تراجع الدينار يثير مخاوف الليبيين من اتساع رقعة الفقر

وزير الاقتصاد بحكومة «الوحدة» قال إنها تصل إلى نحو 30 % من الشعب

رئيس حكومة الوحدة في اجتماع لمتابعة أعمال لجنة ضبط الأسعار في العاصمة الليبية (مكتب الدبيبة)
رئيس حكومة الوحدة في اجتماع لمتابعة أعمال لجنة ضبط الأسعار في العاصمة الليبية (مكتب الدبيبة)
TT

تراجع الدينار يثير مخاوف الليبيين من اتساع رقعة الفقر

رئيس حكومة الوحدة في اجتماع لمتابعة أعمال لجنة ضبط الأسعار في العاصمة الليبية (مكتب الدبيبة)
رئيس حكومة الوحدة في اجتماع لمتابعة أعمال لجنة ضبط الأسعار في العاصمة الليبية (مكتب الدبيبة)

لا تزال تداعيات خفض قيمة الدينار الليبي بنسبة 14.7 في المائة أمام الدولار تتصاعد في مختلف الأوساط السياسية والاجتماعية، في ظل مخاوف من اتساع رقعة الفقر في هذا البلد النفطي.

وتتباين آراء الليبيين بشأن نسبة الفقر، فبينما قال محمد الحويج، وزير الاقتصاد بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، إنها تصل إلى نحو 30 في المائة من الشعب الليبي وفق المعايير الدولية، اختلف آخرون حول حقيقة النسبة الصحيحة.

ومع قرار المصرف المركزي بخفض قيمة الدينار، اتسعت دائرة الاتهام لتشمل مختلف السلطات التشريعية والتنفيذية في ليبيا، في ظل ما يُنظر إليه على أنه «فشل جماعي» في صياغة سياسات رشيدة لإدارة عوائد النفط، التي تعد المصدر الرئيسي للدخل.

وانضم وزير الدولة السابق للشؤون الاقتصادية سلامة الغويل إلى أصوات ترى أن نسبة من وصلوا إلى خط الفقر أعلى بكثير مما أعلنه الحويج. وتوقع لـ«الشرق الأوسط» أن تكون النسبة الحقيقية في حدود 50 في المائة، معتبراً أن هذا الوضع «ما كان ينبغي أن يحدث في دولة غنية مثل ليبيا»، وأرجع ذلك إلى ما سمّاه «الإنفاق العام المنفلت الذي فرضه واقع الانقسام الحكومي والمؤسسي، إلى جانب تصاعد التدخلات الخارجية».

وأوضح الغويل أن غياب الإحصائيات الدقيقة يزيد من تعقيد هذا الأمر، مشيراً إلى «وجود طبقة محدودة، تُقدَّر بنحو 10 في المائة، تتمتع بمستويات عالية من الرفاهية، وأخرى في حدود 40 في المائة لديها دخول مرتفعة، في حين تمثل النسبة المتبقية، شريحة صغار موظفي الدولة، الذين لا تتجاوز رواتبهم في الغالب ألفي دينار».

وأشار الغويل إلى اعتماد ليبيا بدرجة كبيرة على السلع المستوردة لتلبية احتياجات السوق المحلية، «ما يعني أنه مع انخفاض الدينار وفقاً لقرار المصرف الأخير، سينعكس الأمر مباشرة على الأسعار، ويؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية لأصحاب الدخول الثابتة والمحدودة، وتآكل مدخراتهم، وانزلاق مزيد من أبناء الطبقة المتوسطة نحو دائرة الفقر».

وكان المصرف المركزي قد أعلن خفض قيمة الدينار إلى 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه خلال أقل من عام، مرجعاً القرار إلى تداعيات الانقسام السياسي الراهن، وما يترتب عليه من غياب ميزانية عامة موحدة، وتنامي الإنفاق العام، إضافة إلى تراجع عائدات النفط نتيجة انخفاض أسعار الخام عالمياً.

وتعيش ليبيا منذ سنوات على وقع انقسام سياسي يتمثل في وجود حكومتين متنافستين: الأولى «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ومقرها طرابلس، والأخرى برئاسة أسامة حماد، المكلّفة من البرلمان والمدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

كما لفت الغويل إلى «غياب الخطط والرؤى لمعالجة الأزمة، لا سيما ما يتعلق بضبط الإنفاق على مستوى البلاد، وغياب توحيد الأجهزة الأمنية والرقابية للتصدي لتهريب الوقود والنفط، ومواجهة احتكار السلع والتلاعب بأسعارها».

من جانبه، حذّر الخبير المصرفي صابر الوحش مما سمّاه «ثورة جياع» في ظل استمرار تراجع المداخيل، وبقاء الإنفاق المنفلت للحكومتين. ورأى في تصريح لـ«تلفزيون المسار» الليبي أن «المصرف المركزي كان يتوجب عليه التنسيق أولاً مع الجهات المسؤولة عن الإنفاق في الشرق والغرب»، معتبراً أن «لجوء المصرف إلى خيار خفض الدينار يعني تحميل أخطاء الحكومتين تكلفة إضافية على المواطن»، متوقعاً «ارتفاع نسبة الفقر إلى نحو 50 في المائة».

في المقابل، رفض عضو مجلس النواب الليبي عصام الجهاني ما يُطرح بشأن ارتفاع نسب الفقر، رابطاً ذلك بقلة عدد الليبيين مقارنة بدول الجوار. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تصوير قطاع واسع من الليبيين على أنه عاجز عن تأمين قوته اليومي «غير حقيقي»، رغم إقراره بوجود فساد وتراجع في القدرة الشرائية، مشيراً إلى أن معظم الأسر «تضم فرداً أو اثنين يتقاضيان رواتب من الدولة»، لافتاً إلى «استمرار استهلاك كميات غير هينة من السلع الغذائية الرئيسية ومن الكماليات».

ووجّه الجهاني انتقادات حادة لمجمل تصريحات الحويج، قائلاً: «الشعب ينتظر منه، إلى جانب توضيح الصورة الحقيقية، وضع خطط للمعالجة، وكشف وقائع الفساد الاقتصادي». كما انتقد قرار خفض الدينار، داعياً المصرف المركزي إلى تحديد «الجهات المسؤولة عن الإنفاق والشركات المحتكرة للاعتمادات».

وتُصنَّف ليبيا خلال السنوات الأخيرة ضمن الدول الأكثر فساداً، وفق تقارير منظمة الشفافية الدولية.

وتتباين الإحصائيات غير الرسمية لتعداد الشعب الليبي، لكن وكالة الأنباء الليبية قالت في يونيو (حزيران) 2023 إن تعداد سكان البلاد لسنة 2023 بلغ 8 ملايين و617 ألف نسمة، بحسب مصلحة الأحوال المدنية التابعة لوزارة الحكم المحلي بشرق البلاد، بينما بلغت تقديرات مصلحة الإحصاء والتعداد التابعة لوزارة التخطيط في حكومة «الوحدة» 7 ملايين ومائة ألف نسمة.


مقالات ذات صلة

«عسكريو مصراتة» يواجهون «الخطة الأميركية» بـ«مبادرة مدنية الدولة»

شمال افريقيا اجتماع فعاليات المنطقة الغربية بمصراتة (صفحات موالية لمصراتة)

«عسكريو مصراتة» يواجهون «الخطة الأميركية» بـ«مبادرة مدنية الدولة»

أعلن «المجلس العسكري» بمصراتة الليبية عن إطلاق مبادرة تحت اسم «مبادرة الدولة المدنية» وقال إنه يرفض «محاولات التسوية والصفقات التي تهدف لتقاسم السلطة».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا خلال توقيع العقد بين الشركة التركية والقيادة العامة في بنغازي (شعبة الإعلام الحربي)

مستعيناً بـ«شركة تركية»... هل ينجح صدام حفتر في توسيع نفوذه جنوباً؟

يتجه «الجيش الوطني الليبي» إلى الاستعانة بشركة تركية لمراقبة الحدود الجنوبية المترامية، في ظل مواجهات واسعة يجريها ضد «متمردين».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا دورية من الشرطة الزراعية تتفقد بقرة نافقة في غرب ليبيا بعد إصابتها بـ«الحمى القلاعية» (الشرطة الزراعية)

«الوحدة» الليبية تطلق خطة عمل لمحاصرة «الحمى القلاعية»

تعمل الأجهزة المعنية بالثروة الحيوانية في ليبيا على مواجهة تفشي «الحمى القلاعية» بتوجيه النصح لمربي الماشية، والتشديد على ضرورة الالتزام بالإجراءات الوقائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري المشاركون في «ملتقى الحوار السياسي» بجنيف يوم الجمعة الماضي (حسابات ليبية موثوقة على مواقع التواصل)

تحليل إخباري حراك ليبي لحلحلة الأزمة السياسية ومنع «تقاسم النفوذ»

في ظل «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام السياسي والعسكري في البلاد تتسابق شخصيات ليبية على إطلاق مبادرات يراها البعض تستهدف «إعادة التموضع».

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة يتوسط أعيان وحكماء زليتن يوم السبت (مكتب الدبيبة)

حكومة الدبيبة تشكو «الفساد والإهمال»... فمن يتحمل المسؤولية في ليبيا؟

أمام انطفاء عام للكهرباء في ليبيا، السبت، فوجئ مواطنون برئيس حكومة «الوحدة» ووزير داخلته يشكوان من أوضاع يفترض أنها من مسؤولية الحكومة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)