الجزائر تُلوّح بـ«الذاكرة النووية» في فيينا لإحراج باريس

قطيعة دبلوماسية ومطالب بتنظيف مواقع التجارب النووية الفرنسية من الإشعاعات

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
TT

الجزائر تُلوّح بـ«الذاكرة النووية» في فيينا لإحراج باريس

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

بينما توقف التواصل بين الجزائر وباريس حول «ملف الذاكرة» منذ أكثر من عام، شكّل انعقاد الدورة الـ69 للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (15 - 19 سبتمبر/أيلول)، مناسبة للجزائريين كي يبرزوا من جديد تداعيات التجارب النووية الفرنسية في مناطقهم الجنوبية، خلال الفترة الاستعمارية (1830-1962)، علماً بأن التجارب تواصلت حتى عام 1966، أي بعد انتهاء الاستعمار.

ونظّمت البعثة الجزائرية المشاركة في الأشغال، عشية اختتامها الجمعة، لقاءً خاصاً تناول التفجيرات النووية التي نفّذتها فرنسا في صحراء الجزائر بين 1960 و1966، والآثار التي خلّفتها على البيئة والصحة العامة، بمشاركة عدد من الخبراء والمختصين.

وعُرض فيلم وثائقي يسلّط الضوء على «الوضع الحالي للمناطق المتضررة والتأثيرات السلبية لهذه التجارب على الصحة والبيئة»؛ إذ أشار خبراء إلى مسؤولية فرنسا عن تطهير المواقع الملوثة وإزالة آثار الإشعاعات منها، وفق ما نقلته وسائل إعلام حكومية جزائرية تناولت الحدث.

الرئيسان الجزائري والفرنسي في 27 أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وشكّل اللقاء فرصة لتجديد تأكيد «أهمية التعاون الدولي في إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي من شأنه دعم المبادرات الرامية إلى احتواء الآثار السلبية لهذه التجارب والتفجيرات»، حسب ما جاء في ورقة عرضها الوفد الجزائري متعدد القطاعات الذي شارك في المؤتمر برئاسة رشدي منادي، رئيس «الهيئة الوطنية للوقاية من الإشعاع والأمن النووي».

وأشار الوفد، خلال النقاشات، إلى الجهود التي بذلتها الحكومة للتخفيف من الآثار السلبية للتفجيرات النووية، والإجراءات المتخذة لمعالجة الأوضاع المعقدة التي خلّفتها تجارب الذرة، خصوصاً أن الإشعاعات لا تزال، حتى اليوم، تؤثر في سكان مناطق واسعة. قد أشادت الحكومة، في مناسبات سابقة، بإطلاق مشروعات للتنمية في هذه المناطق بغرض تحسين ظروف العيش فيها.

وكانت فرنسا قد أجرت أول تجربة نووية في 13 فبراير (شباط) 1960، في منطقة رقان (على بُعد 1400 كلم جنوب العاصمة الجزائرية)، حينما كانت الجزائر لا تزال تحت الاحتلال. وقد نفّذت السلطات الاستعمارية خلال تلك المرحلة أربع تجارب نووية جوية في المنطقة نفسها، ضمن سلسلة حملت الاسم الرمزي «اليربوع».

أحد مواقع التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية (أرشيفية)

وبعد استقلال الجزائر في 5 يوليو (تموز) 1962، واصلت فرنسا اختباراتها الذرية بموجب اتفاقيات سرّية مع السلطات الجزائرية آنذاك، حيث أجرت بين عامَي 1962 و1966، 13 تجربة نووية تحت الأرض في منطقة عين إكر بجبال الهقار (على بُعد 1900 كلم جنوب الجزائر). وبذلك، بلغ إجمالي عدد التجارب النووية الفرنسية في الجزائر 17 تجربة، خلّفت آثاراً بيئية وصحية جسيمة لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم.

وقال مصدر صحافي، نقلاً عن الوفد الجزائري في فيينا، لـ«الشرق الأوسط»، إن إثارة قضية التجارب النووية ومسؤولية فرنسا عنها في ختام المؤتمر الدولي، كان بهدف إحراج باريس، خصوصاً أنها من الدول المعنية بشكل مباشر في مؤتمر فيينا، مشيراً إلى أن «القضية ترتبط بالتوترات الحالية بين البلدَيْن».

التجارب الذرية حلقة ضمن التوترات بين باريس والجزائر

عاد ملف التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية إلى الواجهة مجدداً وبقوة، خصوصاً عقب التدهور الحاد وغير المسبوق في العلاقات بين الجزائر وباريس أواخر يوليو 2024، وذلك إثر إعلان قصر الإليزيه دعمه لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء. وتصاعد التوتر بين البلدَيْن إلى أن وصل إلى تبادل طرد الدبلوماسيين، بشكل مكثف، في الأشهر الماضية.

وفي هذا السياق، جدّد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في كلمة ألقاها أمام غرفتَي البرلمان نهاية عام 2024، دعوته الصريحة لفرنسا إلى تحمّل مسؤولياتها التاريخية فيما يخص إزالة التلوث الإشعاعي الناجم عن تجاربها النووية في الجنوب الجزائري، مصرحاً: «لقد أصبحتِ قوة نووية، وتركتِ لي المرض... تعالي نظّفي ما خلّفته من نفايات».

وخلال زيارة رسمية إلى موسكو في يونيو (حزيران) 2023، عبّر الرئيس تبون عن رغبة الجزائر في التعاون مع روسيا في هذا الملف الحساس، مقترحاً توقيع اتفاقيات ثنائية لمعالجة آثار تلك التجارب، ومؤكداً أن الجزائر تأمل في الاستفادة من خبرة موسكو في هذا المجال.

الرئيس الجزائري طلب من الرئيس الروسي المساعدة في تنظيف مواقع التجارب النووية الفرنسية (الرئاسة الجزائرية)

تاريخياً، أُدرجت قضية التجارب النووية ضمن اتفاقيات الاستقلال التي وُقّعت بين الحكومة الجزائرية المؤقتة والسلطات الفرنسية في مارس (آذار) 1962، حيث تضمّن الفصل الثالث منها بنداً سرياً منح فرنسا الحق في مواصلة استخدام القواعد الجوية والمنشآت العسكرية، بما في ذلك مواقع التجارب النووية، لمدة خمس سنوات بعد الاستقلال.

غير أن تسليم هذه المنشآت إلى السلطات الجزائرية في عام 1967 لم يتضمّن أي التزام فرنسي رسمي بشأن تطهير المواقع من التلوث أو مراقبتها إشعاعياً. كما لم تُحدد مواقع دفن النفايات النووية بدقة، ولا تزال فرنسا ترفض رفع السرية عن الوثائق المتعلقة بذلك.

وتتمحور المطالب الجزائرية الحالية حول تطهير المواقع الثلاثة التي شهدت التفجيرات -وهي رقان، وعين إكر، وواد الناموس- من بقايا النفايات الإشعاعية والكيميائية، بالإضافة إلى تسليم الخرائط والوثائق الطبوغرافية التي تُحدد بدقة أماكن الدفن ومستويات التلوث. كما تدعو الجزائر إلى مراجعة قانون «موران» الفرنسي الصادر عام 2010، والمخصص لتعويض ضحايا التجارب النووية الفرنسية خارج التراب الفرنسي، إما عبر تعديله ليشمل جميع المتضررين بشكل عادل، وإما من خلال إبرام اتفاقية جديدة أكثر إنصافاً وشمولاً.


مقالات ذات صلة

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

شمال افريقيا السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية في تجمع دعائي بشرق العاصمة تحسباً للانتخابات التشريعية (إعلام حزبي)

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

أطلقت الأحزاب الجزائرية حملة مزدوجة تحسباً للانتخابات التشريعية، المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، تتركز في مسارين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا البابا ببيت الراهبات في عنابة (فاتيكان نيوز)

البابا يختتم جولته في الجزائر بوقفة إنسانية عند «مهد القديس أغسطينوس»

أكد البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، خلال لقائه نزلاء «دار المسنين» في عنابة، أن «رسالة السماء تنحاز دوماً إلى المستضعفين».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً بابا الفاتيكان بالمطار (الرئاسة الجزائرية) p-circle 00:51

في مستهل زيارة تاريخية للجزائر... بابا الفاتيكان ينشر رسالة سلام

انطلاقاً من الجزائر، بدأ بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، يوم الاثنين، جولة أفريقية تشمل أربع دول، وتهدف إلى تعزيز حوار الأديان، وقيم التسامح، والتعايش الديني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يستقبل البابا ليو الرابع عشر بعد هبوطه في مطار هواري بومدين الدولي في العاصمة الجزائر... 13 أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle 00:51

رئيس الجزائر: أدعو مع البابا ليو بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان

دعا الرئيس الجزائري، خلال لقائه بابا الفاتيكان، بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا البابا ليو الرابع عشر لدى وصوله إلى الجزائر في بداية جولة أفريقية (رويترز)

البابا ليو يبدأ زيارة تاريخية للجزائر في مستهل جولة أفريقية

تستعد الجزائر لاستقبال ليو الرابع عشر اليوم (الاثنين) في زيارة تاريخية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

تعهدت الجهات المانحة تقديم مساعدات بقيمة 1.5 مليار دولار إلى السودان، وذلك خلال المؤتمر الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين أمس، برعاية ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

وعُقد «مؤتمر برلين» وسط غياب ممثلين عن طرفي الحرب، أي الجيش السوداني، والحكومة الموالية له، و«قوات الدعم السريع». وقبل انطلاقه، انتقدت الحكومة السودانية استضافة ألمانيا للمؤتمر، قائلة إن هذا «تدخل مفاجئ وغير مقبول» في الشأن الداخلي. ويعد هذا المؤتمر الدولي الثالث حول السودان بعد مؤتمرين سابقين في باريس، ولندن.

وحض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في كلمة مسجلة خلال المؤتمر، على السلام في السودان، و«إنهاء كابوس» الحرب، ووقف «التدخلات الخارجية، وتدفق الأسلحة اللذين يؤججان النزاع». وطالب طرفي القتال بـ«وقف فوري للأعمال الحربية».


رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.