الملفات الخلافية بين الجزائر وباريس تفتح فصلاً جديداً من الاختبار القضائي

زيارة مرتقبة لدارمانان إلى الجزائر تبحث «قضية غليز» و«الأموال المنهوبة» وتسليم المطلوبين

الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات (الرئاسة الجزائرية)
TT

الملفات الخلافية بين الجزائر وباريس تفتح فصلاً جديداً من الاختبار القضائي

الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات (الرئاسة الجزائرية)

يبحث وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان بالجزائر، الاثنين المقبل، عدة قضايا خلافية، بعضها شكل «أزمة داخل الأزمة الكبرى» بين البلدين، منها «قضية الصحافي الفرنسي المسجون بتهمة الإرهاب»، و«ملف الأصول غير المشروعة المهرَبة إلى فرنسا»، وتسليم معارضين جزائريين مقيمين في فرنسا متابعين بتهم جنائية.

وزير العدل الفرنسي (الوزارة)

أعلنت وزارة العدل الفرنسية، اليوم السبت، أن الوزير دارمانان سيزور الجزائر في 18 مايو (أيار) الجاري، «لبحث التعاون القضائي بين البلدين، ومناقشة قضية الصحافي الفرنسي المسجون كريستوف غليز»، مبرزة أن «الهدف من هذه الزيارة هو العمل على فتح فصل جديد من التعاون القضائي بين بلدينا»، ومشيرة إلى أن المحادثات التي سيجريها جيرالد دارمانان، والذي سيكون في استقباله نظيره الجزائري لطفي بوجمعة، ستشمل أيضاً «مواضيع تتعلق بالجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات، بالإضافة إلى مكافحة الإرهاب».

ووفق مصادر دبلوماسية غربية بالجزائر، يبدي الجانب الفرنسي، من خلال زيارة دارمانان، اهتماماً مركزاً بالإفراج عن الصحافي غليز (36 سنة)، وهو ملف يتعامل معه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوصفه «مسألة شخصية»، وفق تعبير ذات المصادر التي أشارت إلى أن ماكرون «يحدوه أمل في تسوية المشكلات العالقة مع الجزائر قبل رحيله عن السلطة»، حيث تنتهي ولايته الثانية العام المقبل.

وكانت عائلة غليز أعلنت، مؤخراً، تخليه عن طعنه بالنقض، مما يمهد الطريق لإمكانية الاستفادة من عفو رئاسي من قبل الرئيس الجزائري.

الأمن والمخدرات

كان الصحافي، الذي يعمل كمتعاون مع مجلتي «سو فوت» و«سوسايتي» الفرنسيتين، قد أُوقف في أواخر مايو 2024 في الجزائر، التي زارها في إطار إعداد تحقيق حول نادي كرة القدم الأكثر تتويجاً في البلاد، «شبيبة القبائل». وبعد وضعه في البداية تحت الرقابة القضائية، أُودع السجن في يونيو (حزيران) 2025 عقب صدور حكم بحقه يقضي بسجنه سبع سنوات بتهمة «الإشادة بالإرهاب»، وذلك بناء على وقائع تفيد بأنه كان على تواصل مع عضو في النادي مصنف على لائحة «الإرهاب».

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الداخلية الفرنسي ورئيسة الوزراء الفرنسية السابقين بالجزائر نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وقد أصبح «ملف غليز»، مع الوقت، من نقاط التوتر بين باريس والجزائر. وكانت عقوبته قد تأكدت في مرحلة الاستئناف في ديسمبر (كانون الأول) 2025. وحظي منذ بداية العام بمتابعة خاصة من طرف الاشتراكية الفرنسية مرشحة انتخابات الرئاسة لعام 2027 سيغولين رويال، التي التمست من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عفواً رئاسياً لفائدته. ونزولاً عند طلباتها بشأن الصحافي، تم نقله من سجن مدينة تيزي وزو، التي تبعد 120 كلم عن العاصمة، إلى سجن القليعة بالضاحية الغربية للعاصمة.

ولاحت في الأيام الماضية مؤشرات على قرب إخلاء سبيله، على خلفية أول زيارة قنصلية يحظى بها في السجن، وذلك إثر عودة السفير ستيفان روماتيه إلى منصبه، في مؤشر آخر على طي الخلافات التي بدأت في صيف 2024 بسبب إعلان قصر الإليزيه اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء.

الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

ويملك دارمانان أصولاً جزائرية، فجده لوالدته كان قناصاً في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية. وقد زار الجزائر مرتين كوزير للداخلية: في 2020 و2022.

وفيما لم تعلن أي جهة رسمية في الجزائر عن زيارة المسؤول الفرنسي، تؤكد مصادر إعلامية أن ملفات أساسية ستكون محور المباحثات، التي سيجريها مع مسؤولين سياسيين، وأمنيين جزائريين، يأتي على رأسها الجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات الثنائية في مجال مكافحة الإرهاب، ومحاربة الجريمة الاقتصادية والمالية العابرة للحدود، بما في ذلك الملفات المتعلقة بالأموال المنهوبة، أي الممتلكات المكتسبة بطرق غير مشروعة.

اختبار أمام تطبيع العلاقات

يشكل الملف الأخير بالنسبة للجزائر اختباراً لمدى استعداد فرنسا لفتح صفحة جديدة في العلاقات، حيث تطالب بمصادرة أموال وممتلكات مسؤولين جزائريين سابقين، وتسليمهم إلى القضاء الجزائري إن كانوا مقيمين في فرنسا. ومن أبرز هؤلاء المسؤولين وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب، الذي رفضت محكمة فرنسية تسليمه العام الماضي، بدعوى «عدم توفر ضمانات محاكمة عادلة بالجزائر».

المعارض فرحات مهني مستهدف بمذكرة توقيف دولية (ناشطون)

ومن بين المطالب الجزائرية الملحّة في ملف التعاون القضائي، تسليم معارضين مقيمين في فرنسا، تتهمهم الجزائر بـ«الإرهاب» و«المساس بالوحدة الوطنية»، وصدرت بحقهم غيابياً أحكام بالسجن لمدد طويلة، من أبرزهم فرحات مهني، وأمير بوخرص. ويُعدّ ملف بوخرص من أكثر القضايا حساسية بين البلدين، بعدما أدى إلى سجن موظف قنصلي جزائري في أبريل (نيسان) 2025، على خلفية اتهامه بالتورط في عملية اختطاف واحتجاز، تعرض لها، تعود إلى عام 2024. ولا تزال القضية تكتنفها ملابسات كثيرة، وقد تسببت في أزمة حادة بين الجزائر وفرنسا، في وقت تتهم فيه الجزائر الأجهزة الأمنية الفرنسية بـ«تلفيق» التهم للدبلوماسي الجزائري الذي لم يُكشف عن هويته حتى الآن.

حوار الثقة والمستقبل

تمثل زيارة جيرالد دارمانان، وفق مراقبين، خطوة جديدة في مسار إنهاء الفتور، وعودة الدفء إلى العلاقات بين الجزائر وباريس، بعد عدة أشهر من الأزمة الدبلوماسية.

أمير بوخرص من أشهر المعارضين الجزائريين المقيمين في فرنسا (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وفي هذا السياق كانت الوزيرة المنتدبة لدى وزارة القوات المسلحة الفرنسية، أليس روفو، قد تنقلت في 8 مايو الجاري إلى سطيف بشرق الجزائر، لإحياء ذكرى الأحداث المأساوية التي شهدتها المدينة في 8 مايو 1945. وتزامناً مع تلك الزيارة، ذكر قصر الإليزيه في بيان بأن «قراءة فرنسا للتاريخ بكل موضوعية ووضوح يجب أن تسمح اليوم ببناء علاقات مبنية على الثقة، وواعدة للمستقبل، وذلك لما فيه المصلحة العليا للشعبين الفرنسي، والجزائري»، معرباً عن الأمل في «استعادة حوار فعال يحترم المصلحة الوطنية لكل طرف».


مقالات ذات صلة

الجزائر: استرجاع ممتلكات بالخارج واتهامات ثقيلة في «ملفات فساد»

شمال افريقيا رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء في ملف استرداد الأموال المنهوبة خلال زيارته فرنسا يوم 1 يونيو الحالي (وزارة الداخلية)

الجزائر: استرجاع ممتلكات بالخارج واتهامات ثقيلة في «ملفات فساد»

أفضت عملية تفكيك شبكة إجرامية منظمة في الجزائر، وُصفت بأنها الكبرى منذ سنوات، إلى استرجاع وحجز ممتلكات عقارية ومنقولات فاخرة...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

الجزائر وواشنطن لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل

الجزائر وواشنطن يوقعان اتفاقيات لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الرياضة كأس العالم 2026... مسرح ولادة «الأوراق الرابحة» للكرة العربية

شبان برتبة نجوم... أصغر الوجوه العربية في مونديال 2026

شباب عرب يقتحمون المسرح العالمي بمونديال 2026. «الشرق الأوسط» ترصد الترتيب العمري، والأدوار التكتيكية لأصغر 9 مواهب واعدة بقيادة المصري حمزة عبد الكريم.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)

قضاة جزائريون في باريس لتسريع إجراءات «الأموال المنهوبة»

بحث وفد قضائي جزائري وصف بـ«المهم» الاثنين في فرنسا تسريع إجراءات استرداد «الأموال المنهوبة» وتسليم مطلوبين لدى الجزائر متهمين بـ«الفساد»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس سلطة الانتخابات الجزائرية مع كادرها الإداري (سلطة الانتخابات)

حملة الانتخابات البرلمانية في الجزائر تنطلق غداً

تنطلق، الثلاثاء، بالجزائر حملة انتخابات البرلمان المقررة في الثاني من يوليو (تموز) المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

القاهرة تُحضّر لاستضافة اجتماع «الآلية الرباعية» بشأن «حرب إيران»

وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال لقاء لبحث مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال لقاء لبحث مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية (الخارجية المصرية)
TT

القاهرة تُحضّر لاستضافة اجتماع «الآلية الرباعية» بشأن «حرب إيران»

وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال لقاء لبحث مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال لقاء لبحث مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية (الخارجية المصرية)

تستعد مصر لاستضافة الاجتماع الرابع «للآلية الرباعية» بشأن الحرب الإيرانية، وتضم السعودية، ومصر، وتركيا، وباكستان، خلال الفترة المقبلة، وذلك استكمالاً للمشاورات المشتركة التي تهدف إلى خفض التصعيد في المنطقة.

وناقش اتصال هاتفي لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الباكستاني محمد إسحاق دار الترتيبات الجارية لاستضافة القاهرة الاجتماع الرابع للآلية الرباعية «لمواصلة التشاور المشترك، وتعزيز الجهود الرامية لخفض التصعيد»، بحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية الخميس.

وأكد الوزيران حرصهما على «مواصلة التنسيق الوثيق بين الدول الأربع في ظل التطورات الخطيرة التي تشهدها المنطقة»، كما ناقشا الجهود الرامية لدعم المسار التفاوضي الأميركي–الإيراني.

وانعقد الاجتماع الأول للآلية الرباعية في العاصمة السعودية الرياض في 20 مارس (آذار) الماضي، فيما استضافت باكستان الاجتماع الثاني في 29 مارس، واستضافت مدينة أنطاليا التركية في 17 أبريل (نيسان) الاجتماع الثالث، وذلك على هامش فعاليات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي».

وبحث آخر اجتماع لـ«الرباعية» سبل تعزيز التنسيق المشترك إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، ومتابعة مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية، ومواصلة الجهود المشتركة لخفض التصعيد، واحتواء التوتر، لتحقيق التهدئة لاستعادة الأمن والاستقرار للمنطقة، فضلاً عن مستقبل النظام الإقليمي بعد انتهاء الحرب الحالية.

وضم الاجتماع وزراء الخارجية: المصري بدر عبد العاطي، والسعودي الأمير فيصل بن فرحان، والتركي هاكان فيدان، والباكستاني إسحاق دار.

وتبادل الوزراء التقييمات بشأن تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي، وسبل احتواء التداعيات على حركة الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، وأمن الطاقة، وأسعار النفط، وسبل التغلب عليها.

واتفق الوزراء على مواصلة التنسيق والتشاور الوثيق خلال المرحلة المقبلة، ومواصلة بذل الجهود لإنجاح مسار المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد، واستعادة الهدوء، والأمن، والاستقرار للمنطقة، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية المصرية في ذلك الحين.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، بأن وزيري الخارجية المصري والباكستاني تبادلا خلال الاتصال الأخير الرؤى حول مستجدات الأوضاع الإقليمية، وأكدا أهمية مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد الراهن في المنطقة، وضرورة استكمال المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، للتوصل إلى تفاهمات توافقية تؤدي إلى خفض التوتر، وإنهاء الحرب، ودعم الاستقرار الإقليمي.

كما أكدا «أهمية مواصلة الجهود المشتركة لإعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية، لتجنب اتساع نطاق الصراع، واحتواء التصعيد الراهن في ظل ما أسفرت عنه الحرب من تداعيات أمنية واقتصادية وجيوسياسية خطيرة على المنطقة، والعالم»، بحسب بيان الخارجية المصرية.


مصير «الخبز الشعبي» يشغل المصريين مع قرب إلغاء «الدعم العيني»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
TT

مصير «الخبز الشعبي» يشغل المصريين مع قرب إلغاء «الدعم العيني»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

لا يتوقف الجدل في مصر حول منظومة الدعم مع إعلان الحكومة نيتها إلغاء «الدعم العيني» الذي يعتمد على صرف سلع بعينها، وتطبيق «الدعم النقدي» الذي يعتمد على تحديد مخصصات مالية شهرية للمستفيدين، وسط مخاوف بشأن مصير منظومة «الخبز المدعم» مع تضارب التصريحات الحكومية حول طريقة صرفه.

ويستفيد من «الخبز المدعم»، أو ما يُعرف باسم «الخبز الشعبي»، نحو 70 مليون مواطن وفقاً لآخر تقديرات حكومية في عام 2022. ورفعت الحكومة سعره قبل عامين لأول مرة منذ ثلاثة عقود، ومنذ ذلك الحين تُثبت سعره بعشرين قرشاً (الدولار يساوي 52 جنيهاً تقريباً)، وتوفر الدولة حالياً حصة يومية تبلغ خمسة أرغفة لكل فرد مسجل على البطاقة التموينية.

وفي حين أكد برلمانيون أن «الخبز المدعم» سيظل خارج أي مناقشات تتعلق بإعادة هيكلة الدعم ولا مساس به، ذهب ماجد نادي، نقيب «بدّالي التموين»، وهم تجار يصرفون الدعم العيني للمواطنين، إلى تأكيد أن المنظومة الجديدة تقترح دمج منظومتَي السلع والخبز في محفظة مالية رقمية واحدة تُخصص للمواطن على بطاقته، وتُحتسب بالأسعار الحرة للسلع، وفقاً لما ذكرته صحف محلية.

وتساءل مغردون على مواقع التواصل عن مصير «الخبز المدعم» مع قرب التحول إلى «الدعم النقدي»، واعتبروا أنه بمنزلة سلعة أساسية لمحدودي الدخل يجب عدم الاقتراب منها. وقال آخرون إن الحكومة يتعين عليها الفصل بين الدعم الذي تقدمه لسلع أساسية، مثل الزيت والسكر وغيرهما، وبين الخبز الذي لا يمكن الاستغناء عنه يومياً.

أحاديث متضاربة

تُعد مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى الحاجة الماسة لتوفير «الخبز المدعم»؛ إذ تستهلك منظومة الدعم وحدها ملايين الأطنان.

وأكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الأسبوع الماضي «بدء تطبيق منظومة الدعم النقدي» في بلاده «اعتباراً من العام المالي المقبل، الذي سيبدأ في يوليو (تموز) العام الحالي»، وقال إن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، لكن دون أن يوضح مصير الخبز وإمكانية فصله عن باقي السلع من عدمها.

مواطن يطلع على أسعار السلع بأحد المنافذ الحكومية الشهر الماضي (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب المصري، إيهاب منصور، قال لـ«الشرق الأوسط» إن التصريحات الحكومية بشأن مصير «الخبز» متضاربة، وهو ما يخلق حالة من «البلبلة»، ما يجعل هناك ضرورة لإصدار بيانات رسمية بشأن خطة التحول إلى «الدعم النقدي»، مشيراً إلى أن «الخبز الشعبي» يجب أن يكون بعيداً عن أي تصورات لإصلاح منظومة الدعم؛ فـ«هو وجبة أساسية لملايين المواطنين الذين يحتاجونه يومياً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «فكرة الانتقال إلى الدعم النقدي جيدة، لكن الأزمة تكمن في التنفيذ، بخاصة مع الحديث عن إتاحة بطاقة رقمية يجري من خلالها صرف السلع مقابل المبالغ المالية المحددة لكل أسرة، وقد تصطدم بصعوبات مثل التي تواجهها منظومة التحول الرقمي، والتي تسببت في أزمات مختلفة مؤخراً عند صرف المعاشات».

ولم تتجه الحكومة بعدُ إلى البرلمان لمناقشة مقترحها الجديد.

وأمام مجلس النواب ثلاثة أسابيع قبل إجازته الصيفية التي تمتد إلى أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وكان من المفترض مناقشة المنظومة الجديدة تحت قبة البرلمان بحسب وعود حكومية سابقة، حسبما ذكر منصور.

شرائح المستحقين

وسبق أن أشار مدبولي إلى أن المقترح الجديد لنظام الدعم النقدي سيعتمد على «تقسيم المستحقين إلى عدة شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، وقال إن «الفئات (الأكثر احتياجاً) ستحصل على أعلى قيمة من الدعم النقدي، في حين تحصل الشرائح (الأقل احتياجاً) على مبالغ أقل وفق نظام تدريجي يحقق العدالة في التوزيع».

وأكد مدبولي أن هدف حكومته هو «توجيه الجزء الأكبر من الدعم للفئات (الأشد احتياجاً)، بما يضمن تحقيق أكبر أثر اجتماعي ممكن من الأموال التي تخصصها الدولة لهذا الملف».

اجتماعات حكومية لتطوير منظومة الدعم في مصر (مجلس الوزراء)

وذكر وكيل اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب المصري، أيمن محسب، في تصريحات تلفزيونية، مساء الأربعاء، أن الخبز «يمثل أحد أهم عناصر شبكة الحماية الاجتماعية في مصر؛ ولذلك سيظل خارج أي مناقشات تتعلق بإعادة هيكلة الدعم»، مضيفاً أن المساس به غير مطروح ضمن التصورات الحالية للإصلاح.

وتُطبِّق الحكومة منذ عقود طويلة منظومة تموينية لتوزيع السلع الأساسية بأسعار مدعومة، بما في ذلك الخبز والزيت والسكر، وتُصرَف شهرياً من خلال «بطاقات التموين».

وقالت عضوة مجلس الشيوخ، أمينة النقاش، إن رغيف الخبز شهد تغيرات في وزنه ومكوناته، ولم يعد كما كان معهوداً في السابق، وعدَّت ذلك «مقدمة لما قد يشهده الفترة المقبلة من تقليص في قيمة دعمه».

وأضافت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «ملايين الأسر تواصل بكفاح مرير حياتها اليومية للاستفادة من الخبز المدعم وغيره من السلع المتاحة على البطاقات التموينية، ومتخذ القرار المصري بحاجة لمراجعة التوجه الحالي نحو تطبيق الدعم النقدي الذي سيؤدي إلى تقليص الدعم مستقبلاً، وصولاً إلى إلغائه كلياً، كأحد اشتراطات صندوق النقد الدولي».

وتنفذ مصر برنامجاً للإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي منذ سنوات، وتؤكد الحكومة أن البرنامج الحالي سينتهي بنهاية ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وترى أنها ليست بحاجة إلى برنامج جديد مع «الصندوق».

ورفعت الحكومة قيمة الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للدولة، التي ستطبَّق بداية من يوليو المقبل، إلى 832.3 مليار جنيه، وفق وزارة المالية.


مشاجرات مصريين مع الوافدين... ضغوط اقتصادية أم خلافات عابرة؟

«الداخلية» المصرية توقف سيدتين عقب اشتباكات بين وافدين ومصريين في المترو (وزارة الداخلية)
«الداخلية» المصرية توقف سيدتين عقب اشتباكات بين وافدين ومصريين في المترو (وزارة الداخلية)
TT

مشاجرات مصريين مع الوافدين... ضغوط اقتصادية أم خلافات عابرة؟

«الداخلية» المصرية توقف سيدتين عقب اشتباكات بين وافدين ومصريين في المترو (وزارة الداخلية)
«الداخلية» المصرية توقف سيدتين عقب اشتباكات بين وافدين ومصريين في المترو (وزارة الداخلية)

كثيراً ما تتباهى السلطات المصرية بأنها تعامل الوافدين الأجانب معاملة المواطنين نفسها من دون تمييز، من حيث تمتعهم بالخدمات نفسها وبحرية التنقل والعمل والسكن، بل وتحصينهم ضد الأوبئة والأمراض؛ لكن مشاجرات تقع بين الحين والآخر مع مواطنين مصريين تشعل جدلاً حول «حقوق اللاجئين»، مدفوعة بشعور البعض بأنهم «يشكلون ضغطاً متزايداً على موارد مصر المحدودة».

بعض هذه المشاحنات وقع داخل مترو الأنفاق، وكان بعضها بسبب أولوية الجلوس، واستدعى الأمر، في بعض الحالات، تدخل الشرطة.

وفي أحدث هذه الوقائع، أعلنت الشرطة المصرية، الخميس، القبض على أجنبي، يبدو من أصول أفريقية، لـ«تعديه على مجند يرتدي الملابس العسكرية بالسب»، وذلك عقب تداول مقطع مصور على مواقع التواصل الاجتماعي تضمن مشادة كلامية بينهما. وقال بيان الداخلية إن «النيابة العامة تولت التحقيق».

توقيف أجنبي عقب اشتباك مع مجند مصري بمترو الأنفاق (الداخلية المصرية)

وقبل يومين، أعلنت «الداخلية» توقيف سيدتين إثر مشادة داخل المترو مع ربة منزل وشقيقتين على أولوية الجلوس، ومحاولة السيدتين الموقوفتين التعدي بالضرب على الطرف الآخر باستخدام النعال.

ولم تذكر الداخلية جنسية السيدتين الموقوفتين، لكن مقطع المشاجرة الذي انتشر عبر مواقع التواصل، مع تعليق صوتي من صاحبته، يرجح أنهما سودانيتان. وانتقدت صاحبة المقطع سماح الحكومة بقدوم الوافدين، وسط تفاعل واسع وانتقادات لكثرة الوافدين واستنزافهم لموارد الدولة وخدماتها.

وانتشر مقطع لواقعة أخرى، الثلاثاء الماضي، يتضمن مشاجرة داخل عربة السيدات في المترو بين مصريات وأفريقيات، حيث تشابكن بالأيدي وسط حالة من الزحام الشديد داخل عربة المترو.

سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمحافظة الجيزة (الشرق الأوسط)

«ضغط الأوضاع»

تحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مناسبات عدة، أحدثها خلال لقائه الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ماتياس كورمان، في مايو (أيار) الماضي، عن «دمج» اللاجئين والوافدين في المجتمع «دون استغلال مصر لذلك في تحقيق أهداف سياسية».

ويقول عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، أيمن زهري، إن للوافدين على أرض مصر «كل الحقوق التي يتمتع بها المصريون، عدا الحقوق السياسية، بموجب الاتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها مصر».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «المشاعر السلبية لدى جزء من المجتمع تجاه الوافدين قد تكون بسبب ضغط الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية، لكنها تظل حالات فردية».

ويرجع الباحث في علم الاجتماع، عصام فوزي، استياء بعض المصريين من الوافدين إلى «ظروف استثنائية تمر بها مصر من حيث ارتفاع الأسعار وتراكم الأزمات، وتبني البعض نظرية أن الوافدين هم سبب الأزمات، رغم أن ذلك ليس صحيحاً».

ويشكو مسؤولون مصريون من «تواضع» الدعم الدولي لمصر في ملف اللاجئين، مطالبين بتكثيف الجهود الدولية لضمان التفعيل المُنصف والمُستدام لمبدأ تقاسم الأعباء والمسؤوليات.

وتشير التصريحات الرسمية إلى أن مصر بها أكثر من عشرة ملايين وافد، يُطلق عليهم «ضيوف مصر»، بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء، وأنهم يكلفون الدولة عشرة مليارات دولار سنوياً.

لقطة من مقطع فيديو لمشاجرة بالمترو في القاهرة (متداولة)

وحذر فوزي من «تنامي العداء ضد اللاجئين في مصر والذي من شأنه التأثير سلباً سواء في التزاماتها الدولية أو في الصورة الذهنية العالمية عنها، المرتبطة بالترحيب بالضيوف وحسن الاستقبال»، معتبراً أن «الحوادث الفردية الأخيرة هي نتاج طبيعي لحالة الشحن التي يمارسها البعض على الفضاء الإلكتروني تجاه اللاجئين».

وتنتشر منذ شهور حملات إلكترونية تطالب بترحيل اللاجئين عن مصر، في مقابل حملات أخرى ترحب بهم.

الصورة العامة «إيجابية»

تُقدَّر أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر لدى مفوضية اللاجئين بمليون و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، يتَصدَّرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً.

ويرى باحث الأنثروبولوجيا، وليد محمود، أن المشاحنات الأخيرة ترجع إلى «سلبيات لدى الطرفين؛ فبعض المواطنين قد يوجهون أحكاماً عامة أو انتقادات غير مبررة للأجانب نتيجة الضغوط المعيشية، بينما قد يفتقر بعض الوافدين أحياناً إلى معرفة العادات المحلية أو قواعد التعامل في الأماكن العامة، ما يخلق سوء فهم يمكن أن يتطور إلى مشادات محدودة».

وتابع في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «الصورة العامة تبقى إيجابية في معظم الأحيان. فالمجتمع المصري معروف تاريخياً بقدرته على استيعاب الوافدين والتعامل معهم باعتبارهم ضيوفاً وأفراداً من النسيج الاجتماعي. كما ساهم العديد من اللاجئين في تنشيط الحركة التجارية وإقامة مشروعات صغيرة وَفَّرت فرص عمل وخدمات جديدة للمواطنين».

سودانيون في محطة رمسيس لاستقلال القطار الخامس للعودة الطواعية (مجلس الوزراء المصري)

وفي مقابل الحملات المناهضة، تنتشر على الجانب الآخر قصص كثيرة تكشف عمق التعايش والعلاقات بين المصريين والوافدين، من بينها ما روته سيدة سودانية، وحاز على تفاعل وانتشار واسع، عن مواقف المصريين معها ومساعدتهم لها في البحث عن طفلتها حين فقدتها في مصر، وكيف تركوا أشغالهم «وتحولوا إلى خلية نحل»، لحين العثور عليها.

ولقيت تدوينة على «فيسبوك» لوافد أوغندي، يدعى عرفات حسين ويدرس في الأزهر، تفاعلاً واسعاً من مصريين يعتذرون له، بعدما ذكر أنه أحياناً يتعرض لمواقف غير لائقة في المترو، بأن «يطلب منه البعض عدم الجلوس»، قائلاً: «أنا أيضاً أدفع ثمن التذكرة مثل أي شخص، وألتزم بالقوانين وأحترم الناس. إذا كان المقعد مخصصاً لشخص يحتاج إليه فعلاً فسأقوم فوراً بكل احترام. لكن لماذا يتم اختيار شخص معين دون غيره؟».

وأضاف: «نحن بوصفنا ضيوفاً أو مقيمين في مصر نحب هذا البلد ونقدّر شعبه».