ماذا يريد الرئيس الموريتاني من زيارته لفرنسا؟

أول زيارة «دولة» يقوم بها رئيس موريتاني إلى باريس منذ قرابة 3 عقود

زيارة ولد الغزواني إلى باريس تهدف إلى صياغة «شراكة استراتيجية» جديدة بين البلدين (الرئاسة)
زيارة ولد الغزواني إلى باريس تهدف إلى صياغة «شراكة استراتيجية» جديدة بين البلدين (الرئاسة)
TT

ماذا يريد الرئيس الموريتاني من زيارته لفرنسا؟

زيارة ولد الغزواني إلى باريس تهدف إلى صياغة «شراكة استراتيجية» جديدة بين البلدين (الرئاسة)
زيارة ولد الغزواني إلى باريس تهدف إلى صياغة «شراكة استراتيجية» جديدة بين البلدين (الرئاسة)

بدأ الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني زيارة دولة إلى فرنسا، وفق ما أعلنت الرئاسة الموريتانية، اليوم (الثلاثاء)، وتعد هذه أول زيارة «دولة» يقوم بها رئيس موريتاني إلى باريس منذ قرابة ثلاثة عقود.

تشير مصادر دبلوماسية موريتانية إلى أن الزيارة ستستمر لثلاثة أيام، وتأتي استجابة لدعوة رسمية وجهها له الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فيما كانت باريس هي أول وجهة خارجية لولد الغزواني حين انتخب رئيساً لموريتانيا عام 2019، ومنها توجه مباشرة إلى العاصمة السعودية الرياض.

زيارة ولد الغزواني لباريس تأتي استجابة لدعوة رسمية وجهها له الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)

وسبق أن كشفت صحيفة «جون أفريك» الفرنسية أن ولد الغزواني ينتظره في باريس «برنامج يشمل عدة محطات رسمية وسياسية واقتصادية، إلى جانب أنشطة ذات طابع أمني وعسكري»، وأضافت في تقريرها أنه سيحظى باستقبال رسمي، قبل أن يجري مباحثات على انفراد مع الرئيس الفرنسي ماكرون في قصر الإليزيه.

كما كشفت مصادر دبلوماسية أن الزيارة تهدف إلى صياغة «شراكة استراتيجية» جديدة بين البلدين، تقوم على «التعاون الوثيق في ملفات عديدة»، حيث من المنتظر أن يناقش المسؤولون الموريتانيون والفرنسيون خلال «لقاءات موسعة» موضوع الشراكة في قضايا الأمن، ومكافحة الإرهاب، والهجرة غير النظامية.

وأوضحت هذه المصادر أن الطرفين سيفتحان النقاش حول اتفاقيات موقعة منذ فترة، وذلك من أجل تحديثها وتطويرها، وخاصة اتفاقيات في مجال قطاعات الأمن والداخلية، واتفاقيات في مجال الطاقة والمعادن والصناعة.

سياق معقد

الإعلامي الموريتاني حسن لبات ربط الزيارة بالسياق الإقليمي والدولي الصعب، مشيراً إلى حوادث الاحتكاك المتكررة على الحدود مع دولة مالي المجاورة لموريتانيا، وذلك بسبب تحركات للجيش المالي التي تضررت منها مجتمعات موريتانية في الشريط الحدودي.

جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود مع مالي (الجيش الموريتاني)

وقال لبات في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن الزيارة «تأتي في سياق إقليمي ودولي دقيق ومعقد. فمن جهة تشهد المنطقة توتراً أمنياً متصاعداً على الحدود الشرقية، في ظل استمرار الاستفزازات المتكررة من طرف الجيش المالي، وهو ما يجعل التنسيق الأمني مع الشركاء الدوليين، وعلى رأسهم فرنسا، أمراً ضرورياً».

لكن الإعلامي الموريتاني أضاف أن «الزيارة تأتي من جهة أخرى في ظل اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية نتيجة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، ما انعكس على سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار المحروقات، وهو ما يفرض على موريتانيا البحث عن شراكات اقتصادية، واستثمارات تضمن أمنها الطاقوي».

وخلص إلى التأكيد على أن «الزيارة لا تقتصر على بعدها البروتوكولي، بل تندرج ضمن رؤية استراتيجية، تهدف إلى تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، وتحصين البلاد في مواجهة التحديات الإقليمية والمتغيرات الدولية».

الأمن أولاً

في سياق متصل، أشارت صحف فرنسية عديدة إلى أن باريس تسعى لأن تناقش مع نواكشوط «الأزمة في منطقة الساحل الأفريقي»، وهي المنطقة التي فقدت فيها باريس نفوذها منذ سنوات، لصالح روسيا والصين.

وفي ظل توتر العلاقات بين فرنسا والأنظمة العسكرية، التي تحكم دول الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو)، قالت صحف فرنسية إن باريس ترى في نواكشوط «شريكاً استراتيجياً مهماً» في شبه المنطقة، وذلك بسبب «حالة الاستقرار والأمن» منذ 2011؛ تاريخ آخر هجوم إرهابي فوق أراضي موريتانيا.

وظلت نواكشوط محتفظة بمستوى عالٍ من التنسيق مع باريس، رغم أنها تخسر نفوذها في منطقة غرب أفريقيا بشكل تدريجي، وخسرته تماماً في دول الساحل الثلاث، ومع ذلك تحاول نواكشوط توسيع التعاون مع الفرنسيين ليدخل في إطار التعاون والشراكة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو).

جانب من زيارة الرئيس الموريتاني لمقر حلف شمال الأطلسي واجتماعه بالأمين العام للحلف الشهر الماضي (الرئاسة الموريتانية)

وكان الرئيس الموريتاني قد زار في مارس (آذار) الماضي، مقر حلف الناتو في بروكسل، وعقد لقاءات مع قيادة الحلف، حيث أجرى مباحثات مع الأمين العام للحلف، أكدت المصادر أنها تناولت «تعزيز وتنويع الشراكة الأمنية والعسكرية» بين الطرفين.

علاقة مضطربة

ترتبط موريتانيا وفرنسا بعلاقات شديدة التعقيد، بدأت منذ بداية القرن العشرين، حين دخلت فرنسا الأراضي الموريتانية بصفتها قوة استعمارية، لكنها منحتها الاستقلال عام 1960، إلا أن قوى معارضة آنذاك ظلت تعتبره استقلالاً شكلياً؛ لأن الإدارة وقيادة الجيش والأمن كانت بيد الفرنسيين، كما أن الثروات المعدنية هي الأخرى كانت تهيمن عليها شركات فرنسية، جرى تأميمها فيما بعد عام 1974.

ومنذ الاستقلال مرت العلاقات بفترات من التقلب، وصولاً إلى ذروة التوتر عام 1999 حين طردت موريتانيا المسؤولين العسكريين الفرنسيين، وقوات كانت تتولى مهام تدريب وتأطير العسكريين الموريتانيين، وجاء القرار على خلفية اعتقال ضابط موريتاني في باريس في إطار اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان.

وعادت العلاقات بين البلدين إلى التهدئة ثم القرب الوثيق، خاصة مع تصاعد خطر الإرهاب والتطرف في منطقة الساحل، وموجة الانقلابات في دول الساحل، وطرد القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد، ثم خروجها فيما بعد من كوت ديفوار والسنغال، وفقدان باريس لكثير من مراكز قوتها التقليدية.


مقالات ذات صلة

تونس: محامو إعلاميَين موقوفَين منذ 2024 يطالبون بالإفراج عنهما

شمال افريقيا مظاهرة سابقة لصحافيين وسط العاصمة للمطالبة بـ«رفع القيود» عن رجال الإعلام (رويترز)

تونس: محامو إعلاميَين موقوفَين منذ 2024 يطالبون بالإفراج عنهما

طالب محامو الإعلاميَين التونسيَين البارزَين مراد الزغيدي وبرهان بسيس، الموقوفين منذ العام 2024، بالإفراج عنهما مع انطلاق محاكمتهما.

«الشرق الأوسط» (تونس)
الاقتصاد خلال إطلاق تقرير صندوق النقد الدولي عن «آفاق الاقتصاد العالمي» في واشنطن (أ.ف.ب)

الحرب تدفع صندوق النقد الدولي لخفض توقعاته للشرق الأوسط بنسبة حادة

خفَّض صندوق النقد الدولي، يوم الثلاثاء، توقعاته للنمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل حاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا شوقي الطبيب (غيتي)

تونس: سجن رئيس سابق لهيئة مكافحة الفساد بتهمة «الفساد»

أصدر قاضٍ بالقطب القضائي المالي في تونس، الثلاثاء، حكماً يقضي بسجن المحامي والرئيس السابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

موريتانيا: الموالاة والمعارضة تتبادلان تهمة «تعطيل الحوار»

تبادل الاتهامات بين أكبر حزبين في موريتانيا يثير الشكوك حول إمكانية تنظيم حوار وطني، سبق أن دعا له الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني.

الشيخ محمد (نواكشوط)
الخليج من لقاء الرئيس الصيني شي ​جينبينغ بولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان (رويترز)

الرئيس الصيني يدعو إلى تعزيز العلاقات مع الإمارات

دعا الرئيس الصيني شي ​جينبينغ، اليوم الثلاثاء، إلى شراكة أكثر قوة وحيوية بين الصين والإمارات في ظل التغيرات ‌غير المسبوقة ‌التي ​يشهدها ‌العالم.

«الشرق الأوسط» (بكين)

الحكومة السودانية: مؤتمر ألمانيا تدخُّل «غير مقبول» في شؤوننا الداخلية

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
TT

الحكومة السودانية: مؤتمر ألمانيا تدخُّل «غير مقبول» في شؤوننا الداخلية

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

قالت الحكومة السودانية، اليوم الأربعاء، إن اعتزام ألمانيا استضافة مؤتمر حول السودان يمثل تدخلاً مفاجئاً وغير مقبول في شؤونه الداخلية، ويأتي دون التشاور مع الخرطوم.

وحذّرت الحكومة من أن التعامل مع الجماعات شِبه العسكرية مِن شأنه أن يقوّض سيادة الدولة.

ومن المقرر أن يركز مؤتمر برلين، الذي يُعقد اليوم الأربعاء برعاية كل من الحكومة الألمانية والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، أيضاً على تعهدات المساعدات الإنسانية.

ووفقاً للأمم المتحدة، لم يجرِ تأمين سوى نحو 16 في المائة من التمويل المطلوب لعام 2026 حتى الآن.

مشهد من الحياة اليومية في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وأعلنت وزارة التنمية الألمانية أن برلين ستُقدم 20 مليون يورو (23.58 مليون دولار) إضافية للسودان، هذا العام، مع وجود تعهدات تمويلية أخرى قيد الدراسة حالياً.

وقالت الوزارة، في بيان، إنها قدّمت، حتى نهاية 2025، مبلغ 155.4 مليون يورو لمشروعات في السودان والدول المجاورة المتضررة من الحرب فيه، وإنها ستزيد هذا المبلغ 20 مليون يورو هذا العام.


سكان الخرطوم يحلمون بـ«انتهاء المعاناة»


لاجئون سودانيون في منطقة أدري الحدودية بين تشاد والسودان يوم 9 أبريل 2026 (اليونيسيف)
لاجئون سودانيون في منطقة أدري الحدودية بين تشاد والسودان يوم 9 أبريل 2026 (اليونيسيف)
TT

سكان الخرطوم يحلمون بـ«انتهاء المعاناة»


لاجئون سودانيون في منطقة أدري الحدودية بين تشاد والسودان يوم 9 أبريل 2026 (اليونيسيف)
لاجئون سودانيون في منطقة أدري الحدودية بين تشاد والسودان يوم 9 أبريل 2026 (اليونيسيف)

لم تكن حرب السودان، التي اندلعت بين عشية وضحاها بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، مجرد رصاص طائش أو قصف عشوائي، بل كانت زلزالاً هزّ تفاصيل الحياة اليومية للناس.

وعبّر سكان التقتهم «الشرق الأوسط» في الخرطوم ورصدت واقعهم بمناسبة الذكرى الرابعة للحرب، عن أملهم بـ«انتهاء المعاناة».

وروى علي الطيب الذي كان اختار دراسة الهندسة الكيميائية، قبل أن تتحول خططه إلى واقع افتراضي مؤجل، كيف عاش حالة من الهلع خلال الأشهر الأولى، مما اضطره وأسرته إلى النزوح من ولاية النيل الأبيض إلى مدينة تلودي بولاية جنوب كردفان. وقال: «لم تكن المعاناة مجرد انتقال جغرافي، بل انهيار لمسار تعليمي كامل (...) أعمل الآن بائعاً في متجر صغير. بعد توقف دراستي، أصبحت أعيش يوماً بيوم، على أمل أن أعود يوماً إلى مقاعد الجامعة».

أما عواطف عبد الرحمن، التي اختفى نجلها وقُصف منزلها في أم درمان، وهي الآن تبيع الشاي على الطرقات فقالت: «كل ما أريده هو أن تنتهي الحرب، وأن يعود ابني سالماً».


تونس تستأنف الحج اليهودي إلى كنيس الغريبة

من احتفالات يهود سابقة داخل كنيس الغريبة قبل وقوع الهجوم الإرهابي (أ.ف.ب)
من احتفالات يهود سابقة داخل كنيس الغريبة قبل وقوع الهجوم الإرهابي (أ.ف.ب)
TT

تونس تستأنف الحج اليهودي إلى كنيس الغريبة

من احتفالات يهود سابقة داخل كنيس الغريبة قبل وقوع الهجوم الإرهابي (أ.ف.ب)
من احتفالات يهود سابقة داخل كنيس الغريبة قبل وقوع الهجوم الإرهابي (أ.ف.ب)

يُستأنف الحج اليهودي إلى كنيس الغريبة في جزيرة جربة التونسية، نهاية أبريل (نيسان) الحالي، مع فتحه أمام المشاركين بعد عامين أُقيم خلالهما بحضور محدود، وذلك على خلفية التوترات الإقليمية، وفق ما أعلنته لجنة التنظيم، اليوم الثلاثاء.

وأوضح رئيس اللجنة، بيريز طرابلسي، في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن الحج سيقام من 30 أبريل الحالي إلى 6 مايو (أيار) المقبل، وسيكون «مفتوحاً للجميع، تونسيين وأجانب، في إطار العودة التدريجية إلى الوضع الطبيعي». وكان موسم الحج السنوي قد نُظّم خلال العامين الماضيين بحضور محدود جداً، لأسباب مرتبطة بالوضع الأمني في تونس والحرب في غزة. وعادةً ما يستقطب هذا الحدث آلاف الحجاج من مختلف أنحاء العالم، ولا سيما من أوروبا والولايات المتحدة، إلى كنيس الغريبة؛ أقدم كنيس في أفريقيا، للمشاركة في ثلاثة أيام من الاحتفالات وأداء الشعائر.

لكن المنظمين أشاروا إلى أن الأنشطة، هذا العام، ستقتصر على داخل الكنيس، دون تنظيم فعاليات خارجية. وأشاد طرابلسي بجهود السلطات لضمان تنظيم الحج، مؤكداً أن «تونس وجربة تظلان أرضاً للتسامح والتعايش والسلام». وفي موسم 2023، شارك نحو سبعة آلاف شخص في الحج، قبل أن يُقتل يهوديان، وثلاثة من عناصر الدرك في هجومٍ نفّذه شرطي أمام الكنيس في اليوم الأخير من الاحتفالات.

وفي مايو (أيار) 2024، اقتصر الحج على الصلوات وإشعال الشموع دون مَسيرات، بسبب ذلك الهجوم والحرب في غزة. أما في مايو 2025، فلم يشارك سوى نحو خمسين حاجّاً في شعائر أُبقيت عند الحد الأدنى. ويُرجَّح أن يعود تاريخ بناء كنيس الغريبة إلى القرن السادس قبل الميلاد، وقد تعرّض في عام 2002 لهجوم انتحاري بشاحنة مفخّخة أوقع 21 قتيلاً.

وكانت تونس تضم أكثر من 100 ألف يهودي قبل استقلالها في عام 1956، ويُقدَّر عددهم، اليوم، بنحو 1500، يعيش معظمهم في جربة.