رغم الإصلاحات… الجزائر ما تزال تحت مجهر أوروبا في ملف «غسل الأموال»

«مجموعة العمل المالي» أضافتها إلى «قائمتها الرمادية» للدول الموضوعة «تحت المراقبة المشددة»

من اجتماع سابق لقضاء جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (صورة أرشيفية)
من اجتماع سابق لقضاء جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (صورة أرشيفية)
TT

رغم الإصلاحات… الجزائر ما تزال تحت مجهر أوروبا في ملف «غسل الأموال»

من اجتماع سابق لقضاء جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (صورة أرشيفية)
من اجتماع سابق لقضاء جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (صورة أرشيفية)

رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الجزائر للخروج من التصنيفات الدولية السلبية في مجال مكافحة مصادر الأموال المشبوهة، والقضاء على بؤر الفساد، أعلنت مفوضية الاتحاد الأوروبي، أمس الثلاثاء، إدراجها ضمن «لائحة الدول عالية المخاطر» في مجال تبييض الأموال.

في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أضافت «مجموعة العمل المالي» (جافي)، وهي الهيئة العالمية المعنية بمكافحة غسل الأموال خلال مؤتمرها المنعقد في باريس، الجزائر وثلاث بلدان أخرى إلى «قائمتها الرمادية» للدول الموضوعة «تحت المراقبة المشددة». والدول الأخرى التي أضيفت في المناسبة نفسها هي كوت ديفوار ولبنان وأنغولا، ليرتفع بذلك عدد الدول المدرجة في هذه القائمة إلى 24 دولة. أما «القائمة السوداء»، فتضم كلاً من إيران وبورما (ميانمار) وكوريا الشمالية.

اجتماع برلمانيين جزائريين مع مسؤولين بوزارة الخزانة الأميركية (2023) في إطار مساعي استرداد الأموال المنهوبة (البرلمان الجزائري)

وفي تصريح نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» يومها، أوضحت رئيسة «مجموعة العمل المالي»، المكسيكية إليسا دي أندا مادرازو، أن إدراج دولة في القائمة الرمادية «لا يُعتبر إجراءً عقابياً، بل يهدف إلى توجيه الدول المعنية نحو تحسين آلياتها». مبرزة أن «جميع هذه الدول تعاونت بنشاط مع هيئاتها الإقليمية ومع مجموعة العمل المالي لوضع خطة عمل».

ومنذ ذلك الحين، كثّفت الجزائر من الإجراءات واللقاءات للخروج من هذه القائمة، وهو ما لم يتحقق بعد. وفي 18 مارس (آذار) الماضي، أمر الرئيس عبد المجيد تبون، خلال اجتماع لمجلس الوزراء، الحكومة بتطبيق الإجراءات الخاصة بمكافحة غسل الأموال، بما يتماشى مع قوانين «مجموعة العمل المالي»، خاصة أن «الجزائر حققت نتائج إيجابية في السنوات الأخيرة، كما تشهد بذلك قوانين المالية المختلفة، التي تم سنّها في إطار الشفافية والنزاهة، وذلك بشهادة المؤسسات المالية الدولية، لا سيما فيما يتعلق بمدى تطابق البيانات والمعلومات الاقتصادية للبلاد»، وفق ما ذكر الرئيس الذي تعهد في حملة انتخابات الرئاسة التي خاضها العام الماضي، بـ«استرداد الأموال المنهوبة» المودعة، حسبه، في مؤسسات بنكية في البلدان التي تسمى «جنات ضريبية».

واجهة البنك المركزي الجزائري (متداولة)

وأعلنت المفوضية الأوروبية، أمس الثلاثاء، قرارها بالتماشي مع «القائمة الرمادية» لـ«مجموعة العمل المالي»، التي تُقيّم جهود الدول في مجال مكافحة غسل الأموال. وأضافت الجزائر إلى قائمتها للدول «عالية المخاطر»، الخاضعة لمراقبة مشددة. كما ضمت القائمة دولا أخرى عديدة، من بينها لبنان وكوت ديفوار وفنزويلا وكينيا. وفي المقابل أزالت العديد من الدول منه مثل السنغال والفلبين.

ولم يصدر رد فعل من الحكومة الجزائرية على هذا التصنيف غير الإيجابي لها، في وقت يؤكد فيه كبار مسؤوليها أن بلادهم باتت «نموذجا يحتذى به في تجفيف مصادر الفساد المالي».

سليمة مسراتي رئيسة سلطة الوقاية من الفساد في الجزائر (الشرق الأوسط)

في أغسطس (آب) 2024 أصدر البنك المركزي الجزائري «نظاما»، يتضمن إجراءات تشدد على مراقبة العمليات المالية التي تجريها المصارف الحكومية والأجنبية، ومؤسسة البريد المملوكة للدولة، بغرض مواجهة أصناف من «الإجرام الذي يأتي من الفساد المالي». ويخص هذا «النظام» بالتحديد مكافحة غسل الأموال والوقاية منه، ومحاربة تمويل الإرهاب، وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، حيث يلزم البنوك والمؤسسات المالية وخدمات «بريد الجزائر» بأن تؤدي فيه دورا حاسما، ويحظر عليهم فتح حسابات مجهولة أو مرقمة، أو حسابات بأسماء وهمية.

كما فرض «نظام» البنك المركزي على هذه المؤسسات «تطبيق إجراءات صارمة» فيما يتعلق بتحديد هوية العملاء، ومنع عليها فتح حساب، أو إقامة علاقة عمل أو تنفيذ معاملة، دون التحديد والتحقق من هوية العميل والمستفيد الفعلي. كما حدد النص التنظيمي الجديد الشروط المتعلقة بتقديم تقارير في حال الشك في أي عملية مصرفية، ومراقبة التحويلات الإلكترونية، وحجز الأموال والأصول أو تجميدها، وكذلك حظر العمليات المتعلقة بالأصول الافتراضية.

وفيما يتعلق بالتعامل مع الدول المصنفة ضمن فئة «الخطورة العالية في مجال تبييض الأموال»، فإن الجزائر لا تفرض حظراً صريحاً على التعامل معها، لكنها تُلزم البنوك والمؤسسات المالية، ومؤسسة بريد الجزائر، بتطبيق «إجراءات يقظة مشددة»، تتناسب مع مستوى المخاطر المرتبطة بهذه العلاقات التجارية والمالية، سواء مع أشخاص طبيعيين، أو اعتباريين ينتمون إلى تلك الدول.

يجدر التذكير بأن «فريق العمل المالي» يوصي بالتعامل مع هذه الدول بحذر بالغ، بل ويُفضل أحياناً تجنب التعامل معها كلياً.

الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع ممثل السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي (الرئاسة الجزائرية)

في مارس الماضي، قامت الجزائر بتعزيز إطارها التشريعي، المتعلق بمكافحة الفساد المالي، في خطوة تهدف إلى توفير بيئة آمنة لجذب الاستثمارات الأجنبية، التي تُولي أهمية كبيرة لمعايير «الأمان القانوني والمالي». وفي هذا السياق، أصدر الوزير الأول مرسوماً يتضمن آليات لتجميد أو حجز الأموال، في إطار الجهود المبذولة للوقاية من تمويل الإرهاب، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ومكافحتهما.

ويُعد هذا المرسوم، وفق تقدير عدد من المراقبين، إضافة نوعية للمنظومة القانونية الوطنية، وخطوة محورية نحو استعادة ثقة الشركاء الدوليين. ويأتي ذلك بالتوازي مع القانون الجديد للاستثمار، الذي تسعى من خلاله الجزائر إلى استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية.


مقالات ذات صلة

انتخاب بوعلام صنصال عضواً في الأكاديمية الفرنسية

شمال افريقيا الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال (أ.ف.ب)

انتخاب بوعلام صنصال عضواً في الأكاديمية الفرنسية

انتخب الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال عضواً دائماً في الأكاديمية الفرنسية، المعنية بصون اللغة الفرنسية وضبط قواعدها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)

الجزائر: ملاحقة المحيط الرئاسي بالفساد عنوان مرحلة «ما بعد بوتفليقة»

شهدت فترة حكم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تكريساً للتوجه القضائي في التعاطي الصارم مع ملفات الفساد، حيث استمرت الملاحقات لتطال أسماء وازنة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من مشاورات الرئاسة مع الأحزاب في 24 يناير الحالي (الرئاسة)

الجزائر: جدل سياسي بشأن «التعديل الدستوري التقني»

تترقب الرئاسة الجزائرية تسلم مواقف الأحزاب مكتوبة بشأن مشروعَيْ «التعديل الدستوري التقني» و«تعديل قانون الانتخابات».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية فلاديمير بيتكوفيتش مدرب منتخب الجزائر (رويترز)

رئيس الجزائر يدعم منتخب بلاده ومدربه بيتكوفيتش

توجه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الأحد، بتهانيه الحارة لمنتخب بلاده لكرة القدم وجهازه الفني، عقب مشاركته الأخيرة في نهائيات بطولة كأس أمم أفريقيا.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قادة أحزاب جزائرية خلال اجتماع تشاوري نظمته الرئاسة بشأن تعديل الدستور (الرئاسة)

مشاورات سياسية موسّعة في الجزائر بشأن قانون جديد للأحزاب

باشر البرلمان الجزائري الاستماع إلى آراء ومقترحات الأحزاب السياسية غير الممثّلة في المؤسسة التشريعية، بشأن مشروع قانون جديد للأحزاب السياسية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

سباق في ليبيا بحثاً عن «دعم عسكري»

صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)
صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)
TT

سباق في ليبيا بحثاً عن «دعم عسكري»

صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)
صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)

تُظهر تحركات جبهتيْ شرق ليبيا وغربها، سعياً ملحوظاً باتجاه التسلّح وتعزيز القدرات العسكرية تدريباً واستعداداً، أكثر منه «تجاوباً» مع المسار الانتخابي، أو ما يعكس نيات حقيقية لإنهاء الانقسام الذي يفتّت المؤسسات الحكومية.

ويعمل عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، على استثمار علاقته بأنقرة، فيما سعت حكومته، نهاية الأسبوع الماضي، إلى التماس تعاون عسكري جديد مع تركيا لتعزيز قوة عناصرها، في إطار تعاون ممتد منذ حرب «الجيش الوطني» على طرابلس، في أبريل (نيسان) 2019، بالإضافة إلى إشارات بحصولها على «مُسيّرات» أوكرانية.

في موازاة ذلك، لم يكتفِ المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني»، بالحليف الروسي؛ بل مدَّد تعاونه مع باكستان. وقال مسؤول عسكري سابق بغرب ليبيا، أن حفتر يترقب نتائج «صفقة الأسلحة الكبرى التي أبرمها نجله صدام مع باكستان».


هجوم كبير لـ«الدعم» بالمسيّرات في كردفان

نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)
TT

هجوم كبير لـ«الدعم» بالمسيّرات في كردفان

نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)

تعرّضت مدينة الأُبيِّض، كبرى مدن إقليم كردفان في غرب السودان، أمس، لواحدة من أكبر الهجمات باستخدام طائرات مُسيَّرة يُعتقد أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، واستهدفت مقارّ عسكرية وحكومية.

واستهدفت الغارات، التي استمرت أكثر من ساعتين، قاعدة عسكرية ومقر الشرطة والبرلمان الإقليمي ومكاتب شركة الاتصالات والمنطقة المحيطة بالملعب البلدي، وفق شهود محليين.

ولا تزال المدينة تحت سيطرة الجيش، فيما تحاصرها «قوات الدعم السريع» منذ عدة أشهر، وتقع الأُبيّض على طريق تجاري استراتيجي، وتضم منشآت عسكرية مهمة تابعة للجيش.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن «المضادات الأرضية تصدّت لهجوم بالمسيّرات الانتحارية... وأسقطت عدداً منها».

وسبق أن استهدفت مسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» لمرات متتالية في الأشهر الماضية مواقع عسكرية ومنشآت مدنية في مدينة الأُبيّض، ما أدّى إلى وقوع عشرات القتلى والجرحى وسط العسكريين والمدنيين. إلى ذلك، قال بيان لمكتب رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، بعد لقائه الرئيس الجيبوتي إسماعيل جيلي، رئيس الدورة الحالية لمنظمة «إيغاد»: «إن اللقاء تطرّق إلى ضرورة عودة السودان للمنظمة والاتحاد الأفريقي».


تونس تمدد حالة الطوارئ حتى نهاية عام 2026

عناصر من الشرطة التونسية (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة التونسية (أ.ف.ب)
TT

تونس تمدد حالة الطوارئ حتى نهاية عام 2026

عناصر من الشرطة التونسية (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة التونسية (أ.ف.ب)

أصدرت الرئاسة التونسية، يوم الجمعة، قراراً بتمديد حالة الطوارئ في البلاد إلى يوم 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ونشر التمديد، الذي يبدأ سريانه يوم السبت 31 يناير (كانون الثاني)، في «الجريدة الرسمية»، وفقا لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتستمر بذلك حالة الطوارئ في البلاد لأكثر من عشر سنوات، منذ التفجير الإرهابي الذي استهدف حافلة للأمن الرئاسي وسط العاصمة يوم 24 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2015، وأدى إلى مقتل 12 عنصراً أمنياً ومنفذ الهجوم الذي تبناه تنظيم «داعش».