ماذا نعرف عن حصار «الدعم السريع» لمدينة الفاشر في السودان؟

سكان سودانيون يتجمّعون لتلقي وجبات مجانية في الفاشر وهي مدينة حاصرتها «قوات الدعم السريع» لأكثر من عام في منطقة دارفور بالسودان 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
سكان سودانيون يتجمّعون لتلقي وجبات مجانية في الفاشر وهي مدينة حاصرتها «قوات الدعم السريع» لأكثر من عام في منطقة دارفور بالسودان 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

ماذا نعرف عن حصار «الدعم السريع» لمدينة الفاشر في السودان؟

سكان سودانيون يتجمّعون لتلقي وجبات مجانية في الفاشر وهي مدينة حاصرتها «قوات الدعم السريع» لأكثر من عام في منطقة دارفور بالسودان 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
سكان سودانيون يتجمّعون لتلقي وجبات مجانية في الفاشر وهي مدينة حاصرتها «قوات الدعم السريع» لأكثر من عام في منطقة دارفور بالسودان 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

تفرض «قوات الدعم السريع» حصاراً على مدينة الفاشر في غرب السودان منذ أكثر من عام، في مسعى للسيطرة عليها في ظل الحرب مع الجيش التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023.

وباتت المدينة التي تشهد أعمال عنف وحشية آخر جبهة استراتيجية في النزاع، في وقت تحاول «قوات الدعم السريع» السيطرة عليها باعتبارها آخر مدينة في منطقة دارفور ما زالت في قبضة الجيش، حسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتحاول «قوات الدعم السريع» التي خسرت معظم أجزاء وسط السودان بما في ذلك الخرطوم في وقت سابق هذا العام، تعزيز سلطتها في الغرب وتأسيس حكومة منافسة.

فيما يأتي لمحة عن أبرز ما نعرفه عن الوضع داخل الفاشر:

من يقاتل في الفاشر؟

يقاتل الجيش السوداني إلى جانب «القوة المشتركة»، وهي تحالف مجموعات متمرّدة سابقة يتزعمها قادة ميليشيات هم جزء من الحكومة المتحالفة مع الجيش.

وتخلّت هذه المجموعات عن الحياد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 بعد مجازر عرقية قادتها «قوات الدعم السريع» ضد قبيلة المساليت في منطقة الجنينة في ولاية غرب دارفور، وبعد سيطرة «الدعم السريع» على أربع عواصم ولايات في دارفور.

انبثقت «قوات الدعم السريع» من ميليشيات الجنجويد العربية التي استعانت بها الحكومة مطلع الألفية في عهد الرئيس عمر البشير للتغلّب على تمرّد لمجموعات عرقية غير عربية في دارفور، ما أدى إلى مقتل 300 ألف شخص تقريباً في ظل اتهامات بالإبادة.

واندلعت الحرب الحالية بعد صراع بين الحليفين السابقين، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، بشأن مسألة دمج «الدعم السريع» في الجيش النظامي.

سكان سودانيون يتجمّعون لتلقي وجبات مجانية في مدينة الفاشر بمنطقة دارفور بالسودان 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

ما الذي يحدث على الأرض؟

يسيطر الجيش وحلفاؤه حالياً على أقل من 13 كيلومتراً مربعاً من إجمالي مساحة المدينة البالغة 80 كيلومتراً مربعاً، خصوصاً المنطقة المحيطة بالمطار في غرب المدينة، بحسب صور للأقمار الصناعية من «مختبر الأبحاث الإنسانية» التابع لجامعة ييل.

وتمتد باقي المناطق الخاضعة لسيطرته من مخيم أبو شوك للنازحين في الشمال، الذي يعاني قاطنوه من المجاعة إلى سجن شالا في الجنوب وحتى السوق الكبير شرقاً.

وقال ناثانيل رايموند الذي يجري تحقيقات مرتبطة بالحروب، وهو المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية في ييل، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش هي حالياً «الأصغر منذ بدأ الحصار».

سيطرت «قوات الدعم السريع» على معظم أجزاء مخيم أبو شوك الذي تعرّض لهجمات متكررة خلال الأسابيع الماضية؛ إذ استولت على مقر الجيش وسط المدينة واستهدفت مستشفيات ومناطق ذات كثافة سكانية عالية قرب المطار.

وتظهر صور الأقمار الصناعية من مختبر ييل أضراراً كبيرة لحقت بهيئة المياه التابعة للمدينة، ما يعرقل إمكان الوصول إلى مياه الشرب النظيفة.

وأقامت «قوات الدعم السريع» سواتر ترابية على امتداد أكثر من 31 كيلومتراً تحيط بالفاشر لمحاصرة سكانها؛ «ما يخلق منطقة قتل حرفياً»، بحسب تقرير ييل الأخير.

وبدأ الجيش إقامة هذه السواتر، لكن «قوات الدعم السريع» أكملتها وعززتها، بحسب رايموند.

وأفاد الباحث بأن السواتر تشكّل «هلالاً» على الجانب الشمالي، بينما يخضع الجزء الجنوبي لسيطرة «قوات الدعم السريع» بالكامل بعدما استولت في أبريل على مخيم زمزم الذي يعاني أيضاً من المجاعة.

وقال رايموند: «لا يوجد مخرج»؛ إذ يواجه الأشخاص الذين يحاولون عبور الحواجز الموت على الأرجح لأن مقاتلي «قوات الدعم السريع» يطلبون رشاوى مقابل السماح بمرورهم، ويعدمون من يشتبهون بأنهم على ارتباط بالجيش.

وأضاف: «نرى من الفضاء نقاط الاختناق التي تستخدمها (قوات الدعم السريع) للسيطرة على وصول المدنيين».

متطوعون سودانيون يعدّون وجبات مجانية لبعض سكان مدينة الفاشر المحاصرة في منطقة دارفور بالسودان 11 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

ما هو الوضع الإنساني؟

ما زال نحو 300 ألف مدني عالقين داخل الفاشر ومحرومين من الغذاء والمياه والدواء والمساعدات الإنسانية، بحسب الأمم المتحدة.

وأُعلنت المجاعة العام الماضي في زمزم وأبو شوك ومخيم ثالث قريب.

وفي الفاشر، يعاني نحو 40 في المائة من الأطفال تحت سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بحسب بيانات الأمم المتحدة. يأكل المدنيون علف الحيوانات بينما يموت كثيرون ممن يهربون إلى الصحراء جوعاً أو جراء العنف.

وتظهر صور الأقمار الصناعية توسّع المقابر. ويتحدّث المدنيون الذين يعانون الجوع عن اضطرارهم للاختباء داخل ملاجئ مؤقتة لحماية أنفسهم من القصف المتواصل.

ماذا إذا سقطت الفاشر؟

دفع هجوم «قوات الدعم السريع» على زمزم مئات آلاف الأشخاص إلى النزوح. وتخشى هيئات إغاثية من موجة هروب جماعي أخرى إذا سقطت الفاشر.

ومن شأن السيطرة على الفاشر أن تتيح لـ«قوات الدعم السريع» السيطرة على جميع عواصم ولايات دارفور الخمس، ما يعزز فعلياً موقعها لإقامة إدارة موازية في غرب السودان.

ويحذّر خبراء من فظائع تستهدف قبيلة زغاوة المهيمنة في الفاشر، تشبه مجازر 2023 في الجنينة، التي قُتل فيها ما يصل إلى 15 ألف شخص، معظمهم من قبيلة المساليت.

ووصفت المحللة السياسية خلود خير المعركة بأنها «وجودية» بالنسبة للجانبين؛ إذ تسعى «قوات الدعم السريع» لنيل الشرعية وتأمين خطوط إمداد، في حين تعتبر «القوة المشتركة» المشكّلة بمعظمها من مقاتلين من الزغاوة أن المدينة آخر خط دفاع لها.

وقالت خلود خير لوكالة الصحافة الفرنسية إن «الفاشر باتت تعيش حصار استنزاف يذكّر بستالينغراد... ويرجّح ألا يجلب سوى مزيد من الموت والدمار قبل انتهائه».


مقالات ذات صلة

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

استنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش المسؤولية عن جريمة قصف مستشفى «الضعين» بدارفور واتهمته بالانحياز لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في السودان جراء ضربات بمسيّرات

قُتل 28 مدنياً جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.