تونس: تقرير رقابي يكشف خسائر مهولة في 11 مؤسسة عمومية

تجاوزت 369 مليون دولار بسبب «ضعف آليات المراقبة والمتابعة»

صورة أرشيفية لطوابير شراء الخبز في العاصمة بعد أزمة الدقيق (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لطوابير شراء الخبز في العاصمة بعد أزمة الدقيق (أ.ف.ب)
TT

تونس: تقرير رقابي يكشف خسائر مهولة في 11 مؤسسة عمومية

صورة أرشيفية لطوابير شراء الخبز في العاصمة بعد أزمة الدقيق (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لطوابير شراء الخبز في العاصمة بعد أزمة الدقيق (أ.ف.ب)

كشف تقرير رقابي سنوي لمحكمة المحاسبات في تونس عن خسائر تقدر بأكثر من 369 مليون دولار أميركي (أكثر من مليار دينار تونسي) في 11 مؤسسة وشركة عمومية، بحسب ما أورده تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، اليوم (السبت). وتصدَّرت خسائر شركة الخطوط الجوية التونسية، التي تواجه صعوبات مالية وهيكلية، قائمة المؤسسات بنحو 109 ملايين دولار، وجاء خلفها ديوان البحرية التجارية والمواني بنحو 93 مليون دولار أميركي.

ومن شأن هذه الخسائر أن تضاعف الضغوط على أزمة المالية العمومية في تونس، وتحد من الجهود لتحسين الخدمات المتدنية في قطاعات عمومية حيوية، مثل الصحة والنقل. وأرجعت رئاسة الجمهورية، التي عرضت نتائج تقرير المحكمة لدى تسليمه للرئيس قيس سعيد، الخسائر إلى صرف أجور ومنح وتعويضات دون موجب قانوني، مع ضعف آليات المراقبة والمتابعة.

وقال الرئيس سعيد معلقاً على نتائج التقرير: «هذه الأرقام المفزعة كلها تعكس حجم الخراب والتخريب الممنهج الذي عاشته البلاد»، مضيفاً أن «الأمر يقتضي ترتيب الآثار القانونية على هذا الفساد، الذي استشرى في كثير من مفاصل الدولة». وسيطر الرئيس سعيد بشكل كامل على الحكم منذ 2021 بدعوى مكافحة الفساد، وإنقاذ مؤسسات الدولة من التفكك، بعد نحو عقد من الانتقال السياسي المتعثر الذي أعقب ثورة 2011، لكن خصومه يتهمونه بتقويض الديمقراطية وإخماد الأصوات المعارضة.

ويأتي هذا التقرير في سياق اقتصادي ضاغط، يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، فرغم تراجع معدل التضخم إلى 4.9 في المائة نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، فإن أسعار المواد الغذائية واصلت منحاها التصاعدي، مُسجِّلةً زيادةً سنويةً بلغت 6.1 في المائة، مع ارتفاعات حادة في أسعار اللحوم والخضر والفواكه والأسماك.

وفي مؤشر إضافي على اتساع دائرة الأزمة، حذَّر مهنيون في قطاع الدواجن من نقص حاد وغير مسبوق في مادتَي الذرة والشعير، وهو وضع لم تعرفه البلاد حتى خلال فترات الأزمات العالمية الكبرى، وأرجعوا هذا الاضطراب إلى إخلال بعض الشركات المُورِّدة بالتزاماتها القانونية، خصوصاً ما يتعلق بتأمين مخزون استراتيجي من الأعلاف.

رغم تحسّن التضخّم مؤخراً فإن القدرة الشرائية لدى المواطن لا تزال تتآكل بصورة مستمرة (أ.ف.ب)

ورغم تحسّن التضخّم مؤخراً، فإن القدرة الشرائية لدى المواطن لا تزال تتآكل بصورة مستمرة، وهو ما يقلّص من الطلب الداخلي، ويثقل كاهل الطبقات الفقيرة والمتوسطة، علماً بأن الدين العام لا يزال مرتفعاً حيث بلغ نحو 80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2024. كما أن التفاوت الجهوي يزيد من تفاقم الأزمة باعتبار أن المناطق الداخلية والأرياف تعاني أكثر من المناطق الساحلية، سواء من حيث التشغيل أو الخدمات، وهو ما يُغذّي التوترات الاجتماعية والهجرة الداخلية أو الهجرة خارج البلاد. وترتفع البطالة في هذه المناطق خصوصاً بين الشباب، وهي عامل أساسي لتغذية الشعور بالإحباط والخوف من المستقبل، وهو ما يُغذي بدوره نزف الهجرة، والعزوف عن المشاركة السياسية أو الاجتماعية البناءة.


مقالات ذات صلة

تونس: نشطاء يتظاهرون للمطالبة بإطلاق سراح سياسيين معارضين

شمال افريقيا جانب من الاحتجاجات المطالبة بالإفراج عن المعتقلين من المعارضة (إ.ب.أ)

تونس: نشطاء يتظاهرون للمطالبة بإطلاق سراح سياسيين معارضين

شارك نشطاء وسياسيون في مسيرة، اليوم (السبت)، في تونس العاصمة، للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين من المعارضة، الذين أودعوا السجن منذ 3 سنوات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا جانب من وقفة احتجاجية سابقة للمحامين التونسيين في العاصمة (إ.ب.أ)

محامو تونس يتظاهرون ضد «قيود تعوق عملهم»

تجمع محامون في قصر العدالة بتونس العاصمة، الجمعة، في وقفة احتجاجية ضد القيود التي تعوق عملهم في المحاكم وفي الدفاع عن الموقوفين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يدلي بصوته في انتخابات 2019 (الرئاسة)

موريتانيا: مطالب بتعديل الدستور لفتح ولاية ثالثة للرئيس

احتدم الجدل في موريتانيا بعد مطالب تدعو إلى تعديل الدستور الموريتاني، خصوصاً المواد الدستورية المُحصّنة التي تمنع رئيس الجمهورية من الترشح لولاية رئاسية ثالثة.

الشيخ محمد (نواكشوط)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال استقباله توم برَّاك المبعوث الأميركي إلى سوريا في الرياض (واس)

فيصل بن فرحان وتوم برَّاك يبحثان مستجدات أوضاع سوريا

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي وتوم برَّاك مبعوث الولايات المتحدة الأميركية إلى سوريا، الأحد، مستجدات الأوضاع في سوريا والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مرحباً بوزير خارجية غواتيمالا كارلوس راميرو مارتينيز في الرياض (واس)

وزيرا خارجية السعودية وغواتيمالا يستعرضان العلاقات الثنائية

استعرض الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، وكارلوس مارتينيز وزير خارجية غواتيمالا، الأحد، العلاقات بين البلدين كما بحثا المستجدات ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مجلس «الدولة» الليبي يرهن تفاوضه مع «النواب» بتنظيم «السلطة القضائية»

صورة وزعها المجلس الأعلى للدولة لجلسته الأحد
صورة وزعها المجلس الأعلى للدولة لجلسته الأحد
TT

مجلس «الدولة» الليبي يرهن تفاوضه مع «النواب» بتنظيم «السلطة القضائية»

صورة وزعها المجلس الأعلى للدولة لجلسته الأحد
صورة وزعها المجلس الأعلى للدولة لجلسته الأحد

وضع المجلس الأعلى للدولة في ليبيا «خطاً أحمر» بضرورة «صون استقلالية القضاء وضمان تنظيمه»، كمدخل أساسي لأي تسوية سياسية، مشترطاً أن يتم ذلك عبر توافق مباشر ومسبق مع مجلس النواب.

وأعلن المجلس، الذي استأنف مساء الأحد في العاصمة طرابلس جلسته المعلّقة برئاسة محمد تكالة، اعتماد توصيات لجنته القانونية، والتأكيد على «وجوب احترام أحكام المحكمة العليا وتنفيذها، بوصفها واجبة النفاذ قبل الشروع في أي مسار تفاوضي»، مشيراً إلى أن «لمجلسي النواب والدولة الحق في إدخال ما يلزم من تعديلات على التشريعات المنظمة للسلطة القضائية، شريطة أن يتم ذلك بالتوافق بينهما».

اجتماع مكتب العلاقات الدولية التابع للمجلس الأعلى للدولة يوم الاثنين (إدارة المجلس)

ويعني هذا، حسب مراقبين، استمرار الخلافات بين المجلسين، التي تتمحور حول حدود اختصاصاتهما؛ حيث يعتبر «الأعلى للدولة» نفسه شريكاً إلزامياً في أي تعديل دستوري أو تشريعي جوهري، خاصة ما يتعلق بالمسار الانتخابي والسلطة القضائية وملف المناصب السيادية، بينما يعتبر مجلس النواب نفسه صاحب الاختصاص الأصيل في التشريع.

وكانت المحكمة الدستورية العليا قضت بعدم دستورية قرار تعيين المستشار عبد الله أبو رزيزة رئيساً لمحكمة النقض (العليا)، مما يفرض على المجلسين العودة إلى طاولة المفاوضات لحل خلافاتهما.

وفي السياق نفسه، ناقش تكالة مع فريق «الوساطة السياسية» رؤيته للحل السياسي الليبي ومرتكزاته القائمة على التوافق المؤسسي، واستكمال المسار الانتخابي وفق أطر قانونية واضحة، بما في ذلك التصورات المتعلقة بخريطة الطريق الأممية، خصوصاً ما يتصل بتشكيل مجلس المفوضية والقوانين الانتخابية وآليات تقريب وجهات النظر بين المجلسين، بما يضمن استكمال مراحل الخريطة وصولاً إلى انتخابات شاملة.

وفي شأن آخر، قرر المجلس الأعلى تكليف اللجنة الاقتصادية بتنظيم ورش عمل وندوات متخصصة لبلورة مقترحات عملية تسهم في معالجة الأزمة الاقتصادية، بالإضافة إلى تكليف لجنتي الأمن القومي ومكافحة الفساد بمتابعة ملفي الفساد والتهريب مع الجهات المختصة، والعمل على تقديم حلول جذرية لمعالجتهما، فيما تم تأجيل بحث بنديَّ التأمين الصحي والكتاب المدرسي إلى الجلسة المقبلة.

بموازاة ذلك، بدأ رئيس أركان القوات الموالية لحكومة «الوحدة»، الفريق صلاح النمروش، زيارةً إلى العاصمة التركية أنقرة بدعوة من رئيس أركان الجيش التركي، الفريق سلجوق أوغلو، في إطار تعزيز علاقات التعاون العسكري والتنسيق.

وقال النمروش إنه بحث سبل توسيع التعاون في مجالات التدريب والتأهيل العسكري، وتبادل الخبرات، ودعم برامج بناء القدرات، بالإضافة إلى قضايا ذات اهتمام مشترك في المجالين الدفاعي والأمني بما يسهم في رفع جاهزية القوات.

رئيس أركان القوات الموالية لحكومة «الوحدة» صلاح النمروش في أنقرة مع رئيس أركان الجيش التركي يوم الاثنين (رئاسة أركان «الوحدة»)

كما اجتمع النمروش مع وزير الدفاع التركي يشار غولر في زيارته الأولى من نوعها إلى تركيا منذ توليه مهام منصبه خلفاً لسلفه محمد الحداد، الذي لقي حتفه نهاية العام الماضي إثر سقوط طائرته جنوب أنقرة أثناء عودته إلى طرابلس. وأُدرجت هذه الزيارة في إطار الحرص على توطيد الشراكات الدولية وتطوير المؤسسة العسكرية الليبية «وفق أسس احترافية حديثة».

بدوره، قال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، إن اجتماعه مع صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الليبي، تناول تعزيز مسار توحيد المؤسسة العسكرية، والاستعدادات للمناورات العسكرية المزمع إجراؤها في مدينة سرت بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها خلال شهر أبريل (نيسان) المقبل.

وأوضح بولس، عبر حسابه على منصة «إكس»، يوم الاثنين، أن النقاش ركّز على أهمية مناورة «فلينتلوك» المقبلة في ليبيا، وغيرها من الخطوات الملموسة الكفيلة بتعزيز توحيد المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب.

وعُقد الاجتماع على هامش مشاركة صدام حفتر في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن «MSC 2026»، حسب مكتب إعلام «القيادة العامة».


اشتعال حرب المسيّرات في السودان وتراجع المواجهات البرية

صورة وزعها فصيل «درع الشمال» الحليف للجيش وقال إنها لمنصة دفاع جوي دمرها الجيش (فيسبوك)
صورة وزعها فصيل «درع الشمال» الحليف للجيش وقال إنها لمنصة دفاع جوي دمرها الجيش (فيسبوك)
TT

اشتعال حرب المسيّرات في السودان وتراجع المواجهات البرية

صورة وزعها فصيل «درع الشمال» الحليف للجيش وقال إنها لمنصة دفاع جوي دمرها الجيش (فيسبوك)
صورة وزعها فصيل «درع الشمال» الحليف للجيش وقال إنها لمنصة دفاع جوي دمرها الجيش (فيسبوك)

تراجعت حدة المواجهات البرية في السودان لصالح تصاعد القتال الجوي بالمسيّرات. وأعلن الجيش استهداف «قافلة إمدادات عسكرية» على الحدود مع تشاد، اليوم الاثنين، غداة قصف «الدعم السريع» مستشفى بولاية سنار جنوب شرق البلاد.

وقالت «شبكة أطباء السودان»، وهي منظمة مهنية تطوعية، ومصادر في الجيش، إن 3 أشخاص قتلوا و7 آخرين جُرحوا، بينهم كوادر طبية، بعدما قصفت مسيّرة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» مستشفى مدينة المزموم بسنار. وأوضحت الشبكة أن «الدعم السريع» استهدفت مدنيين، وألحقت أضراراً بالمستشفى وبمحيطه، ما «أثر على قدرته على تقديم الخدمات العلاجية للمرضى ومصابي القصف».

وأعلن الجيش السوداني، في بيان، مساء الأحد، تنفيذ «عملية نوعية» قرب بلدة أبو زبد بولاية غرب كردفان، دمر خلالها «منظومة دفاع جوي قصيرة المدى» تابعة لـ«الدعم السريع»، غداة إعلانه تدمير منظومة دفاع جوي أخرى من طراز «FK-2000» صينية الصنع، كانت تشغلها «الدعم السريع» قرب بلدة الدبيبات بولاية جنوب كردفان.

في المقابل، قالت «الدعم السريع» إن مسيّرة تابعة للجيش قصفت معبر أدري الحدودي مع تشاد، ما أدى إلى مقتل نحو 20 شخصاً «معظمهم من التجار التشاديين»، إضافة إلى مصابين نُقلوا إلى مستشفيات داخل الأراضي التشادية.

ونقلت مصادر صحافية عن الجيش السوداني أن العملية استهدفت «قافلة إمدادات عسكرية» كانت في طريقها إلى «الدعم السريع» في ولاية غرب دارفور.

وذكرت مصادر إعلامية تابعة لـ«الدعم السريع» أن مسيّراتها قصفت مناطق غرب مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، الاثنين، وألحقت «خسائر فادحة بقوات الجيش» المتمركزة في غرب المدينة الاستراتيجية. ولم يصدر تأكيد من أي من الطرفين.

ومنذ بضعة أشهر، تزايد اعتماد الطرفين على المسيرات القتالية والانقضاضية، لتجنب الخسائر البشرية، خصوصاً بعد كسر الجيش حصار مدينتي كادوقلي والدلنج. ورصد تقرير لوكالة «رويترز»، الخميس الماضي، أكثر من عشر مسيّرات انتحارية بعيدة المدى جديدة قرب مطار نيالا بولاية جنوب دارفور الذي تسيطر عليه «الدعم السريع». وتوقعت أن تشن غارات كبيرة على مناطق الجيش. ووفقاً للوكالة، فإن مختبر جامعة ييل للأبحاث الإنسانية، تحقق قبل أشهر من وجود 13 طائرة مسيرة متطورة «دلتا وينغ» ومعدات إطلاق قرب المطار المذكور.


زيارة وزير داخلية فرنسا إلى الجزائر... «جس نبض» لاستئناف الحوار

وزير الداخلية الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي يوم الاثنين (وزارة الداخلية الجزائرية)
وزير الداخلية الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي يوم الاثنين (وزارة الداخلية الجزائرية)
TT

زيارة وزير داخلية فرنسا إلى الجزائر... «جس نبض» لاستئناف الحوار

وزير الداخلية الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي يوم الاثنين (وزارة الداخلية الجزائرية)
وزير الداخلية الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي يوم الاثنين (وزارة الداخلية الجزائرية)

في زيارة تنظر إليها أوساط سياسية وإعلامية على أنها «جس للنبض»، قَدِم وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز إلى الجزائر يوم الاثنين، ومن المتوقع أن يبحث إعادة إطلاق الحوار حول ملفات الأمن بين البلدين، وفي منطقة الساحل، إضافةً إلى قضية استرجاع المهاجرين الجزائريين غير النظاميين.

وأفاد بيان لوزارة الداخلية الجزائرية أن الوزير سعيد سعيود استقبل نظيره الفرنسي لدى وصوله إلى مطار العاصمة، من دون التطرق إلى تفاصيل.

وأوردت مصادر صحافية فرنسية أن نونييز سافر من باريس على رأس وفد أمني رفيع يضم أبرز مسؤولي أجهزة الأمن، ومن بينهم سيلين سيلين بيرتون مديرة الأمن الداخلي، ولويس لورجي مدير الشرطة، وإيبرت بونو مدير الدرك.

والزيارة، التي تستمر يومين، هي الأولى لوزير داخلية فرنسي منذ زيارة الوزير السابق جيرالد دارمانان عام 2022؛ وتعدّها بعض الأوساط مسعى لقياس مدى استعداد كل طرف لإنهاء خلافات حادّة بدأت في صيف 2024، إثر إعلان قصر الإليزيه اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء.

ومما وتر الأجواء أيضاً لشهور طويلة، إعلان وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو عن وجود «إرادة قوية» لطرد المهاجرين غير النظاميين، وإلغاء «اتفاقية 1968» التي تنظم الهجرة، والدراسة، والتجارة، و«لم الشمل العائلي» في فرنسا بالنسبة للجزائريين.

وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو (رويترز)

ورسمياً، يجري الحديث عن «انفراجة» مرتقبة في العلاقات الفرنسية - الجزائرية التي دخلت فيما تشبه «الغيبوبة الدبلوماسية» لفترة طويلة؛ غير أن التساؤلات في الأوساط غير الرسمية من الجانبين تتجاوز لغة البروتوكول لتطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت هذه التحركات ستثمر نتائج ملموسة، أم ستظل مجرد صور وبيانات استعراضية؟

ملفات شائكة

وتتركز الرهانات الحقيقية لهذه المرحلة في عدة ملفات شائكة، يتصدرها ملف «أوامر مغادرة التراب الفرنسي» الذي يمس مئات المهاجرين الجزائريين غير النظاميين، والذين رفضت الجزائر استقبال عدد منهم في ذروة الأزمة التي عصفت بالعلاقات.

كما تتصدر «قضية تصاريح المرور القنصلية» أجندة الخلاف، وهي وثائق حيوية تتيح لباريس ترحيل المهاجرين غير النظاميين، والتي جمَّدت القنصليات الجزائرية إصدارها منذ شهور. وأثار هذا الانسداد جدالاً حامياً في وسائل الإعلام الفرنسية التي ذهبت للبحث في «خلفيات العرقلة الجزائرية المتعمدة» لهذا المسار، بحسب وصفها، متسائلة عن مدى قدرة باريس على انتزاع تنازلات فعلية، وتحقيق خرق ملموس في هذا الملف المعقد.

وزيرا الداخلية الجزائري والفرنسي مع مدير الشرطة الجزائرية (وزارة الداخلية الجزائرية)

ويبرز الملف الأمني بوصفه أحد المحاور الأساسية، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، والاتجار بالمخدرات، والوضع المضطرب في منطقة الساحل، وسط شكوك حول إمكانية استئناف التعاون الأمني في ظل غياب الثقة السياسية بين الطرفين.

وعلى صعيد آخر، تبرز ملفات حساسة تحولت إلى «عقدة دبلوماسية»، وفي مقدمتها قضية الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في الجزائر، وقضية أمير بوخرص، صانع المحتوى (اليوتيوبر) الجزائري المعارض اللاجئ في فرنسا.

وتلقي مثل هذه الملفات بظلالها على مسار التقارب. وتُعد قضية الناشط الأربعيني بوخرص حلقة في التوترات الحالية، إذ أمرت النيابة الفرنسية في أبريل (نيسان) 2025 بسجن مسؤول قنصلي جزائري، واتهامه بـ«خطف واحتجاز اليوتيوبر، بهدف قتله»، لكن العملية فشلت، حسب تحقيقات الأمن الداخلي الفرنسي.

ويبقى السؤال الجوهري، وفقاً لمراقبين، حول مدى استعداد فرنسا للفصل بين ملفي الأمن والهجرة في تعاملها مع بلد يطرح إشكالات «سيادية» لا تقل تعقيداً، وعلى رأسها قضية «الذاكرة» بملفاتها المتشعبة. ويبدو أن الحكومتين في ضفتي المتوسط تُظهران «براعة» مماثلة في تصدير أزماتهما الداخلية، وتحويلها إلى أوراق ضغط سياسية متبادلة.

الشروط المسبقة

بعد جولة من «التصعيد الكلامي»، تراجع وزير الداخلية لوران نونييز عن لغة الشروط المسبقة التي حاول فرضها على أجندة زيارته للجزائر.

وكان نونييز قد ربط في وقت سابق أي تقدم في العلاقات بملفين شائكين، حسبما صرَّح به للصحافة الفرنسية، وهما التسريع «الفوري» لعمليات ترحيل المهاجرين الجزائريين غير النظاميين، وضمان إعادة قبولهم من طرف السلطات الجزائرية، والإفراج عن الصحافي غليز، الذي أصدر القضاء الجزائري في مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي حكماً بسجنه سبع سنوات مع التنفيذ، بتهمة «تمجيد» تنظيم انفصالي تصنفه الجزائر «جماعة إرهابية».

الصحافي الفرنسي المسجون بالجزائر كريستوف غليز (مراسلون بلا حدود)

هذه «الإملاءات» الفرنسية اصطدمت بجدار صد رسمي من جانب الجزائر، الذي اعتبر أن لغة الشروط المسبقة «تخص فرنسا وحدها ولا تعني الجزائر في شيء»، مجددة رفضها لأي ضغوط تمس بسيادة قرارها، أو قوانينها الداخلية.

وصرح الرئيس عبد المجيد تبون بهذا المضمون في مقابلة بثها التلفزيون الرسمي في السابع من الشهر الحالي، حين قال إن شروط وزير الداخلية الفرنسي «أمر يخصه ولا يخصني، فإن أراد المجيء فهو مرحب به».

وفُهم من كلامه أن الجزائر لن تتعهد بأي شيء تطالب به فرنسا قبل أن يجلس الطرفان إلى طاولة الحوار، لبحث كل القضايا الخلافية.

وأمام هذا الموقف، اضطر نونييز إلى تليين خطابه، والعدول عن صيغة «المقايضة»، مفضلاً الإبقاء على الزيارة في إطاريها السياسي، والفني.

وقرأه مراقبون على أنه اعتراف فرنسي باستحالة حل الملفات العالقة دون حوار، بعيداً عن منطق الشروط المسبقة الذي أجهض محاولات تقارب سابقة.