الجزائر تُرحّل فرنسيين من صُناع المحتوى لوجودهما في منطقة «القبائل»

لينا وجيريمي «ضحيتان عرَضيتان» لتوتر سياسي متفاقم مع باريس

لينا وجيريمي (من فيديو نشراه على يوتيوب)
لينا وجيريمي (من فيديو نشراه على يوتيوب)
TT

الجزائر تُرحّل فرنسيين من صُناع المحتوى لوجودهما في منطقة «القبائل»

لينا وجيريمي (من فيديو نشراه على يوتيوب)
لينا وجيريمي (من فيديو نشراه على يوتيوب)

رحّلت السلطات الجزائرية، نهاية العام، زوجَين فرنسيين اشتهرا بصناعة المحتوى المرئي؛ بسبب وجودهما في منطقة القبائل، حيث كانا يلتقطان صوراً قالا إنها توثّق خصوصية المنطقة، التي شهدت في الأسابيع الأخيرة جدلاً سياسياً؛ على خلفية إعلان تنظيم انفصالي، يدّعي تمثيل سكانها، مشروعاً انفصالياً من باريس.

رحلة محفوفة بالمخاطر

لينا وجيريمي، ثنائي فرنسي في مقتبل العمر (24 و28 عاماً)، يجمعهما شغف الترحال والحياة الحرّة، ومغامرات الدفع الرباعي. وقد نجح هذان الزوجان في صناعة محتوى مميز على «يوتيوب» جذب ملايين المتابعين حول العالم، عبر استكشاف وجهات غالباً ما تُصنف خطيرة» أو «غامضة»، كإيران والعراق وأفغانستان وفلسطين؛ وذلك بهدف تقديم صورة واقعية ومغايرة، بعيداً عن الصور النمطية، وفق ما سبق أن شرحاه في محتوى فيديو بخصوص مغامراتهما.

وانطلاقاً من رغبتهما في كسر الأحكام الجاهزة، اختار الثنائي «الجزائر» وجهةً لهما في النصف الثاني من ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وبعد رحلة بدأت بسحر الصحراء في جانت بأقصى الجنوب الشرقي، وصولاً إلى صخب العاصمة، توجهت لينا وجيريمي نحو منطقة القبائل لاكتشاف موروثها الثقافي وطبيعتها الخلابة، إلا إن مغامرتهما هناك اصطدمت بتدخل أمني أوقف مشروعهما، وحال بينهما وبين توثيق لقاءاتهما مع سكان المنطقة الناطقين بالأمازيغية، والمعروفين بالترحاب والكرم مع الأجنبي.

أحد مداشر منطقة القبائل (حسابات ناشطين في السياحة)

الواقعة بدأت بتوقيفهما من قبل مصالح الأمن، الاثنين الماضي، لكن أُطلق سراحهما لاحقاً، ليعاد اعتقالهما مجدداً من طرف الشرطة ووضعهما في الحجز للنظر لمدة 48 ساعة، وفق ما ذكره الثنائي بعد الترحيل.

وخضعت لينا وجيريمي لتحقيقات واستجوابات مطولة وتفتيش دقيق؛ والسبب وجودهما في منطقة القبائل وتصويرهما فيديوهات هناك، «رغم أنها كانت تحمل طابعاً ترويجياً وإيجابياً يُثمن جمال المنطقة وتراثها»، وفق تصريحاتهما.

وقد أكد الثنائي الفرنسي أن «المفارقة» تكمن في أنهما لم يواجها أي مضايقات لدى زيارتهما العاصمة والجنوب، بينما أثار نشاطهما في منطقة القبائل رد فعل صارماً وغير مفهوم في تقديرهما. وقالت لينا عن المغامرة الجزائرية: «لا بد من القول إن بداية التجربة لم تكن كما خططنا لها، فبين صعوبة الحصول على تأشيرة سياحية جزائرية، واستحالة عبور الحدود انطلاقاً من تونس، واجهنا عراقيل منذ اللحظات الأولى».

ويسترجع جيريمي تلك اللحظات قائلاً: «كانت صدمة حقيقية. كنا على بُعد بضعة كيلومترات فقط من الجزائر... لكن عبور الحدود كان مستحيلاً».

فرحات مهني رئيس التنظيم الانفصالي (ناشطون)

غير أن المسافرَين لم يستسلما. فقد عادا إلى فرنسا، وأودعا ملفاً لدى القنصلية الجزائرية في باريس، وانتظرا أسابيع طويلة قبل أن تُكلَّل مساعيهما بالنجاح. وهكذا حصلا في نهاية المطاف على تأشيرة لمدة 30 يوماً. وبهذا الخصوص، يقول الزوجان إنهما كانا ينتظران هذه التأشيرة من دون أمل كبير في إمكانية الحصول عليها.

وبالنسبة إلى لينا، فإن «اكتشاف الجزائر بطريقة مختلفة وعرض جانب آخر من بلد غالباً ما يُساء فهمه، كان أمراً يهمّنا كثيراً، خصوصاً أننا زرنا من قبل مدينة جانت الزاهية»، في أقصى جنوب شرقي صحراء الجزائر قرب الحدود مع ليبيا.

توقيف وترحيل

كان الثنائي يصوّر مشهد غروب الشمس في منطقة القبائل، عندما فوجئا، وفق روايتهما، بـ«نحو 15 رجلاً بملابس مدنية»، وأكدا أنهما أُجبرا على ركوب سيارة، ليُنقلا إلى تيزي ووزو؛ كبرى مدن القبائل الجزائرية (تقع على بعد 120 كيلومتراً شرق العاصمة).

تقول لينا: «كنا نسير بمحاذاة مبنى ذي جدران عالية وأسلاك شائكة. لم يكن مدخلاً رسمياً لمبنى رسمي. لا نعرف من كانوا بالضبط. لا نعرف ماذا يريدون بالتحديد، لكن الأمر كان مخيفاً... حتى اليوم ما زلت مصدومة مما عشته».

بعد ذلك، خضع الزوجان لسلسلة من الاستجوابات، «واستمر الأمر 8 ساعات، وكان الأمر مرهقاً للغاية. وتعرّضت لتفتيش جسدي على يدي امرأة»، وفق لينا.

بعد الإفراج عنهما، عادا إلى مقر إقامتهما بمنطقة القبائل. لكن في صباح اليوم التالي، اقتحم رجل المكان وانتزع الهاتف من يد جيريمي، الذي كان يحاول الاتصال بعائلته، وفق ما ورد في فيديو الشهادة الذي نشره الزوجان. ثم دخل أشخاص آخرون، ليوقَف الفرنسيان مجدداً وينقلا لثاني مرة إلى تيزي ووزو.

يقول الثنائي الفرنسي بهذا الخصوص: «نحن في منطقة مخصصة للسياح، ونشعر بأن الأمر جدي للغاية. صادروا كل أجهزتنا الإلكترونية: الكومبيوترات، والهواتف، وكل الكاميرات». وفي النهاية، وُضع الزوجان على متن طائرة متجهة إلى باريس من طرف السلطات الجزائرية.

الصحافي الفرنسي كريستوف غليز المعتقل في الجزائر (أ.ف.ب)

وتكتسي الرحلات إلى الجزائر، لا سيما إلى منطقة القبائل، طابعاً حساساً في الفترة الحالية. فقد صدر في مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي حكم بالسجن 7 سنوات في الاستئناف بحق الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، بتهمة «الإشادة بالإرهاب» في الجزائر. وكان الصحافي، المتعاون مع مجلتي «سو فوت (So Foot) و«سوسايتي (Society)»، قد سافر إلى الجزائر لإعداد تقرير عن نادي «شبيبة القبائل» لكرة القدم بمنطقة القبائل، في مرحلة تشهد توتراً دبلوماسياً حاداً بين باريس والجزائر. وقد وُجهت إليه اتهامات بالتواصل مع أشخاص مرتبطين بتنظيم مصنّف «إرهابياً» في الجزائر، يُعرف باسم «حركة تقرير مصير القبائل»، التي أعلنت في 14 ديسمبر الماضي «استقلال بلاد القبائل»، دون أن تحظى هذه المبادرة بأي دعم سياسي أو شعبي في المنطقة.


مقالات ذات صلة

وفد فرنسي في الجزائر لترميم العلاقات واستعادة الثقة

شمال افريقيا الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وفد فرنسي في الجزائر لترميم العلاقات واستعادة الثقة

يزور وفد من منظمة أرباب العمل الفرنسية، الجزائر، الخميس، بقيادة رئيسها باتريك مارتن، وبمشاركة نحو 40 من كبار رؤساء الشركات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الكاتب كمال داود (أ.ب)

الجزائر: السجن الغيابي 3 سنوات بحق الكاتب كمال داود

أدانت محكمة جزائرية الكاتب كمال داود، المقيم في فرنسا، بالسجن غيابياً ثلاث سنوات، وغرامة مالية قدرها خمسة ملايين دينار.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش خلال اجتماع حماية المنشآت من التهديدات (وزارة الدفاع)

الجزائر: قائد الجيش يبحث حماية المنشآت الحيوية من «تهديدات جديدة»

الفريق سعيد شنقريحة يؤكد أن وقاية المنشآت الحيوية والبنى التحتية «تعد خياراً استراتيجياً وعقلانياً وجزءاً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة والإنتاج الصيدلاني السابق علي عون (الوزارة)

الجزائر: السجن لوزير الصناعة السابق وابنه في ملف «الحديد والخردوات»

اتخذت الملاحقات منحى تصاعدياً لم يتوقف عند حدود محاسبة رموز الحقبة السابقة؛ بل امتدت لتطول مسؤولين بارزين وهم في قمة هرم السلطة الحالي...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)

«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

يحتدم جدل كبير في الجزائر حالياً بين هيئة تنظيم الانتخابات وأحزاب المعارضة، بخصوص «تأخر» المصادقة على الترشيحات الخاصة بالاستحقاق التشريعي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.