مستقبل العلاقات الفرنسية - الجزائرية رهن تجاوز خلافاتهما العميقة

بادرة الرئيس تبون بالعفو عن صنصال تنتظر لفتة مشابهة من الرئيس ماكرون، فهل ستأتي؟

TT

مستقبل العلاقات الفرنسية - الجزائرية رهن تجاوز خلافاتهما العميقة

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبع بإيطاليا يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبع بإيطاليا يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

السؤال المطروح اليوم على ضفتي المتوسط واحد: هل ستسخّر باريس والجزائر إطلاق سراح بوعلام صنصال، الكاتب مزدوج الجنسية، الذي سجن في الجزائر لفترة تقارب العام الكامل، ولم يخرج من سجنه إلا بفضل وساطة فعالة قام بها الرئيس الألماني بطلب من باريس، للسير نحو تطبيع علاقاتهما المتوترة منذ نحو عام ونصف عام أو على الأقل، استئناف الحوار حول خلافاتهما العديدة والمستحكمة؟

توجه فرنسي جديد

ترى مصادر سياسية في باريس أن «كل طرف بحاجة للطرف الآخر، ولكليهما مصلحة واضحة في إعادة مياه العلاقات إلى مجاريها الطبيعية». بيد أنها تسارع إلى القول إن «الخلافات التي تراكمت بينهما في العامين الأخيرين صعبة ومعقدة إلى درجة أنه قد يكون من السذاجة القول إنهما سيتمكنان سريعاً من قلب صفحة التصعيد». من هنا، فإنها تدعو إلى «ترقب ما قد يصدر عن فرنسا» التي من المنتظر منها أن ترد على بادرة الجزائر الإيجابية التي مرت عبر الوسيط الألماني.

الرئيس ماكرون خلال احتفالية إحياء ذكرى مرور عقد على هجمات 13 نوفمبر 2015 في باريس (أ.ف.ب)

ومن هذه الزاوية، ثمة من يرى أن إقدام الرئيس ماكرون على «تقديم الشكر» لنظيره الجزائري عبد المجيد تبون على لفتته لن يعدّ كافياً، وأن المطلوب بادرة ما فرنسية تقابل البادرة الجزائرية. بيد أن الأنظار تتجه إلى احتمال اجتماع الرئيسين على هامش قمة العشرين في جوهانسبرغ نهاية الأسبوع المقبل، والتي ستسبقها في الأيام القليلة المقبلة زيارة أمينة عام وزارة الخارجية الفرنسية إلى الجزائر، وبعدها الزيارة المرتقبة لوزير الداخلية لوران نونييز التي يتوقع أن تتم قبل نهاية العام الحالي.

وبعد التصعيد المتبادل الذي كان سيد الموقف في الأشهر الأخيرة، والتهديد الفرنسي بإعادة النظر في اتفاقية عام 1968 بين البلدين الخاصة بإقامة وعمل المواطنين الجزائريين في فرنسا، ودعوة وزير الداخلية السابق برونو روتايو إلى اعتماد سياسة «لي الذراع» مع الجزائر، ثمة توجهات جديدة للدبلوماسية الفرنسية تركز على أهمية «الاحترام»، وتدعو إلى «التهدئة والحوار»، وهو ما جاء على لسان ماكرون ورئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو، وأيضاً لوران نونيز. وتربط الأخير «علاقة خاصة» بالجزائر؛ كون عائلته الإسبانية الأصل هاجرت إلى الجزائر ولم تتركها إلا في عام 1062، حيث انتقلت إلى فرنسا.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يلقي خطاباً في وزارة الدفاع 9 أكتوبر الماضي (الرئاسة)

كافة هذه العناصر تبدو إيجابية. لكن قراءة ما حصل بين البلدين في العامين الأخيرين تقلل من وقعها. فإذا كان لقاء ماكرون - تبون يعد علامة فارقة على الرغبة في تخطي حال القطيعة، فإنه لن يكون كافياً. فالرئيسان التقيا في باري «إيطاليا» يوم 13 يونيو (حزيران) من العام الماضي، على هامش قمة السبع، وصدرت عقبها تصريحات تشدد على تنفيذ ما تضمنه إعلان الجزائر الذي صدر بمناسبة زيارة الدولة التي قام بها ماكرون قبل ذلك بعامين إلى الجزائر ومسائل أخرى. لكن هذا اجتماع لم يحل دون الانعطافة الحادة التي قام بها ماكرون، نهاية يوليو (تموز) 2024، ومعه دبلوماسية بلاده بشأن ملف الصحراء الغربية واعترافه عملياً بسيادة المغرب عليها، الأمر الذي أصاب علاقات البلدين الثنائية بنكسة كبيرة كانت السبب الأول في القطيعة بينهما. ولذا، يجدر التساؤل حول كيفية التغلب على هذه العقبة الكأداء و«الثمن» الذي قد تطلبه الجزائر لتخطيها.

ضرورة التعاون الأمني

بيد أن هذه الصعوبة، رغم أهميتها، ليست الوحيدة التي تسمم العلاقات بين البلدين. فالجانب الفرنسي يبدو محبطاً من كيفية تعاطي وتعاون الجزائر في ملف الجزائريين الذين صدرت بحقهم قرارات ترحيل إلى بلادهم التي لا يمكن أن تتم إلا بموافقة الطرف الجزائري عبر الحصول على الضوء الأخضر من القنصليات الجزائرية في فرنسا.

الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال (أ.ف.ب)

وليس سراً أن هذا الملف الذي استخدمه برونو روتايو وسيلةَ ضغط على الجزائر أثار دوماً حفيظة الطرف الآخر الذي رد عليه بإعطاء تعليمات لقناصله برفض التعاون مع السلطان القضائية والأمنية الفرنسية. كذلك وضع الطرف الجزائري حداً للتعاون بين أجهزة البلدين الأمنية خصوصاً فيما يتعلق بالجهاديين وبالأعمال الإرهابية، ما حرم باريس من معلومات ثمينة كانت تصلهم من زملائهم الجزائريين.

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ إذ إن كل طرف اتخذ إجراءات ضد مصالح الطرف الآخر أو هدد باتخاذها. وكان لافتاً لجوء الطرفين إلى عمليات طرد دبلوماسيين وإثارة قضايا مزعجة للطرف الآخر مثل مطالبة الجزائر بإعادة النظر بأوضاع المواقع والأبنية والأرض التي تشغلها فرنسا في الجزائر، أو تفضيل الجزائر تعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية والتجارية مع إيطاليا وألمانيا على حساب فرنسا. والطرف الجزائري هاله قرار فرنسا إعادة النظر باتفاقية عام 1968 أو إقدامها على خفض عديد تأشيرات الدخول إلى أراضيها، أو التضييق على حملة الجوازات الدبلوماسية الجزائرية التي منحت لمئات الأشخاص الذين لا يحملون صفة دبلوماسية.

ويصعب في هذا المقام إقامة ثبت متكامل للمسائل الخلافية بين الطرفين، وهي صعوبات حقيقية وجدية. وما يضاعف من وقعها الخلفية التاريخية الدامية بين الدولة المستعمرة السابقة والدولة التي حصلت على استقلالها بعد حرب طويلة ومكلفة. لكن، بالمقابل، فإن هذه العلاقة التاريخية هي التي تجعل «القطيعة» بين الطرفين عبثية. ويكفي للتأكد من ذلك، النظر إلى أهمية الجالية الجزائرية الموجودة في فرنسا والعلاقات الإنسانية الوثيقة بين ضفتي المتوسط.

يضاف إلى ما سبق أن للطرفين مصلحة في التعاون في منطقة الصحراء التي اضطرت فرنسا للخروج منها عسكرياً وتباعاً في العامين الأخيرين بعد الانقلابات العسكرية التي ضربت مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتبدل اتجاهات سياسة تشاد إزاء باريس. فالقوات الفرنسية أخلت قواعدها في هذه البلدان التي تعاني من استقواء المنظمات الجهادية، الأمر الذي يقلق الجزائر وفرنسا معاً. وتراقب الأولى ما يحصل في هذه المنطقة ومدى تأثيرها على أمنها الوطني خصوصاً مع مالي التي تتشارك معها حدوداً بطول 1400 كلم. وسبق للجزائر أن عانت من تسلل عناصر جهادية إلى أراضيها، ومن عمليات إرهابية في الأعوام 2013 و2020 و2022 وغيرها. لذا، يبدو طبيعياً أن يعود الجانبان إلى التعاون الأمني والعسكري في المنطقة المعنية؛ كون مصالحهما مهددة معاً.

تبرز، مما سبق، صورة العلاقات الفرنسية - الجزائرية البالغة التعقيد. ورغم قناعة الطرفين بفائدة التعاون وما له من مردود إيجابي عليهما، فإن التداخل بين ذكريات الماضي الأليمة وواقع الحاضر المتشابك يدفعان إلى الحذر في الحكم على ما ستكون عليه علاقاتهما في القادم من الأيام.


مقالات ذات صلة

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

دخلت العلاقات الجزائرية - الفرنسية، المتوترة أصلاً، فصلاً جديداً من التأزيم والتصعيد، أمس (الجمعة)؛ بسبب تصريح إعلامي مثير.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من جلسة التصديق على تعديل قانون الانتخابات في الغرفة البرلمانية السفلى (البرلمان)

الجزائر تغلق منافذ السياسة في وجه «المال المشبوه»

بدأ أعضاء «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان)، الخميس، مناقشة مشروع تعديل قانون الانتخابات، في خطوة تسبق استدعاء «الهيئة الناخبة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا توقيع اتفاقين بين الجزائر وبلجيكا أحدهما يخص ترحيل المهاجرين السريين (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر وبروكسل تطويان عقدين من التعثر باتفاقية «تاريخية»

شهدت العلاقات الجزائرية-البلجيكية تحولاً استراتيجياً بارزاً بتوقيع اتفاقيتين جديدتين في بروكسل، يتصدرهما اتفاق مهم لإعادة قبول المهاجرين في وضعية غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية التعادل السلبي خيّم على مواجهة المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني (أ.ب)

«ملحق المونديال»: التعادل السلبي يخيم على مواجهة الجزائر وأوروغواي

خيّم التعادل السلبي على المواجهة الودية القوية التي جمعت بين المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني مساء الثلاثاء في تورينو.

«الشرق الأوسط» (تورينو)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تفاقم التوترات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

بعد عام من التعليق... الجزائر تستأنف استقبال المبعدين من فرنسا

شرعت الجزائر وباريس في فك عقدة أحد أبرز الملفات الخلافية العالقة منذ عام ونصف، وذلك رغم ظهور بوادر تصعيد جديدة مرتبطة بـ«قضية اليوتيوبر المعارض أمير دي زد».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
TT

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

هزّ انفجار عنيف، ليل الجمعة، وسط العاصمة السودانية الخرطوم، وأثار حالة من الذعر والترقب بين السكان، بعدما ارتجّت على أثره حوائط المنازل في عدد من الأحياء، فيما سُمع دويه في مناطق بعيدة داخل ولاية الخرطوم وخارجها.

ووقع الانفجار في ضاحية «البراري» القريبة من مبنى القيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم الدولي، في وقت متأخر من ليل الجمعة، وفقاً لشهود عيان، قالوا إن جسماً مجهولاً انفجر داخل المنطقة، مخلفاً ألسنة لهب كثيفة وسحابة من الدخان، إلى جانب حفرة عميقة في موقع الحادث.

وقال سكان إن صوت الانفجار سُمع في أنحاء واسعة من ولاية الخرطوم، ووصل كذلك إلى أطراف ولاية الجزيرة المجاورة، الأمر الذي أثار تكهنات واسعة بشأن طبيعته، في ظل وقوعه بالقرب من مواقع استراتيجية وحساسة.

روايات متضاربة

وتباينت الروايات الرسمية والفنية بشأن سبب الانفجار. ففي حين أعلنت الشرطة أن الحادث نجم عن انفجار «لغم أرضي» من مخلفات الحرب، أشعل مواطنون النار بالقرب منه أثناء حرق نفايات، نفى المركز القومي لمكافحة الألغام أن يكون الجسم المتفجر لغماً أرضياً. فيما رجحت مصادر أخرى أن ما حدث كان بسبب هجوم بمسيّرة كانت تستهدف القيادة العامة أو المطار، وتم التشويش عليها فأخطأت الهدف.

وقالت الشرطة، في بيان، إن عدداً من المواطنين أشعلوا النيران لحرق النفايات في الموقع، ما أدى إلى انفجار جسم مدفون تحت الأرض، بالقرب من القيادة العامة ومطار الخرطوم.

لكن المركز القومي لمكافحة الألغام رجّح، في تقرير فني، أن يكون الجسم المتفجر عبارة عن مقذوف مدفعي من عيار 130 أو 155 ملليمتراً، أو صاروخ تابع لطائرة مسيّرة كان مدفوناً تحت الأرض، مشيراً إلى أن الحرارة الناتجة عن حرق جذع نخلة مع النفايات قرب الموقع تسببت في تفجيره.

وأكد المركز، في بيان صحافي، أن معاينته الميدانية وفحص الشظايا والحفرة الناجمة عن الانفجار لا يدعمان فرضية أنه «لغم أرضي»، مضيفاً أن وصف الجسم المتفجر بهذه الصفة غير دقيق.

وأشار إلى أن فرق المركز تواصل عمليات المسح الميداني في المنطقة، بهدف إزالة مخلفات الحرب وتأمين الموقع، بالتنسيق مع السكان المحليين، داعياً إلى تحري الدقة وعدم الانسياق وراء المعلومات غير المؤكدة.

صورة متداولة لوالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة

من جانبه، قال والي ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، خلال تفقده موقع الحادث، إن الصوت الذي سمعه سكان الولاية أثار كثيراً من التساؤلات، ورافقته معلومات غير دقيقة. وأوضح أن فرقاً فنية من المركز القومي لمكافحة الألغام، والدفاع المدني، والشرطة الجنائية، والأجهزة الفنية في القوات النظامية، إضافة إلى جهاز المخابرات العامة، باشرت التحقيق في الموقع، وعثرت على حفرة في مكان الانفجار.

وأضاف الوالي أن الحادث، على الرغم من قوة الانفجار، لم يسفر عن خسائر في الأرواح أو الممتلكات، ناقلاً عن مدير المركز القومي لمكافحة الألغام، اللواء خالد حمدان، أن الجسم الذي انفجر كان مدفوناً تحت الأرض ولم يكن مرئياً.

وفي المقابل، تداولت منصات التواصل الاجتماعي روايات تحدثت عن احتمال أن يكون الانفجار ناجماً عن قصف بطائرة مسيّرة مجهولة كانت تستهدف مطار الخرطوم أو مبنى القيادة العامة، قبل أن تخطئ هدفها نتيجة التشويش وتسقط داخل الحي السكني. غير أن والي الخرطوم نفى هذه الفرضية، مؤكداً أن الانفجار لا يرتبط بأي عملية عسكرية أو استهداف جوي أو تدخل من الدفاعات الأرضية، ومشدداً على أن سببه يعود إلى انفجار جسم مدفون تحت الأرض. ورغم النفي الرسمي، فإن تضارب الروايات بين الجهات المختصة، إلى جانب شدة الانفجار واتساع نطاق سماع دويه، أبقى على حالة من الشك والتساؤل في أذهان كثير من السكان.


رئاسة إثيوبيا لـ«مجلس السلام» الأفريقي... «اختبار صعب» لإدارة «قضايا حاسمة»

شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
TT

رئاسة إثيوبيا لـ«مجلس السلام» الأفريقي... «اختبار صعب» لإدارة «قضايا حاسمة»

شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)

تبدأ إثيوبيا، الثلاثاء، رئاسة مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي لشهر أبريل (نيسان) الحالي، وسط خلافات عميقة مع مصر وإريتريا في ملف السد الإثيوبي، والمنفذ البحري على البحر الأحمر، وصراعات معقدة بالقارة.

وتتولى إثيوبيا رئاسة «مجلس السلام» للمرة الأولى منذ انضمامها إليه، ومن المقرر أن تبدأ رسمياً رئاسة جدول أعمال المجلس في 7 أبريل الحالي، بحسب ما ذكرت وكالة «الأنباء الإثيوبية».

وخلال فترة رئاستها «ستقود إثيوبيا المداولات حول مجموعة واسعة من قضايا السلام والأمن الحاسمة في جميع أنحاء القارة، وستغطي هذه المناقشات كلاً من الأوضاع الخاصة بكل دولة والقضايا الأوسع التي تؤثر على أفريقيا»، وفق الوكالة. وتأتي قيادة إثيوبيا في «وقتٍ لا تزال فيه الجهود الإقليمية المنسقة ضرورية لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة وتعزيز السلام المستدام في جميع أنحاء أفريقيا»، بحسب الوكالة الإثيوبية.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن «إثيوبيا ستبدأ اختباراً صعباً لإدارة (قضايا حاسمة)، خصوصاً وهي ستواجه مجموعة من التحديات والمشكلات التي تقتضي أن تبدي مواقف مغايرة لما سلكته في معظم القضايا السابقة بالقارة».

ويوضح حليمة لـ«الشرق الأوسط» أن «التوجهات الإثيوبية تخرج عن إطار المواثيق والاتفاقية الدولية مثل التصرفات الأحادية في السد الإثيوبي، ونهجها في الوجود على البحر الأحمر رغم أنها دولة غير مشاطئة بخلاف خلافاتها العميقة مع مصر وإريتريا». ويتوقع أنها ستواجَه عند تناول هذه القضايا وغيرها بموقف صعب، وعليها أن تتغير في مواقفها لترعى مصالح الدول كافة باعتبار أن المصالح المشتركة هي أساس عمل مجلس السلم وغيره، وليس المصالح الذاتية.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993، عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت 3 عقود، ما جعلها تعتمد على موانئ جيرانها، ولا سيما ميناء جيبوتي الذي أصبح منفذاً بحرياً رئيسياً يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية، وسط رفض مصري - إريتري - صومالي لمساعي الحصول على منفذ باعتبارها دولة غير مشاطئة على البحر الأحمر.

وأشار نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» إلى أن الأوضاع المشتعلة في الصومال، وإثيوبيا طرف فيها، ومحاولتها إيجاد منفذ بحري وتهديداتها لإريتريا باستخدام القوة، ومطالب إقليم تيغراي الإثيوبي التي تتنصل منها أديس أبابا، بخلاف انغماسها في تطورات السودان، تعد قضايا ذات أهمية بالغة، مثل السد الإثيوبي، ولن تستطيع إثيوبيا طرحها بأسلوب يعبر عن مصالح الجميع.

وفي 2 مارس (آذار) الماضي، اتهمت الحكومة السودانية، إثيوبيا، بانتهاك سيادتها، قائلة إنها «ظلت تتابع خلال الشهر الأخير دخول طائرات من جانب الأراضي الإثيوبية تتعامل مع أهداف داخل السودان»، مؤكدة حينها أن «هذا السلوك العدائي مستنكر ومرفوض، ويمثل انتهاكاً سافراً وعدواناً صريحاً لسيادة السودان».

في المقابل، قال المحلل الإثيوبي، عبد الشكور عبد الصمد، إن اختيار الدول لهذه الرئاسة تكليف ومسؤولية، وعادة الدول لا توظف أجندتها الخاصة بهذه الفترة، وبالتالي «لا يتوقع أن تستغل أديس أبابا هذا الظرف ضد دول الجوار أو القارة بشكل نهائي».

وأوضح عبد الصمد لـ«الشرق الأوسط» أن التعاون بين الدول في «مجلس السلم» يتم وفق آليات وضوابط، ومصر سبق أن ترأست هذا المجلس ولم يحدث شيء، وإثيوبيا أيضاً لن تقوم بموقف أو إجراء يحسب عليها، خاصة وهي حريصة على نجاح الاتحاد الأفريقي الذي تستضيفه.

ويُعد مجلس السلام والأمن، الذي تأسس عام 2004 في إطار الاتحاد الأفريقي، الهيئة المركزية للاتحاد الأفريقي المعنية بمنع النزاعات وإدارتها وحلها، وانضمت إثيوبيا إلى المجلس منذ تأسيسه، وشغلت عضوية المجلس لأربع دورات سابقة قبل انتخابها مجدداً عام 2025.


أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

عاد شبح الانقسام ليخيّم مجدداً على المؤسسة القضائية في ليبيا، منذراً بأزمة جديدة، على وقع تحذير أحد الطرفين المتنازعين على رئاسة المجلس الأعلى للقضاء مما وصفه بتداول قرارات تتعلق بنقل وإنهاء انتداب عدد من أعضاء الهيئات القضائية، مؤكداً أنها صادرة عمّن لا يملك حق إصدارها قانوناً، وتُعد منعدمة ولا يترتب عليها أي أثر.

ويعكس هذا السجال حالة من الارتباك المؤسسي، في ظل تبادل جهتين متنازعتين على تمثيل المجلس الأعلى للقضاء في كل من طرابلس وبنغازي قرارات وبيانات متعارضة، مما يفاقم المخاوف من انقسام الجهاز القضائي، على غرار ما شهدته مؤسسات سيادية أخرى خلال السنوات الماضية.

وأصدر «المجلس الأعلى للقضاء» بياناً شديد اللهجة، مساء الجمعة، من مدينة بنغازي، جاء فيه أن القرارات المتعلقة بنقل وإنهاء انتداب أعضاء الهيئات القضائية «وصلت إلى مستوى غير مسبوق من العبث، وتعد دعوة صريحة للمساس بوحدة الجهاز القضائي، وتقسيمه والإساءة إلى سمعته».

وأوضح المجلس أنه كان عازماً على عدم الرد بقرارات مضادة، لكنه اضطر إلى التحذير «للمرة الأخيرة»، مطالباً بوقف هذه القرارات، التي تهدف فقط إلى الإرباك والتقسيم.

يأتي هذا البيان في سياق أزمة قضائية حادة تعصف بليبيا منذ نهاية العام الماضي، تعكس الانقسام السياسي العميق بين الشرق والغرب، في بلد يعاني تشظّياً سياسياً وعسكرياً منذ سنوات.

وبدأت الشرارة الأولى للأزمة القضائية العام الماضي، حين أصدر مجلس النواب سابقاً عدة قوانين لإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، ومنح نفسه صلاحية تعيين رئيسه، وإنشاء محكمة دستورية مستقلة في بنغازي، في حين عدَّت طرابلس هذه الخطوات محاولة للسيطرة على القضاء، مما أدى إلى إصدار أحكام بإبطال عدة قوانين تتعلق بالسلطة القضائية، أثارت ردود فعل غاضبة من السلطات في الشرق.

وازداد المشهد القضائي الليبي تأزماً مع محاولات اقتحام مقر المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس، من جهات مرتبطة بالمحكمة العليا، التي يرأسها عبد الله بورزيزة، فيما أعلن المجلس برئاسة مفتاح القوي، المدعوم من مجلس النواب، نقل بعض الإدارات مؤقتاً إلى بنغازي لما وصفها بالظروف القاهرة، وأدان الاقتحام.

وقاد هذا الوضع، حسب مراقبين، إلى ازدواجية مؤسسية، وصدور قرارات متضاربة، ومخاوف من انقسام الجهاز القضائي، الذي ظل موحداً نسبياً طوال سنوات الصراع السياسي منذ 2014. وحذرت الأمم المتحدة وجهات قضائية ونقابية من أن أي انقسام قد يُفقد الأحكام القضائية مصداقيتها، ويهدد وحدة الدولة.

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (مكتب المنفي)

في ملف آخر، تواصلت تداعيات تقرير مسرّب للجنة الخبراء الأممية، تحدث عن «وقائع فساد» طالت مسؤولين سابقين وحاليين وقيادات عسكرية، وزعماء كتائب مسلحة، في ملف مرتبط بجدل حول شركة «أركنو» النفطية الخاصة.

وفي هذا السياق، وجّه رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، بعدم إبرام أي اتفاقيات تقاسم إنتاج، أو ترتيبات مماثلة للحقول المنتجة حالياً، مع طلب تزويده بجميع التفاصيل القانونية والفنية والاقتصادية لاتخاذ القرارات المناسبة، حسب رسالة تداولتها وسائل إعلام محلية.

وسبق أن وجه رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، عبد الحميد الدبيبة، بإنهاء ما سمّاها «اتفاقية التطوير» مع شركة «أركنو»، بعد أن كشف التقرير عن أن الشركة حوَّلت نحو 3 مليارات دولار إلى حسابات بنكية خارج ليبيا، بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (القيادة العامة للجيش الوطني الليبي)

على صعيد آخر، شددت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا على أن الألغام ومخلفات الحروب تشكل تهديداً مستمراً للمدنيين، مع تسجيل 63 ضحية عام 2025، بينهم 21 طفلاً. وأوضحت البعثة أن الصراعات السابقة، والانفجارات العرضية في المخازن، تزيد من خطورة التلوث، مما يعوق التعافي والتنمية.

وبمناسبة «اليوم الدولي للتوعية بخطر الألغام»، جددت البعثة الأممية، السبت، التزامها بدعم جهود السلطات الليبية في إدارة المخزونات، وتطهير المخلفات المتفجرة، داعيةً المجتمع الدولي والمدني إلى تكثيف الدعم المنسق والمستدام، حمايةً للمدنيين، وتعزيزاً للأمن والسلام في مختلف أنحاء ليبيا.