الجزائر تهدد لأول مرة باللجوء إلى الأمم المتحدة في خلافها الحاد مع فرنسا

في ظل تواصل انحدار العلاقات بين البلدين

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل 2025 (الخارجية الجزائرية)
وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل 2025 (الخارجية الجزائرية)
TT

الجزائر تهدد لأول مرة باللجوء إلى الأمم المتحدة في خلافها الحاد مع فرنسا

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل 2025 (الخارجية الجزائرية)
وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل 2025 (الخارجية الجزائرية)

بين 14 و24 يوليو (تموز) 2025، تحوّلت الأزمة السياسية الحادّة بين الجزائر وباريس، في غضون عشرة أيام فقط، من مؤشرات تهدئة خجولة إلى موجة تصعيد جديدة تنذر بإحالتها إلى الأمم المتحدة، وهو ما دفع مراقبين إلى التساؤل: كيف وصلت العلاقات بين فرنسا ومستعمرتها السابقة إلى هذا المستوى من التدهور، الذي اقترب في أكثر من مناسبة من حافة القطيعة؟

تفاقم التوترات

في 14 يوليو الحالي، احتفلت سفارة فرنسا في الجزائر بالعيد الوطني، في مقر إقامة السفير بأعالي العاصمة، وجرى ذلك في أجواء مشحونة، وأعصاب مشدودة نتيجة التوتر القائم بين البلدين وأمام جمهور غفير حضر المناسبة، من بينهم كاتب الدولة المكلّف الجالية الجزائرية في الخارج، سفيان شايب، وصحافيون وقادة أحزاب وناشطون سياسيون ومن المجتمع المدني، ألقى جيل بورباو، القائم بالأعمال في السفارة، كلمة نيابةً عن السفير ستيفان روماتيه، الذي سُحب إلى باريس قبل شهرين في سياق الأزمة.

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا بالجزائر (السفارة)

ودعا بورباو إلى «تشارك الاقتناع بوجود طريق بديل عن الخلاف، وإلى الإيمان بأن هناك سبيلاً آخر غير المواجهة، ليس ممكناً فقط، بل ضروري». مؤكداً أن «إرادتنا في تجاوز الصعوبات لا تزال ثابتة، وحرصنا على استعادة مسار التهدئة ما زال كاملاً. نحن نُدرك أن هذا الطريق يتطلب الكثير، لكن ثقوا، أصدقائي الأعزاء، أننا عازمون على المضي فيه، لأن الروابط الإنسانية التي تجمعنا تفرض ذلك، ولأن اضطرابات العالم تُملي علينا أن نعمل معاً مجدداً لمواجهة تحديات الحاضر بشكل أفضل».

مسافرون جزائريون في «مطار شارل ديغول» أكدوا أنهم باتوا يتعرضون أكثر لمضايقات كثيرة (الوطن الجزائرية)

بعدها بعشرة أيام فقط، استدعت وزارة الخارجية الجزائرية القائم بالأعمال الفرنسي، جيل بورباو، لإبلاغه احتجاجها على قرار اتخذه وزير الداخلية الفرنسي، برونو روتايو، يقضي بمنع دخول الموظفين المعتمدين في سفارة الجزائر بفرنسا إلى المناطق المخصصة في مطارات باريس لتسلم الحقائب الدبلوماسية، بحسب ما ورد في بيان للوزارة.

وأعربت الخارجية الجزائرية عن «دهشتها» مما حدث، وطالبت الدبلوماسي الفرنسي بتقديم توضيحات في هذا الشأن. وأوضح البيان أن القائم بالأعمال في سفارة الجزائر بفرنسا تواصل مع وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية للحصول على تفسيرات.

يُشار إلى أن الجزائر كانت قد سحبت سفيرها من باريس منذ نهاية يوليو 2024، احتجاجاً على اعتراف الإليزيه بخطة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء. وكان هذا الحدث نقطة بداية التوتر.

وأوضح بيان الخارجية الجزائرية أن «الإجراءات المتخذة، سواء في الجزائر أو في باريس، بيّنت أن هذا القرار تم اتخاذه من قبل وزارة الداخلية الفرنسية، دون علم وزارة أوروبا والشؤون الخارجية، وفي ظل غياب تام للشفافية، ومن دون أي إشعار رسمي، كما تقتضي الأعراف الدبلوماسية الأساسية».

وعدّت الجزائر هذا الإجراء الجديد «مساساً خطيراً بحسن سير عمل البعثة الدبلوماسية الجزائرية في فرنسا، وانتهاكاً صريحاً لأحكام اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، لا سيما المادة 27، والفقرة 7، التي تنص صراحةً على حق أي بعثة دبلوماسية في إرسال أحد أعضائها المعتمدين لتسلم الحقيبة الدبلوماسية مباشرة، وبحرية من قائد الطائرة».

وأضاف البيان بنبرة تحذير: «أمام هذا الوضع، قررت الجزائر تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل بصرامة، ودون تأخير. كما تحتفظ لنفسها بالحق في اللجوء إلى جميع الوسائل القانونية المناسبة، بما في ذلك التوجه إلى الأمم المتحدة، من أجل الدفاع عن حقوقها، وضمان حماية بعثتها الدبلوماسية في فرنسا».

تحذير حاد اللهجة

لأول مرَة منذ اندلاع التوترات بين البلدين، قبل عام، يتم الحديث في الجزائر عن اللجوء إلى الأمم المتحدة في مؤشر لافت على بلوغ التوتر مداه.

وقد حرص كبار المسؤولين في الجزائر، في أثناء تعاملهم مع «الفعل ورد الفعل» خلال أطوار الأزمة الدبلوماسية الخطيرة الراهنة مع فرنسا، على التمييز بين وزير الداخلية برونو روتايو، الذي يُنظر إليه كرمز لـ«صقور» اليمين المعادي للجزائر، والرئيس إيمانويل ماكرون، الذي يسعى إلى تهدئة التوترات بين البلدين، لا سيما بعد اتخاذه خطوات إيجابية في «ملف الذاكرة» خلال السنوات الأخيرة.

وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو (رويترز)

واشتدت الخصومة بين الحكومة الجزائرية وبرونو روتايو منذ نهاية عام 2024، بعد ثلاثة أشهر من توليه منصبه، عندما قرر ترحيل عشرات الجزائريين غير النظاميين المصنفين «خطراً على الأمن في فرنسا». لكن الجزائر رفضت استقبالهم في مرات عديدة، وأعادتهم على الطائرات نفسها التي قدموا بها من المطارات الفرنسية.

وتصاعدت الخلافات في مارس (آذار) 2025 إثر رفض شرطة الحدود بمطار شارل ديغول بباريس دخول زوجة سفير الجزائر بمالي، بأمر من روتايو، وهي خطوة اتخذت ضمن قرار الحكومة الفرنسية فرض تأشيرات على حاملي الجوازات الدبلوماسية والخدمية الجزائرية، مما يُعدّ خرقاً لاتفاق بين البلدين، أبرم عام 2013 يسمح لهؤلاء بالدخول دون تأشيرة.

وامتدت تداعيات الإخلال بهذا الاتفاق إلى تهديد الجانب الفرنسي بإلغاء «اتفاقية 1968»، التي تحدد الإطار العام لهجرة الجزائريين وإقامتهم في فرنسا، سواء للدراسة أو للعمل. وقد تصدّر برونو روتايو مرة أخرى خطاب اليمين الفرنسي، الداعي إلى فسخ هذا الرابط الإنساني المهم بين ضفتي المتوسط. وتعمّد المس بـ«العصب الحساس»، الذي يؤلم الجزائريين أكثر، في تقديره، والمتمثل في حرمانهم من السفر إلى فرنسا، من دون الحاجة إلى طلب تأشيرة. وطال هذا الإجراء أيضاً زوجاتهم وأبناءهم.

ومنذ أن أصبح رئيساً لحزب «الجمهوريون» (اليمين التقليدي) في الانتخابات، التي جرت في مايو (أيار) الماضي، تزايدت التوقعات بشأن احتمال ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027، وحينها سيكون احتمال القطيعة مع الجزائر أقوى من أي وقت مضى.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (متداولة)

غير أن الحلقة الأكثر تأجيجاً للأزمة، التي صبّت مزيداً من الزيت على نار الخلاف، وأبعدت الحل إلى أجل غير معلوم، تمثّلت في سجن موظف واثنين من أعوان سفارة الجزائر، بتهمة اختطاف واحتجاز اليوتيوبر المعارض، أمير بوخرص. وقد أعقبت هذه الحادثة موجة من تبادل طرد الدبلوماسيين بين البلدين، في مشهد تصعيدي خطير وغير مسبوق.


مقالات ذات صلة

الجزائر: قانون الأحزاب الجديد يثير تحفظات المعارضة بسبب «قيود صارمة»

شمال افريقيا جلسة مرتقبة في البرلمان لمناقشة مشروع قانون الأحزاب (البرلمان)

الجزائر: قانون الأحزاب الجديد يثير تحفظات المعارضة بسبب «قيود صارمة»

أحالت السلطة التنفيذية قانون الأحزاب الجديد إلى البرلمان، وهو نصٌّ يثير تحفظات المعارضة بسبب القيود الصارمة التي يفرضها على التشكيلات السياسية.

شمال افريقيا شاحنات متوقفة عن العمل (نقابات قطاع النقل)

إضراب عام يشلّ قطاع النقل في كل أنحاء الجزائر

دفع الموظفون وطلاب الجامعات الفاتورة الكبرى لهذا الاحتجاج؛ إذ استحال على السواد الأعظم منهم الالتحاق بمكاتبهم أو مدرجاتهم الجامعية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا ازدحام في الشارع بسبب نقص حافلات النقل إثر إعلان نقابة القطاع عن إضراب (ناشطون)

الجزائر تعتمد «إجراءات استعجالية» بعد إضرابات واحتقان شديد بقطاع النقل

الجزائر تعتمد «إجراءات استعجالية» بعد إضرابات واحتقان شديد بقطاع النقل نجما عن زيادات مفاجئة في أسعار الوقود وتشديد عقوبات قانون المرور.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)

احتدام الجدل حول فحوى اتفاقية «دفاعية» بين تونس والجزائر

لا يزال توقيع اتفاقية للتعاون الدفاعي بين تونس والجزائر يثير جدالاً كبيراً غير مسبوق في تونس؛ حيث تصاعدت الدعوات إلى نشر مضمونها.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)

الجزائر: الأوساط السياسية تترقب «الحوار الوطني» بإشراف الرئيس

تترقب الأوساط السياسية والحزبية في الجزائر انطلاق الحوار الوطني مطلع هذا العام الجديد، بالتزامن مع اعتماد قانون الأحزاب الجديد.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

وزير خارجية إسرائيل يزور «أرض الصومال» لتثبيت الاعتراف

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

وزير خارجية إسرائيل يزور «أرض الصومال» لتثبيت الاعتراف

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

زار وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، «أرض الصومال»، وذلك لتثبيت اعتراف حكومة بنيامين نتنياهو بهذا الإقليم الانفصالي قبل نحو أسبوعين. وأفادت «هيئة البث الإسرائيلية» بأن رئيس الإقليم عبد الرحمن محمد عبد الله يعتزم زيارة إسرائيل في الأسبوع الثاني من يناير (كانون الثاني) الحالي، والانضمام رسمياً إلى «اتفاقات أبراهام» التي وُقّعت عام 2020 بين إسرائيل وعدد من الدول العربية برعاية أميركية.

ونددت وزارة الخارجية الصومالية بالزيارة، وقالت، في بيان، إنها «انتهاك لسيادة الصومال وسلامة أراضيه»، مؤكدة أن «أي وجود رسمي أو اتصال أو تعامل يتم داخل الأراضي الصومالية من دون الموافقة والتفويض الصريحين من الحكومة الفيدرالية، يعدّ غير قانوني وباطلاً ولاغياً، ولا يترتب عليه أي أثر أو حجة قانونية».

وأدان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، بشدة، زيارة ساعر، مؤكداً أن مثل هذه الخطوات «تمثل انتهاكاً صارخاً لوحدة الصومال وسيادته، ومن شأنها تقويض السلم والأمن الإقليميين، ومفاقمة التوترات السياسية في الصومال والبحر الأحمر وخليج عدن ومنطقة القرن الأفريقي».


زيارة ساعر لـ«أرض الصومال» تعمق أزمة الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

زيارة ساعر لـ«أرض الصومال» تعمق أزمة الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

تزامناً مع اجتماع لـ«مجلس السلم الأفريقي»، برئاسة مصر، لدعم وحدة الصومال، زار وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، «أرض الصومال»، الإقليم الانفصالي الذي اعترفت به حكومة بنيامين نتنياهو قبل نحو أسبوعين، وسط رفض صومالي وعربي وأفريقي وأوروبي، وتحفظ أميركي غير قاطع.

تلك الزيارة، بحسب خبير في الشؤون الأفريقية، سوف «تعمق أزمة الاعتراف الإسرائيلي وتنقله من مرحلة الحديث الدبلوماسي لمرحلة إجراءات على أرض الواقع باحتمال إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية وتهجير فلسطينيين، مع تصعيد متوقع في المنطقة جراء ذلك».

وصل ساعر إلى «أرض الصومال»، الثلاثاء، بعد أقل من أسبوعين من اعتراف إسرائيل الرسمي بالجمهورية المعلنة من جانب واحد، والتي يعدّها الصومال جزءاً من أراضيه.

وفقاً لما أعلنته «رئاسة أرض الصومال»، الثلاثاء، «وصل وفد برئاسة ساعر إلى هرغيسا، وكان في استقباله في المطار مسؤولون من الحكومة».

ونددت وزارة الشؤون الخارجية الصومالية بالزيارة قائلة، في بيان، إنها «انتهاك لسيادة الصومال وسلامة أراضيه»، مؤكدة أن «أي وجود رسمي أو اتصال أو تعامل يتم داخل الأراضي الصومالية دون الموافقة والتفويض الصريحين من الحكومة الفيدرالية، يعدّ غير قانوني وباطلاً ولاغياً، ولا يترتب عليه أي أثر أو حجية قانونية».

وأدان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، بشدة، زيارة ساعر، وعدّها «محاولة فاشلة لتمرير خطوة الاعتراف الإسرائيلي بانفصال إقليم شمال غربي الصومال عن الدولة الصومالية».

وجدّد «رفض جامعة الدول العربية الكامل لأي تعامل رسمي، أو شبه رسمي، مع سلطات الإقليم الانفصالي خارج إطار السيادة الوطنية للحكومة الفيدرالية الصومالية»، مؤكداً أن مثل هذه الخطوات «تمثل انتهاكاً صارخاً لوحدة وسيادة الصومال، من شأنه تقويض السلم والأمن الإقليميين، ومفاقمة التوترات السياسية في الصومال والبحر الأحمر وخليج عدن ومنطقة القرن الأفريقي».

وأوضح المتحدث الرسمي باسم الأمين العام لجامعة الدول العربية، جمال رشدي، أن هذه الخطوة، التي قوبلت بالرفض والإدانة على المستويين الدولي والعربي، عدّها مجلس جامعة الدول العربية في اجتماعه نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي «خطوة باطلة ولاغية وغير مقبولة».

وأشار إلى أن هذه التحركات «تسعى إلى تسهيل مخططات التهجير القسري للشعب الفلسطيني، واستباحة مواني الصومال بهدف إنشاء قواعد عسكرية فيها». وأضاف أن جامعة الدول العربية «ستواصل تقديم المساندة السياسية والفنية لمؤسسات الدولة الصومالية، في مواجهة محاولات خلق بؤر نزاع جديدة داخل البلاد من شأنها تقويض استقرارها ووحدتها، أو استباحة الممرات المائية العربية الحيوية».

وتحدثت «هيئة البث الإسرائيلية»، مساء الثلاثاء، عن أن رئيس إقليم «أرض الصومال» يعتزم زيارة إسرائيل في الأسبوع الثاني من يناير (كانون الثاني) الحالي، والانضمام رسمياً إلى اتفاقات «أبراهام التي وُقّعت عام 2020 بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين برعاية الولايات المتحدة، ثم انضم إليها لاحقاً السودان والمغرب».

جانب من زيارة ساعر إلى «أرض الصومال» (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

والأسبوع الماضي، صرّح الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بأن «أرض الصومال» قد قبلت ثلاثة شروط من إسرائيل، وهي «إعادة توطين الفلسطينيين على أراضي الإقليم، وإنشاء قاعدة عسكرية على خليج عدن، والانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية لتطبيع العلاقات»، فيما نفت «وزارة خارجية أرض الصومال»، في بيان، أخيراً، الشرطين الأولين، مؤكدة أن الاتفاق بين البلدين «دبلوماسي بحت».

وفي نهاية ديسمبر الماضي، أكّد الوزير في «أرض الصومال»، خضر حسين عبدي، «أن الاعتراف بالدولة ووصول إسرائيل لن يتسببا في أعمال عنف، ولن يؤديا إلى نزاع، ولن يضرا أحداً، خاصة أن التعاون مع إسرائيل سيركز على تحسين اقتصادنا، والإنتاج الزراعي الذي تتفوق فيه إسرائيل، والمياه».

ولا يرى الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، الدكتور عبد الله أحمد إبراهيم، صحة لما يروجه الإقليم الانفصالي من عدم وجود أضرار على المنطقة، مشيراً إلى أن زيارة ساعر «قد تشهد قيام أرض الصومال بتحديد موقع القاعدة الإسرائيلية في مدينة بربرة، وكذلك مواقع لنقل الفلسطينيين الذين يريدون مغادرة غزة طوعاً كما تزعم تل أبيب»، داعياً لدور أكبر أفريقي لمنع تصعيد كبير قد يحدث بمنطقة القرن الأفريقي.

وصعّدت مصر أفريقياً، حيث ترأس وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، جلسة «مجلس السلم والأمن الأفريقي»، التي عقدت افتراضياً بناءً على طلب مصر، «لدعم وحدة وسيادة وسلامة الصومال»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية»، الثلاثاء.

وأشار عبد العاطي إلى أن «الاعتراف الإسرائيلي الأحادي وغير القانوني بما يُسمّى بإقليم أرض الصومال يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة ووحدة وسلامة أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية، وسابقة خطيرة تهدد السلم والأمن الإقليميين والدوليين»، مشدداً على «عدم جواز الصمت إزاء الإجراءات الأحادية التي تهدد استقرار القارة، وتهدف إلى فرض وقائع سياسية جديدة خارج أي إطار قانوني».

ودعا الوزير المصري «مجلس السلم والأمن إلى اعتماد موقف قوي وموحّد لإدانة الاعتراف بما يُسمّى بأرض الصومال، والرفض القاطع من قبل جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي لأي إجراءات تترتب على هذا الاعتراف الإسرائيلي، مع التشديد على الدعم الكامل وغير المشروط لسيادة ووحدة وسلامة أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية».

ويعتقد إبراهيم أن «أمام الصومال مشوار كبير وجهد دبلوماسي أكبر في ضوء زيارة ساعر؛ إذ إن الإقليم الانفصالي سيصبح مسرحاً لتصفية الحسابات بالمنطقة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر حريصة على أمن الصومال، وستواصل التصعيد ضد الاعتراف الإسرائيلي، مدعومة عربياً وأفريقياً وأوروبياً».


«قوات الدعم السريع» تحشد في ولايات كردفان الثلاث وتقصف الأُبيّض

صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان
صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان
TT

«قوات الدعم السريع» تحشد في ولايات كردفان الثلاث وتقصف الأُبيّض

صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان
صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان

حشدت «قوات الدعم السريع» المئات من عناصرها في ولايات كردفان الثلاث، في حين ظهر القائد الثاني للقوات عبد الرحيم دقلو وسط جنوده وهو يحثّهم على الصمود في القتال، ويتعهد بتوفير العتاد اللازم للتوجه للسيطرة على منطقة لم يحددها. في غضون ذلك تحدثت تقارير عن مقتل 13 شخصاً؛ بينهم أطفال، وأصيب آخرون بقصف مُسيّرة يرجَّح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في مدينة الأُبيّض، حاضرة ولاية شمال كردفان، والعاصمة التاريخية لإقليم كردفان (وسط).

وتداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، شهود عيان، معلومات عن حشد كبير لـ«قوات الدعم السريع» في عدد من مناطق ولايات غرب وجنوب وشمال كردفان، ورجّحوا أن تتجه هذه القوات إلى جنوب أو شمال كردفان، وسط توقعات بحدوث معارك «كسر عظام» وشيكة بين الطرفين حول المدن الرئيسية التي يسيطر عليها الجيش.

عبد الرحيم دقلو وعبد العزيز الحلو أثناء عقد المؤتمر التأسيسي لـ«تأسيس» بنيروبي في فبراير (إعلام الدعم السريع)

وشُوهد عبد الرحيم دقلو وهو يتحدث إلى جنوده، وفقاً لمقطع فيديو جرى تسجيله ليلاً، زعم إعلام «الدعم السريع» أنه في منطقةٍ ما بولاية شمال كردفان، قائلاً لهم: «إن النصر الذي حققوه في معارك الأسبوع الماضي، جاء بسبب تطبيق جرعة جديدة من التدريبات».

وقال دقلو، الذي يُعدّ القائد الميداني الفعلي لـ«قوات الدعم السريع»، للجنود الذين كان يخاطبهم: «سأوفر لكم العربات لتذهبوا في مأمورية». وتابع: «لن تذهبوا لتأكلوا البسكويت، بل لتأكلوا النار»، وحثّهم على الانضباط أثناء توجههم للمنطقة التي لم يُسمِّها.

وتشهد ولايات شمال وجنوب كردفان، منذ أيام، معارك طاحنة أحرز خلالها الجيش والقوات الحليفة له تقدماً ملحوظاً، عبر محوريْن قتاليين؛ أحدهما من جهة مدينة الأُبيّض اتجه جنوباً، وآخر قادم من جهة أبو جبيهة شرقاً اتجه غرباً، لفك الحصار عن مدينتيْ كادوقلي عاصمة جنوب كردفان، والدلنج، المدينة الثانية بالولاية.

تقدم لافت للجيش

وفي اليوم الأول لتجدد القتال، الأسبوع الماضي، حقق الجيش تقدماً لافتاً، واستطاعت قواته القادمة من الأُبيّض استرداد بلدات الرياش، وكازقيل، والحمادي بغرب الأبيض، ووصلت مشارف مدينة الدبيبات بولاية جنوب كردفان، بينما أفلحت القوات القادمة من جهة أبو جبيهة الشرقية في التقدم غرباً ودخول بلدة هبيلا الاستراتيجية. ولاحقاً، تراجع الجيش وحلفاؤه في محور الأبيض عن مناطق الحمادي، وكازقيل، والرياش، وعاد لخطوط دفاعاته الأساسية غرب مدينة الأبيض، بينما نشرت «قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو زعمت فيها استرداد بلدتيْ كازقيل والرياش. وكانت قد أعلنت، يوم الاثنين، استعادتها مدينة هبيلا بولاية جنوب كردفان، واضطرت للانسحاب من هبيلا إلى بلدة كرتالا.

نازحون يصطفّون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أ.ف.ب)

وتفرض «قوات الدعم السريع»، وحليفتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، حصاراً خانقاً على مدينتيْ كادوقلي والدلنج بولاية جنوب كردفان، وتحاول الاستيلاء على الفرقة 14 مشاة، التابعة للجيش بمدينة كادوقلي، واللواء 45 التابع لها بمدينة الدلنج، بينما يسعى الجيش لفك الحصار عن المدينتين.

بينما تُحاصر «الدعم السريع» مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان الاستراتيجية، من ثلاث جهات، وتسيطر على مدن بارا، وجبرة الشيخ، والمزروب، من جهة الشرق والشمال، بجانب بلدات أم سيالة، ورهيد النوبة، بالقرب من ولاية النيل الأبيض والطريق البري الرابط بين أم درمان وغرب السودان.

ومن جهة الغرب والجنوب، تسيطر «الدعم السريع» على بلدات «أم صميمة، والرياش، وكازقيل، والحمادي، ومدينة الدبيبات»، بينما يسيطر الجيش على مدن «أم روابة، والرهد»، التي تستحكم على الطريق البري الرابط بين وسط البلاد ومدينة الأبيض، الذي يمثل خط الإمداد الوحيد لقوات الجيش في المدينة.

وأثناء ذلك، تُواصل «قوات الدعم السريع» قصف كادوقلي والدلنج بالمدفعية والمُسيّرات الانقضاضية والقتالية، مستهدفة مقرات الجيش والمنشآت، في وقتٍ نشط فيه نزوح المواطنين إلى خارج المدينتين. وقالت تقارير صحافية إن أكثر من 800 ألف نزحوا، خلال حصار المدينتين، ونحو 500 ألف منهم اختاروا مناطق سيطرة «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، الشمال، إلى الجنوب الغربي من الولاية.

قصف الأُبيّض

من جهتها، قالت «شبكة أطباء السودان» إن 13 شخصاً قُتلوا؛ بينهم أطفال، و9 منهم من أسرة واحدة، جراء قصف مُسيّرة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» استهدفت منزلاً بمدينة الأبيض، التي تُحاصرها تلك القوات من جهات ثلاث.

وأدانت الشبكة الطبية المُوالية للتيار الإسلامي الحليف للجيش، ما سمّته «المجزرة المروّعة» التي ارتكبها «الدعم السريع»، وقالت إن الحي الذي استهدفته المُسيرة مدني لا توجد به مواقع أو مظاهر عسكرية. وتابعت: «هذا الهجوم جريمة حرب مكتملة الأركان، وانتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني».

وحمّلت الشبكة «الدعم السريع» المسؤولية الكاملة، وطالبت المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والأممية بالتحرك لوقف الجرائم، والضغط على قيادات «الدعم السريع» لوقف قتل المدنيين ووقف استهداف الأحياء السكنية.