مستشار الرئيس الأميركي يحث قادة ليبيا على نبذ خلافاتهم

تزامناً مع توقيع «الوحدة» اتفاقات نفطية مع شركات أميركية وفرنسية

بولس والدبيبة في لقاء بالعاصمة طرابلس (مكتب الدبيبة)
بولس والدبيبة في لقاء بالعاصمة طرابلس (مكتب الدبيبة)
TT

مستشار الرئيس الأميركي يحث قادة ليبيا على نبذ خلافاتهم

بولس والدبيبة في لقاء بالعاصمة طرابلس (مكتب الدبيبة)
بولس والدبيبة في لقاء بالعاصمة طرابلس (مكتب الدبيبة)

حثّ مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا دونالد ترمب، الذي يزور طرابلس، اليوم السبت، القادة الليبيين على نبذ خلافاتهم جانباً وتهيئة مناخ ملائم للاستثمار، تحكمه اعتبارات الأمن والاستقرار، وذلك في كلمة ألقاها أمام «قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد» المنعقدة في العاصمة.

الدبيبة خلال لقاء مع مسعد بولس في طرابلس (مكتب الدبيبة)

جاء ذلك في وقت تصدّر فيه ملف توسيع التعاون الليبي – الأميركي في مجال الطاقة جدول أعمال محادثات رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا، عبد الحميد الدبيبة مع بولس، وهي محادثات حظيت باهتمام أوساط سياسية واقتصادية، لا سيما أنها جاءت متزامنة مع توقيع اتفاقيات تطوير نفطي باستثمارات تتجاوز 20 مليار دولار.

وشملت هذه الاتفاقيات تعديل اتفاقية الشراكة بين شركة «الواحة» الحكومية الليبية وشركتي «كونوكو فيليبس» الأميركية و«توتال إنيرجيز» الفرنسية، إلى جانب مذكرة تفاهم مع شركة «شيفرون» الأميركية لدراسة فرص الاستثمار في الاستكشاف وتطوير الحقول، فضلاً عن مذكرة تعاون مع وزارة البترول المصرية في مجالات الاستكشاف والإنتاج، والخدمات اللوجيستية المصاحبة.

وفي كلمته أمام القمة، خاطب بولس القادة السياسيين في ليبيا قائلاً: «دعوا الخلافات جانباً لتهيئة مناخ ملائم للاستثمار»، مشيراً إلى ما وصفها بمؤشرات إيجابية باتجاه توحيد المؤسسات، من بينها اتفاق وقّعه مجلسا النواب والمجلس الأعلى للدولة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بشأن البرنامج التنموي الموحد، إضافة إلى وجود رئيس واحد للمؤسسة الوطنية للنفط، غير أنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة توحيد بقية المؤسسات الليبية.

وتعاني ليبيا انقساماً سياسياً وعسكرياً بين حكومتين، إحداهما في غرب البلاد برئاسة الدبيبة، والأخرى تسيطر على شرق البلاد، وأجزاء واسعة من الجنوب برئاسة أسامة حماد.

ونقل بولس في كلمته رسالة قال فيها إنه كُلّف بها من الرئيس ترمب، مفادها أن «الولايات المتحدة مستعدة للتعاون مع ليبيا، وتسعى إلى رؤيتها تنجح وتحقق مستويات متقدمة من الاستقرار والتنمية». وعدّ أن الاتفاقيات التي جرى توقيعها تمثل «عودة مشرفة لليبيا إلى السوق العالمية»، لافتاً إلى أن «كل برميل نفط يُنتج يسهم بشكل مباشر في دعم الاستقرار داخل البلاد».

رئيس المؤسسة الليبية للنفط مسعود سليمان ووزير النفط خليفة عبد الصادق في مائدة مستديرة على هامش قمة ليبيا للطاقة السبت (وزارة النفط)

أما بشأن لقاء الدبيبة وبولس، فأوضح بيان صادر عن حكومة «الوحدة» أن المحادثات تناولت «فرص توسيع التعاون في الملفات الاقتصادية ذات الأولوية، وفي مقدمتها قطاع الطاقة»، إلى جانب بحث «مسارات التعاون في قطاعي الطيران والمصارف». وعدّ الدبيبة أن «الشراكة مع الولايات المتحدة تشهد تقدماً عملياً عبر التعاون مع كبريات الشركات الأميركية في قطاع الطاقة»، مشيراً في هذا السياق إلى شركتي «كونوكو فيليبس» و«شيفرون»، فضلاً عن آفاق تعاون أوسع مع شركات أميركية في مجالات الطيران والطاقة الكهربائية والبنية التحتية المرتبطة بالقطاع.

وسبق لمسعد بولس أن زار ليبيا في يوليو (تموز) الماضي، حيث التقى في طرابلس الدبيبة، الذي عرض حينها فرصاً استثمارية على الجانب الأميركي تُقدَّر بنحو 70 مليار دولار في مجالات النفط والغاز والطاقة والبنية التحتية.

وجاءت محادثات الدبيبة ومستشار ترمب، عقب الإعلان عن توقيع شركة «الواحة للنفط» اتفاق تطوير حقول نفطية لمدة 25 عاماً، باستثمارات تتجاوز 20 مليار دولار بتمويل خارجي خارج الموازنة العامة لرفع القدرة الإنتاجية، بما يصل إلى 850 ألف برميل يومياً، مع صافي إيرادات متوقعة للدولة يفوق 376 مليار دولار. ووصف الدبيبة الاتفاق بأنه «إنجاز نوعي وفريد يعكس تعزيز علاقات ليبيا مع أكبر الشركاء الدوليين، وأكثرهم ثقلاً وتأثيراً في قطاع الطاقة عالمياً».

وكيل وزارة الدفاع في غرب ليبيا عبد السلام الزوبي في لقاء مع مستشار ترمب بطرابلس (وزارة الدفاع)

وذهب مراقبون إلى اعتبار أن هذه الاتفاقيات والمباحثات مثّلت دعماً سياسياً للدبيبة في وقت يواجه فيه انتقادات حادة من خصومه السياسيين وأزمات داخلية، تتجلى في مظاهرات أسبوعية تطالب برحيل حكومته.

على الصعيد الاقتصادي، حذر الخبير المتخصص في شؤون الطاقة، محمد الشحاتي، من أن غياب توافق وطني حول هذه المشاريع قد يؤدي إلى توسيع حصة الشركاء الأجانب، بما لا يخدم المصلحة الوطنية على المدى الطويل.

ورغم هيمنة الملف الاقتصادي، لم يغب البعد العسكري عن محادثات مستشار ترمب مع القادة الليبيين في غرب البلاد، حيث تطرق الدبيبة خلال لقائه مع بولس إلى جهود التعاون، والتنسيق القائم بين القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» ووزارة الدفاع التابعة لحكومته. كما عقد وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة، اللواء عبد السلام الزوبي، اجتماعاً مع بولس، ركز – وفق المكتب الإعلامي للحكومة – على دعم برامج التدريب، وبناء القدرات وتعزيز التنسيق مع «أفريكوم»، بما يخدم الاستقرار ويدعم مسار بناء المؤسسات العسكرية في إطار الدولة.

وفي خضم هذا الزخم، برز الحضور التركي في المشهد من خلال محادثات الدبيبة مع وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار، وبرفقة رئيس اللجنة الليبية – التركية في البرلمان التركي أرسن أكسوي، حيث جرى بحث سبل دعم المشاريع المشتركة في مجالات النفط والغاز والطاقة، ومتابعة أولويات التعاون ضمن الشراكة الليبية – التركية، بما يسهم في رفع كفاءة القطاع وتعزيز الاستدامة الاقتصادية.


مقالات ذات صلة

محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

شمال افريقيا محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)

محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

قال المصرف المركزي الليبي إن عيسى استعرض مع مسؤولين أميركيين في واشنطن جهود تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأنظمة الدفع الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي خلال ترؤسه اجتماعاً عسكرياً موسعاً في طرابلس (مكتب المنفي)

انقسام مسلحي غرب ليبيا حيال «مبادرة بولس» لتوحيد الجيش والحكومة

بدت التشكيلات المسلحة الموالية لعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية والمعارضة له في حالة ما بين «الاستنفار والغضب» منذ مناورة «فلينتلوك 2026».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)

انقسام مصري متصاعد إزاء ملف الوافدين

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
TT

انقسام مصري متصاعد إزاء ملف الوافدين

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي انقساماً متصاعداً إزاء تعامل الحكومة المصرية مع «ملف الوافدين»، تزامناً مع بروز مخالفات ارتكبها أجانب في مصر خلال الفترة الأخيرة.

وألقت الجهات الأمنية المصرية، مساء الأربعاء، القبض على أشخاص، قالت إنهم يحملون جنسية إحدى الدول -دون توضيح هويتهم- بعد انتشار مقطع مصور على منصات التواصل يُظهر قيامهم بحركات استعراضية والرقص ملوّحين بأسلحة بيضاء.

وأوضحت وزارة الداخلية في بيان أن المتهمين أقروا بارتكاب الواقعة في أحد شوارع القاهرة خلال احتفالهم بأعياد الربيع، مشيرةً إلى أنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم.

جاء هذا بعد أسبوع من واقعة أخرى في محافظة أسوان بجنوب مصر، حيث ضبطت أجهزة الأمن أشخاصاً يحملون جنسية إحدى الدول -دون الإفصاح عن هويتهم- بعد تداول مقطع يصور مشاجرة استخدم أطرافها الأسلحة البيضاء لخلافات مالية بينهم، دون أن يؤدي الحادث إلى إصابات.

«التمكين الاقتصادي»

وانقسمت «تدوينات» المصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين مدافعين عن إجراءات حكومية من شأنها «تمكين الوافدين اقتصادياً» لكي يتمكنوا من العيش خلال فترة إقامتهم المؤقتة، وآخرين يرون أن الوافدين تحولوا إلى «قنبلة موقوتة اقتصادياً وأمنياً»، وأن الأمر يتطلب ترحيل من يخالفون الإقامات وتحفيز عودتهم الطوعية إلى بلادهم.

ودخل إعلاميون على خط الجدال في برامجهم وعبر منصات التواصل الاجتماعي، وتطرقوا إلى الأزمات الاقتصادية التي تعانيها مصر مع ارتفاع فاتورة استيراد الغذاء والطاقة في وقت تُطرح مبادرات لدمج اللاجئين في برامج اقتصادية.

كما تضمنت التدوينات اتهامات للحكومة بأنها تساعد على دمج أشخاص قد يشكّلون خطورة أمنية، وذلك بعد بروز الحوادث الأخيرة، فيما التزمت الجهات الحكومية الصمت مكتفيةً بالتوضيحات التي أصدرتها مؤسسة «حياة كريمة» بشأن طبيعة برامجها لدعم الفئات الوافدة.

وقالت المؤسسة، التي تعمل في مشروعات مجتمعية وتنموية عديدة وتعتمد في جزء من مواردها على تبرعات منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، إن البرامج المخصصة لدعم الفئات الوافدة داخل مصر ممولة بالكامل من منح دولية مخصصة «دون أي مساس بموارد أو تبرعات المصريين، مع الالتزام بالفصل التام بين الحسابات وفق أعلى معايير الحوكمة، بما يُسهم في دعم جهود الدولة المصرية وتخفيف الأعباء عنها».

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

تحقيق «الانضباط»

مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، اللواء أشرف أمين، أكد أن الحكومة تتابع بشكل مكثف أي وقائع فردية تصدر عن الوافدين، وأنها تتعامل معها بحسم بما يسهم في تحقيق «حالة من الانضباط» بالمناطق التي يوجدون فيها.

وتابع: «بالتوازي مع ذلك، هناك مراجعة مستمرة لملف الوافدين والتعامل مع مخالفي الإقامات، وهو ما انعكس على تراجع أعداد المخالفين بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية».

وأضاف في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»: «الأجهزة الأمنية ترفع درجات اليقظة مع التوترات الراهنة في المنطقة، ووفقاً لما تشهده طبيعة الصراعات في دول الجوار. وهناك إجراءات مشددة لدخول الوافدين عبر الطرق الشرعية التي تكون في حالات عديدة بحاجة إلى موافقات أمنية مسبقة».

ورَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. ولا يوجد إحصاء رسمي معلن بأعداد المُرحَّلين حتى الآن.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وهو ما يكلّفها أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، وفق تقديرات حكومية مصرية.

أزمة اقتصادية ضاغطة

وانعكست الحملات الأمنية للتدقيق في أوضاع الوافدين، وكذلك الخطابات المناوئة لهم من جانب بعض المصريين، على أعداد السودانيين العائدين إلى بلادهم.

وحسب تصريح صحافي أدلى به الشهر الماضي العميد مبارك داوود سليمان، مدير معبر أرقين الواقع على الحدود المصرية - السودانية، والمشرف على المعابر، فإن «المعبر يشهد زيادة مستمرة في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن».

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بدايةً من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت إلى السودانيين المغادرين بقرار مماثل حتى مارس (آذار) الماضي.

ويرى الباحث في شؤون الهجرة ومؤسس «مركز الجنوب لحقوق الإنسان»، وجدي عبد العزيز، أن الانقسام بشأن أوضاع الوافدين في مصر آخذ في التصاعد نتيجة الأزمة الاقتصادية الحالية مع تداعيات حرب إيران وتراجع قيمة العملة المحلية؛ مشيراً إلى أن هذا أمر يحدث في كثير من دول العالم خلال الأزمات الاقتصادية الضاغطة.

ولفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الخطاب الحكومي في مصر، والذي يشير إلى تمتع الوافدين بالخدمات الحكومية من مياه وكهرباء وتعليم وغيرها، يمكن أن يعزز من الانقسامات بشأن آليات التعامل معهم في ظل أزمات معيشية يعانيها قطاع واسع من المصريين، كما أن الجدل يمكن أن توظفه الحكومة المصرية لمناشدة المجتمع الدولي تقاسم أعباء استقبال اللاجئين من دول الصراعات.


محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)
محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)
TT

محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)
محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)

هيمنت سياسات مكافحة غسل الأموال على المحادثات، التي عقدها ناجي عيسى، محافظ مصرف ليبيا المركزي، في واشنطن مع مسؤولين أميركيين، وذلك في ظل تعقّب النيابة العامة لقضايا «فساد».

وقال المصرف المركزي إن المحافظ استعرض جهود تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأنظمة الدفع الإلكتروني، واستحداث أدوات سياسة نقدية غير تقليدية، بما يتوافق مع المعايير الدولية، وهو ما عزّز ثقة المؤسسات المالية الدولية بالمصرف.

ناجي عيسى خلال مباحثاته مع المسؤولين الأميركيين (المصرف)

وأوضح المصرف في بيان، مساء الأربعاء، أن عيسى والوفد المرافق له عقدا اجتماعاً مع عدد من المسؤولين، من بينهم روبرت ب. ثومسون، النائب الأول لرئيس شركة «فيزا». مبرزاً أن اللقاء يأتي استكمالاً لسلسلة من الاجتماعات، التي تهدف إلى تعزيز الشمول المالي في ليبيا، من خلال تحفيز التوسع في خدمات المدفوعات الإلكترونية، ودعم مساعي المصرف المركزي لإحكام ضبط المعاملات المالية وتنظيمها، وفقاً للمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وتُعد ليبيا من بين أكثر خمس دول فساداً في العالم، وفق تقديرات منظمة الشفافية الدولية الصادرة مؤخراً. وتشير البيانات إلى تراجع ترتيب ليبيا في مؤشر مدركات الفساد إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة في تصنيف عام 2025.

وقال المصرف المركزي إن عيسى شارك في اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا وباكستان (MENAP)، الذي عُقد مع مدير عام صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد، والبنك الدوليين لعام 2026 في العاصمة الأميركية.

محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع روبرت ب. ثومسون (المصرف)

وناقش الاجتماع حزمة واسعة من القضايا الاقتصادية والتنموية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها تباطؤ النمو العالمي، وضغوط التضخم، وتحديات أسعار السلع الأساسية والطاقة.

وأضاف المصرف موضحاً أنه تلقى دعوة رسمية من وزارة الخارجية الأميركية، وعقد «اجتماعاً رفيعاً» في مقر الوزارة بواشنطن مع كايل ليستون، مساعد وزير الخارجية الأميركي. ونقل عن ليستون إشادته بنتائج الجهود التي قادها المحافظ ومجلس إدارة المصرف، واصفاً إياها بأنها «نموذج يُحتذى به في الإدارة المالية رغم الظروف القاهرة».

وفيما يتعلق بجرائم الفساد المالي في ليبيا، أعلن «جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب» تفكيك شبكة محلية، وتوقيف خمسة موظفين في أحد المصارف، إثر تورطهم في عمليات اختلاس وتلاعب بحساب أحد المواطنين.

وقال الجهاز إن التحقيقات كشفت أن المتهمين استغلوا سلطتهم الوظيفية لشحن بطاقات دولية، بقيمة 12 ألف دولار، وتنفيذ تحويلات بقيمة 63 ألف دينار، دون علم صاحب الحساب، ما تسبب في إدراج اسمه ضمن قوائم الاشتباه. (الدولار يساوي 6.33 دينار في السعر الرسمي).

ومن خلال تقنيات التتبع الإلكتروني والتحليل المالي، بحسب النيابة، تبيّن ارتباط هذه الواقعة بشبكة أوسع، استغلت بيانات أكثر من 200 ألف شخص في أنشطة غسل أموال منظمة. وبناءً على ذلك، تم ضبط المتهمين وإحالتهم إلى نيابة مكافحة جرائم الفساد، مع تأكيد الجهاز فرض رقابة صارمة لحماية الاقتصاد الوطني.

في سياق متصل، أصدرت محكمة استئناف طرابلس، منتصف الأسبوع، حكماً بسجن المدير السابق لإدارة التسويق الدولي بالمؤسسة الوطنية للنفط لمدة عشر سنوات، مع إلزامه بدفع غرامة مالية تتجاوز ملياراً و825 مليون دولار، إضافة إلى حرمانه الدائم من حقوقه المدنية، وذلك إثر إدانته بمخالفات جسيمة في ملفات تسويق النفط وتوريد المحروقات.

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب النائب العام)

وتعود تفاصيل القضية إلى دعوى رفعتها النيابة العامة، تتهم فيها المسؤول السابق بالتقاعس عن تحصيل أثمان شحنات من النفط الخام، والمشتقات المبيعة بين عامي 2010 و2017، فضلاً عن تورطه عام 2013 في اعتماد عقود لتوريد وقود بنزين، غير مطابق للمواصفات القياسية المعتمدة في ليبيا، وفقاً لما أعلنه مكتب النائب العام.


«قانون استرجاع الممتلكات الثقافية» الفرنسي يعمق «أزمة الذاكرة» مع الجزائر

أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

«قانون استرجاع الممتلكات الثقافية» الفرنسي يعمق «أزمة الذاكرة» مع الجزائر

أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

يرى مراقبون أن أي تقارب محتمل بين الجزائر وفرنسا بات بعيد المنال، في ظل التعقيدات القانونية التي استحدثها البرلمان الفرنسي بخصوص «ملف استرداد الممتلكات الثقافية المنهوبة من مستعمرات فرنسا السابقة».

الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان الفرنسي)

جاء ذلك بعد أن اعتمدت «الجمعية الوطنية» الفرنسية الاثنين الماضي «قانوناً إطاراً» يتعلق باسترداد «الممتلكات الثقافية المنهوبة» من الدول المستعمرة سابقاً، على أن يتم إصدار النص نهائياً، بعد مروره عبر «لجنة مشتركة» من غرفتي البرلمان.

ووُصفت بنود القانون بأنها مخيبة للآمال، ولا ترقى لمستوى المطالب الجزائرية، حيث يشدد خبراء على أن النص يتجاهل جوهر الملف المتمثل في استعادة آلاف القطع، والرموز المنهوبة منذ بدايات الاحتلال الفرنسي.

يُعد استرداد القطع الرمزية أحد المقترحات الرئيسة في التقرير الذي سلمه المؤرخ الفرنسي الكبير بنجامين ستورا للرئيس إيمانويل ماكرون في يناير (كانون الثاني) 2021، والذي يتضمن خطوات نصح المؤرخ باريس باتخاذها لتفكيك «مشكلة الذاكرة» مع الجزائر.

مقصلة «الاستثناءات»

تحظى هذه القضية بمكانة بارزة في أعمال «اللجنة المشتركة» للمؤرخين الجزائريين، والفرنسيين (5 باحثين من كل جانب) التي تأسست مطلع عام 2023 بمبادرة من رئيسي البلدين؛ عبد المجيد تبون، وإيمانويل ماكرون. ومع ذلك، يستبعد القانون عملياً قائمة طويلة من القطع ذات الشحنة الرمزية القوية، وذلك من خلال إقرار إجراءات مقيدة للغاية لرفع صفة «عدم القابلية للتصرف» التي تحمي الممتلكات التابعة للمجال العام، كما ينص على أن نطاق تطبيقه لا يمتد ليشمل المصادرات العسكرية، أو القطع المملوكة لمؤسسات تخضع لنظام قانوني خاص.

المؤرخ الفرنسي الشهير بنجامين ستورا (حسابه الشخصي)

وذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية، بخصوص القانون، أن ما نجا من مقصلة الاستثناءات يبقى «متواضعاً في أبعاده السياسية»، واصفةً الأمر بأنه «تقدمٌ بلا شك، لكن تداعياته على الجزائر محدودة». وبناءً على بنود القانون المستقبلي الذي يتجاهل «محفوظات كاملة قادمة من الجزائر»، لن تكون أي من القطع ذات الرمزية العالية، مثل سيف الأمير عبد القادر، أو مدفع «بابا مرزوق»، معنية بالاسترداد.

ونقلت «لوموند» عن ماثيو ديلديك، مدير متحف كوندي في منطقة شانتيي (40 كيلومتراً شمال باريس)، أن مؤسسته غير معنية بالاسترداد بسبب «نظامها القانوني المتميز»، رغم أن هذا المتحف يزخر بممتلكات من تراث الأمير عبد القادر، قائد المقاومة الشعبية ضد الاستعمار خلال القرن الـ19، والذي قضى أربع سنوات في الأسر (1884–1852) بقصر أمبواز الشهير وسط فرنسا. ويحتفظ القصر حالياً بالعديد من أغراض الأمير، خصوصاً مصحفه، وسيفه، وبرنسه.

مدفع بابا مرزوق أحد الممتلكات الثقافية التي تطالب الجزائر باسترجاعها (بلدية برست بفرنسا)

وزيادة على الموجودات التي تعود للأمير، يقول باحثون إن دوق أومال الفرنسي استولى خلال سقوط «زمالة» الأمير عام 1843 على 37 مخطوطاً، وخمسة سيوف، ومدفعين فينيسيين، وثلاث بنادق، ومسدسين، وخنجر، بالإضافة إلى أحذية، وقطع معدنية، وحقائب مطرزة بالذهب، ومجوهرات، وصناديق، ومنسوجات، في انتهاك صارخ للقوانين الفرنسية آنذاك.

وفي عام 1886، أورث الدوق مجموعاته لـ«معهد فرنسا»، واشترط في وصيته أن تظل هذه الأشياء «على حالها»، مانعاً بذلك أي خروج لها، ولو على سبيل الإعارة.

وينص القانون، الذي يجري إعداده حالياً، على إمكانية استرداد القطع الناتجة عن هبات، أو وصايا فقط في حالة موافقة الواهب، أو ذوي حقوقه. كما تُستثنى الممتلكات العسكرية من الاسترداد، بذريعة أن غنائم الحرب، شريطة تملك الدولة لها، «لا يمكن اعتبارها غير مشروعة». وينطبق هذا على مجموعات كاملة في «متحف الجيش»، بما في ذلك 38 مدفعاً برونزياً، تم الاستيلاء عليها أثناء سقوط الجزائر العاصمة في 5 يوليو (تموز) 1830، وسبع قطع مدفعية من سقوط تلمسان بغرب الجزائر عام 1842.

الرئيسان الجزائري والفرنسي بالجزائر في 25 أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

في المقابل، يقع القفطان (أو البرنوس)، وبعض المخطوطات، ورايات الأمير، بالإضافة إلى «مفتاح مدينة الأغواط»، ضمن نطاق تطبيق القانون، وبالتالي ستكون قابلة للاسترداد.

وجرى مطلع مارس (آذار) الماضي عرض أسلحة كانت مملوكة للأمير عبد القادر في منطقة ستان بضواحي باريس، وهي الأسلحة التي اشترتها جمعية تسمى «الفيدرالية الفرنسية الجزائرية للتجديد»، حيث صرح المؤرخ بنجامين ستورا، المولود بقسنطينة شرق الجزائر، حينها أن هذه القطع ستُعاد إلى الجزائر «قريباً».

التهرب من الاعتراف بالجرائم

بينما لم يصدر أي رد فعل رسمي من الجزائر على القيود، التي يضعها البرلمان الفرنسي بشأن «الممتلكات المنهوبة» التي تطالب بها، أفادت صحيفة «الشروق» بأن التشريع «يقلل من فرص حدوث تقارب مع الجزائر»، مشيرة إلى أن «اللوبي المهووس بالفكر الاستعماري (في فرنسا) تمكن من تقييد هذا القانون بنصوص تحول دون استعادة الجزائر بعض الممتلكات التي سرقها جيش الاحتلال الفرنسي».

الباحث الجزائري المختص في تاريخ الاستعمار حسني قيتوني (حسابه الخاص بالاعلام الاجتماعي)

وقال الباحث الجزائري المتخصص في تاريخ الاستعمار، حسني قيتوني، إن «ثمة ثغرة فُتحت بالفعل بفضل القانون، تُنهي الحصانة المطلقة ضد التنازل عن الأملاك التابعة للمجال العام، غير أنها ثغرة تترك يد الجانب الفرنسي مطلقة للحفاظ على هيمنته، عبر إدارة ملف الاسترداد وفق مبدأ كل حالة على حدة»، لافتاً إلى وجود «قيود جوهرية على عمليات الاسترداد، يبدو أنها صيغت خصيصاً لعرقلة المطالب الجزائرية».

وأضاف قيتوني موضحاً: «خلف السجالات التقنية حول عدم القابلية للتصرف في الممتلكات العامة، أو مبدأ كل حالة على حدة في عمليات الاسترداد، تبرز مسألة أعمق بكثير؛ وهي مسألة الاعتراف الكامل والشامل بجرائم الاستعمار. وطالما ظلت فرنسا تتحصن خلف الذرائع القانونية الواهية لرفض إدانة هذه الجرائم بوضوح، فلن تتمكن أي قوانين معقدة من تهدئة الذاكرة، أو الاستجابة للمطالب المشروعة للشعوب المنهوبة».

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

وكان وزير المجاهدين الجزائري قد صرح نهاية 2022 بأن «ملف الذاكرة» يتضمن عدة ملفات، منها: فتح واستعادة الأرشيف والممتلكات، واسترجاع رفات شهداء المقاومة الشعبية، التي تحتفظ بها فرنسا في بعض متاحفها، ودراسة ملف ضحايا التجارب النووية (أجرتها فرنسا في صحراء الجزائر مطلع ستينات القرن الماضي)، وملف المفقودين خلال حرب التحرير.