الجزائر تعيد ملف الاستعمار الفرنسي إلى الواجهة عبر قانون جديد

البرلمان سيناقش الاقتراح الأحد المقبل وسط هدنة واضحة في علاقات البلدين

الرئيسان الفرنسي والجزائري على هامش قمة مجموعة السبع في إيطاليا يوم 14 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الفرنسي والجزائري على هامش قمة مجموعة السبع في إيطاليا يوم 14 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر تعيد ملف الاستعمار الفرنسي إلى الواجهة عبر قانون جديد

الرئيسان الفرنسي والجزائري على هامش قمة مجموعة السبع في إيطاليا يوم 14 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الفرنسي والجزائري على هامش قمة مجموعة السبع في إيطاليا يوم 14 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

أقرَّ مكتب البرلمان الجزائري مقترحاً تقدَّم به فريق من النواب في شهر مارس (آذار) 2025، يتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر (1830– 1962) بموجب قانون. وكانت الفكرة نفسها قد طُرحت خلال فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، غير أنَّه تم التخلي عنها آنذاك تفادياً لتأزيم العلاقات مع فرنسا.

واجتمع رئيس «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى)، إبراهيم بوغالي، مساء أمس (الأحد)، مع أعضاء «لجنة صياغة مقترح قانون تجريم الاستعمار»، وذلك في إطار متابعة التحضيرات الجارية لعرض هذا المقترح «ذي الأهمية الوطنية البالغة، للمناقشة»، وفق بيان أصدره «المجلس»، معلناً إحالة المقترح إلى النقاش العام يوم 21 من الشهر الجاري.

ينطلق نص المقترح الذي اطَّلعت عليه «الشرق الأوسط»، من الخلفية التاريخية التي تؤكد أن الجزائر كانت قبل سنة 1830 دولة ذات سيادة كاملة ومعترفاً بها دولياً، تمارس صلاحياتها السياسية والإدارية والاقتصادية والعسكرية، وتقيم علاقاتها الخارجية وتعقد المعاهدات. وقد شكَّل العدوان الفرنسي في 14 يونيو (حزيران) 1830 انتهاكاً صارخاً لهذه السيادة، حسب الوثيقة؛ حيث «أسس لاحتلال استعماري دام 132 سنة، خلَّف جرائم جسيمة وآثاراً عميقة لا تزال ممتدة إلى اليوم».

رئيس «المجلس الشعبي الوطني» مع أعضاء «لجنة صياغة مقترح قانون تجريم الاستعمار» (البرلمان)

ويرتكز المقترح على مبادئ القانون الدولي، وحق الشعوب في العدالة التاريخية، وعدم الإفلات من العقاب. ويهدف إلى «حماية الذاكرة الوطنية، ومواجهة محاولات تزييف التاريخ». كما يسعى إلى تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر خلال الفترة الممتدة من 1830 إلى 1962، واعتباره «جريمة دولة منتهكة للقيم والمبادئ الإنسانية والسياسية والاقتصادية والثقافية، مع الالتزام بكشف الحقيقة التاريخية ونشرها رسمياً».

تجريم تمجيد الاستعمار

ويتضمن النص توصيفاً واسعاً لجرائم الاستعمار، من بينها «القتل العمد والمجازر والإعدامات خارج إطار القانون، واستخدام القوة المفرطة والأسلحة المحرمة دولياً، والتجارب والتفجيرات النووية، والنهب المنهجي للثروات، والسطو على خزينة الدولة»، إلى جانب «التعذيب الجسدي والنفسي، والتمييز العنصري، والاغتصاب، والإخفاء القسري، والتهجير القسري، والنفي، وإنشاء المحتشدات، واستخدام المدنيين دروعاً بشرية، وطمس الهوية الوطنية، وتدنيس دور العبادة، ومحاولات التنصير القسري»، فضلاً عن «الاعتداء على حرمة الموتى واحتجاز رفاتهم». وتُعد هذه الجرائم غير قابلة للتقادم، وفق النص، كما يُصنَّف التعاون مع سلطات الاحتلال، بما في ذلك أفعال «الحركيين» (المتعاونين مع الاستعمار) ومن في حكمهم، على أنه «خيانة عظمى».

صورة لأحد التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

ويحمِّل المقترح الدولة الفرنسية المسؤولية القانونية الكاملة عن ماضيها الاستعماري، وما خلَّفه من مآسٍ، ويلزم الدولة الجزائرية بالسعي إلى انتزاع اعتراف واعتذار رسميين من فرنسا، والمطالبة بتعويض شامل ومنصف عن الأضرار المادية والمعنوية. كما يشمل المطالبة بتنظيف مواقع التفجيرات النووية التي أجرتها فرنسا في صحراء الجزائر في الستينات، وتسليم خرائطها وخرائط الألغام والتجارب الكيماوية، وتعويض ضحاياها وذويهم، واسترجاع الأموال المنهوبة، والأرشيف الوطني، وكل الممتلكات والقيم المادية والمعنوية التي نُقلت إلى خارج الجزائر، إضافة إلى استعادة رفات رموز المقاومة الشعبية ضد الاستعمار، والحركة الوطنية، والثورة التحريرية.

كما يتناول النص تجريم كل أشكال تمجيد أو ترويج الاستعمار الفرنسي أو تبريره، وفرض عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية على «كل من ينكر طبيعته الإجرامية، أو يشيد بالمتعاونين معه، أو يمس برموز المقاومة والثورة، أو يستخدم ألقاباً استعمارية مهينة»، مع تشديد العقوبات في حال العود، أو إذا ارتُكبت الأفعال من طرف موظفين عموميين، أو داخل المؤسسات التعليمية أو الإعلامية.

ويؤكد النص تعهد الدولة بمشاركة المجتمع المدني، في مسعى إلى «حفظ الذاكرة الوطنية وتثمينها، ونقلها إلى الأجيال المقبلة».

«لا تستهدف الشعب الفرنسي»

وكان عضو «لجنة صياغة مقترح قانون تجريم الاستعمار»، كمال بن خلوف، عن حزب «حركة البناء الوطني» المساند لسياسات الرئيس، قد أكد للإذاعة الحكومية، أن «هذه الخطوة لا تستهدف الشعب الفرنسي، وإنما تهدف إلى إدانة النظام الاستعماري الذي ارتكب أبشع الجرائم بحق الجزائريين». وأضاف أن «المصالحة الحقيقية مع فرنسا لا يمكن أن تتحقق دون اعتراف واضح وصريح بما جرى خلال الحقبة الاستعمارية»، عادّاً أن القانون الجاري إعداده «يشكِّل خطوة أساسية لاستكمال مسار تصفية الاستعمار».

وأوضح البرلماني نفسه أن بلاده «لم تتوقف عن المطالبة باسترجاع حقوقها التاريخية (من فرنسا)، سواء عبر الخطاب الرسمي، أو من خلال المساعي الدبلوماسية، وعلى هذا الأساس سيكون هذا القانون رسالة واضحة إلى فرنسا والعالم بأن الجزائر لن تتنازل عن حقها في الحقيقة والاعتراف بالجريمة الاستعمارية، والاعتذار عنها، والتعويض عن أضرارها».

الصحافي الفرنسي المسجون في الجزائر (حسابه على السوشيال ميديا)

وتم إطلاق «مبادرة تجريم الاستعمار بقانون» في فترة بلغ فيها التوتر مع فرنسا ذروته، بعد اندلاعه في يوليو (تموز) 2024 على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. غير أن العلاقات الثنائية شهدت هدوءاً في الأسابيع الأخيرة، على خلفية إعلان زيارة مرتقبة لوزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر، لبحث ملفات خلافية عدة.

الصحافي الفرنسي المسجون

ومن القضايا التي شكلت إحدى حلقات التوتر، إدانة صحافي فرنسي يُدعى كريستوف غليز بالسجن 7 سنوات مع التنفيذ، في 3 من الشهر الجاري، من طرف محكمة تيزي وزو، شرق العاصمة، بتهمة الإرهاب.

وقد وجهت والدته سيلفي غودار التماساً بالعفو إلى الرئيس عبد المجيد تبون، مطالبة بعودة ابنها إلى الحرية والعائلة. وأعلنت غودار أن الحكم الصادر بحق ابنها «صدمة كبيرة لعائلتها»، مؤكدة أن كتاباته «لم تتضمن على أي شيء معادٍ للجزائر ولا لشعبها».

ويبلغ غليز 36 عاماً، وقد استأنف الحكم أمام المحكمة العليا للمطالبة بإعادة محاكمته، بعد توقيفه في مايو (أيار) 2024، خلال تغطيته مباريات نادي شبيبة القبائل بتيزي وزو، واتهامه بـ«الإشادة بالإرهاب» والتواصل مع أفراد حركة انفصالية مصنفة إرهابية.

ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحكم بأنه «مبالغ فيه» و«ظالم»، مؤكداً عزمه التوصل إلى نتيجة إيجابية بهدف إطلاق سراحه.


مقالات ذات صلة

الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

شمال افريقيا وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»

الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

دخلت مساعي التقارب بين الجزائر وباريس مرحلة جديدة، إثر الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود إلى العاصمة الفرنسية يومي 2 و3 يونيو الحالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية البوسني فلاديمير بيتكوفيتش مدرب المنتخب الجزائري (رويترز)

خلاف مالي يؤجل حسم تجديد عقد بيتكوفيتش مع الجزائر

لا تزال مسألة تجديد عقد المدرب البوسني فلاديمير بيتكوفيتش مع المنتخب الجزائري لكرة القدم تنتظر الحسم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أعضاء هيئة الانتخابات خلال اللمسات الأخيرة على الترشيحات للانتخابات (السلطة)

الجزائر: هيئة الانتخابات تحمّل الأحزاب مسؤولية إقصاء مرشحيها للانتخابات

رفض رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» بالنيابة في الجزائر، التهم التي طالته من طرف الأحزاب إثر إسقاط عشرات المترشحين لاقتراع البرلمان.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء بملف استرداد الأموال المنهوبة لدى وصولهم إلى باريس في 1 يونيو 2026 (وزارة الداخلية الجزائرية)

الجزائر: محاكمة «الوزير منظّر الليبرالية» تعيد ملفات الفساد إلى الواجهة

تعد قضية الوزير السابق حميد طمار واحدة من أبرز ملفات الفساد التي ارتبطت بفترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019).

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية المدرب فلاديمير بيتكوفيتش في المؤتمر الصحافي لإعلان تشكيلة محاربي الصحراء (إ.ب.أ)

تشكيلة الجزائر للمونديال دون مفاجآت

خلت تشكيلة المنتخب الجزائري لنهائيات مونديال 2026 التي أعلن عنها، الأحد، المدرب البوسني-السويسري فلاديمير بيتكوفيتش من المفاجآت.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
TT

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

وسّعت السلطات الليبية في شرق البلاد وغربها خلال الأيام الأخيرة إجراءاتها الأمنية والتنظيمية، الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف الشعبية والرسمية من التداعيات الأمنية والديمغرافية للظاهرة، وسط رفض متزايد لأي مشاريع يُنظر إليها على أنها تمهيد لتوطين المهاجرين داخل البلاد.

وتواصلت الأربعاء في شرق ليبيا حملة أمنية واسعة النطاق، جرى خلالها ضبط مئات المهاجرين غير النظاميين، تنفيذاً لتعليمات أصدرها الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، تقضي باتخاذ إجراءات عاجلة لإنهاء مظاهر الوجود غير القانوني للأجانب في المناطق الخاضعة لسيطرة القيادة العامة.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر أمنية أن «الأجهزة المختصة تمكنت من ضبط أكثر من 2000 مهاجر غير نظامي في مدينة طبرق (شرق) خلال ثلاثة أيام، في إطار عمليات تفتيش ومداهمة، شملت عدداً من الأحياء والمواقع التي يشتبه في استخدامها لإيواء مهاجرين لا يحملون وثائق قانونية».

وحسب توجيهات صدام حفتر، فإن الحملة تركز على «ملاحقة وضبط المخالفين الذين لا يمتلكون وثائق رسمية، أو تصاريح إقامة أو عمل، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم وفق القوانين النافذة، تمهيداً لترحيلهم أو إحالتهم إلى الجهات المختصة».

كما أطلقت مديرية أمن البطنان، تحذيراً إلى ملاك العقارات ومؤجري المساكن من «إيواء أو تأجير وحدات سكنية لأجانب أو مهاجرين دون استيفاء الإجراءات القانونية المطلوبة»، متوعدةً بـ«اتخاذ تدابير صارمة بحق المخالفين، تشمل المساءلة القانونية واتخاذ إجراءات بحق العقارات، التي يثبت استخدامها لإيواء مقيمين بصورة غير مشروعة».

اجتماع وزيري الداخلية والعمل بحكومة «الوحدة» مع رئيس هيئة الرقابة الإدارية لبحث ملف الهجرة غير النظامية (حكومة الوحدة)

وفي درنة، أعلنت السلطات المحلية ضبط نحو 800 مهاجر غير قانوني، فيما أسفرت حملات نفذها «جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية» في البيضاء عن ضبط عدد من المهاجرين غير النظاميين من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى رصد حالات مصابة ببعض الأوبئة والأمراض، وفق بيان للجهاز، الأربعاء.

كما أعلنت مديرية أمن أجدابيا (شرق) مواصلة حملاتها الأمنية لضبط المهاجرين غير الشرعيين، مؤكدةً «وضع آليات تنظيمية وقانونية، تهدف إلى حصر المخالفين لقوانين الإقامة، وإحالتهم إلى الجهات المختصة لاستكمال إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم عبر القنوات الرسمية».

وفي غرب ليبيا، تزامنت التحركات الأمنية مع مساعٍ حكومية لإعادة تنظيم ملف الهجرة والعمالة الأجنبية. وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عن اجتماع موسع ضم وزيري الداخلية والعمل ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، خُصص لبحث خطة وطنية متكاملة لمعالجة الملف.

وقالت «الوحدة» إن «الخطة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية تشمل: تعزيز أمن الحدود، وتنظيم العمالة الوافدة، وتفعيل برامج ترحيل المهاجرين غير النظاميين، مع التأكيد على رفض أي ترتيبات أو مقترحات تتعلق بتوطين المهاجرين داخل ليبيا، باعتبار أن ذلك يمس الأمن القومي للبلاد».

وفي إطار الإجراءات المحلية، فرضت «لجنة حصر وتنظيم أوضاع الأجانب في بلدية زوارة»، المدينة الساحلية الواقعة غرب ليبيا قرب الحدود التونسية، حظراً مؤقتاً على حركة وتجول الأجانب والمقيمين والزائرين خلال ساعات الليل، من الحادية عشرة مساءً حتى الخامسة صباحاً.

وأدرجت «اللجنة» هذا القرار في إطار «تدابير احترازية تهدف إلى حماية الأمن والسلامة العامة، والحد من المخاطر المرتبطة بالتجمعات والتحركات الليلية»، داعيةً أصحاب الشركات والمصانع إلى «إبلاغ العمالة الأجنبية بالقرار، والتأكد من حملهم الوثائق الثبوتية اللازمة».

تأتي هذه الإجراءات في وقت يشهد فيه الشارع الليبي تصاعداً ملحوظاً في حدة النقاش حول ملف الهجرة غير النظامية، مع ازدياد الأصوات التي تُحذر من انعكاساتها على الأوضاع الاقتصادية والأمنية والتركيبة السكانية للبلاد.

وأعلن ما يعرف بـ«حراك أبناء سوق الجمعة»، في بلدية سوق الجمعة، إحدى كبرى بلديات العاصمة طرابلس، رفضه المطلق لأي مشاريع لتوطين المهاجرين، داعياً السلطات إلى «اتخاذ خطوات حاسمة لمعالجة الملف». كما أصدر أهالي وأعيان عين زارة، الواقعة جنوب شرقي طرابلس، بيانات مماثلة حذروا فيها من مخاطر التوطين، مطالبين بتشديد الرقابة على الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر.

وتتزامن هذه التطورات مع دعوات لتنظيم احتجاجات شعبية، أخيراً، تحت شعار «الانتفاضة الكبرى ضد الهجرة غير الشرعية ومحاولات التوطين»، وسط مخاوف من أن تؤثر التحركات المرتقبة على عمل بعثة المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين.

وتحدثت وسائل إعلام محلية، مساء الثلاثاء، عن رصد عمليات نقل وثائق ومعدات من مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج غرب العاصمة طرابلس، بالتزامن مع الاستعدادات للاحتجاجات المرتقبة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن الإجراءات الاحترازية التي تتخذها المنظمة الدولية.

وكانت بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد شددت، مساء الثلاثاء، على أن «عمل المفوضية في ليبيا يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية، والحماية للفئات الأكثر هشاشة من اللاجئين والمهاجرين، نافيةً وجود أي دور للمنظمة في تنفيذ مشاريع لتوطين المهاجرين داخل البلاد، وفق بيان نقله إعلام محلي».

وأعادت التأكيد على موقفها بأن «الجهود الدولية تركز على إيجاد حلول دائمة، من خلال إعادة التوطين في دول ثالثة أو دعم برامج العودة الطوعية الآمنة إلى بلدان المنشأ»، مشيرةً إلى أنها «تمارس أنشطتها الإنسانية داخل ليبيا منذ عام 1991 بالتنسيق مع السلطات المختصة».

Your Premium trial has ended


مصر: جهود حصار التضخم لم تنقذ القطاع الخاص من فخ الركود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: جهود حصار التضخم لم تنقذ القطاع الخاص من فخ الركود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

رغم التأكيدات الرسمية المستمرة بتكثيف جهود حصار معدلات التضخم في مصر، التي بدأت في الارتفاع مجدداً منذ اندلاع الحرب الإيرانية، فإن ذلك لم ينعكس إيجاباً على القطاع الخاص غير النفطي، الذي يعد الأكثر تأثراً وفقاً لمؤشر «ستاندرد أند بورز غلوبال» لمديري المشتريات في مصر الصادر الأربعاء عن شهر مايو (أيار) الماضي.

وبحسب مسح الأعمال الخاص بالمؤشر فإن «القطاع الخاص غير النفطي في مصر ظل غارقاً في حالة الانكماش خلال شهر ​مايو، بعد أن أدى الارتفاع الجديد في تكاليف ‌المدخلات إلى تراجع الطلب، ما أجبر الشركات على رفع الأسعار بشدة، وأدى إلى أكبر موجة من تخفيضات الوظائف منذ ما يقرب من ست سنوات».

ويشير خبراء اقتصاد لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المؤشر، رغم أنه ارتفع قليلاً عن شهر أبريل (نيسان) الماضي، فإن ذلك لا يخفف من صعوبة المشكلات التي يعانيها القطاع الخاص، الذي لا يزال يعاني من توفير الفرص التي تحرك الطاقات الإنتاجية، وأن الجهود الحكومية لمواجهة التضخم لم تفلح في إنقاذه من الركود مع الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد من الخارج.

واتخذت الحكومة والبنك المركزي المصري، وفق خبراء، قرارات من شأنها تخفيف وطأة معدلات التضخم المرتفعة، بينها قرارات مصرفية مثل تثبيت أسعار الفائدة، وأخرى تنفيذية من جراء توفير السلع وإتاحتها بأسعار مخفضة في بعض المنافذ على معدلات التضخم، مشيرين في الوقت ذاته إلى محدودية تأثير هذه القرارات.

وارتفع ​مؤشر «مديري المشتريات» في مصر إلى ​47.1 في مايو من 46.6 في أبريل، ⁠لكنه ظل دون عتبة 50.0 التي تفصل بين النمو ​والانكماش للشهر الخامس على التوالي، ما يشير إلى تباطؤ وتيرة نمو ​الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني مقارنة بنهاية 2025.

وأشارت نتائج المسح إلى أن أسعار مستلزمات الإنتاج ارتفعت بأسرع وتيرة لها منذ يناير (كانون الثاني) 2023، مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع تكاليف الوقود والديزل والكهرباء، إلى جانب تأثير انخفاض قيمة العملة المحلية، وضغوط الأجور التي بلغت ذروتها منذ يناير 2018.

أحد مصانع القطاع الخاص العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وقالت الباحثة في الاقتصاد الدولي، سمر عادل، إن انكماش القطاع الخاص يعود مباشرة لارتفاع معدلات التضخم، وهي ناتجة عن ارتفاع مدخلات الإنتاج مع اعتماد الشركات والمصانع بشكل كبير على الاستيراد، سواء فيما يتعلق بالمواد الخام أو السلع التي ارتفع الكثير منها عالمياً بفعل حالة عدم اليقين، التي سببتها الاضطرابات السياسية والأمنية، وكان لديها تأثير قوي على بعض الاقتصاديات الكبرى.

وأضافت سمر عادل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن القول إن التضخم في مصر مستورد، والتعامل معه يبقى صعباً بسبب الاعتماد على استيراد كثير من السلع الأساسية، وتبقى القرارات المصرفية التي يتخذها (البنك المركزي) عبر تثبيت أسعار الفائدة أو خفضها، وكذلك توفير السلع بأسعار مخفضة في بعض المنافذ إجراءات ليست كافية».

وأبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير، خلال ثاني اجتماع للجنة السياسة النقدية في 2026، خلال الشهر الماضي، وسط مخاطر صعودية تحيط بالتضخم محلياً وعالمياً. وقررت لجنة السياسة النقدية الإبقاء على أسعار الفائدة للإيداع عند 19 في المائة، وسعر الإقراض عند 20 في المائة.

وتباطأ معدل التضخم في مصر على نحو طفيف في أبريل، وسجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.9 في المائة خلال أبريل الماضي، مقارنة بـ15.2 في المائة في مارس (آذار) المنصرم.

وسبق أن توقع «المركزي» المصري ارتفاع متوسط معدلات التضخم في عام 2026 إلى ما بين 16 في المائة و17 في المائة، مقابل 11 في المائة في توقعاته السابقة، كما توقع البنك أن يصل معدل التضخم في مصر إلى ما بين 12 في المائة و13 في المائة في عام 2027، بدلاً من 8 في المائة بتوقعاته السابقة.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في زيارة لأحد مصانع القطاع الخاص العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)

من جانبها، أكدت أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، الدكتورة يمن الحماقي، أن مؤشر «مدير المشتريات» يشير إلى أن القطاع الخاص لا يجد الفرص الكافية لتحريك الطاقات الإنتاجية، وهو ينخفض بثلاث نقاط كاملة عن الوصول إلى 50.0 التي تفصل بين النمو ​والانكماش، ويبرهن ذلك على أن فرص الاستثمار ضعيفة، وقد انعكس ذلك على تسريح أكبر عدد من العمالة خلال الشهر الماضي، وهو مؤشر خطير يمكن أن يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر.

وأشارت الحماقي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن معدلات التضخم المرتفعة تضغط على المواطنين، ومن ثم يتأثر بها القطاع الخاص، وهو ما يتطلب إجراءات حكومية سريعة للتعامل مع الوضعية الراهنة، وفي مقدمتها التركيز على التمكين الاقتصادي للفقراء، وتحسين المناخ الاستثماري وعلاج مشاكل المصانع المتعثرة، وتفعيل الآليات المجتمعية التي تحمي المواطنين، مثل إتاحة السلع بأسعار مخفضة، والتأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه في حال جرى الانتقال إلى الدعم النقدي، والتأكد من كفاية ما يحصل عليه المواطنون لسد احتياجاتهم.

وتفاقمت اضطرابات سلاسل التوريد في مصر بشكل كبير خلال مايو الماضي، حيث طالت فترات تسليم الموردين بأسرع معدل منذ قرابة أربع سنوات نتيجة تقلبات الأسعار والآثار المستمرة للصراع والاضطرابات، التي تواجه حركة الشحن العالمي في المنطقة، وفقاً لمؤشر «مديري المشتريات».

وهذا الخلل في الإمدادات، بالتوازي مع تقليص القوى العاملة، أدى إلى تراكم الأعمال المعلقة بأسرع وتيرة منذ سبتمبر (أيلول) 2023. وفي محاولة للتحوط ضد القفزات السعرية المتوقعة مستقبلاً، سجلت الشركات أكبر زيادة في مخزون المشتريات منذ نحو ثلاث سنوات، رغم ضعف الطلب الحالي.


مصر واليابان... حوار استراتيجي يعزز الشراكة على وقع أزمات دولية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره الياباني خلال الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره الياباني خلال الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر واليابان... حوار استراتيجي يعزز الشراكة على وقع أزمات دولية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره الياباني خلال الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره الياباني خلال الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)

استضافت طوكيو جولة ثالثة من الحوار الاستراتيجي بين مصر واليابان، اليوم (الأربعاء)، أسفرت عن التوقيع على الإطار التمهيدي للشراكة الاستراتيجية بين البلدين، في ظل أزمات دولية مع استمرار تداعيات حرب إيران، وفي إطار اهتمام مصري بآسيا لجذب مزيد من الفرص الاستثمارية، التي تسهم في إنعاش الاقتصاد.

وأفادت «الخارجية» المصرية، في بيان صحافي، الأربعاء، بأن الوزير بدر عبد العاطي التقى نظيره الياباني توشيميتسو موتيجي، بهدف «إطلاق الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي المصري - الياباني لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين وتفعيل مسارات التعاون المختلفة».

تفعيل محاور الشراكة

خلال اللقاء، أشاد الوزير عبد العاطي بعمق العلاقات المصرية - اليابانية، مؤكداً أهمية البناء على الزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية، منذ الإعلان عن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في أبريل (نيسان) 2023، ومعرباً عن التطلع لتفعيل مختلف محاور الشراكة خلال المرحلة المقبلة، وانتظام انعقاد الحوار الاستراتيجي بين البلدين بصورة سنوية.

ووفقاً لبيان «الخارجية» المصرية، «شهد الاجتماع التوقيع على الإطار التمهيدي للشراكة الاستراتيجية بين البلدين، استعداداً لتوقيع وثيقة الشراكة الاستراتيجية على المستوى الرئاسي، واتفاقية بين وزارتي الخارجية في البلدين بشأن التدريب الدبلوماسي»، دون تحديد موعد.

وسبق تلك الجولة لقاء عبد العاطي مع رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، وتبادل الرؤى بشأن عدد من التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وسلم الوزير عبد العاطي رئيسة وزراء اليابان رسالة خطية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تتناول سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين الصديقين خلال الفترة المقبلة، مشيداً بما تشهده العلاقات من تطور لافت، وما بلغته علاقات التعاون والتنسيق بين البلدين من مستويات متقدمة، وفق بيان ثانٍ لـ«الخارجية» المصرية.

وفي هذا الصدد، يرى مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الآسيوية السفير محمد حجازي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن زيارة عبد العاطي إلى اليابان تأتي في توقيت دولي وإقليمي بالغ الحساسية؛ حيث تتشابك التحديات الاقتصادية مع الأزمات الجيوسياسية، وتتصاعد المخاوف العالمية بشأن أمن سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، واستقرار مناطق النزاع في أفريقيا والشرق الأوسط.

وتكتسب المحادثات المصرية اليابانية، بحسب حجازي، زخماً خاصاً في ظل ما تشهده البيئة الدولية من تحولات استراتيجية عميقة، دفعت العديد من الدول إلى إعادة تقييم شراكاتها الاقتصادية، وسلاسل التوريد الخاصة بها، فضلاً عن أنها ستبحث فرص زيادة الاستثمارات اليابانية في السوق المصرية، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي لمصر بوصفها مركزاً لوجستياً وصناعياً يربط بين أفريقيا وأوروبا وآسيا.

محادثات مصرية يابانية تستهدف تعزيز التعاون وسط تحديات إقليمية (وزارة الخارجية المصرية)

وفي ملف سلاسل الإمداد، تبرز مصر بوصفها شريكاً مهماً لليابان في ضوء دور قناة السويس، باعتبارها أحد أهم الشرايين التجارية العالمية، بحسب حجازي، مؤكداً أن الأزمات الأخيرة، سواء المرتبطة بجائحة «كورونا» أو التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر، أظهرت أهمية تنويع وتأمين مسارات التجارة الدولية، وهو ما يمنح القاهرة موقعاً محورياً في أي استراتيجية دولية، تستهدف تعزيز مرونة سلاسل التوريد العالمية.

كما تعكس الزيارة استمرار تطور العلاقات المصرية - اليابانية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية في مجالات التعليم والبنية التحتية والنقل والصناعة، ومن أبرز نماذجها الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، فضلاً عن التعاون في مشروعات المترو والطاقة والتنمية البشرية، وفق حجازي.

محطات آسيوية «مهمة»

وتستكمل مصر واليابان، الخميس، أعمال الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين البلدين، لتناول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق بيان «الخارجية» المصرية. وفي هذا الصدد، ثمّن وزير الخارجية الياباني الجهود الحثيثة التي تبذلها مصر لدعم الأمن والاستقرار في المنطقة.

وتأتي الزيارة، التي بدأها عبد العاطي الأربعاء، في ظل تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران وعدم وقف الحرب بينهما، التي بدأت نهاية فبراير (شباط) الماضي، واستمرار أزمة مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي أدى غلقه منذ مارس (آذار) إلى تضرر الاقتصاد العالمي وتضرر إمدادات الطاقة والغذاء.

كما تأتي بعد أيام من زيارة عبد العاطي لكوريا الجنوبية لحضور اجتماع وزاري كوري أفريقي، وإجراء لقاءات عديدة مع مسؤولين في سيول لبحث تعزيز التعاون، «ما يعكس توجهاً مصرياً متنامياً لتعزيز الانخراط مع القوى الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى في آسيا»، بحسب حجازي.

وأوضح حجازي أن الزيارة تستهدف أيضاً تنسيق المواقف بشأن القضايا الدولية المُلحة، بما يعزز مكانة القاهرة بوصفها فاعلاً إقليمياً ودولياً قادراً على الربط بين أفريقيا والعالم العربي وآسيا في مرحلة تتسم بإعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.