ذويهم الصبر والسلوان، وأن يحفظ المملكة العربية السعودية وشعبها من كل سوء ومكروه».

وأعلنت وزارة الطاقة السعودية، الأحد، سقوط طائرة مروحية تابعة لشركة «أرامكو السعودية» في محافظة رأس تنورة، مما أسفر عن مصرع جميع من كانوا على متنها، وعددهم 14 مواطناً سعودياً.