سقوط الفاشر بيد «الدعم السريع»... هزيمة عسكرية أم صفقة سياسية؟

بعد عام ونصف العام من الحصار للمدينة الاستراتيجية

TT

سقوط الفاشر بيد «الدعم السريع»... هزيمة عسكرية أم صفقة سياسية؟

حريق ودخان في مخيم «زمزم» قرب مدينة الفاشر بإقليم دارفور في أبريل الماضي (أ.ف.ب)
حريق ودخان في مخيم «زمزم» قرب مدينة الفاشر بإقليم دارفور في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

أعلنت «قوات الدعم السريع» سيطرتها على مدينة الفاشر الاستراتيجية، أكبر مدن إقليم دارفور، مؤكدة سيطرتها على مقر «الفرقة السادسة مشاة»، آخر مقرات الجيش في الإقليم. وربما كان سقوط المدينة متوقعاً منذ أسابيع، إلا أنه فتح الباب واسعاً أمام تساؤلاتٍ عميقة، وما إن كانت القوات الحكومية في المدينة قد انهارت.

بدأ حصار الفاشر في 10 مايو (أيار) 2024 حين طوقت «قوات الدعم السريع» المدينة من الجهات الأربع، متهمة الحركات المسلحة المساندة للجيش في إقليم دارفور بـ«خرق تعهداتها بعدم المشاركة في الحرب» إلى جانب أي من طرفيها.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، خرجت كل من «حركة جيش تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«حركة العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، وحركات أخرى صغيرة، عن موقف الحياد المعلن، وأعلنت الانحياز إلى الجيش والقتال معه ضد «قوات الدعم السريع»، بعد أشهر من بقائها في الحياد.

ووقتها، كانت «الدعم السريع» قد أحكمت حصارها على غرب ووسط وشرق وجنوب دارفور، ولم يبقَ سوى شمال دارفور، حيث مدينة الفاشر و«الفرقة السادسة مشاة» التابعة للجيش. ووقتها قال مناوي، حاكم إقليم دارفور، والقائد الفعلي للقوة الموالية للجيش التي عرفت باسم «القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح»، إن الحياد تم التوافق عليه بعد ثلاثة أسابيع من الحرب التي اندلعت في 15 أبريل (نيسان) 2023، لحصر النزاع بين الجيش و«الدعم السريع» بغرض حماية المدنيين.

وأوضح مناوي أنهم اضطروا لتغيير هذا الموقف بعد ما وصفه باتساع «دائرة الانتهاكات» وارتكاب أعمال ترقى إلى «إبادة جماعية». وأعلن كل من مناوي وجبريل إبراهيم في 16 نوفمبر 2023 رسمياً الخروج عن الحياد والانحياز للجيش، وانتقلوا إلى العاصمة المؤقتة بورتسودان.

مدينة مخنوقة وانهيار بطيء

سودانيات تجمّعن لتلقي وجبات مجانية بمدينة الفاشر التي حاصرتها «قوات الدعم السريع» لأكثر من عام في إقليم دارفور أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

في مايو 2024، فرضت «قوات الدعم السريع» حصاراً خانقاً على الفاشر، أغلقت خلاله الطرق ومنعت وصول البضائع والمساعدات، وخلق ذلك أزمة إنسانية طاحنة ونقصاً حاداً في الغذاء والدواء والوقود، وتحولت المدينة إلى جزيرة معزولة، بلا اتصالات ولا إمدادات، وتدور في أطرافها المعارك بشكل يومي قبل أن تتوغل «الدعم السريع» داخلها.

ولم تفلح محاولات الجيش في تزويد قواته داخل المدينة عبر الإسقاط الجوي، لأن الدفاعات الجوية لـ«الدعم السريع» أسقطت عدداً من الطائرات، ولاحقاً أفلحت في تحييد سلاح الجو التابع للجيش، ما أعاق إيصال الإمداد العسكري والطبي والغذائي للقوات وللمدينة، وأتاح لـ«الدعم السريع» التقدم التدريجي نحو الثكنات العسكرية التابعة لفرقة الجيش في المدينة.

وقال مصدر ميداني على منصة الناشط محمد خليفة إن الأيام الأخيرة التي سبقت سيطرة «الدعم السريع» على المدينة، شهدت معارك عنيفة في عدد من المحاور، مهّدت للهجوم النهائي على مقر «الفرقة السادسة مشاة»، وأضاف: «القوة التي كانت موجودة داخل مقر الفرقة ليست كبيرة، ولم تكن المعركة كبيرة، لكن الفرقة عملياً كانت ساقطة في يد (الدعم السريع) منذ سبتمبر (أيلول) الماضي».

وأوضح أن «قوات الدعم السريع» كانت قد وصلت إلى الشريط الفاصل بين القوتين عند سلاح المهندسين والسلاح الطبي، واقتربت كثيراً من مقر الفرقة، ما ضاعف الحصار عليها منذ نحو شهر قبل السقوط الكامل، وتابع: «(الدعم السريع) كانت تهاجم بضراوة وتصل لأسوار مقر فرقة الجيش، ثم يتم صدها، لكنها كانت تحتفظ بجزء من المناطق التي تسيطر عليها، مما ضيق الخناق على القوات المحاصرة».

وأكد المصدر أن «قوات الدعم السريع» اخترقت في الآونة الأخيرة مواقع استراتيجية مثل معسكر نيفاشا، ومخيم أبو شوك، وحي الدرجة، وسلاح المهندسين، ومبنى اليوناميد، وبيت الضيافة، ووزارة المالية، وبيت حاكم الولاية، وهي مواقع كان الجيش يعتمد عليها في الدفاع، وأضاف: «منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) تقلصت مساحة سيطرة الجيش إلى نحو ثلاثة كيلومترات مربعة، قبل أن تسقط بالكامل».

انسحاب جزئي وخوف من المجهول

ملجأ تحت الأرض يحتمي فيه النازحون من القصف في الفاشر بالسودان (رويترز)

وأفاد المصدر ذاته بأن قادة الجيش والقوة المشتركة توصلوا إلى قناعة بعدم إمكانية إيصال الدعم العسكري أو الغذائي للقوات المحاصرة، ودخلوا في مشاورات بشأن الانسحاب وكيفية تنفيذ العملية وتأمينها، لكن تلك المشاورات لم تكتمل لعدم وجود ضمانات كافية.

وقال مؤكداً: «تم سحب القادة إلى مواقع في المحور الغربي، وحين سقطت الفرقة كان عدد الجنود الموجودين قليلاً، لأن بقية القوات انسحبت إلى منطقة في المحور الغربي تقل مساحتها عن كيلومترين مربع»، وإن الجيش كان قد أمر العسكريين المتطوعين بالخروج إلى منطقتي طويلة وكورما، وتمت تصفية بعضهم بينما نجا آخرون.

ورغم ضخامة الحدث، لم يصدر الجيش أو القوة المشتركة أي بيان رسمي حول ما جرى في الفاشر، فيما اعترف حاكم إقليم دارفور، مناوي، عبر منصة «إكس» بقوله: «سقوط الفاشر لا يعني التفريط بمستقبل دارفور لصالح جماعات العنف أو مصالح الفساد والعمالة».

واعتبر محللون انهيار الفاشر تحولاً خطيراً في مسار الحرب السودانية، فالمدينة آخر معاقل الجيش في دارفور، وسقوطها يعني سيطرة «الدعم السريع» على الإقليم بأكمله، أو ربما توجهها شرقها للاستيلاء مجدداً على بعض المناطق التي اضطرت للانسحاب منها، وهو أمر قد يفتح الباب أمام مآلات سياسية وعسكرية جديدة.

وهكذا، طوت الفاشر واحداً من أكثر فصول الحرب السودانية مأساوية، فالمدينة التي صمدت عاماً كاملاً تحت القصف والجوع والعزلة، انتهت إلى رمز للخذلان، بعدما كانت عنواناً للمقاومة في وجه الحرب والانقسام.


مقالات ذات صلة

عبد العاطي يؤكد على أهمية التوصل لتسوية توافقية في الملف النووي الإيراني

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة 18 سبتمبر 2024 (د.ب.أ)

عبد العاطي يؤكد على أهمية التوصل لتسوية توافقية في الملف النووي الإيراني

وزير الخارجية المصري يؤكد على أهمية التوصل إلى تسوية توافقية بشأن الملف النووي الإيراني بما يعالج شواغل كافة الأطراف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

تحالف «تأسيس» السوداني يحشد قواته قرب مدينة الكرمك

ذكر مسؤول حكومي أن تحالف «تأسيس» السوداني المساند لـ«قوات الدعم السريع»، حشد أعداداً كبيرة من مقاتليه، استعداداً للهجوم على مدينة الكرمك الاستراتيجية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تتحدث إلى نازحات سودانيات في بلدة أدري التشادية يوم 3 فبراير (د.ب.أ)

عقوبات بريطانية على الجيش السوداني و«الدعم السريع»

فرضت بريطانيا، يوم الخميس، عقوبات استهدفت قادة كبار من الجيش السوداني وفي "قوات الدعم السريع"، بالإضافة إلى 3 أفراد من كولمبيا، بينهم أمراة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في العاصمة واشنطن 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ترمب: نسعى حثيثاً لإنهاء الحرب في السودان

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، إن بلاده تسعى حثيثاً لإنهاء الحرب في السودان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أرشيفية-أ.ب)

خطر المجاعة يتوسع في دارفور بغرب السودان

حذر خبراء مدعومون من «الأمم المتحدة»، الخميس، من توسع خطر المجاعة إلى مدينتيْ كرنوي وأم برو في شمال دارفور بغرب السودان.

«الشرق الأوسط» (بورت سودان (السودان))

عبد العاطي يؤكد على أهمية التوصل لتسوية توافقية في الملف النووي الإيراني

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة 18 سبتمبر 2024 (د.ب.أ)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة 18 سبتمبر 2024 (د.ب.أ)
TT

عبد العاطي يؤكد على أهمية التوصل لتسوية توافقية في الملف النووي الإيراني

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة 18 سبتمبر 2024 (د.ب.أ)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة 18 سبتمبر 2024 (د.ب.أ)

أفادت وزارة الخارجية المصرية، الجمعة، بأن الوزير بدر عبد العاطي أكد خلال اتصال هاتفي مع وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر على أهمية التوصل إلى تسوية توافقية بشأن الملف النووي الإيراني بما يعالج شواغل كافة الأطراف. وجاء في بيان للخارجية المصرية أن عبد العاطي أطلع نظيرته البريطانية على مجمل الاتصالات المصرية الرامية لاحتواء حالة التوتر المتصاعدة من خلال الدبلوماسية، مشدداً على ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لحماية الأمن الإقليمي.

وفيما يتعلق بالوضع في غزة، أكد وزير الخارجية المصري على أهمية دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وعلى سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، كما أعاد التأكيد على ضرورة زيادة المساعدات الإنسانية وانسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع. ودعا عبد العاطي إلى بذل كل الجهود من أجل التوصل بسرعة إلى هدنة إنسانية في السودان تمهيداً لوقف شامل لإطلاق النار وتدشين عملية سياسية شاملة.

وأشار وزير الخارجية المصري، وفق البيان، إلى ضرورة منح الأولوية لإنشاء الممرات الإنسانية الآمنة ولضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السودانيين دون عوائق. وجدد عبد العاطي التأكيد على موقف مصر الثابت الداعم لاحترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، والحفاظ على مؤسساته الوطنية.

استضافة مركز عالمي للحبوب

إلى ذلك، أفادت الخارجية المصرية، الجمعة، بأن عبد العاطي ناقش هاتفياً مع نظيره الأوكراني أندريه سيبيها أحدث التطورات فيما يتعلق بالأزمة الروسية الأوكرانية وتعزيز العلاقات الثنائية.

وأوضحت الوزارة في بيان أن عبد العاطي عبّر خلال الاتصال الهاتفي عن حرص مصر على استضافة مركز عالمي لتخزين وتوريد وتجارة الحبوب بما يضمن تعزيز أمن الغذاء وسلاسل الإمداد المرتبطة به.

وجدد عبد العاطي التأكيد على موقف مصر الثابت الداعي إلى ضرورة مواصلة الجهود السياسية الرامية إلى التوصل لتسويات سلمية للأزمات عبر الحوار والوسائل الدبلوماسية، بما يحفظ الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وفق ما أورده بيان الخارجية المصرية.


عقوبات بريطانية على طرفَي حرب السودان

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تتحدث إلى نازحات سودانيات في بلدة أدري التشادية يوم 3 فبراير (د.ب.أ)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تتحدث إلى نازحات سودانيات في بلدة أدري التشادية يوم 3 فبراير (د.ب.أ)
TT

عقوبات بريطانية على طرفَي حرب السودان

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تتحدث إلى نازحات سودانيات في بلدة أدري التشادية يوم 3 فبراير (د.ب.أ)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تتحدث إلى نازحات سودانيات في بلدة أدري التشادية يوم 3 فبراير (د.ب.أ)

فرضت بريطانيا، أمس، عقوبات استهدفت قادة كباراً من الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، بالإضافة إلى 3 أفراد من كولومبيا، بينهم امرأة.

وشملت القائمة الجديدة قائد قوات «درع السودان» الداعمة للجيش أبو عاقلة كيكل، والقائد الميداني لـ«قوات الدعم السريع» حسين برشم، والمستشار المالي مصطفى إبراهيم محمد، بسبب ارتكابهم «انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان».

كما شملت العقوبات ثلاثة كولومبيين لـ«ضلوعهم في تجنيد عناصر سابقين في الجيش الكولومبي لتدريب (قوات الدعم السريع) والقتال في صفوفها».

في غضون ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إن بلاده تسعى حثيثاً لإنهاء حرب السودان، وهي توشك على تحقيق هذا الهدف، وفق وكالة «بلومبرغ».

كما أعلن كبير مستشاري ترمب للشؤون العربية والأفريقية، مسعود بولس، أن خطة السلام الشاملة الخاصة بالسودان ستُعرَض على مجلس الأمن الدولي بعد الحصول على موافقة الأطراف المعنية.


جنازة نجل القذافي في بني وليد اليوم


قبيلة البراعصة في مدينة البيضاء شرق ليبيا تقيم عزاءً لسيف القذافي (قناة الجماهيرية)
قبيلة البراعصة في مدينة البيضاء شرق ليبيا تقيم عزاءً لسيف القذافي (قناة الجماهيرية)
TT

جنازة نجل القذافي في بني وليد اليوم


قبيلة البراعصة في مدينة البيضاء شرق ليبيا تقيم عزاءً لسيف القذافي (قناة الجماهيرية)
قبيلة البراعصة في مدينة البيضاء شرق ليبيا تقيم عزاءً لسيف القذافي (قناة الجماهيرية)

وسط أجواء مشحونة بالحزن والغضب، نُقل جثمان سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، إلى المستشفى العام بمدينة بني وليد العام (الشمال الغربي) أمس، استعداداً لمواراته الثرى، اليوم (الجمعة)، في جنازة يُتوقع أن تشارك فيها أطياف من كل أنحاء البلاد. وسارع المجلس البلدي لبني وليد إلى إنهاء الاستعدادات لاستقبال المشاركين في التشييع.

وقال أنصار «النظام الجماهيري» السابق إن اغتيال سيف الإسلام على أيدي مسلحين مجهولين في مقرّ إقامته بمدينة الزنتان، مساء الثلاثاء، لن يُضعف عزيمتهم، أو يوهن قواهم، وتوعدوا بالثأر. قائلين إنهم «لن يفرطوا في الدم».

وقال الساعدي القذافي إن جثمان شقيقه سيف الإسلام سيوارى في بني وليد، «بجانب قبر أخيه خميس»، داعياً الجميع إلى الصلاة عليه، والتزام النظام العام.

ونعى وزير الداخلية بحكومة الوحدة، عماد الطرابلسي، الفقيد، مؤكداً أن التحقيقات لا تزال مستمرة لكشف ملابسات عملية الاغتيال وضبط مرتكبيها.