تحالف «تأسيس» السوداني يحشد قواته قرب مدينة الكرمك

مقتل عشرات المدنيين والعسكريين بمسيّرات في جنوب كردفان

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
TT

تحالف «تأسيس» السوداني يحشد قواته قرب مدينة الكرمك

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

ذكر مسؤول حكومي أن تحالف «تأسيس» السوداني المساند لـ«قوات الدعم السريع»، حشد أعداداً كبيرة من مقاتليه، استعداداً للهجوم على مدينة الكرمك الاستراتيجية في جنوب ولاية النيل الأزرق، في حين تناقل طرفا الحرب معلومات متضاربة عن قصف جوي استهدف مدينة كادوقلي وبلدة الكويك، ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين والجنود بحسب تقارير صادرة عن منصات موالية لكل طرف على حدة.

وقال محافظ الكرمك، عبد العاطي محمد الفكي، في تصريحات يوم الخميس، إن حشوداً ضخمة من «قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية – شمال»، بقيادة عبد العزيز الحلو، قد تجمعت في قرب منطقة ديم منصور، تمهيداً لاستهداف مدينة الكرمك رئاسة المحافظة، وإن قوات الجيش ظلت تتصدى لها مستخدمة المدفعية الثقيلة، لتشتيتها بعيداً عن الكرمك.

وقالت «الحركة الشعبية – شمال»، مؤخراً، إنها استولت على ثلاث مناطق في جنوب النيل الأزرق قريبة من حدود دولة جنوب السودان، وهي بلدة ديم منصور التي لا تبعد كثيراً عن الكرمك، إضافة إلى بلدتَي خور البودي، وبشير نوقو.

وطوال الحرب الأهلية بين الجيش السوداني و«الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة الراحل جون قرنق، ظلت مدينة الكرمك مسرحاً لعمليات عسكرية كبيرة، تبادل خلالها الطرفان السيطرة على البلدة الحدودية المهمة.

ونقل موقع «سودان تربيون» عن المحافظ الفكي، أن «قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية»، تعملان على زعزعة استقرار إقليم النيل الأزرق، مستعينتين بـ«دعم إقليمي»، وتشريد المواطنين. كما نقل عنه تأكيده لـ«يقظة القوات المسلحة واستعدادها للتصدي للهجمات وردع الخارجين عن القانون»، وأن الهجوم على البلدات الثلاث أسفر عن نزوح نحو 1500 شخص إلى مدينة الكرمك.

وكان الجيش قد استعاد الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بلدتَي السلك وأحمر سيدك، في حين بقيت منطقة ملكن في يد «قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية».

عبد الرحيم دقلو نائب قائد «قوات الدعم السريع» (وسط) خلال اجتماعات لإطلاق تحالف «تأسيس» بنيروبي في فبراير 2025 (أ.ب)

ولقي أكثر من 22 شخصاً، بينهم كوادر طبية، وأصيب ثمانية أشخاص، بقصف طائرة مسيّرة تابعة لـ«الدعم السريع»، وقالت «شبكة أطباء السودان»، إنها استهدفت مستشفى في بلدة الكويك بولاية جنوب كردفان. وأضافت «الشبكة» في بيان أن 22 شخصاً قُتلوا، بينهم أربعة من الكوادر الطبية، وأن 8 أشخاص أُصيبوا بجراح نُقلوا على أثرها إلى مستشفى بلدة الكويك.

«الشبكة» دانت ما أطلقت عليه استهداف المرافق الصحية والكوادر الطبية، واعتبرته جريمة حرب، وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني والمواثيق التي تكفل حماية المدنيين والمنشآت الطبية.

وفي مدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، والقريبة من الكويك، نقلت مصادر موالية لـ«قوات الدعم السريع»، أن 45 جندياً قُتلوا، وأصيب 22 جندياً بقصف مسيّرات ضد مواقع عسكرية في كادوقلي، وذكرت أن المسيّرات استهدفت تجمعات عسكرية في المدينة.

ووفقاً لتلك المصادر، فإن قصف المسيّرات استهدف مواقع تابعة للجيش و«القوات المشتركة» و«كتائب البراء»، في عدد من المناطق داخل كادوقلي، بينها مقر «الكتيبة 254 استطلاع»، ومركز تدريب الشرطة، وقوات العمل الخاص، والدفاع الجوي.

وذكرت أن القتلى بينهم ضباط من الجيش و«القوات المشتركة»، فضلاً عن تدمير 18 عربة قتالية، وذلك دون صدور معلومات رسمية من الجيش، أو «قوات الدعم السريع»، أو «الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال».

وتأتي هذه التطورات الميدانية بعد أيام من كسر الحصار الذي كانت تفرضه قوات تحالف «تأسيس» على مدينتَي الدلنج وكادوقلي، وكذلك بعد أيام من المعارك العنيفة التي دارت في إقليم النيل الأزرق.


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يعزز وجوده في إقليم النيل الأزرق المحاذي لإثيوبيا

شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يعزز وجوده في إقليم النيل الأزرق المحاذي لإثيوبيا

تعهّد رئيس أركان الجيش السوداني بإرسال مزيد من القوات والمتحركات العسكرية لتعزيز الانتشار العسكري في إقليم النيل الأزرق المحاذي للحدود الإثيوبية.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

عودة السودانيين من مصر... زخم متزايد رغم مخاوف نقص الخدمات

سجّلت عودة السودانيين النازحين من مصر إلى بلادهم زخماً متزايداً مؤخراً مع استئناف رحلات العودة المجانية واتساع قوائم الانتظار وفق مبادرة شعبية مهتمة بالملف.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، باتت أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان.

«الشرق الأوسط» (مروي (السودان))
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

أصيب 15 شخصاً، الاثنين، إثر قصف بطائرة مسيرة نُسبت للجيش السوداني استهدفت مخيماً للنازحين بمدينة زالنجي وسط إقليم دارفور، في حين قالت منظمة حقوقية إن 6 قُتلوا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

الانقسام السياسي في ليبيا يعزز «صراعات الجبهات» بالإعلام

وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)
وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)
TT

الانقسام السياسي في ليبيا يعزز «صراعات الجبهات» بالإعلام

وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)
وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)

منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي عام 2011، لم تنقسم ليبيا سياسياً وعسكرياً فحسب، بل تشكلت مع الوقت خريطة إعلامية موازية، توزعت وترسخت فيها القنوات التلفزيونية والمنصات الإخبارية بين «معسكرات متصارعة»، في ظل نفوذ سلطات الأمر الواقع والمجموعات المسلحة، والاستقطاب السياسي الحاد، حسب شهادات دولية ومحلية.

وبين شرق البلاد وغربها، باتت مؤسسات إعلامية كثيرة تعكس خطوط التماس نفسها، وسط اتهامات بـ«تضييق متزايد على الصحافيين، وتراجع هامش العمل المهني المستقل»، في مشهد تصفه منظمة «مراسلون بلا حدود» بأنه يقترب من «ثقب أسود للمعلومات» منذ 2011.

وعشية «اليوم العالمي لحرية الصحافة»، بدا المشهد في العاصمة طرابلس مرآة لحجم الأزمة، مع تنظيم مركز مهتم بحرية الصحافة، السبت، معرضاً بعنوان «صدى الحقيقة»، وثّق عبر الصور والرسوم الكاريكاتيرية والفن التشكيلي «شهادات وانتهاكات مرتبطة بواقع الصحافة الليبية منذ 2011، في ظل الانقسام الذي يرسم خريطة النفوذ الإعلامي».

الإعلام يرسم خرائط النفوذ

يقول رئيس «المركز الليبي لحرية الصحافة»، محمد الناجم، إن «الصراع بين الجبهات في بلد يعيش انقساماً بين حكومتين يزداد رسوخاً مع سيطرة الرأسمال السياسي، المدفوع من طرفي النزاع، دون حوكمة تحيد الإعلام عن هذا الصراع». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن بعض صفحات التواصل الاجتماعي ساهمت أيضاً في «تأجيج النزال بين الجبهات، وتشويه الخصوم عبر دعاية مضللة».

معرض فني بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة في طرابلس اليوم السبت (المركز الليبي لحرية الصحافة)

من جهتها، أوضحت «مراسلون بلا حدود»، في تقريرها السنوي، الأسبوع الماضي، أن هذا الواقع الإعلامي يعكس بوضوح حالة الاستقطاب السياسي والعسكري بين شرق ليبيا وغربها، حيث «باتت القنوات التلفزيونية امتداداً لخرائط النفوذ بين الأطراف المتنازعة على السلطة، أكثر من كونها منصات إعلامية مستقلة».

ويتفق نقيب الصحافيين في غرب ليبيا، منصور الأحرش، مع هذا التوصيف، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن انعكاسات الصراع بين الجبهات «تترسخ في المشهد الإعلامي الليبي مع مرور الوقت»، مشيراً إلى أن الاستقطاب جعل البلاد «بيئة غير مؤهلة لممارسة إعلامية وصحافية مستقلة».

وعلى الأرض، يبدو الانقسام الإعلامي واضحاً بين شرق البلاد وغربها بقنوات، بعضها يبث من داخل ليبيا والآخر من خارجها، وفق خريطة رصدها «المركز الليبي لحرية الصحافة».

ففي الشرق، حيث تتمركز القوى المتحالفة مع «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، تبرز قنوات مثل «ليبيا الحدث» و«المسار» و«الحدث الليبي»، ووفق هؤلاء الإعلاميين، فإن «خطاب تلك القنوات يميل إلى دعم هذا المعسكر السياسي والعسكري»، حسب المركز.

أما في غرب البلاد، حيث تتمركز حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، فتبرز وفق «المركز الليبي لحرية الصحافة»، قنوات مثل «التناصح» و«سلام» و«ليبيا الوطنية»، التي «تعكس سردية سياسية مقابلة، تركز على شرعية السلطة في طرابلس وتنتقد خصومها في الشرق».

صراع إعلامي وسط واقع منقسم

هذا الواقع المنقسم، الذي تتصارع فيه وسائل إعلام محلية، يؤكده الإعلامي الليبي، محمد القرج، الذي سبق أن عمل في إحدى تلك القنوات، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حرية العمل الصحافي في ليبيا باتت «محل شكوك» في بيئة وصفها بأنها «خصبة للاستقطاب بين أطراف الانقسام السياسي، والمجموعات المسلحة والنافذين ورجال الأعمال»، مشيراً إلى أنه لمس بنفسه الكثير من مظاهر هذا الصراع.

الصديق الصور خلال استقبال رئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء الليبية عبد الباسط أحمد أبودية ديسمبر الماضي (وكالة الأنباء الليبية)

أما في شرق ليبيا، ورغم الرقابة الذاتية التي تمارسها بعض وسائل الإعلام، فإن الصورة لا تختلف كثيراً، حسب «مراسلون بلا حدود»، التي أشارت إلى استمرار المطالبات الحقوقية بالإفراج عن الصحافي والمدون، الصالحين الزوالي، المحتجز منذ نحو 18 شهراً لدى جهاز الأمن الداخلي في بنغازي، بعد اعتقاله في مايو (أيار) 2024 بمدينة إجدابيا.

ورغم وجود بعض وسائل الإعلام المحلية والصحف، التي تحاول تقديم نفسها باعتبارها أكثر مهنية وتوازناً، فإن مراقبين يرون أن «حدة الاستقطاب السياسي والأمني تجعل الحياد الإعلامي مهمة شديدة التعقيد».

وفي مشهد لافت، حرصت السلطات في شرق وغرب ليبيا على تنظيم منتديين إعلاميين في طرابلس وبنغازي العام الماضي، لكن الأحرش اعتبرهما «منتديات بتمويل حكومي لتجميل الصورة، أكثر من كونها مساحة لعرض تحديات المهنة»، وفق تعبيره، مشيراً إلى أن «الكيانات النقابية لم تُدعَ للمشاركة فيهما».

وتراجعت ليبيا مرتبة واحدة في مؤشر حرية الصحافة، الصادر عن «مراسلون بلا حدود»، لتبقى ضمن المنطقة الفاصلة بين الوضع «السيئ» و«الخطر». وحسب المنظمة «يعمل كثير من الصحافيين تحت نفوذ جماعات مسلحة، أو سلطات أمر واقع»، بينما يضطر آخرون إلى «مواءمة خطوطهم التحريرية مع القوى المسيطرة، ما يحد من تنوع المحتوى واستقلاليته، في ظل ضعف الضمانات القانونية لحرية التعبير وسلامة الصحافيين».

ودفع هذا الوضع عدداً من الصحافيين إلى مغادرة البلاد، وفق رواياتهم، ومن بينهم الإعلامي والمذيع الليبي خليل الحاسي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يرى العودة إلى ليبيا ممكنة حالياً، بعد 11 عاماً قضاها خارج البلاد، عاداً عودة أي صحافي استقصائي يطمح إلى المهنية باتت «مخاطرة غير محسوبة، في ظل استمرار الانقسام السياسي، واتساع رقعة الاستقطاب ونفوذ الميليشيات»، حسب تعبيره.

ومع إقرار تقارير دولية ومحلية بوجود تحسن نسبي منذ انتهاء الحرب، التي شنها المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني على طرابلس عام (2019-2020)، يرى بعض الصحافيين الليبيين أن هناك مبالغة أحياناً في توصيف واقع الترهيب. ومن بينهم الصحافي، أحمد الحضيري، الذي أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن التواصل مع حكومتي الشرق والغرب للحصول على المعلومات «لا يزال ممكناً»، مع إقراره بأن بعض وسائل الإعلام المستقلة تتجنب الاقتراب من الملفات الحساسة.

وأكد الحضيري أن «الإعلام يشهد تطوراً سريعاً عالمياً، في وقت لم تواكب فيه القوانين الليبية هذا التحول، خصوصاً فيما يتعلق بحرية التعبير والعمل الصحافي، ما يستدعي إصلاحاً تشريعياً».

لكن نقيب الصحافيين في غرب ليبيا يرى أن «الحل يتجاوز الإصلاحات القانونية»، ويتمثل، حسبه، في «توحيد الحكومتين في شرق وغرب البلاد، والوصول إلى دستور توافقي، وإقرار جماعي باحترام حرية الإعلام».


جهود ليبية لاسترداد 100 مليون دولار إلى أرصدتها المجمدة في بلجيكا

أعضاء اللجنة الليبية المكلفة بمتابعة الأموال المجمدة خلال لقاء مع نائبة وزير الخارجية اليوناني في يناير (كانون الثاني) الماضي (مجلس النواب)
أعضاء اللجنة الليبية المكلفة بمتابعة الأموال المجمدة خلال لقاء مع نائبة وزير الخارجية اليوناني في يناير (كانون الثاني) الماضي (مجلس النواب)
TT

جهود ليبية لاسترداد 100 مليون دولار إلى أرصدتها المجمدة في بلجيكا

أعضاء اللجنة الليبية المكلفة بمتابعة الأموال المجمدة خلال لقاء مع نائبة وزير الخارجية اليوناني في يناير (كانون الثاني) الماضي (مجلس النواب)
أعضاء اللجنة الليبية المكلفة بمتابعة الأموال المجمدة خلال لقاء مع نائبة وزير الخارجية اليوناني في يناير (كانون الثاني) الماضي (مجلس النواب)

​تتمسك «لجنة ليبية» معنية بمتابعة الأصول المجمدة في الخارج، باسترداد 100 مليون دولار من الأموال الليبية المجمدة في بلجيكا، وقالت في إفادة، السبت، إن «بروكسل حصلت عليها منذ عام 2011 تحت غطاء تقديم مساعدات إنسانية، من دون أن تثبت لاحقاً تحويلها إلى الشعب الليبي، أو الجهات المصرح لها بتلقيها».

وتعود تفاصيل القضية إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2011، حين وافق مجلس الأمن الدولي على منح بلجيكا إذناً استثنائياً، يسمح لها بتسييل مبلغ 100 مليون دولار من الأموال الليبية المجمدة لديها، على أن «يُستخدم بالكامل في تقديم مساعدات إنسانية عاجلة لليبيين، عقب سقوط نظام معمر القذافي»، وفق مسؤول في «لجنة وطنية» شكلها مجلس النواب الليبي بهذا الشأن.

مجلس الأمن الدولي منح بلجيكا إذناً استثنائياً يسمح لها بتسييل مبلغ 100 مليون دولار من الأموال الليبية المجمدة (المجلس)

لكن اللجنة الوطنية الليبية المخصصة لمتابعة الأصول المجمدة، تتمسك باسترداد هذا المبلغ، استناداً إلى ما وصفها عضو اللجنة، السفير مراد حميمة، بأنها «وثائق ومراسلات رسمية»، وقال إن «بلجيكا حصلت على الأموال من دون أن تقدم مساعدات إنسانية تذكر، أو تثبت تحويل المبلغ إلى الجهات الليبية المصرح لها، أو إنفاقه لصالح الشعب الليبي».

وأضاف حميمة موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن ما حدث يمثل «إساءة استخدام للثقة الدولية»، وخرقاً للشروط التي سُمح بموجبها بتسييل الأموال المجمدة.

وجُمّدت الأرصدة الليبية بالخارج منذ اندلاع الانتفاضة ضد نظام القذافي، بموجب قرارين صادرين عن مجلس الأمن، وتشمل ودائع وصناديق سيادية، واستثمارات مالية قُدّرت بنحو 200 مليار دولار، موزعة على مصارف ومؤسسات مالية عالمية، غير أن المجلس الرئاسي الليبي السابق أعلن لاحقاً، أن حجم هذه الأرصدة تقلص إلى نحو 67 مليار دولار.

وتُعدّ بلجيكا من أبرز محطات الجدل المرتبطة بهذا الملف، بعدما دخلت في نزاعات قضائية ممتدة مع السلطات الليبية، بشأن أرصدة مجمدة تتجاوز قيمتها 15 مليار يورو. وسبق أن اتهم رئيس حكومة «الوحدة» الليبية، عبد الحميد الدبيبة، بلجيكا، بـ«محاولة الاستيلاء على أموال ليبيا المجمدة»، قائلاً إن السلطات البلجيكية «تقوم بمحاولة جديدة للاستيلاء على أموال الليبيين الموجودة لديها».

رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة اتهم بلجيكا بـ«محاولة الاستيلاء على أموال ليبيا المجمدة» (الوحدة)

كما تحدثت وسائل إعلام بلجيكية في عام 2024، عن تحقيقات تتعلق بمصير نحو 2.3 مليار دولار من فوائد الأموال الليبية المجمدة، بعدما تبين الإفراج عنها بصورة غير قانونية بين عامي 2012 و2017.

وبهذا الخصوص يقول حميمة إن «القضية لا تتعلق فقط بالمبلغ الأصلي، البالغ 100 مليون دولار؛ بل تشمل أيضاً الفوائد والعوائد، التي كان يمكن تحقيقها لو بقيت الأموال ضمن الأصول المجمدة، أو استثمرت وفق الأطر القانونية المعتمدة»، مشيراً إلى أن ليبيا «تطالب باسترداد كامل المبلغ مع الأرباح والفوائد المتراكمة طوال السنوات الماضية».

وقبل نحو 8 سنوات، انطلقت تحركات ليبية لإعادة فتح ملف الأصول المجمدة، المقدّرة بمليارات الدولارات، والموزعة على عدد من الدول والمؤسسات المالية، خصوصاً في أوروبا، وذلك عبر لجنة شكّلها مجلس النواب عام 2018 لمتابعة هذا الملف. لكن عمل هذه اللجنة تعثر مع اندلاع الحرب على العاصمة طرابلس بين عامي 2019 و2020، قبل أن تستأنف نشاطها العام الماضي، من خلال جولات شملت عدداً من الدول، التي تحتضن هذه الأصول، وذلك في إطار مساعٍ لإعادة تحريك ومتابعة أوضاع الأموال الليبية المجمدة.

ويشير حميمة إلى أن اللجنة رصدت ما وصفته بـ«تآكل ممنهج» لقيمة الأصول المجمدة؛ ليس فقط نتيجة تعطيلها لفترات طويلة، بل أيضاً بسبب ممارسات مالية اتبعها بعض البنوك والمؤسسات الحائزة لهذه الأموال.

وأوضح حميمة أن مؤسسات مالية أوروبية فرضت رسوماً إدارية، ومصاريف تشغيلية مرتفعة على الحسابات الليبية المجمدة، كما أخضعتها في بعض الحالات لسياسات الفائدة السلبية المطبقة في أوروبا خلال السنوات الماضية، ما أدى، حسبه، إلى انخفاض فعلي في القيمة الحقيقية للأصول الليبية.

وتقول اللجنة إنها اكتشفت أيضاً قيام بعض البنوك بتحويل الأرباح والعوائد، الناتجة عن إدارة هذه الأموال إلى جهات أخرى، بدلاً من إبقائها ضمن الحسابات المجمدة لصالح ليبيا، وهو ما دفعها إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية والقانونية مع الأمم المتحدة والدول المعنية.

مجلس النواب شكل منذ عام 2018 لجنة لمتابعة ملف الأموال الليبية المجمدة (مجلس النواب)

وتبنى مجلس الأمن في 14 أبريل (نيسان) الماضي، القرار 2819 لعام 2026، الذي ينص على تعيين شركة تدقيق دولية مستقلة لإجراء مراجعة شاملة لجميع الأصول الليبية المجمدة منذ عام 2011. وبحسب معلومات اللجنة الليبية، ستتولى شركة التدقيق فحص الرسوم والفوائد والعوائد، التي جرى اقتطاعها أو تحقيقها من الأموال المجمدة، والتحقق من أي انتهاكات محتملة، بما في ذلك استخدام الأصول ضماناتٍ لعمليات مالية خاصة، أو إجراء استثمارات غير مصرح بها، إضافة إلى مراجعة مدى التزام المؤسسات المالية بتقديم البيانات المطلوبة للسلطات الدولية والليبية.

كما يُلزم القرار، وفق اللجنة، جميع الدول والمؤسسات المالية، التي تحتفظ بأصول ليبية مجمدة بالتعاون الكامل مع شركة التدقيق، وتوفير الوثائق والسجلات الإلكترونية المطلوبة.

وتوقع عضو اللجنة أن يفتح القرار الباب أمام ملاحقات قانونية، ومطالبات بتعويضات مالية ضد مؤسسات، أو دول يثبت تورطها في سوء إدارة الأصول الليبية أو تحقيق أرباح غير مشروعة منها. وعدّه «تحولاً جوهرياً من نظام يعتمد على الإبلاغ الطوعي إلى آلية مساءلة حقيقية»، مؤكداً أن ليبيا «لن تتخلى عن حقها في استعادة أموالها، ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها في الإضرار بالثروة السيادية للشعب الليبي».


مصر تدعو لتجفيف منابع تمويل الإرهاب بأفريقيا

منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في العاصمة القاهرة (رويترز)
منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في العاصمة القاهرة (رويترز)
TT

مصر تدعو لتجفيف منابع تمويل الإرهاب بأفريقيا

منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في العاصمة القاهرة (رويترز)
منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في العاصمة القاهرة (رويترز)

دعت مصر إلى تضافر الجهود الإقليمية والدولية لتجفيف منابع تمويل الإرهاب، وشددت على «رفض الاعتداءات كافة التي تنال من أمن واستقرار الدول». تأكيدات القاهرة جاءت خلال اتصال هاتفي تلقاه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، من نظيره المالي، عبد الله ديوب، حيث بحثا جهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل.

واستعرض ديوب مستجدات الأوضاع الأمنية في بلاده، والجهود الجارية لمكافحة الإرهاب والتطرف بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار، متناولاً الأحداث المتسارعة في بلاده.

وأدانت مصر، الاثنين الماضي، الهجمات الإرهابية التي شهدتها مالي، وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا وسقوط عدد من الضحايا. ودعت حينها مواطنيها إلى الالتزام بتعليمات السلطات المحلية، وتوخي الحيطة والحذر حفاظاً على سلامتهم.

وكان حي سينو، الذي يقع فيه المطار ومواقع عسكرية حساسة بمدينة باماكو، مسرحاً لمواجهات عنيفة، السبت الماضي، بين الجيش المالي وعناصر «جماعة النصرة» الموالية لتنظيم «القاعدة» الإرهابي، والمتحالفين مع متمردين من الطوارق في إطار «جبهة تحرير أزواد».

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، السبت، تبادل الوزيران الرؤى حول سبل إرساء الاستقرار والأمن والسلام، وتحقيق التنمية في القارة الأفريقية. واتفق الجانبان على تعزيز التنسيق في الإطارين الثنائي ومتعدد الأطراف، والبناء على الزخم السياسي والتنموي القائم بما يخدم المصالح المشتركة، ويسهم في دعم الاستقرار والتنمية في القارة الأفريقية.

مواطنوان بالعاصمة باماكو عقب الاشتباكات بين الجيش و«تحالف المتمردين الطوارق» في 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وأشاد عبد العاطي خلال الاتصال مع ديوب بالعلاقات الوطيدة بين البلدين، مؤكداً «تضامن بلاده الكامل مع مالي في مواجهة الأعمال الإرهابية». وشدد على موقف بلاده الثابت والرافض لجميع أشكال الإرهاب والتطرف، مشيراً إلى «أهمية التصدي للفكر المتطرف الذي يغذي الإرهاب، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الساحل والقارة الأفريقية، في إطار (مقاربة شاملة) تربط بين الأمن والتنمية».

وفي فبراير (شباط) الماضي، دعت مصر إلى ضرورة تبنِّي «مقاربة شاملة» لتعزيز الوضع الأمني في أفريقيا، وقال عبد العاطي أمام الدورة العادية لقمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا أن هذه «المقاربة» للتعامل مع مختلف التحديات المتشابكة وفي مقدمتها «الإرهاب» والتدخلات الخارجية التي تمس سيادة الدول.

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، أن تأكيد مصر المتكرر خلال اللقاءات والفعاليات الرسمية على «المقاربة الشاملة» في أفريقيا يعكس تحولاً نوعياً في فهم طبيعة التهديدات التي تواجه القارة، و«يعيد التأكيد على أن الأمن في أفريقيا لم يعد مسألة عسكرية؛ بل منظومة مترابطة تشمل الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمائي».

ويوضح زهدي لـ«الشرق الأوسط» أن «المقاربة» تُعيد الاعتبار لمفهوم الملكية الأفريقية للحلول؛ حتى لا تبقى القارة ساحة لتجارب أمنية خارجية؛ بل تصبح فاعلاً رئيسياً في صياغة استراتيجياتها الأمنية.

مصر دعت أمام قمة الاتحاد الأفريقي في فبراير الماضي إلى تبنِّي «مقاربة شاملة» في أفريقيا (الخارجية المصرية)

واتهم رئيس الوزراء المالي، عبد الله مايغا، الثلاثاء الماضي، «جهات خارجية» دون تسميتها بدعم الإرهابيين في الهجوم الكبير الذي استهدف العاصمة باماكو ومدناً عدّة في وقت متزامن، كما عدَّ أن «هذه الهجمات كانت تهدف إلى زرع الرعب، وزعزعة التماسك الوطني، وإضعاف مؤسسات الفترة الانتقالية».

ويشار إلى أن وزير الأمن والحماية المدنية المالي، داود علي محمدين، قد اختتم زيارة رسمية إلى مصر، الأسبوع الماضي، بدعوة من وزير الداخلية المصري، محمود توفيق. وناقش الجانبان «سبل تعزيز التعاون الأمني بين البلدين في ظل التحديات المشتركة، خصوصاً في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. كذا تطوير برامج تدريب الكوادر الأمنية، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية»، وفق إفادة رسمية.

وأكد توفيق حينها «استعداد بلاده لدعم جهود مالي في تطوير قدراتها الأمنية، لا سيما في مجالات التكوين والتدريب، مع الدفع نحو شراكة استراتيجية متقدمة».