«غضب حقوقي» في تونس إثر إقرار الحكم بإدانة صحافي

حُوكم بـ«المرسوم 54 » الذي عدته نقابة الصحافيين «أداة قمع لحرية التعبير»

الصحافي محمد بوغلاب (متداولة)
الصحافي محمد بوغلاب (متداولة)
TT

«غضب حقوقي» في تونس إثر إقرار الحكم بإدانة صحافي

الصحافي محمد بوغلاب (متداولة)
الصحافي محمد بوغلاب (متداولة)

أقرت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس، في جلستها المنعقدة، مساء الجمعة، الحكم الابتدائي القاضي بإدانة الصحافي محمد بوغلاب، مع تأجيل تنفيذ العقاب البدني المحكوم به، وفق ما أكده المحامي حمادي الزعفراني في تصريح لوكالة «تونس أفريقيا للأنباء»، وهو القرار الذي أثار استياء عدد من الحقوقيين، الذين رأوا فيه تكريساً للسياسة التي تنتهجها السلطة لـ«تكميم الأفواه والتضييق على الصحافيين».

كانت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس قد أقرت في 10 من يوليو (تموز) الماضي حكماً بالسجن لمدة سنتين في حق بوغلاب، تبعاً لمقتضيات الفصل 24 من المرسوم 54، المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، وذلك على خلفية شكاية تقدمت بها ضده أستاذة جامعية، بحجة الإساءة إليها عبر تدوينة على إحدى شبكات التواصل الاجتماعي.

وأصدر قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بتونس في الخامس من أبريل (نيسان) 2024 حكماً يقضي بسجن بوغلاب بناءً على هذه الشكاية، واستناداً إلى الفصل 24 من المرسوم 54، قبل أن تقرر الدائرة الجنائيّة بالمحكمة ذاته في فبراير (شباط) الماضي الإفراج عن بوغلاب، وإبقائه على ذمة القضية في حالة سراح.

ووفق الفصل 24 من المرسوم 54 «يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام وغرامة قدرها خمسون ألف دينار، كل من يتعمّد استعمال شبكات وأنظمة معلومات واتّصال لإنتاج أو ترويج، أو نشر أو إرسال، أو إعداد أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة، أو وثائق مصطنعة أو مزوّرة أو منسوبة كذباً للغير، بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو بث الرعب بين السكان».

كما يعاقب بالعقوبات نفسها المقررة بالفقرة الأولى، «كل من يتعمد استعمال أنظمة معلومات لنشر، أو إشاعة أخبار، أو وثائق مصطنعة، أو مزورة أو بيانات تتضمن معطيات شخصية، أو نسبة أمور غير حقيقية بهدف التشهير بالغير أو تشويه سمعته، أو الإضرار به مادياً أو معنوياً، أو التحريض على الاعتداء عليه، أو الحث على خطاب الكراهية. وتضاعف العقوبات المقررة إذا كان الشخص المستهدف موظفاً عمومياً أو شبهه».

كانت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين قد عبرت عن رفضها المرسوم 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، معتبرة إياه «أداة قمع لا تتماشى مع المعايير الدولية لحرية التعبير والصحافة».

وأوردت النقابة في بيان أصدرته أنّ المرسوم تسبّب منذ اعتماده في «تصاعد الانتهاكات الممنهجة لحرية التعبير ومحاولات إخضاع الصحافة وترهيب الصحافيين والناشطين»، مشيرة إلى أنّ صياغاته «الفضفاضة والغامضة» منحت السلطات صلاحيات واسعة للملاحقة القضائية، وأدت إلى محاكمة المئات من الصحافيين والمدوّنين والسياسيين.


مقالات ذات صلة

تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس

شمال افريقيا من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)

تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس

بعد 15 عاماً على الثورة التونسية، التي أطاحت بنظام بن علي عام 2011، تجد حرية الصحافة، إحدى أبرز مكاسب الثورة التونسية نفسها أمام اختبار صعب.

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في الرياض الأربعاء (واس)

نقاشات سعودية ـ عراقية في الرياض حول أمن المنطقة

ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، تطورات الأحداث الإقليمية، وتنسيق الجهود بشأنها، بما يعزز أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي متحدثاً للشعب اليمني بمناسبة ذكرى «ثورة 14 أكتوبر» الثلاثاء (سبأ)

العليمي: لا رجوع عن قرار إنهاء الانقلاب الحوثي

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي مُضي عملية «فجر اليمن» نحو هدفها النهائي المتمثل بإنهاء الانقلاب الحوثي، ولا رجعة عن ذلك مهما كانت التضحيات.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره السوري أسعد الشيباني (الشرق الأوسط)

وزيرا خارجية السعودية وسوريا يناقشان جهود دعم أمن المنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع نظيره السوري أسعد الشيباني تطورات الأوضاع الإقليمية، وجهود البلدين المشتركة لدعم أمن المنطقة واستقرارها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تقرير إخباري شخص يقف بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين قبيل انعقاد الاجتماع في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

تقرير إخباري الحرب والدين والذكاء الاصطناعي تختبر صمود الاقتصاد العالمي في بانكوك

يدخل صناع السياسات المالية والنقدية أسبوع اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك وسط اقتصاد عالمي تمكّن حتى الآن من امتصاص جانب كبير من صدمة الحرب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تحرك برلماني في مصر لكشف أسباب التراجع بمؤشرات «مكافحة الفساد»

مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)
مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)
TT

تحرك برلماني في مصر لكشف أسباب التراجع بمؤشرات «مكافحة الفساد»

مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)
مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)

قدّم نائب برلماني مصري طلب إحاطة عاجل إلى الحكومة، الأربعاء، لمساءلتها عن أسباب التراجع في مؤشر «مدركات الفساد» العالمي، الذي احتلت بلاده فيه المركز 130 من بين 180 دولة، وما يمثله ذلك من «إهدار للمال العام» في ظل أوضاع جيوسياسية صعبة.

وقال فريدي البياضي، عضو مجلس النواب عن «الحزب المصري الديمقراطي» المعارض، في طلب الإحاطة، إن «الفساد يزداد في مصر، والحكومة مطالبة بكشف حساب».

وصدر مؤشر «مدركات الفساد» عن منظمة الشفافية الدولية في فبراير (شباط) الماضي، وأرجع البياضي تقديم طلب الإحاطة متأخراً عن وقت صدور التقرير إلى إجازة المجلس طيلة 3 أشهر، نافياً ربطه بأي وقائع حديثة تتعلق بالفساد، وفق تصريحه لـ«الشرق الأوسط».

غير أن مراقبين ربطوا هذا الطلب بـ«منتدى مصر 2026»، المقرر إقامته في التاسع عشر من الشهر الحالي.

وتترقب الساحة المصرية عقد «منتدى مصر» التفاعلي لعرض الإنجازات الحكومية. ويتيح المنتدى للمواطنين تقديم تساؤلات واقتراحات عبر موقع خاص به أطلقته الحكومة مطلع الشهر الحالي، وكذلك تسجيل طلبات للمشاركة فيه.

واستقرت مصر في المرتبة 130 بمؤشر «مدركات الفساد» عن العام 2025، وهو المركز نفسه الذي هبطت له في عام 2024، من المركز 108 الذي حققته في 2023، والمركز 94 في عام 2014.

المال العام

ويشير عضو مجلس النواب في طلب الإحاطة، وفق بيان بصفحته على «فيسبوك»، إلى أن «الفساد قد يكون في مشروع يقام بتكلفة أكبر من قيمته، أو في مناقصة تُحسم بالمحسوبية، أو في مسؤول يستغل منصبه، أو إنفاق مال عام دون رقابة».

وأضاف أن مصر أطلقت «الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد» في عام 2014، وأنه بعد مرور أكثر من 10 سنوات من «الاستراتيجيات والمؤتمرات وتصريحات مكافحة الفساد، تراجعنا للوراء بدلاً من تحقيق تقدم في الملف».

ويعتبر الخبير السياسي وعضو البرلمان السابق عماد جاد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المؤشر يعكس عدم إحراز تقدم في مكافحة الفساد، رغم أن مصر لديها منظومة دستورية وقانونية واستراتيجية جامعة وشاملة لمجابهة إهدار المال العام، لكن الأزمة تظل في التطبيق، وليس التشريع.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي الدوري للحكومة في 4 يونيو الماضي (رئاسة مجلس الوزراء)

وتعمل «هيئة الرقابة الإدارية» المستقلة على مكافحة الفساد في مصر، وتعلن من وقت لآخر عن ضبط قضايا متنوعة بين رشاوى واستغلال نفوذ واختلاس وغيرها في قطاعات مختلفة من الدولة.

وفي 14 يوليو (تموز) الماضي، أعلنت الهيئة عن ضبط «تشكيل إجرامي تخصص في الاحتيال الإلكتروني والنصب على المواطنين». وفي التاسع من نفس الشهر، أعلنت عن ضبط مسؤولي 13 شركة زوّروا تخليصات جمركية للإفراج عن 122 رسالة جمركية بالمخالفة للقانون ودون تحصيل الرسوم المستحقة.

وحذّر النائب البرلماني من تأثيرات الفساد على الاستثمار، قائلاً في طلب الإحاطة إن «المستثمر لن يطمئن لبيئة بها محسوبية أو منافسة غير عادلة، والنتيجة فرص عمل أقل واقتصاد أضعف».

الرقابة والمساءلة

وسبق أن أكد مسح لـ«منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» عن عام 2024 الأمر ذاته، إذ أوضح أن «الفساد يقف عائقاً أمام الاستثمار والمنافسة وكفاءة الاقتصاد المصري». ولفت التقرير إلى أن «المشكلة لا تكمن أساساً في غياب القوانين والاستراتيجيات، بل في ضعف تنفيذ الأدوات القائمة، وقصور آليات الإبلاغ والمساءلة والرقابة، وصعوبة الوصول إلى المعلومات».

وقال جاد لـ«الشرق الأوسط»: «البيروقراطية وقلة أعداد موظفي الرقابة تجعل هناك صعوبات في محاصرة الفساد... وعدد القضايا المُعلن عنها قليل مقارنة بحجم الفساد».

وأضاف: «ملف مواجهة الفساد يتطلب أيضاً رفع الأجور بما يتناسب مع الأسعار، حتى يتمكن الموظف من العيش دون أن يلجأ إلى الرشاوى وغيرها من الأشكال».

ولا توجد إحصائيات دورية عن عدد قضايا الفساد التي يتم ضبطها، والقطاعات الأبرز من حيث تفشي الفساد فيها، ونتائج هذه القضايا، أو حجم الأموال المُستردة من مكافحة الفساد؛ غير أن «هيئة الرقابة الإدارية» أشارت في تقرير عن أول 7 أشهر من عام 2019 إلى ضبط 412 قضية جنائية لرشوة واختلاس وتسهيل الاستيلاء على المال العام والتزوير والكسب غير المشروع، كما أعلنت اتخاذ إجراءات قانونية حيال 1433 موظفاً عاماً بسبب انحرافات وظيفية.

وعن المسارات المفترض أن يخوضها طلب الإحاطة الذي قدّمه النائب البياضي، قال: «يُفترض أن تُرسِل الحكومة لجنة لمناقشته مع اللجان المختصة في مجلس النواب، ثم يرد الوزراء المعنيون على ما جاء فيه مع تقديم كشف الحساب»، لكنه أردف قائلاً إن ذلك «غير مضمون... وقد لا ترد الحكومة» على الطلب.


ليبيون يتخوفون من تأثير تراجع الدينار أمام الدولار

يشتكي عدد من الليبيين من ضغوط المعيشة مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع (أ.ف.ب)
يشتكي عدد من الليبيين من ضغوط المعيشة مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع (أ.ف.ب)
TT

ليبيون يتخوفون من تأثير تراجع الدينار أمام الدولار

يشتكي عدد من الليبيين من ضغوط المعيشة مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع (أ.ف.ب)
يشتكي عدد من الليبيين من ضغوط المعيشة مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع (أ.ف.ب)

تزداد المخاوف في ليبيا من تداعيات تراجع قيمة الدينار أمام الدولار على معيشة المواطنين والمالية العامة للدولة، مع استمرار صعود العملة الأميركية في «السوق الموازية»، وبالتزامن مع تجدد تلويح محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي محمد عيسى، بالاستقالة في ظل خلافات بشأن الإنفاق العام، واستنزاف موارد الدولة بالعملة الصعبة، وفق مصدر بـ«المصرف».

وواصل الدولار ارتفاعه في السوق الموازية، الأربعاء، مسجلاً 9.98 دينار مقابل 9.82 دينار مطلع الأسبوع، وفق أسعار متداولة. واتسع الفارق بين السعرين الرسمي والموازي إلى 3.56 دينار، بعدما سجل الدولار في التعاملات الرسمية نحو 6.42 دينار، في مؤشر على اتساع الفجوة بين السوقين.

وامتدت تداعيات ارتفاع الأسعار إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، إذ تداولت صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي أخيراً مقطع فيديو لمواطن من طرابلس وهو يشكو ارتفاع تكلفة وجبة إفطار بسيطة إلى نحو 32 ديناراً، ويؤكد أن طبق البيض بلغ 25 ديناراً، والجبن 4 دنانير، والخبز 4 دنانير، معبّراً عن استيائه من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، في ظل أزمة الدولار، وصعود سعر صرفه أمام الدينار الليبي، وتساءل عن مصير العملة المحلية في ظل هذه التطورات.

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

وتعكس هذه الشكوى جانباً من الضغوط المعيشية التي يواجهها الليبيون، مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع. ويرتبط سعر الصرف بأوضاع السوق المحلية، خصوصاً في بلد يعتمد على الاستيراد لتلبية جانب كبير من احتياجاته، ما يجعل أي زيادة في تكلفة العملة الأجنبية عاملاً ضاغطاً على الأسعار.

وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، إن وصول الدولار إلى عشرة دنانير يعني أن راتب شهر بقيمة ألفي دينار لا تتجاوز قيمته ما يعادل 200 دولار، وفق سعر الصرف الموازي.

وأضاف في منشور عبر صفحته الرسمية بـ«فيسبوك»، مساء الثلاثاء، موضحاً أن هذه القيمة تقل عن مستوى 300 دولار، الذي استند إليه في تقديره لخط الفقر، بما يعكس حجم التراجع في القوة الشرائية للدينار ومستوى معيشة المواطنين.

وفي موازاة الضغوط على سعر الصرف، يتجدد الحديث عن مستقبل إدارة السياسة النقدية، بعدما أفاد مصدر في المصرف المركزي لوسائل إعلام ليبية، مساء الثلاثاء، بأن المحافظ لا يزال متمسكاً بطلب الاعتذار عن الاستمرار في منصبه، بسبب ما وصفه بغياب المساندة الواضحة من مؤسسات الدولة لجهود المصرف، وعدم إقرار إصلاحات تحد من الإنفاق العام، واستنزاف موارد البلاد من النقد الأجنبي.

محافظ مصرف ليبيا المركزي خلال مشاركته باجتماع محافظي دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بانكوك الأربعاء (صفحة المركزي)

وفيما يشارك محافظ المركزي في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، المنعقدة بالعاصمة التايلاندية بانكوك، أوضح المصدر أن استمرار الإنفاق على مختلف الأغراض من دون دراسات تتناسب مع الواقع الاقتصادي، إلى جانب تهريب السلع والمحروقات، عطّل جهود المصرف للدفاع عن سعر الصرف، وأدى إلى بروز عوامل مؤثرة باتت، حسب تقديره، خارج نطاق اختصاصه المباشر. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل هذه المواقف.

وأشار المصدر ذاته إلى تعرض المصرف لضغوط من أطراف في شرق البلاد وغربها للحصول على الأموال، في مقابل عدم الاستجابة لمطالب المحافظ ومجلس الإدارة، الرامية إلى الحد من الإنفاق العام، محذراً من انعكاسات ذلك على الوضع المالي وسعر صرف الدينار.

وهنا استنتج الباحث الاقتصادي، عبد الحميد الفضيل، أن تجدد التلويح بالاستقالة يمثل إشارة إلى خطورة الوضع الاقتصادي، ورجح أن يؤدي استمرار الاختلالات الحالية إلى مزيد من تراجع قيمة الدينار، وربما بوتيرة أسرع، إذا لم تُتخذ إجراءات لمعالجة أسباب الضغط على العملة.

مواطن ليبي يعد عملات ورقية من فئة الدينار الليبي في مصرف الجمهورية الحكومي (الصفحة الرسمية للمصرف)

ورأى الفضيل في منشور عبر «فيسبوك»، مساء الثلاثاء، أن مشاورات المصرف المركزي مع صندوق النقد الدولي كشفت، على ما يبدو، عن معطيات مقلقة بشأن التوسع في الإنفاق العام من جانب حكومتي الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، إلى جانب الإنفاق المرتبط بملف الإعمار.

وعزا الفضيل تعقيد المشهد إلى غياب أفق قريب لتوحيد الإنفاق العام، بالتزامن مع ارتفاع فاتورة المحروقات، وتصدير النفط خارج القنوات الرسمية، فضلاً عن عدم امتثال بعض المصارف التجارية لتعليمات المصرف المركزي، وما وصفه بغياب استقلالية المؤسسة النقدية. وعدّ أن هذه العوامل تحد من قدرة المصرف على كبح استنزاف الاحتياطيات، في ظل ضغوط للحصول على مزيد من الأموال، بما يتجاوز القدرة الاستيعابية للاقتصاد.

في غضون ذلك، شارك محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي محمد عيسى، الأربعاء، في اجتماع محافظي المجموعة الأفريقية مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، وذلك على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، عاصمة تايلاند، بحضور محافظي مصارف مركزية، ووزراء مالية أفارقة ومسؤولين من الصندوق.


«الخارجية المصرية» لـ«الشرق الأوسط»: العلاقات مع السودان عميقة وممتدة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)
TT

«الخارجية المصرية» لـ«الشرق الأوسط»: العلاقات مع السودان عميقة وممتدة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)

أكدت مصر على متانة العلاقات مع السودان واستمرار التنسيق بالملفات الاستراتيجية بعد حادثين متتالين، أحدهما يخص منقبين سودانيين على الحدود، والآخر بشأن سائقين مصريين بالخرطوم.

وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية السفير نادر زكي لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، إن «العلاقات المصرية - السودانية تتميز بخصوصية تاريخية واستراتيجية عميقة وممتدة»، مشدداً على أن «الروابط وثيقة بين البلدين والشعبين الشقيقين».

وأكد أن حجم التعاون والتفاعل الثنائي بين مصر والسودان «كبير ومتنوع ويغطي المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والتجارية كافة»، موضحاً أن «أمن البلدين كل لا يتجزأ، وأمن مصر يبدأ من السودان والعكس صحيح».

وبخصوص حادث الخرطوم، أوضح زكي أن «السلطات السودانية تبدي تعاوناً وتنسيقاً وثيقين بشأن الواقعة».

كما شدّد على استمرار التنسيق المشترك والدائم بين البلدين في جميع الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الأمن المائي وأمن البحر الأحمر الذي تعده مصر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، مؤكداً أن «محاولات بعض الأطراف تضخيم الأحداث لن تؤثر على عمق العلاقات الثنائية».

وأضاف: «قنوات الاتصال المفتوحة والتنسيق المستمر بين القاهرة والخرطوم كفيلة بتجاوز التحديات وحفظ المصالح المشتركة للبلدين».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء نظيره السوداني محيي الدين سالم على هامش أعمال الشق رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك سبتمبر 2025 (الخارجية المصرية)

والاثنين الماضي، جرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره السوداني محيي الدين سالم، أكدا خلاله على «عمق العلاقات المصرية - السودانية، والاحترام المتبادل لسيادة كل دولة ووحدة وسلامة أراضيها وحدودها»، واتفقا على «أهمية مواصلة العمل على المزيد من تطوير العلاقات، واستمرار التنسيق والتشاور بين البلدين».

وجاء الاتصال بعد اتهامات عبر منصات التواصل الاجتماعي للقاهرة بـ«استهداف عمال تعدين سودانيين»، أو من يُطلق عليهم «الدهابة».

وأعلن مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في اليوم ذاته أنه «شكَّل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الحادث الذي تعرّض له عدد من المعدّنين السودانيين بالمنطقة الحدودية بين مصر والسودان»، وذلك غداة إفادة «شبكة أطباء السودان»، وهي جهة غير حكومية، بـ«مقتل 13 وإصابة 28 من عمال التعدين في المنطقة الحدودية مع مصر، جراء قصف جوي».

وفي اليوم ذاته، دعا المتحدث باسم الجيش المصري العقيد أحمد عتمان في بيان إلى «عدم الانسياق وراء الشائعات المضللة أو الأجندات الخارجية التي تسعى إلى استهداف العلاقات الأخوية بين مصر والسودان».

وتحدث عن «إطلاق المرحلة الثالثة من الحملة المكبّرة لمجابهة أعمال التنقيب غير المشروع عن خام الذهب بالصحراء الشرقية، بعد إلقاء المنشورات التحذيرية على العناصر الإجرامية لفرض كامل السيادة داخل حدود الدولة المصرية وحماية مقدراتها وثرواتها القومية».

وكانت المرحلة الثانية قد انطلقت في أغسطس (آب) الماضي، وشهدت «تكثيف عمليات التمشيط والمداهمة للمناطق التي يثبت قيامها بتلك الأعمال»، بعد نحو شهرين من إطلاق المرحلة الأولى ضد جماعات التنقيب غير المشروع عن خام الذهب في يونيو (حزيران) الماضي.

وأفاد الجيش بأنه تم خلال يونيو «ضبط 58 واقعة تنقيب عشوائي عن خام الذهب، وضبط 20 جهازاً للكشف عن المعادن، و118 ماكينة كهرباء، و86 طن أحجار مخلوطة بخام الذهب».

المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية السفير نادر زكي (صفحته على فيسبوك)

ولم يمر على أزمة حادث الحدود نحو ساعتين، حتى أعلنت «الخارجية المصرية» في بيان وقوع «حادث مؤسف بمدينة الخرطوم بعد قيام أحد المسلحين بإطلاق النار على عدد من سائقي الشاحنات المصريين حيث لقي سائقان مصرعهما، فيما أصيب ثالث وحالته حرجة»، لافتة إلى أنه بعد اتصالات من السفير المصري لدى السودان ياسر سرور أفادت السلطات السودانية بتمكنها من إلقاء القبض على مرتكب الجريمة، بخلاف تقديم والي الخرطوم العزاء له.

ويقول نائب «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» السفير صلاح حليمة إن «العلاقات ما بين مصر والسودان ممتدة منذ قديم الأزل، وتلك الحوادث لن تؤثر عليها وسيتم احتواؤها ومعالجتها»، داعياً إلى «عدم الانسياق وراء ما يجري على شبكات التواصل الاجتماعي من محاولات لإيجاد فتنة بين الشعبين».

وعن سبل تجاوز ذلك، قال حليمة لـ«الشرق الأوسط» إنه «يمكن عقد لقاء مشترك بين الجانبين، تُناقَش فيه نتائج التحقيقات وتُرفع لكبار المسؤولين بالبلدين»؛ مستبعداً أن تؤثر تلك الأحداث في التنسيق بين البلدين في أي ملفات مشتركة سواء في نهر النيل أو البحر الأحمر أو ملفات دعم السودان. وتوقع أن «تتطور العلاقات إلى آفاق أرحب».

ومنذ بداية الحرب بالسودان في منتصف أبريل (نيسان) 2023، تقف مصر داعمة للمؤسسات الشرعية بالسودان، وعلى رأسها الجيش السوداني، وتدعو إلى ضرورة وقف الحرب والبدء في عملية سياسية شاملة تجمع مختلف مكونات المجتمع.