تونس: تقرير رقابي يكشف خسائر مهولة في 11 مؤسسة عمومية

تجاوزت 369 مليون دولار بسبب «ضعف آليات المراقبة والمتابعة»

صورة أرشيفية لطوابير شراء الخبز في العاصمة بعد أزمة الدقيق (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لطوابير شراء الخبز في العاصمة بعد أزمة الدقيق (أ.ف.ب)
TT

تونس: تقرير رقابي يكشف خسائر مهولة في 11 مؤسسة عمومية

صورة أرشيفية لطوابير شراء الخبز في العاصمة بعد أزمة الدقيق (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لطوابير شراء الخبز في العاصمة بعد أزمة الدقيق (أ.ف.ب)

كشف تقرير رقابي سنوي لمحكمة المحاسبات في تونس عن خسائر تقدر بأكثر من 369 مليون دولار أميركي (أكثر من مليار دينار تونسي) في 11 مؤسسة وشركة عمومية، بحسب ما أورده تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، اليوم (السبت). وتصدَّرت خسائر شركة الخطوط الجوية التونسية، التي تواجه صعوبات مالية وهيكلية، قائمة المؤسسات بنحو 109 ملايين دولار، وجاء خلفها ديوان البحرية التجارية والمواني بنحو 93 مليون دولار أميركي.

ومن شأن هذه الخسائر أن تضاعف الضغوط على أزمة المالية العمومية في تونس، وتحد من الجهود لتحسين الخدمات المتدنية في قطاعات عمومية حيوية، مثل الصحة والنقل. وأرجعت رئاسة الجمهورية، التي عرضت نتائج تقرير المحكمة لدى تسليمه للرئيس قيس سعيد، الخسائر إلى صرف أجور ومنح وتعويضات دون موجب قانوني، مع ضعف آليات المراقبة والمتابعة.

وقال الرئيس سعيد معلقاً على نتائج التقرير: «هذه الأرقام المفزعة كلها تعكس حجم الخراب والتخريب الممنهج الذي عاشته البلاد»، مضيفاً أن «الأمر يقتضي ترتيب الآثار القانونية على هذا الفساد، الذي استشرى في كثير من مفاصل الدولة». وسيطر الرئيس سعيد بشكل كامل على الحكم منذ 2021 بدعوى مكافحة الفساد، وإنقاذ مؤسسات الدولة من التفكك، بعد نحو عقد من الانتقال السياسي المتعثر الذي أعقب ثورة 2011، لكن خصومه يتهمونه بتقويض الديمقراطية وإخماد الأصوات المعارضة.

ويأتي هذا التقرير في سياق اقتصادي ضاغط، يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، فرغم تراجع معدل التضخم إلى 4.9 في المائة نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، فإن أسعار المواد الغذائية واصلت منحاها التصاعدي، مُسجِّلةً زيادةً سنويةً بلغت 6.1 في المائة، مع ارتفاعات حادة في أسعار اللحوم والخضر والفواكه والأسماك.

وفي مؤشر إضافي على اتساع دائرة الأزمة، حذَّر مهنيون في قطاع الدواجن من نقص حاد وغير مسبوق في مادتَي الذرة والشعير، وهو وضع لم تعرفه البلاد حتى خلال فترات الأزمات العالمية الكبرى، وأرجعوا هذا الاضطراب إلى إخلال بعض الشركات المُورِّدة بالتزاماتها القانونية، خصوصاً ما يتعلق بتأمين مخزون استراتيجي من الأعلاف.

رغم تحسّن التضخّم مؤخراً فإن القدرة الشرائية لدى المواطن لا تزال تتآكل بصورة مستمرة (أ.ف.ب)

ورغم تحسّن التضخّم مؤخراً، فإن القدرة الشرائية لدى المواطن لا تزال تتآكل بصورة مستمرة، وهو ما يقلّص من الطلب الداخلي، ويثقل كاهل الطبقات الفقيرة والمتوسطة، علماً بأن الدين العام لا يزال مرتفعاً حيث بلغ نحو 80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2024. كما أن التفاوت الجهوي يزيد من تفاقم الأزمة باعتبار أن المناطق الداخلية والأرياف تعاني أكثر من المناطق الساحلية، سواء من حيث التشغيل أو الخدمات، وهو ما يُغذّي التوترات الاجتماعية والهجرة الداخلية أو الهجرة خارج البلاد. وترتفع البطالة في هذه المناطق خصوصاً بين الشباب، وهي عامل أساسي لتغذية الشعور بالإحباط والخوف من المستقبل، وهو ما يُغذي بدوره نزف الهجرة، والعزوف عن المشاركة السياسية أو الاجتماعية البناءة.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: لجنة من 20 شخصية للإشراف على الحوار الوطني

شمال افريقيا اجتماع أحزاب الأغلبية الرئاسية مساء الخميس (حزب الإنصاف الحاكم)

موريتانيا: لجنة من 20 شخصية للإشراف على الحوار الوطني

اتفقت الأطراف السياسية في موريتانيا، أمس (الخميس)، على تشكيل لجنة تتولى الإشراف على الحوار السياسي المرتقب، تتكون من 20 عضواً.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «الرئاسة»

الرئيس الجزائري يجري تعديلاً وزارياً جزئياً

أجرى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، اليوم الثلاثاء، تعديلاً وزارياً جزئياً شمل أربع حقائب، وذلك بعد استشارة الوزير الأول، بحسب بيان لرئاسة الجمهورية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا إخماد حريق غرب تونس «الحماية المدنية»

إجلاء 100 شخص في حرائق غابات بولاية سليانة التونسية

أجلت السلطات في ولاية سليانة شمال تونس 100 شخص على الأقل بسبب حرائق غابات اندلعت، منذ أول من أمس الأحد في جبل بولمان بولاية سليانة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا جانب من المظاهرة المطالِبة بتطبيق قانون توظيف العاطلين «إ.ب.أ»

المعطلون في تونس يتظاهرون للمطالبة بتطبيق قانون توظيفهم

تجمع مئات التونسيين من أصحاب الشهادات العليا ممن طالت بطالتهم لأكثر من عشر سنوات، اليوم الثلاثاء، في وقفة احتجاجية قبالة مقر الحكومة التونسية.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا بسبب الحر الشديد تقلص منسوب المياه في الوديان وأصبح المزارعون يقطعون مسافات طويلة للحصول على المياه (أ.ب.إ)

تونس: وفيات في المستشفيات والسجون بسبب الحر الشديد

أبلغت منظمات حقوقية و«المنظمة التونسية للأطباء الشبان»، فجر اليوم السبت، عن حالات وفاة في المستشفيات بسبب موجات الحر، إلى جانب تسجيل وفيات في صفوف سجناء.

«الشرق الأوسط» (تونس)

الضروريات أثقل من الجيوب... كيف يدبّر السودانيون قوت يومهم؟

سودانيون في سوق بأم درمان 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان 26 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

الضروريات أثقل من الجيوب... كيف يدبّر السودانيون قوت يومهم؟

سودانيون في سوق بأم درمان 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان 26 أبريل 2026 (أ.ب)

يبدأ يوم السودانية سهام الضي باكراً، وحينها تقصد المرأة الستينية سوق أم درمان، وليس في يدها قائمة مشتريات، إنما بحثاً عن عمل يتيح لها توفير طعام اليوم، فأحياناً تنظف جوالاً من الفول مقابل 5 آلاف جنيه (أقل من دولار)، وتشتري بعائده شيئاً من العدس والدقيق لإعداد «القراصة» (خبز محلي)، أما إذا لم تجد عملاً فتسلك طريقاً آخر... وهو التسول.

تذهب سهام إلى إحدى الجزارات، لتلقي التحية، وتنتظر الجزار الذي يمد يده إليها بقطعة شحم، وأحياناً يضيف إليها عظماً. «إحساس قاتل»، تقول سهام لـ«الشرق الأوسط» وهي تنظر إلى الأرض، ثم تضيف: «أحاول إقناع نفسي بأن هذا أفضل من السرقة».

خلال 40 دقيقة قضتها «الشرق الأوسط» أمام ست جزارات في الجانب الشمالي من سوق أم درمان، جاءت ثلاث نساء إلى المكان نفسه والهدف نفسه. ويقول تجار إن نساء ورجالاً باتوا يقصدونهم طلباً للشحوم والعظام التي كانت تُلقى في السابق للكلاب الضالة. ولم يعد يوم سهام استثناء في بلد أنهكته حرب دخلت عامها الرابع، ودفعت كثيرين إلى البحث عن قوتهم في ما كان يُرمى جانباً.

جزار في «سوق أم درمان» (الشرق الأوسط)

بالنسبة إلى ملايين السودانيين، أصبح تدبير الضروريات نفسها يستنزف ساعات اليوم: ماء يجب العثور عليه، وخبز ينبغي حساب ثمنه، طعام تتقلص مكوناته كلما ارتفعت الأسعار، ودواء قد يضطر المريض إلى تأجيل شرائه.

البحث عن الماء

إذا كان يوم سهام في أم درمان يبدأ بالبحث عن عمل يوفر لها الطعام، فعلى بعد مئات الكيلومترات يبدأ يوم آخر بالبحث عن الماء، ففي مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، تخرج فاطمة، ذات الـ15 عاماً، في انتظار نصيب أسرتها من المياه. وثقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» في يوليو (تموز) الماضي معاناة هذه الفتاة، وقالت إنها تقضي الفترة من الصباح حتى الظهر في الانتظار أمام خزانات المياه، وإذا نفدت المياه قبل أن يصل دورها، تضطر إلى المشي أكثر من ساعة بحثاً عن مصدر آخر.

أشخاص يصطفون لإعادة ملء خزانات المياه التي تجرها الحمير خلال أزمة المياه في بورتسودان (أ.ف.ب)

وتشير تقارير إنسانية إلى أن بعض أسر المدينة باتت تقضي نحو نصف يومها في البحث عن الماء، وحتى حين تحصل فاطمة على القليل منه، لا تنتهي المهمة، إذ تبدأ مفاضلة أخرى داخل المنزل: «أيذهب الماء للشرب أم للطبخ، وماذا يتبقى لغسل الملابس وبقية الاحتياجات».

لكن الحصول على الماء ليس سوى أول حسابات اليوم، فمع حلول الصباح، يأتي حساب الخبز، ففي العاصمة الخرطوم، لا توجد حالياً أزمة في توفره، حسب محمد عوض جبران، نائب الأمين العام لاتحاد أصحاب المخابز السودانية، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن معظم المخابز عادت إلى العمل، والإنتاج متوافر، ولا توجد صفوف أو مناطق تعاني نقصاً، ويحصل المستهلك على ثلاثة أرغفة بألف جنيه (الدولار يساوي 7 آلاف جنيه)، بوزن يتجاوز عادة 60 غراماً للرغيف الواحد.

مخبز لبيع الخبز السوداني... وفرة وقلة شرائية بسبب الغلاء (الشرق الأوسط)

غير أن وجود الخبز في المخبز لا يعني بالضرورة أن المشكلة انتهت، يقول جبران: «المشكلة مشكلة اقتصاد وليست مشكلة مخابز»، ويوضح أن تراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية انعكس على مختلف مدخلات الإنتاج. يقول جبران إن سعر جوال الدقيق، وفقاً لاتفاق مع الجهات الحكومية، أصبح نحو 87 ألف جنيه، بينما تجري مشاورات مع الوزارة لتقليل تكاليف الإنتاج، ويتابع: «رغم التحسن النسبي لسعر صرف الجنيه خلال اليومين الماضيين، أخشى أن تعيد تقلبات العملة الضغط على الرغيف مجدداً»، ويحذر من أن الحفاظ على السعر الحالي سيصبح صعباً إذا عاود الجنيه التراجع: «إذا تراجع سعر الصرف، سيؤثر على سعر الخبز».

ومن المخبز ينتقل حساب اليوم إلى السوق، حيث لا تكمن المشكلة دائماً في ندرة السلع، بل في مقدار ما يستطيع الجيب شراءه منها. ففي سوق أم درمان، الذي يُفترض أن تبلغ حركته ذروتها صباحاً، لم يتجاوز عدد المترددين على ست جزارات خلال أربعين دقيقة نحو عشرين شخصاً، غالبيتهم من الرجال.

يقول الجزار محمد جمعة لـ«الشرق الأوسط»، إن سعر كيلو لحم الضأن ارتفع من 38 ألف جنيه إلى 48 ألفاً، ولحم العجل من 33 ألفاً إلى 38 ألفاً، فيما قفز سعر الكبدة من 48 ألفاً إلى 60 ألف جنيه. لكن ما يلفت جمعة أكثر من ارتفاع الأسعار هو تقلص الكميات التي يطلبها المشترون. يقول إن الإقبال ازداد على ما يُعرف محلياً بـ«مس كول»، وهي تسمية ساخرة يطلقها السودانيون على شراء مقادير متناهية الصغر من السلع، مثل «نصف ربع» كيلو من اللحم، أي نحو 125 غراماً فقط.

مقاطعة للخضروات

بالقرب من الجزارات، يبدو الركود أشد وضوحاً في سوق الخضراوات، إذ يجلس فتح الرحمن عبده في انتظار زبائن يتأخر حضورهم. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «ما في زبائن... منذ الصباح شربت ثلاثة أكواب من القهوة حتى أقاوم النعاس». ولا يواجه عبده ضعف المشترين فقط؛ فالأسعار التي يشتري بها بضاعته تتحرك بسرعة أيضاً، يقول إنه اشترى كرتونة الطماطم بمبلغ 160 ألف جنيه، ثم وجد سعرها في اليوم التالي قد قفز إلى 200 ألف.

أما سليمان آدم فيقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه ظل يعمل في السوق منذ عام 1969، فيقيس الأزمة بما شاهده خلال أكثر من نصف قرن خلف بضاعته، يقول إنه لم يشهد طوال تلك العقود ضعفاً مماثلاً في إقبال المواطنين على الشراء.

بائع خضراوات يشكو من انعكاس ضعف القوة الشرائية على تجارته (الشرق الأوسط)

الراتب يكفي أسبوعاً واحداً

مع اقتراب الظهيرة، تنتقل حسابات السوق إلى مكان آخر هو «مطابخ المنازل»، فما لم يستطع الجيب شراءه في الصباح، لن يصل إلى قدر الغداء، وتعرف هدية موسى هذه المعادلة جيداً، فهي قد عادت إلى السودان من رحلة لجوء إلى مصر قبل سبعة أشهر، ومنذ عودتها تراقب قائمة الأشياء التي تستطيع أسرتها شراءها وهي تتقلص.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أصبحت أطبخ في الغالب من غير لحم»، قبل أن تضيف: «كيلو الطماطم وصل 15 ألف جنيه، كيف أطبخ؟ كيف أطعم عيالي؟».

ولا تقيس هدية الأزمة بسعر الطماطم واللحم وحدهما، وإنما بعدد الأيام التي يستطيع دخل الأسرة أن يصمد خلالها، تقول: «قبل الزيادات الأخيرة كان المرتب لا يكفي حتى نهاية الشهر، الآن يكفي أسبوعاً واحداً».

حركة البيع في سوق أم درمان 27 أغسطس (أ.ف.ب)

أما عماد علي، فقد أعاد ترتيب مائدة أسرته على أساس ما يستطيع تحمله. اختصر شراء اللحم إلى ربع كيلو مرة أو مرتين في الأسبوع عندما تسمح الظروف، بينما تعتمد الأسرة في بقية الأيام على العدس والبطاطس وسلطة الباذنجان، كما تخلى عن الحليب الطازج لمصلحة مسحوق الحليب.

فاتورة المدارس

ولم يقتصر التقشف على داخل المنزل، بل وصل إلى حقيبة المدرسة، فقد بات أطفال عماد يحملون معهم سندوتشات الطعمية بصورة شبه يومية، باعتبارها خياراً أقل تكلفة. لكن الحساب الاقتصادي الذي يفهمه الأب لا يعني الكثير للأطفال، الذين احتجوا عليه أخيراً قائلين: «ما ممكن نأكل طعمية كل يوم».

وما يظهر في مطبخ هدية وحقيبة أطفال عماد هو الوجه اليومي لأزمة أوسع، إذ يواجه نحو 19.5 مليون سوداني مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق أحدث التقديرات المتاحة، فيما لا تزال أسعار المواد الغذائية الأساسية عند مستويات مرتفعة بصورة استثنائية.

ومع مرور ساعات اليوم، يمكن للأسرة أن تؤجل شراء اللحم، وتستبدل صنفاً من الطعام بآخر، وتقلل الكميات أو تكرر الوجبة نفسها، لكن ثمة حساباً يصبح أكثر قسوة عندما يتعلق الأمر بالمرض.

تشير أحدث البيانات الصحية إلى أن نحو 37 في المائة من المرافق الصحية في السودان لا تعمل، فيما يحتاج نحو 21 مليون شخص إلى خدمات صحية، وسط نقص في الأدوية وارتفاع تكلفة الوصول إلى العلاج.

سوق شبه خالية في الخرطوم (الشرق الأوسط)

في دارفور، وثقت منظمة «أطباء بلا حدود» حالات يضطر فيها المرضى إلى السفر لساعات للوصول إلى منشأة صحية عاملة، وبالنسبة إلى بعضهم، لا تبدأ تكلفة العلاج عند باب المستشفى، إذ قد يبلغ ثمن المواصلات وحدها ما يعادل أجر يومين لبعض العمال. وهنا تعود القصة إلى سهام، فهي لا تحتاج إلى قطع ساعات بحثاً عن مستشفى حتى تواجه المفاضلة نفسها، لكن زوجها مريض، ولديها فاتورة دواء بقيمة 25 ألف جنيه لم تستطع توفيرها.

وفي اليوم الذي تجد فيه عملاً في سوق أم درمان، قد تحصل على خمسة آلاف جنيه من تنظيف جوال الفول، لكن هذه النقود نفسها هي التي تحتاج إليها لشراء العدس والدقيق حتى تعد طعاماً للأسرة.

وبذلك تصبح المسألة بالنسبة إليها أقل ارتباطاً بما تحتاج إليه الأسرة، وأكثر ارتباطاً بما يمكن تأجيله: «الطعام لا ينتظر، لكن المرض أيضاً لا ينتظر».

وحين تميل الشمس إلى الغروب، يكون يوم السوداني الذي بدأ بالبحث عن الماء أو الخبز أو فرصة عمل قد تحول إلى سلسلة طويلة من الحسابات: «كم رغيفاً يستطيع شراءه؟ كم غراماً من اللحم؟ ماذا يحذف من وجبة الغداء؟ هل ينفق ما بقي على الطعام أم يحتفظ به للعلاج؟».

أما سهام، فتعود مساء إلى منزلها بما استطاعت تدبيره، وفي يدها قطعة شحم حصلت عليها من الجزار من دون مقابل، بعدما كانت مثلها تُرمى في زمن مضى للكلاب الضالة، بينما ينتظرها في المنزل ينتظر زوجها المريض، وتظل فاتورة الدواء، البالغة 25 ألف جنيه، بلا سداد، ليأتي صباح جديد، لتخرج سهام مرة أخرى، وتبدأ الحسابات من البداية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«معرض العلمين» للطيران يظهر تطوراً مصرياً في تصنيع المُسيّرات

طائرات مصرية متطورة في معرض «العلمين للطيران والفضاء» (الهيئة العربية للتصنيع)
طائرات مصرية متطورة في معرض «العلمين للطيران والفضاء» (الهيئة العربية للتصنيع)
TT

«معرض العلمين» للطيران يظهر تطوراً مصرياً في تصنيع المُسيّرات

طائرات مصرية متطورة في معرض «العلمين للطيران والفضاء» (الهيئة العربية للتصنيع)
طائرات مصرية متطورة في معرض «العلمين للطيران والفضاء» (الهيئة العربية للتصنيع)

أظهر «معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026» الذي افتُتح، الثلاثاء، تطوراً في بعض الأسلحة المصرية والمُسيّرات التي عرضتها «الهيئة العربية للتصنيع»، وفي مقدمتها المسيرة الانتحارية «إف إل 750»، والمسيّرة الاعتراضية «آر-دي»، والطائرة المسيّرة «حمزة-1 و2».

وافتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي النسخة الثانية من المعرض الذي يستمر حتى الخميس، بمشاركة أكثر من 260 شركة وعارضاً من مختلف دول العالم، إلى جانب حضور أكثر من 100 وفد رسمي يمثلون نحو 80 دولة.

وقالت «الهيئة العربية للتصنيع»، وهي هيئة حكومية تتبع الرئاسة، وتعد إحدى القواعد الصناعية والتكنولوجية في مصر، إنها تشارك في هذه النسخة بكثير من المنتجات في مجال الصناعات الجوية التي «تؤكد ريادتها في تعميق التصنيع المحلي وتوطين أحدث التكنولوجيات، بما يلبي احتياجات القوات الجوية المصرية والدول الشقيقة والصديقة».

وقالت الهيئة إنها «تعمل وفقاً لآليات الثورة الصناعية الرابعة بما تمتلكه من قدرات تصنيعية متطورة وكفاءات بشرية مدربة»، مشيرة إلى أنها تعرض بعض منتجات مصانع تابعة لها مثل مصنع الطائرات، ومصنع المحركات، ومصنع حلوان للصناعات المتطورة، ومصنع صقر للصناعات المتطورة، والشركة العربية البريطانية للصناعات الديناميكية.

المسيّرة الانتحارية «إف إل 750» ضمن الطائرات المعروضة بمعرض «العلمين للطيران والفضاء» (الهيئة العربية للتصنيع)

وحسب ما تضمنته صور نشرتها «الهيئة العربية للتصنيع»، شملت المعروضات «قنابل حافظ 1 و2 و3»، و«منصة إطلاق لمجابهة المسيرات R&D»، و«المسيرة الاعتراضية R&D» و«الطائرة المسيرة (حمزة 1 و2)» و«المسيرة الانتحارية FL750»، و«منظومة اكتشاف ومجابهة الطائرات المسيرة (حارس 2)».

وقالت إن لدى «المسيّرة الانتحارية FL750» عدة مهام عسكرية تشمل الاستطلاع واستهداف الأهداف «بما يعكس تنامي قدرات التصنيع المحلي في مجال الطائرات المسيّرة».

وقال الخبير في الشأن العسكري والاستراتيجي، اللواء أركان حرب أيمن عبد المحسن، إن أبرز منظومات التسليح المصرية المشاركة في المعرض تتضمن أيضاً مسيّرات الاستطلاع (الطائرة المسيرة التكتيكية «ASN-209» المصنعة محلياً)، إلى جانب منظومات الدفاع والاعتراض ومنظومات الصواريخ والمقذوفات المطورة التي تشمل ترسانة من القذائف الذكية والمقذوفات المخصصة لتسليح المسيّرات والتعامل مع الأهداف الأرضية.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن المعرض يشهد أيضاً مشاركة القذائف الجوية المتطورة من عائلة «حافظ» لرفع دقة الهجمات الجوية، إلى جانب مقذوفات تسليح الدرونز (عائلة نيزك): «نيزك 1»، وهو مقذوف مطور لتسليح الطائرات المسيّرة ومضاد للأفراد، و«نيزك 2»، وهو مقذوف تسليح للطائرات المسيّرة يعتمد على تقنية الضغط الحراري.

وأشار إلى أن المعرض يتضمن مشاركة الصواريخ المقاتلة، وعرض صواريخ جو-أرض عيار 70 مم، وصواريخ أخرى من عيار 68 مم، وأنظمة المقذوفات الأرضية بينها القاذف الصاروخي المطور «صقر 105».

وقبل أيام من انطلاق المعرض، أزاحت شركة «تورنيكس» المصرية الستار عن الطائرة المسيّرة «جبار 50»، وقالت إنها «تمثل إضافة نوعية جديدة لترسانة الطائرات من دون طيار في مصر، وسط اهتمام إقليمي ودولي واسع بالمواصفات الفنية والتقنية التي تمتلكها هذه النظم الحديثة».

وسبق أن عرضت شركة «أميستون» المصرية طائرات «جبار 150»، و«جبار 200»، و«جبار 250» المسيّرة المتنوعة المدى في المعرض الدولي للصناعات الدفاعية «إيدكس 2025».

وقال اللواء عبد المحسن: «المعرض يعد حدثاً دولياً مهماً، ويعكس اهتماماً مصرياً باستعراض قدرات التكنولوجيا في مجالات الطيران والدفاع والفضاء، وذلك بدعم من وزارة الدفاع والطيران المدني والقوات الجوية المصرية وشركة (مصر للطيران) بما يبرهن على وجود تكامل بين قطاعات الدولة المختلفة التي تولي اهتماماً بتطوير التصنيع المحلي والتسويق له».

وأشار إلى أن هناك 135 طائرة مختلفة الأنواع والطرُز تشارك بالمعرض، بينها 55 طائرة شاركت في العروض والأنشطة الجوية.

ويتضمن المعرض كذلك مشاركة المقاتلة الروسية «سوخوي 57»، وهي ضمن طائرات الجيل الخامس، والمقاتلات الصينية «جي 16» و«جي 10 سي»، إلى جانب مشاركة شركة «بوينغ» العالمية.

طائرة مسيّرة مصرية بمعرض «العلمين للطيران والفضاء» (الهيئة العربية للتصنيع)

وتستعرض أجنحة المعرض أحدث تكنولوجيات الطيران والفضاء، إلى جانب محركات الطائرات وتقنيات الدفاع، فضلاً عن الطائرات المسيّرة التي باتت تمثل أحد أبرز عناصر التطور العسكري في السنوات الأخيرة، حسب «الهيئة العربية للتصنيع».

وأكد المستشار في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، أن مصر تستهدف ترسيخ مكانتها بصفتها شريكاً إقليمياً فاعلاً في صناعة الطيران، مضيفاً أن الحدث الدولي «يتجاوز كونه معرضاً متخصصاً، ليعكس دور مصر في دعم التعاون الدولي بهذه الصناعة، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي الرابط بين أفريقيا وأوروبا».

واستطرد قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أهمية الحدث تأتي في ظل التطور المتسارع في صناعات الطيران والفضاء، خصوصاً الطائرات الذكية والأنظمة غير المأهولة والطائرات المسيرة، وهو ما يتطلب تبادل الخبرات والتجارب عبر مثل هذه الفعاليات».

وشدّد على أن مصر توظف هذه المعارض الدولية «في دعم الاستثمارات ونقل الخبرات وتعزيز فرص التصنيع والشراكات الدولية، لتتحول هذه الفعاليات إلى منصة متكاملة تجمع بين الموقع الجغرافي المتميز، وفرص الاستثمار والتعاون الدولي».

وحسب «الهيئة العربية للتصنيع»، فإن من المتوقع أن يشهد المعرض إبرام عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، وعقد مباحثات مع كبرى الشركات العالمية وخبراء صناعة الطيران لتبادل الخبرات الفنية والتكنولوجية، وبحث آفاق استثمارية جديدة وفتح منافذ للتصدير للسوقين الإقليمية والدولية.


المغرب يحشد دعم 40 دولة تؤيد سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية

عمر زنيبر السفير الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف (متداولة)
عمر زنيبر السفير الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف (متداولة)
TT

المغرب يحشد دعم 40 دولة تؤيد سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية

عمر زنيبر السفير الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف (متداولة)
عمر زنيبر السفير الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف (متداولة)

أكد عمر زنيبر، السفير الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأمم المتحدة بجنيف، في كلمته نيابة عن مجموعة تضم 40 دولة تؤيد سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، اليوم الثلاثاء، خلال أشغال اليوم الثاني من الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان الأممي، على ضرورة حماية تفاعل الدول مع مجلس حقوق الإنسان، ومع المفوض السامي لحقوق الإنسان من أي استغلال سياسي.

وفي تصريحات نقلها موقع «هسبريس» المغربي، أوضح الدبلوماسي المغربي أن قضية الصحراء «هي نزاع سياسي يعالجه مجلس الأمن، الذي يؤكد أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يكون النتيجة الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق».

وتابع زنيبر موضحاً: «وبناءً على ذلك، تدعم المجموعة تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797 المعتمد في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، الذي يهدف إلى إحياء العملية السياسية، من خلال تنظيم مفاوضات تضم الأطراف الأربعة المحددة فيه، على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية، بغية التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من جميع الأطراف لهذا النزاع».

وأشار المتحدث ذاته إلى ترحيب مجموعة داعمي مغربية الصحراء بتحديث الرباط لتفاصيل مبادرة الحكم الذاتي الخاصة بها، والتزامها بضمان عودة وإدماج سكان مخيمات تندوف على أساس المساواة بين كافة المواطنين المغاربة، في إطار الضمانات والممارسات الدولية المعترف بها في هذا المجال.

كما أشار زنيبر إلى أن قضية الصحراء لم تعد حاضرة ضمن النقاط المطروحة على جدول أعمال المجلس، أو في تقارير المفوضية السامية لحقوق الإنسان، مسجلاً أن هذا المعطى أصبح ثابتاً «دورة بعد دورة، وسنة بعد سنة»، رغم محاولات خصوم المملكة توظيف الملف ضدها.