استنفار أمني وشعبي في الجزائر قبيل الزيارة التاريخية لرئيس الفاتيكان

«جوهرة الشرق» تستعيد بريقها التاريخي بفتح أبوابها للبابا ليو الرابع عشر

الرئيس الجزائري مع البابا ليو الرابع عشر في إيطاليا في 25 من يوليو الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مع البابا ليو الرابع عشر في إيطاليا في 25 من يوليو الماضي (الرئاسة الجزائرية)
TT

استنفار أمني وشعبي في الجزائر قبيل الزيارة التاريخية لرئيس الفاتيكان

الرئيس الجزائري مع البابا ليو الرابع عشر في إيطاليا في 25 من يوليو الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مع البابا ليو الرابع عشر في إيطاليا في 25 من يوليو الماضي (الرئاسة الجزائرية)

تشهد مدينة عنابة، المعروفة بـ«جوهرة الشرق الجزائري»، حركية استثنائية وتحسينات ملموسة على عدة أصعدة، تحضيراً للزيارة التاريخية للبابا ليو الرابع عشر المرتقبة بين 13 و15 أبريل (نيسان) 2026.

زيارة بأبعاد متعددة

هذه الزيارة في سياق خاص يعكس الأبعاد الروحية والثقافية التي تمثلها، حيث خضعت «كنيسة القديس أوغسطين» ومحيطها لعمليات تجميل وصيانة دقيقة، باعتبارها المحطة المركزية التي سيحيي فيها البابا قداساً ذا رمزية كبيرة، بالنظر إلى ارتباطه بالنظام الأوغسطيني. كما انتهت أشغال التهيئة في «موقع هيبون» (هيبون التسمية القديمة لعنابة) الأثري ومتحفه، ليظهرا في أجمل صورة، مع عرض قطع أثرية نادرة من بينها «الغورغون» وتمثال النصر.

وزيرة الثقافة الجزائرية تتابع اللمسات الأخيرة من أشغال تهيئة كنيسة القديس أوغسطين (الوزارة)

وأشرفت وزيرة الثقافة مليكة بن دودة بنفسها على أشغال التحسين الجارية منذ شهور، حيث أظهرت السلطات العليا للبلاد أهمية غير عادية لهذه الزيارة، التي تعد الأولى لمسؤول الفاتيكان.

وامتدت التحضيرات لتشمل تحسين البنية التحتية والوجه الجمالي للمدينة، التي تطل على البحر الأبيض المتوسط، من خلال إعادة طلاء الواجهات، وتعزيز الإنارة العمومية، وتهيئة الطرقات المؤدية إلى المواقع التاريخية، إلى جانب إعداد ملف تقني لتصنيف «موقع هيبون» ضمن التراث العالمي لـ«اليونيسكو» في إطار المسارات الأوغسطينية.

الرئيس يلتقي بأبرز المسؤولين المدنيين والعسكريين في إطار التحضيرات لزيارة البابا ليو الرابع عشر (الرئاسة الجزائرية)

كما تم استغلال هذه المناسبة لرفع التجميد عن مشروعات قديمة، من بينها ترميم «القلعة الحفصية»، وتعزيز حماية أسوارها، في خطوة لاقت استحساناً واسعاً لدى سكان المدينة، الذين عبّروا بنوع من الدعابة عن أملهم في تكرار مثل هذه الزيارات، لما تحمله من أثر إيجابي على التنمية المحلية.

وبهذا الخصوص، قال سليمان لمجد، وهو عامل نظافة بوسط مدينة عنابة: «نعمل ليل نهار منذ ثلاثة أشهر لتنظيف كل الشوارع التي سيمر بها موكب البابا. ولم يسبق لي أن شهدت كل هذه الأهمية لزيارة مسؤول أجنبي لمدينتنا، وعلى أي حال، فقد حظي السكان بفرصة رد الاعتبار للمسالك الحضرية، وتأهيل الأرصفة التي تدهورت حالتها منذ فترة طويلة».

وزيرا الشؤون الدينية والخارجية ومدير الديوان بالرئاسة في اجتماع تحضير زيارة البابا (الرئاسة)

وعبر كريم، وهو موظف شركة الاتصالات الحكومية بعنابة، عن بهجة ممزوجة بأسف، بالنظر للظروف الاستثنائية التي تعيشها المدينة، قائلاً: «لست أدري إن كان ينبغي أن نشكر سلطاتنا أم البابا على كل هذه التحسينات التي تزينت بها مدينتنا وعلى أعمال الترميم الواسعة... فقد انتظرنا هذا الاهتمام منذ سنوات طويلة، لكنه لم يأت في النهاية إلا بفضل زيارة شخصية أجنبية».

جانب من أشغال تهيئة طريق بمدينة عنابة (ولاية عناية)

وتبدو مدنية عنابة اليوم، من خلال الأجواء التي تسبق زيارة البابا، كأنها تعيد اكتشاف إرثها الحضاري الممتد لقرون، في مسعى لتقديم صورة حديثة لمدينة، تجمع بين التاريخ والتجدد، وتواكب حدثاً دولياً غير مسبوق بكل ما يحمله من أبعاد رمزية وحضارية.

جاهزية أمنية عالية

وعكست هذه الديناميكية جاهزية رسمية مكثفة، حيث ترأس الرئيس عبد المجيد تبون اجتماع عمل، الاثنين، بحضور كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، خُصّص للوقوف على آخر الترتيبات التنظيمية واللوجيستية لضمان نجاح هذه الزيارة. كما تم في كل من الجزائر العاصمة وعنابة رفع درجة الجاهزية الأمنية والتنظيمية، مع تنسيق محكم بين مختلف الأجهزة لضمان مرور الحدث في ظروف آمنة، تعكس صورة البلاد على الصعيد الدولي.

وزيرة الثقافة ووالي عنابة بالموقع الأثري المسيحي هيبون الذي سيزوره البابا (الوزارة)

وأكد مسؤول بمحافظة الجزائر العاصمة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، مفضّلاً عدم نشر اسمه، أن السلطات الجزائرية «تتعامل مع هذه الزيارة باعتبارها أكثر من مجرد محطة بروتوكولية، بل بوصفها واجهة دولية تعكس قيم التسامح والحوار الروحي. ويتجلى ذلك أيضاً في الحركية الثقافية المتزامنة مع التحضير لمهرجان الفيلم المتوسطي، المقرر في 24 أبريل بعنابة، ما أسهم في تسريع وتيرة تهيئة المرافق الثقافية، على غرار قاعة السينماتيك ومسرح عز الدين مجوبي بالمدينة».

وسط مدينة عنابة (ولاية عنابة)

ومن المرتقب أن يتوزع برنامج الزيارة بين الجزائر العاصمة ومدينة عنابة، حيث سيشمل في العاصمة استقبالاً رسمياً من قبل رئيس الجمهورية وقيادات الدولة، إلى جانب لقاءات دبلوماسية وزيارات لمواقع سيادية. أما في عنابة فسيكون البرنامج متمحوراً حول زيارة موقع هيبون والكنيسة، والمعالم الأثرية، في مشهد يعكس عمق التاريخ الديني والحضاري للمنطقة.

وأعلن الفاتيكان عن البرنامج الرسمي للزيارة التاريخية، حيث ستبدأ الرحلة بمغادرة روما صبيحة يوم 13 أبريل الحالي، باتجاه الجزائر العاصمة. ومن المقرر أن يستهل البابا نشاطه بالمشاركة في مراسم الاستقبال الرسمية، تليها زيارة رمزية إلى «مقام الشهيد»، ثم عقد لقاء مع الرئيس تبون بمقر الرئاسة. كما سيلتقي في «قصر المؤتمرات» التابع لـ«جامع الجزائر» بكل من السلطات العمومية وممثلي المجتمع المدني، وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين في البلاد.

وفي مساء اليوم نفسه، سيؤدي البابا زيارة للصرح الديني «جامع الجزائر الأعظم»، ثم يتوجه إلى حي باب الوادي الشعبي العتيق لزيارة «مركز الأخوات الراهبات الأوغسطينيات»، ليختتم يومه الأول بلقاء مع الطائفة المسيحية في «كنيسة سيدة أفريقيا» بأعالي العاصمة.

كنيسة القديس أوغسطين بعنابة (الكنيسة)

وفي 14 من أبريل، ستنتقل الزيارة إلى مدينة عنابة، حيث سيتعرف البابا على المعالم التاريخية في «موقع هيبون» الأثري، ويعقد لقاءات مع «الجماعة الأوغسطينية»، و«جمعية الأخوات الصغيرات للفقراء». وسيكون الحدث الأبرز في هذه المحطة هو إحياء قداس ديني في بازيليك القديس أوغسطين، قبل أن يعود في نهاية اليوم إلى الجزائر العاصمة تأهباً لختام زيارته.


مقالات ذات صلة

الجزائر: محاكمة ثلاثة رؤساء سابقين لـ«فاف» بتهم فساد

شمال افريقيا محكمة سيدي امحمد بالعاصمة المختصة في جرائم الفساد (الشرق الأوسط)

الجزائر: محاكمة ثلاثة رؤساء سابقين لـ«فاف» بتهم فساد

يواجه ثلاثة رؤساء سابقين للاتحاد الجزائري لكرة القدم اتهامات عدة بالفساد، في محاكمة انطلقت أمس الثلاثاء، ويُرتقب أن تستمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (د.ب.أ)

الجزائر: تعيين وزير جديد للداخلية

عيّن الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، اليوم الثلاثاء، إبراهيم مراد، في منصب وزير دولة وزيراً للداخلية والجماعات المحلية، خلفاً لسعيد سعيود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)

الجزائر والنيجر تبحثان التحديات الأمنية وتهديدات الحدود المشتركة

الفريق أول السعيد شنقريحة يبحث مع وزير دفاع دولة النيجر، الفريق أول ساليفو مودي، التحديات الأمنية والتهديدات على الحدود المشتركة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)

مخاوف من أزمة جديدة بعد توقيف الجزائر 61 مغربياً

أعلنت الشرطة الجزائرية توقيف 61 مغربياً في مدينة وهران، بشمال غربي البلاد، بتهمة الانضمام إلى شبكة إجرامية دولية والتخطيط «لارتكاب أعمال تخريبية».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد وزير الدولة وزير المحروقات في الجزائر محمد عرقاب يتحدث في جلسة حوارية ضمن «مؤتمر البترول» العالمي بالرياض (الشرق الأوسط)

الجزائر: «أنبوب الغاز العابر للصحراء» يستهدف نقل 20 مليار متر مكعب إلى أوروبا

أكد وزير الدولة وزير المحروقات في الجزائر، محمد عرقاب، أن بلاده تعمل على تعزيز قدراتها الإنتاجية وتوسيع استثماراتها في قطاع الغاز الطبيعي...

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«اتحاد الشغل» التونسي يدعو إلى التظاهر لـ«تصحيح المسار»

مظاهرة سابقة نظمها «اتحاد الشغل» التونسي في العاصمة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية (الاتحاد)
مظاهرة سابقة نظمها «اتحاد الشغل» التونسي في العاصمة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية (الاتحاد)
TT

«اتحاد الشغل» التونسي يدعو إلى التظاهر لـ«تصحيح المسار»

مظاهرة سابقة نظمها «اتحاد الشغل» التونسي في العاصمة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية (الاتحاد)
مظاهرة سابقة نظمها «اتحاد الشغل» التونسي في العاصمة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية (الاتحاد)

دعت منظمات وطنية ونقابات وأحزاب تونسية إلى المشاركة المكثفة في مسيرة وطنية، دعا إليها «اتحاد الشغل» التونسي بعد غد السبت، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتدني الخدمات العامة، وللمطالبة بالحريات في البلاد.

وناشد «الاتحاد العام التونسي للشغل»، أكبر نقابة في البلاد، العمال والمواطنين إلى التجمع بساحة محمد علي الحامي، قبالة مقره المركزي بالعاصمة، للمشاركة في المسيرة الوطنية، وفق ما أوردت «وكالة الأنباء الألمانية»، اليوم الخميس.

ويحتج «الاتحاد» ضد تعليق السلطة المفاوضات الاجتماعية، وضد ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة، وتراجع كبير في القدرة الشرائية للعمال والموظفين. وهذا أحدث تحرك في الشارع للمنظمات في ظل انحسار كبير لأنشطة المجتمع المدني والمعارضة، منذ تعزيز الرئيس قيس سعيد لصلاحياته في الحكم في 2021، وإيداع العشرات من المعارضين والنشطاء والمحامين والصحافيين السجن في قضايا ترتبط بالتآمر على أمن الدولة وقضايا مالية، ونشر أخبار كاذبة.

وفيما تقول المعارضة إن القضايا سياسية وملفقة، يقول الرئيس سعيد إنه يعمل على مكافحة الفساد والفوضى، ومنع تفكيك مؤسسات الدولة.

وأطلقت صحيفة «الشعب»، الناطقة باسم «الاتحاد العام التونسي للشغل»، على تحرك يوم السبت مسيرة «تصحيح المسار».

وقال عثمان الجلولي، عضو المكتب التنفيذي للاتحاد، في تصريحات نقلها الموقع، إن المسيرة تأتي بعد تقييم للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية وضرب العمل النقابي، والتضييق على الحريات والمجتمع المدني ومحاصرة المنظمات، إلى جانب محاكمات لا تحترم في أغلبها المعايير القانونية.

كما دعت أيضاً «النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين» الصحافيين إلى المشاركة في المسيرة للمطالبة بـ«الشغل والحرية والكرامة».

من جانبها، حثّت «حركة نفس»، المدافعة عن الحقوق المدنية والسياسية، المواطنين والمجتمع المدني وجميع الأحزاب إلى المشاركة في المسيرة «دفاعاً عن الحرية والعدالة الاجتماعية».

من جهتها، قالت «جبهة الخلاص الوطني» المعارضة إن الخلافات بين الأحزاب «يجب ألا تعوق بناء أوسع جبهة نضالية سلمية قادرة على التصدي للحكم الفردي واستعادة الديمقراطية والدفاع عن الحقوق والحريات وفتح الطريق أمام إصلاح اقتصادي واجتماعي عادل».


السعودية واليابان تبحثان الاعتداءات الحوثية وتعزيز أمن الممرات المائية

وزير الخارجية السعودي ونظيره الياباني (الخارجية السعودية)
وزير الخارجية السعودي ونظيره الياباني (الخارجية السعودية)
TT

السعودية واليابان تبحثان الاعتداءات الحوثية وتعزيز أمن الممرات المائية

وزير الخارجية السعودي ونظيره الياباني (الخارجية السعودية)
وزير الخارجية السعودي ونظيره الياباني (الخارجية السعودية)

تلقى الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، اتصالاً هاتفياً، الخميس، من وزير خارجية اليابان توشيميتسو موتيجي، تناول الاعتداءات الحوثية الإرهابية على المملكة، وسبل تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين.

وأعرب وزير الخارجية الياباني، خلال الاتصال، عن إدانة بلاده الشديدة للاعتداءات الحوثية المتكررة التي استهدفت المطارات، والمنشآت المدنية في السعودية.

كما استعرض الوزيران علاقات التعاون الثنائي بين البلدين الصديقين، وبحثا مستجدات الأوضاع الإقليمية، والدولية، وسبل رفع مستوى التنسيق والتعاون بما يسهم في ضمان أمن الطاقة، وحرية الملاحة وسلامتها في الممرات المائية الإقليمية، والدولية.


السودان: تباطؤ العمليات العسكرية والغارات على الجبهات

جنود من الجيش السوداني بمطار الخرطوم الدولي في 3 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني بمطار الخرطوم الدولي في 3 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)
TT

السودان: تباطؤ العمليات العسكرية والغارات على الجبهات

جنود من الجيش السوداني بمطار الخرطوم الدولي في 3 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني بمطار الخرطوم الدولي في 3 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

تباطأت وتيرة العمليات العسكرية والهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» بشكل لافت على طول جبهات القتال المفتوحة، مقارنة بتصاعد حدة الاشتباكات العنيفة خلال الأسبوع الماضي.

ويأتي خفوت حدة المعارك، بعدما حقَّق الجيش في الآونة الأخيرة تقدماً كبيراً في محور شمال كردفان، الذي يُعدُّ أشد جبهات القتال ضراوة، إذ يسعى إلى توسيع نطاق سيطرته للوصول إلى إقليم دارفور، (غرب البلاد)، الذي يقع شبه كامل تحت قبضة «قوات الدعم السريع» باستثناء جيوب محدودة لا تزال تتحرَّك فيها «القوة المشتركة»، التابعة لحركات الكفاح المسلح المسانِدة للجيش.

عامل يرمم مبنى بالخرطوم عقب عودة نازحين إلى منازلهم في العاصمة السودانية 20 سبتمبر 2026 (أ.ف)

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد شنَّت هجمات واسعة النطاق في إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، واستولت على عدد من القواعد العسكرية الصغيرة وبلدات في شرق مدينة الرصيرص، أكبر مدن الإقليم الواقع تحت سيطرة الجيش.

وتحاول «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية - شمال»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، التقدم بوتيرة سريعة للسيطرة على المناطق التي تفتح الطريق نحو مدينة الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق، الذي تحول إلى واحدة من أهم جبهات المواجهة في الحرب.

وتشكِّل ولايتا شمال كردفان والنيل الأزرق حالياً اثنين من أبرز محاور القتال النشطة، بعدما انتقلت العمليات العسكرية خلال الأشهر الماضية إلى مناطق جديدة، في حين تحاول الأطراف المتحاربة تعزيز مواقعها وحشد قواتها على خطوط التماس.

هذه الانتصارات المتبادلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» غيَّرت من خريطة السيطرة على الأرض لصالح كل طرف، لكن يبقى اشتعال القتال في الجبهتين احتمالاً وارداً في الفترة المقبلة.

وخلال الأشهر الماضية لجأت الأطراف المتحاربة بشكل أساسي إلى استخدام مكثف للمسيّرات الاستراتيجية والانتحارية لتنفيذ عمليات قتالية متبادلة في عمق مناطق السيطرة لكل طرف، طالت كثيراً من المواقع المدنية في دارفور وكردفان الكبرى بوسط البلاد، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من العسكريِّين والمدنيِّين.

وفي السياق نفسه، أعلن حاكم إقليم غرب دارفور، موسى بحر الدين كرامة، أمس (الأربعاء) تنفيذ عملية عسكرية خاطفة، تمكَّنت من خلالها «القوة المشتركة» المتحالفة مع الجيش السوداني من السيطرة على منطقة بئر كليكل، شرق جبل مون بالولاية.

سودانية تعد طعاماً لتوزيعه على محتاجين بالعاصمة الخرطوم في 23 سبتمبر 2026 (أ.ب)

وقال الحاكم في بيان صحافي: «إن السيطرة على هذه المنطقة خطوة ذات دلالة استراتيجية في مسار استعادة كامل إقليم دارفور».

ونشر أفراد من «القوة المشتركة» مقاطع فيديو يؤكدون فيها السيطرة على بئر كليكل بولاية غرب دارفور، بينما لم يصدر أي تعليق رسمي من «قوات الدعم السريع»، ولم يتسنَّ التحقق من الأمر من مصادر مستقلة.

وتُعدُّ هذه المرة الثالثة منذ أشهر التي يحاول فيها الجيش السوداني والقوات المساندة له إحداث اختراق في غرب دارفور، التي تقع تحت سيطرة «قوات الدعم السريع».

وفي سياق آخر، تداول نشطاء موالون لـ«قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو تُظهر تخريج أعداد كبيرة من الضباط والجنود في مدينة نيالا بجنوب دارفور، التي يتخذها «تحالف تأسيس» عاصمة للحكومة الموازية في البلاد.

كما أظهرت مقاطع أخرى، عرضاً عسكرياً لآليات ومركبات قتالية جديدة يبدو أن «قوات الدعم السريع» حصلت عليها أخيراً.

ويُعزى تراجع المعارك في الوقت الراهن إلى أن الطرفين؛ الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، يتسابقان على تكثيف الحشود العسكرية على الأرض، استعداداً لمرحلة جديدة من المعارك.

ويأتي تراجع المواجهات العسكرية الأخير بالتوازي مع استمرار وتصاعد الجهود الدبلوماسية التي يبذلها الوسطاء، لدفع أطراف الصراع في السودان إلى هدنة إنسانية غير مشروطة، تمهِّد لوقف دائم لإطلاق النار.