ترسيم الحدود البحرية... «عقدة جديدة» أمام أفرقاء ليبيا

طرابلس تدعو مصر واليونان إلى التفاوض بشأنها وسط تريثّ برلماني

مباحثات وزيري الخارجية الليبي واليوناني في أثينا الشهر الماضي (وزارة الخارجية بحكومة الوحدة)
مباحثات وزيري الخارجية الليبي واليوناني في أثينا الشهر الماضي (وزارة الخارجية بحكومة الوحدة)
TT

ترسيم الحدود البحرية... «عقدة جديدة» أمام أفرقاء ليبيا

مباحثات وزيري الخارجية الليبي واليوناني في أثينا الشهر الماضي (وزارة الخارجية بحكومة الوحدة)
مباحثات وزيري الخارجية الليبي واليوناني في أثينا الشهر الماضي (وزارة الخارجية بحكومة الوحدة)

تسعى ليبيا إلى تثبيت حقوقها في حدودها البحرية والمياه الغنية بالنفط والغاز، وتعزيز موقعها في البحر المتوسط الذي يشهد تنافساً إقليمياً محتدماً على النفوذ وموارد الطاقة، بات في نظر مراقبين «معضلة وعقدة».

لكن هذه المساعي تتأرجح بين مواقف أفرقاء ليبيا المنقسمين. فمن ناحية، تدعو حكومة طرابلس إلى الحوار مع مصر واليونان بشأن مذكرة ترسيم حدودي مع تركيا، في خلاف دام ستّ سنوات، فيما يُبقي مجلس النواب على تريّث لا يخلو من غموض.

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (الصفحة الرسمية لمجلس النواب)

وتسلّط الضوء مجدداً على هذا الملف مع مذكرة احتجاج أودعتها القاهرة لدى الأمم المتحدة، وجرى الإعلان عنها الأسبوع الماضي، رافضة فيها مذكرة ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، عادّةً أنها «باطلة» وتنتهك حقوقها البحرية.

ويرى رئيس لجنة ترسيم الحدود الليبية بوزارة الخارجية في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، محمد الحراري، أن إشكالية الحدود البحرية مع مصر «برزت فقط بعد إعلان القاهرة حدودها الغربية وفق القرار الرئاسي رقم (595)، رغم قناعة ليبيا بأن الحدود مع مصر واضحة وتحتاج إلى جلسات تفاوضية لإقرارها»، مؤكداً أن «بدء التفاوض قرار سياسي لا تختص به اللجان الفنية».

رئيس لجنة ترسيم الحدود الليبية بحكومة «الوحدة» محمد الحراري لدى وصوله إلى اليونان الشهر الماضي (وزارة الخارجية في طرابلس)

وقال الحراري لـ«الشرق الأوسط»: «لدى مصر، كما لدى ليبيا، الحق في الاعتراض والاحتجاج والسعي وراء ما تراه يخدم مصالحها». وتوقع الحراري أن «ينتهي الوضع بين ليبيا ومصر إلى المسار التفاوضي»، وقال: «المتوسط بحيرة سلام وتنمية ورفاهية للدول المتشاطئة، خصوصاً الجارة الكبرى مصر»، لافتاً إلى أن «كل ما أودع لدى الأمم المتحدة من أطراف متعددة سيُطرح على الطاولة، على أن يكون الحوار أخوياً وشفافاً، يحكمه القانون الدولي مع مراعاة السوابق القضائية وحُسن النوايا والجوار».

ولا يبدو المشهد الليبي المنقسم، موحداً في هذا الملف أيضاً؛ فبينما تسعى حكومة طرابلس إلى الحفاظ على اتفاقها مع أنقرة والانفتاح على حوار مع القاهرة وأثينا، يبقى موقف مجلس النواب غامضاً، خصوصاً أنه سبق ورفض اتفاقية 2019 مع تركيا.

لكن التساؤلات ازدادت حول مصير هذه الاتفاقية بعدما شهدت العلاقات بين شرق ليبيا وتركيا انفتاحاً تدريجياً بعد سنوات من الخصومة، تُوّج بزيارة رئيس الاستخبارات التركية إلى بنغازي في صيف هذا العام.

وقتذاك، وتحديداً في يوليو (تموز) الماضي، ازدادت التكهنات من جانب برلمانيين بشأن مراجعة محتملة للاتفاقية تمهيداً لطرحها مجدداً.

وأكد عضو لجنة الأمن القومي علي الصول لـ«الشرق الأوسط» أن الاتفاقية «لم تُعرض على المجلس»، فيما استبعد النائب علي التكبالي أن «تحظى بالقبول»، عادّاً النقاشات الدائرة مجرد «محاولة لكسب الوقت وثقة الجانب التركي».

ويشير الدكتور محمد حسن مخلوف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة «بنغازي»، إلى أن الانقسام بين فرقاء ليبيا تحكمه حسابات المصالح في التعاطي مع الملف الحدودي، ويرى أن «حكومة طرابلس تجد في اتفاقية 2019 وسيلة لإطالة عمرها السياسي وتعزيز دعمها من الجانب التركي، على غرار النهج الذي اتبعته حكومة السراج سابقاً».

ويستبعد مخلوف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن يمرر البرلمان الليبي مذكرة ترسيم الحدود مع تركيا، وفيما قال إن «المجلس يتحفظ على أي خطوةٍ من حكومة طرابلس»، حذّر من أن «تمرير الاتفاق سيولّد موجةً من السخط الشعبي، ويغذي شعوراً بعدم الأمان وتبديد الثروات». ولفت إلى أن البرلمان «يأخذ في الحسبان مسألة ترسيم الحدود بوصفها قضية حساسة قد تؤلب الرأي العام وتزيد من تعقيد المشهد الداخلي».

أما بالنسبة للحدود مع اليونان، فلا تزال المسارات الدبلوماسية ممدودةً مع السلطات في شرق ليبيا وغربها، حيث التقى السفير نيكولاوس جريليديس برئيس البرلمان عقيلة صالح في مباحثات كان هدفها المعلن هو بحث الانتخابات وتوحيد المؤسسات، فيما أجرى وزير الخارجية جورجوس جيرابتريتيس مباحثات في طرابلس وأثينا مع الدبيبة والمنفي وطاهر الباعور حول التعاون والحدود البحرية.

ويرى مخلوف أن «اليونان تحاول اتباع مسارات دبلوماسية موازية مع سلطات شرق ليبيا وغربها؛ مستغلةً ورقة الهجرة غير النظامية للضغط على الطرفين، غير أن محاولاتها قوبلت بمقاومة من جانب سلطات بنغازي».

على صعيد أشمل، يبقى شرق المتوسط ساحة تنافس محتدمة، عنوانها اقتصادي بحت. ويرى خبراء الطاقة أن موارد الغاز الضخمة في شرق المتوسط، وقربها من الأسواق الأوروبية، تجعل المنطقة محوراً استراتيجياً لا غنى عنه.

ويرى رئيس لجنة ترسيم الحدود البحرية أن «نزاعات ترسيم الحدود البحرية تُعد من أعقد القضايا في القانون الدولي، خصوصاً في البحر المتوسط ذي الطبيعة شبه المغلقة، حيث تتداخل المناطق الاقتصادية والجرف القاري للدول المتقابلة أو المتجاورة». ويضيف: «رغم وجود قواعد في (اتفاقية 1982)، فإن غموضها أدى إلى تعدد التفسيرات، ما أفسح المجال لمحكمة العدل الدولية لإصدار أحكام شكلت سوابق يُستأنس بها في هذا المجال».

ومع استمرار تبادل المذكرات والاعتراضات، تبدو السيناريوهات الأقرب على المدى القصير محصورة بين مواصلة المناورات الدبلوماسية أو اللجوء إلى مسارات قانونية طويلة الأمد، بينما يبقى خيار الاتفاقات الثنائية أو التسوية الإقليمية بعيد المنال من دون وساطة فعالة.


مقالات ذات صلة

طرابلس تبحث تداعيات غرق ناقلة غاز روسية أمام ساحل ليبيا

شمال افريقيا خلال عملية إخماد الحريق (هيئة السلامة الليبية)

طرابلس تبحث تداعيات غرق ناقلة غاز روسية أمام ساحل ليبيا

وسط مخاوف بيئية، عقدت سلطات طرابلس اجتماعاً طارئاً حضره عدد من الجهات المختصة لمتابعة مستجدات الناقلة الروسية التي تعرضت لانفجار قبالة ساحل ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا يرى ليبيون أن زيادة الأسعار في ظل ضعف الرواتب تمنعهم من شراء مستلزماتهم اليومية (أ.ف.ب)

بسبب تدني الرواتب... ليبيون يعجزون عن تلبية احتياجات العيد

يرى ليبيون أن الغلاء هو أكثر ما يفسد بهجة العيد هذا العام مشيرين إلى استمرار ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية مقارنة بالأعوام الماضية بجانب ضعف الرواتب

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا سيف الإسلام القذافي (متداولة)

ليبيا: ضغوط «عائلة القذافي» تتصاعد لكشف قتلة سيف الإسلام

تتصاعد الضغوط التي تمارسها عائلة الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي في مسعى حثيث لكشف هوية المتورطين في اغتيال نجله سيف الإسلام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (إعلام المجلس)

هل يطول التغيير رئيس البرلمان الليبي بعد 12 عاماً في السلطة؟

يشهد مجلس النواب الليبي تبايناً في مواقف أعضائه حيال «خريطة طريق» طرحها عدد من النواب لـ«تصحيح مسار» المؤسسة التشريعية

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة يتفقد حديقة الحيوان بطرابلس (حكومة الوحدة)

«الوحدة» الليبية تتجاهل تحذيرات بقطع الكهرباء بسبب تأخر رواتب الموظفين

تجاهلت حكومة «الوحدة» الوطنية في غرب ليبيا تحذيرات النقابة العامة لعمال الكهرباء التي هدّدت بالتصعيد والإضراب الكامل عن العمل بمنشآت إنتاج الطاقة 

خالد محمود (القاهرة)

اتساع دائرة الحظر الدولي يُزيد الضغوط على «إخوان مصر»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

اتساع دائرة الحظر الدولي يُزيد الضغوط على «إخوان مصر»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

يتسع الحظر الدولي ضد جماعة «الإخوان» بعد قرار هولندا تصنيفها «إرهابية»، مما يُزيد من الضغوط على الجماعة في مصر بعد أكثر من 13 عاماً على حظرها عقب سقوط نظام الرئيس الأسبق محمد مرسي المنتمي إليها.

وأقر البرلمان الهولندي، الأربعاء، مقترحاً يدعو إلى حظر «الإخوان» والمنظمات المرتبطة بها. واستند المقترح إلى تقرير حكومي فرنسي نشر في مايو (أيار) الماضي يحذر من «التأثير الآيديولوجي والمؤسسي طويل الأمد لجماعة الإخوان». ووصف التقرير الجماعة بأنها «تهديد للتماسك الوطني» في فرنسا، ودعا إلى اتخاذ إجراءات لوقف انتشار الإسلام السياسي.

جاء التحرك الهولندي بعد أشهر من تصنيف الولايات المتحدة لفروع «الإخوان» في عدد من الدول العربية «جماعات إرهابية»، كان آخرها منتصف الشهر الحالي بشأن «إخوان السودان».

«استفاقة أوروبية»

يقول خبير مكافحة الإرهاب الدولي، اللواء رضا يعقوب، إن بعض الدول الأوروبية رصدت وجود مجاميع إرهابية وتحركات غير طبيعية من الجماعة، لذا تم حظرها.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن على الدول الغربية التي حظرت جماعة «الإخوان» تقديم عناصرها المطلوبين من الدولة المصرية للمحاكمة في البلاد، مشدداً على ضرورة وجود تعاون استخباراتي واسع في هذا الشأن.

جانب من محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» في مصر (أ.ف.ب)

ويرى الباحث في شؤون الجماعات الأصولية، عمرو فاروق، أن اتساع دائرة حظر الجماعة ونشاطها في أوروبا «سوف يؤثر على التنظيم الدولي مالياً، وعلى مستوى النخب والقيادات الفاعلة، وبالتالي سيؤثر على (إخوان مصر)».

واستطرد في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»: «أي قرارات سواء برلمانية أو سياسية، مثل قرار الخارجية الأميركية السابق بحق (الإخوان)، ستتبعه قرارات أخرى. ربما هي استفاقة من دول الاتحاد الأوروبي تجاه نشاط الجماعة والحد من مفهوم المجتمعات الموازية».

ورحبت القاهرة في يناير (كانون الثاني) الماضي بإعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصنيف جماعة «الإخوان» في مصر «كياناً إرهابياً عالمياً»، وعَدّت القرار «خطوة فارقة تعكس خطورة الجماعة وآيديولوجيتها المتطرفة، وما تمثله من تهديد مباشر للأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين».

ويرى فاروق أن فكرة الاستفاقة التشريعية والسياسية والقانونية من الدول الغربية تجاه «الإخوان» بشكل عام تقلل نشاطها أو تمددها في الغرب، وبالتالي في المنطقة العربية، نتيجة العرقلة المالية والسياسية والتشريعية التي تؤثر في النهاية على المكون التنظيمي للجماعة في الغرب.

ويوضح قائلاً إن عملية «الحظر» تؤثر على الجماعة في مسألة تتبع الشبكة المالية المعقدة، فضلاً عن إعاقة حركة بعض الشخصيات المحسوبة على «الإخوان».

ويعتقد فاروق أن قرار حظر «الإخوان» في دول غربية سوف تتبعه تحركات وقرارات أخرى داخلية لحظر بعض المؤسسات التابعة للجماعة، ووضع بعض الشخصيات على قائمة المراقبة أو التتبع، وكذا الحد من النشاط الدعوي أو الفكري.

وحظرت الأرجنتين وفرنسا «الإخوان» مطلع العام الحالي.

«تجفيف المنابع»

أدرجت مصر الجماعة على قائمة «الكيانات الإرهابية» أكثر من مرة، كما حظرتها عام 2013.

ويخضع مئات من قادة وأنصار الجماعة حالياً، وعلى رأسهم مرشدها العام محمد بديع، لمحاكمات في قضايا بمصر يتعلّق معظمها بـ«التحريض على العنف»، وقد صدرت في بعضها أحكام بالإعدام، والسجن المشدّد، والمؤبّد.

مرشد «الإخوان» محمد بديع في إحدى جلسات محاكمته (أ.ب)

ويقول اللواء يعقوب: «عناصر الجماعة لم يعد مرغوباً فيهم ببعض الدول، ولم يعد لهم غطاء كما كان في الماضي. وعلى هذه الدول التحرك ومصادرة ممتلكات الجماعة ومحاصرة عناصرها منعاً للقيام بأي أنشطة».

وعن رد فعل الجماعة المحتمل على التضييق قال فاروق إنها «ربما تنقل أموالاً من أشخاص إلى أشخاص غيرهم، أو من دول إلى دول، وقد تُغلق مؤسسات وتبني أخرى تحمل لافتات مدنية بعيدة تماماً عن أي آيديولوجية، من أجل المحافظة على المكون المالي والفكري الموجود نتيجة التمدد ما بين بعض النخب في هذه الدول».

وتابع بقوله: «خطوات الحظر قد تقلل من مساحة تأثير الجماعة، بوضع بعض الشخصيات على قوائم الإرهاب ما يدفع إلى تحجيم تحركات عناصرها وظهورهم السياسي والإعلامي».

وأضاف: «قرارات الحظر وما يتبعها من إجراءات سوف تؤثر على (إخوان مصر)، وعلى الإخوان بشكل عام، نتيجة أن ضرب المكون المالي للتنظيم الدولي وشل الحركة المالية قد يؤثران على نشاط الجماعة».

ورجَّح اللواء يعقوب والباحث فاروق أن تحذو دول أخرى حذو هولندا والأرجنتين وفرنسا والولايات المتحدة في اتخاذ قرار بتصنيف الجماعة «إرهابية»، وأن تسلك النهج نفسه «الذي يساهم في تجفيف منابع (الإخوان) في الخارج».


«اتفاق غزة»... المسار الإنساني يتحرك والسياسي «محلك سر»

فلسطينيون يشقون طريقهم عبر أنقاض المباني المدمرة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يشقون طريقهم عبر أنقاض المباني المدمرة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... المسار الإنساني يتحرك والسياسي «محلك سر»

فلسطينيون يشقون طريقهم عبر أنقاض المباني المدمرة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يشقون طريقهم عبر أنقاض المباني المدمرة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)

أعاد فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني، الخميس، بعد 19 يوماً من الإغلاق الإسرائيلي، الحديث عن المسار الإنساني، مع بدء استعدادات لعودة فلسطينيين تم علاجهم للقطاع، في حين لا تزال بنود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة لا تزال تراوح مكانها.

وأغلقت إسرائيل معبر رفح مع بدء حربها المشتركة مع الولايات المتحدة ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

ويذهب خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إلى أن تلك التحركات قد تكون فعالة على المسار الإنساني ولو جزئياً؛ لكن في المقابل يبدو أن الجمود سيخيم على المسار السياسي إلى حد عدّه أنه «محلك سر» (سيبقى في محله).

أُعيد فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني، الخميس، حسب ما أفادت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، التي عرضت لقطات تُظهر عدداً من الفلسطينيين يستعدون للعبور من الجانب المصري إلى غزة، من بينهم أشخاص كانوا يتلقون العلاج الطبي في مصر.

وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بإعادة فتح معبر رفح، الخميس، أمام الإجلاء الطبي لعدد محدود من الأشخاص لا تتوفر الرعاية المتخصصة اللازمة لهم في غزة، وكذلك لعودة العدد نفسه من الأشخاص إلى القطاع.

وذكر المركز الفلسطيني للإعلام، الخميس، أن معطيات مركز التنسيق الأميركي في كريات غات تشير إلى أن عدد شاحنات المساعدات التي تدخل قطاع غزة انخفض بنحو 80 في المائة منذ بدء الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران.

المحلل في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، سعيد عكاشة، يرى أن الملف السياسي من اتفاق غزة سيكون مرهوناً بإنهاء حرب إيران، وبالتالي سيكون «محلك سر» حالياً، بينما سيكون هناك دفعة تحت ضغوط للجانب الإنساني؛ لكن ستحاول إسرائيل أن تستخدم المساعدات أداةً للضغط.

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن ما يحدث حالياً هو السيناريو الأقرب للتنفيذ من اتفاق غزة، حيث ستتواصل الضغوط الدولية، لدخول المساعدات وتدور القضية كلها في الفلك الإنساني دون دفع أثمان أو تنازلات سياسية أو تنفيذ التزامات، مشيراً إلى أن إسرائيل تعتقد أن المسار الإنساني سهل التجزئة بفتح معابر ودخول مساعدات، لكن تؤجل المسار السياسي لأفق غير معلوم.

حي الشيخ رضوان الذي دمرته الحرب في مدينة غزة (أ.ف.ب)

وأكدت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أوليغا تشيرفكو «ضرورة إعادة فتح المعابر بشكل فعال، بحيث يسمح بالدخول والخروج الطوعي للأفراد من وإلى غزة، فضلاً عن دخول الشحنات الإنسانية والإمدادات التجارية»، وفق ما نشره موقع «أخبار الأمم المتحدة»، الخميس.

ومنتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلنت واشنطن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب لإنهاء الحرب في القطاع، عبر بنود تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من غزة، ونزع سلاح «حماس»، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار. وحتى الآن لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من نصف القطاع، في حين ترفض «حماس» إلقاء سلاحها.

ويرجّح نزال أن تتحسن الأوضاع الإنسانية قليلاً في غزة ويستمر تجميد المسار السياسي لما بعد حرب إيران، مع تزايد العثرات، كما نرى في تعليق إندونيسيا نشر قوات استقرار بالقطاع وما شابه.

ويشير إلى أن الأولويات الأميركية - الإسرائيلية هو إنهاء حرب إيران، وبالتالي النظر في صفقة غزة من جديد، وربما بتغييرات حال كانت نتائج الحرب لصالحها.

بينما يرى عكاشة أن الفترة المقبلة ستشهد سماح إسرائيل بحزم إنسانية لتهدئة الرأي العام العالمي، في حين أميركا من المستحيل أن تفكر في تحرك الملف السياسي في غزة حالياً، وستبقى على استمرارية شكلية دون حدوث تغير في أرض الواقع وانتظار ما ستسفر عنه حرب إيران.


طرابلس تبحث تداعيات غرق ناقلة غاز روسية أمام ساحل ليبيا

خلال عملية إخماد الحريق (هيئة السلامة الليبية)
خلال عملية إخماد الحريق (هيئة السلامة الليبية)
TT

طرابلس تبحث تداعيات غرق ناقلة غاز روسية أمام ساحل ليبيا

خلال عملية إخماد الحريق (هيئة السلامة الليبية)
خلال عملية إخماد الحريق (هيئة السلامة الليبية)

بحثت حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة تداعيات غرق ناقلة روسية للغاز الطبيعي المسال أمام الساحل الليبي، بعد تعرّضها لحريق تسبب في انفجارها، في حين التزمت سلطات طرابلس الصمت حيال اتهام موسكو بأن استهداف الناقلة تم عبر «عمل إرهابي دولي» انطلق من الساحل الليبي.

وقالت وزارة البيئة التابعة لحكومة «الوحدة»، الخميس، إنها عقدت اجتماعاً طارئاً حضره عدد من الجهات المختصة لمتابعة مستجدات الناقلة الروسية، التي تعرضت لانفجار قبالة ساحل ليبيا، وما نتج منهما من انجراف، مشيرة إلى أن الاجتماع الذي ضم رئاسة الأركان البحرية، وممثلين عن جهاز حرس السواحل، والمؤسسة الوطنية للنفط، ومصلحة المواني، ومدير إدارة الطوارئ «بحث التنسيق المشترك لمتابعة الوضع، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية البيئة والسواحل الليبية من التلوث جراء غرق الناقلة».

جانب من الحريق الذي شب في خط نفطي (شركة الخليج العربي للنفط)

وفي الرابع من مارس (آذار) الحالي، أعلنت وكالة الإنقاذ البحري الليبية، في بيان لها، أن ناقلة النفط الروسية «أركتيك ميتاغاز»، التي كانت تحمل الغاز المسال غرقت في مياه البحر الأبيض المتوسط، الواقعة بين ليبيا ومالطا بعد أن اشتعلت فيها النيران.

ونقلت وكالة «إنترفاكس» للأنباء عن نيكولاي باتروشيف، أحد مساعدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأربعاء، أن موسكو تعدّ الهجوم على ناقلة غاز طبيعي مسال روسية في البحر المتوسط «عملاً إرهابياً دولياً»، وسبق أن أعلنت وزارة النقل الروسية الشهر الحالي أن الناقلة التي كانت تحمل غازاً طبيعياً مسالاً من ميناء مورمانسك في القطب الشمالي، «تعرضت لهجوم بطائرات مسيرة تابعة للبحرية الأوكرانية»، وأن الأسلحة «أُطلقت من الساحل الليبي».

ومنذ ذلك الحادث، لم تعقب سلطات طرابلس على الاتهامات الروسية، لكنها طمأنت الليبيين عبر المؤسسة الوطنية للنفط بأن الحادث «لا تأثير له مطلقاً» على سير إمدادات النفط والغاز، أو على عمليات تزويد السوق المحلية بالوقود.

وكانت مصلحة المواني والنقل البحري بغرب ليبيا قد حذَّرت من انجراف الناقلة باتجاه المياه الليبية قبالة السواحل، وقالت منتصف الأسبوع، إنها «تشكل خطراً ملاحياً متزايداً، في ظل تحركها دون طاقم، وتحت تأثير الرياح والتيارات البحرية».

وبخصوص اندلاع حريق في أحد خطوط الغاز التابع لحقل الشرارة جنوب غربي ليبيا منذ مساء الثلاثاء الماضي، أعلنت «هيئة السلامة الوطنية»، صباح الخميس، السيطرة الكاملة على الحريق الذي اندلع في أحد أنابيب نقل النفط بمنطقة الحمادة، وإخماد النيران بشكل تام.

وقالت الهيئة إن «أبطال فرق الإطفاء، برفقة الجهات المساندة، سطروا ملحمةً وطنية من البذل والعطاء استمرت على مدار يومين متواصلين، لم تثنهم خلالها قسوة الظروف، ولا حرارة الصحراء، ولا ألسنة اللهب خلال شهر رمضان».

أكدت هيئة السلامة الوطنية أنها أطلقت المرحلة الثانية من عمليات إخماد الحريق (شركة الخليج العربي للنفط)

وأوضحت المؤسسة الوطنية للنفط «السيطرة الكاملة على الحريق، الذي شب بخط النفط الخام بمنطقة المرحان جنوب الزنتان (خط الشرارة) عند الكيلومتر 538، والذي نتج من تسرب بأحد الصمامات»، منوهة إلى أن عمليات الإخماد «جسدت ملحمة وطنية مخلصة، قادتها فرق الإطفاء والسلامة بقطاع النفط بالتعاون مع هيئة السلامة الوطنية وجهاز حرس المنشآت النفطية، وبدعم متميز من بلدية الزنتان والقطاع الخاص بها».

وفي الساعات الأولى من صباح الخميس، قالت هيئة السلامة الوطنية إنها أطلقت المرحلة الثانية من عمليات إخماد الحريق، وهي «الانتقال من مرحلة المحاصرة إلى الإخماد الفعلي والسيطرة الكاملة». مبرزة أنها شرعت في استخدام السائل الرغوي لإغمار موقع النيران، وخنق ما تبقى من بؤر مشتعلة؛ وذلك لمنع تجدد الاشتعال وضمان إخماد الحريق بشكل نهائي. وقالت إن هذه الخطوة تأتي ضمن الإجراءات المتقدمة التي تُستخدم في مثل هذه الحالات، خاصة عند التعامل مع حرائق يصعب السيطرة عليها بالمياه فقط؛ ما يعزز من سرعة الاستجابة ويحدّ من انتشار النيران.

وعقب اندلاع الحريق في الخط النفطي، سارعت المؤسسة الوطنية للنفط بتحويل جزء من الضخ بشكل تدريجي على خط حقل الفيل إلى ميناء مليتة، وتحويل الجزء الآخر عبر خط الحمادة إلى خزانات الزاوية، بقصد «تقليل الخسائر بشكل كبير».