العلاقات الجزائرية - الفرنسية تتأرجح بين الانفراج والتصعيد السياسي

استقبال رئيس «ماك» بمجلس الشيوخ في باريس يثير سخطاً كبيراً

الرئيس الجزائري يستقبل رجل الأعمال الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري يستقبل رجل الأعمال الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)
TT

العلاقات الجزائرية - الفرنسية تتأرجح بين الانفراج والتصعيد السياسي

الرئيس الجزائري يستقبل رجل الأعمال الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري يستقبل رجل الأعمال الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)

بينما ظهرت بوادر جديدة لإنهاء التوترات بين الجزائر وباريس من بوابة الشراكات الاقتصادية، عبّر «مجلس الأمة» الجزائري عن سخط شديد من استقبال رئيس «حركة انفصالية مصنّف على لائحة الإرهاب»، من جانب عضو في مجلس الشيوخ الفرنسي ينتمي لليمين المتشدد.

ويتساءل مراقبون عما إذا كانت الجزائر وفرنسا بصدد البحث عن مدخل لاستئناف الحوار، في ظل القطيعة التي تطبع علاقاتهما منذ أحد عشر شهراً، وذلك بعد استقبال الرئيس عبد المجيد تبون شخصية فرنسية بارزة من عالم المال والأعمال، معروف بقربه من الرئيس إيمانويل ماكرون.

وعقد الرئيس الجزائري الاثنين في مقر الرئاسة، لقاء مع رئيس مجموعة النقل البحري التجارية الفرنسية العالمية «سي إم آي سي جي إم» رودولف سعادة، برفقة وزير النقل سعيد سعيود ومدير الديوان بالرئاسة بوعلام بوعلام، حسبما أعلن عنه بيان للرئاسة الجزائرية دون إعطاء تفاصيل عن مضمون محادثات اللقاء الذي يحمل دلالات سياسية في عزّ التوترات التي تمر بها العلاقات بين فرنسا ومستعمرتها السابقة.

رودولف سعادة المدير العام التنفيذي لمجموعة «سي إم آي سي جي إم» في 5 سبتمبر 2019 (أ.ف.ب)

وصرّح سعادة للتلفزيون العمومي الجزائري بأنه بحث مع تبون «مشروعات تعمل عليها مجموعتنا، ونأمل أن نحرز تقدماً فيها... نحن نؤمن بقوة بإمكانيات التنمية في الجزائر، وأعتقد أن هناك قدرات حقيقية في مجالات عديدة». وأضاف: «سنسعى لتجاوز القيود التشغيلية للمضي قدماً في الاتجاه الصحيح»، في إشارة إلى تحديات لوجيستية مطروحة في الجزائر.

ومع أنه لم يفصح عن طبيعة المشاريع التي تشتغل عليها مجموعته في الجزائر، فإن المعروف أن الجزائر تسعى إلى تطوير وتحديث بنيتها التحتية المينائية من أجل تقليص أوقات انتظار السفن في الموانئ، وتعزيز صادراتها خارج قطاع المحروقات.

رودولف سعادة متحدثاً للصحافيين في سبتمبر 2019 إلى جانب إحدى الحاويات التي تمتلكها مجموعته (أ.ف.ب)

ويعدّ سعادة من المقربين لدى الرئاسة الفرنسية، وقد رافق الرئيس إيمانويل ماكرون في الزيارة التي قادته إلى الجزائر في أغسطس (آب) 2022، وكثيراً ما يستشيره بخصوص الشراكات الفرنسية مع دول أجنبية، حسب ما ذكره الإعلام الفرنسي.

وبحكم استقباله من طرف الرئيس تبون، فإن تساؤلات طرحت في الجزائر حول احتمال أن يؤدي رجل الأعمال البارز دوراً في إيجاد مدخل لترميم العلاقات بين البلدين، خصوصاً أن سياسيين فرنسيين أطلقوا خطوات بهذا الخصوص لكن لم يكن لها أي أثر ملموس. وبكلام آخر، يُعتقد أن رودولف سعادة يؤدي دوراً غير معلن يخص فتح قناة تواصل غير مباشرة بين العاصمتين، في وقت يبدو فيه أن القنوات الدبلوماسية التقليدية قد انسدت.

على نقيض بصيص الأمل الذي حمله لقاء رجل الأعمال الفرنسي مع أبرز المسؤولين الجزائريين، ندد «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة البرلمانية العليا) في بيان الثلاثاء، باستقبال خصصه عضو بمجلس الشيوخ الفرنسي عن حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، لفرحات مهني، رئيس ما يعرف بـ«حركة الحكم الذاتي لمنطقة القبائل»، يوم 29 مايو (أيار) الماضي بمقر المجلس. ويعرف التنظيم اختصاراً بـ«ماك».

زعيم ماك (الرابع على اليمين) لدى استقباله في مجلس الشيوخ الفرنسي (متداولة)

وجاء في البيان أن أعضاء مكتب «مجلس الأمة» ورئيسه عزوز ناصري، «تابعوا بامتعاض شديد واستهجان بالغ الانزلاق الخطير والاستفزاز المتكرر والمقصود من بعض الأطراف داخل مجلس الشيوخ الفرنسي تجاه الأمة الجزائرية، لا سيما من أولئك المحسوبين على اليمين المتطرف، الذي طالما كان مصدر توتر في مسار العلاقات الجزائرية - الفرنسية»، من دون ذكر ما يقصده بالتحديد، لكن يفهم بأن البيان يوحي بأن زيارة مهني إلى مقر مجلس الشيوخ واستقباله من طرف ستيفان رافييه عضو المجلس عن «التجمع الوطني». ونشر مهني بعد هذا اللقاء فيديو ظهر معه البرلماني الفرنسي، مؤكداً أنهما تناولا شؤون «حكومة القبائل في المنفى» التي يترأسها مهني.

وأفاد بيان «مجلس الأمة» بأن رموز اليمين الفرنسي المتطرف «ما فتئوا يفتحون أبوابهم لعناصر إرهابية تنتمي إلى كيان مصنّف رسمياً منظمةً إرهابية، في مشهد يرسم بوضوح حجم التواطؤ والانحطاط، دون اكتراث بما يلحق بالعلاقات بين البلدين من ضرر بالغ وتشويه عميق».

أعضاء في مجلس الأمة الجزائري (إعلام المجلس)

والمعروف أن الحكومة الجزائرية وضعت «ماك» ضمن لائحة تضم منظمات وأسماء تصفهم بـ«الإرهاب»، يوجد من بينهم مهني وعناصر من هذا التنظيم ومن تنظيم آخر يسمى «رشاد»، غالبية أعضائه لاجئة في الغرب. وقد صدرت مذكرات اعتقال دولية ضدهم بمن فيهم مهني الذي يستفيد من وضع لاجئ سياسي بفرنسا.

وأكد بيان «مجلس الأمة» أيضاً أنه «يرفض كل أشكال التدخل الخارجي في الشأن الجزائري (...) والجزائر لن تتسامح مع أي محاولة، خبيثة كانت أم مغلّفة بادعاءات حقوقية، للمساس باستقرارها أو التشويش على مسارها الوطني. ولن تقبل أي انزلاق من شأنه أن يزيد من تعقيد العلاقات الثنائية». وقال إن «الجزائر الرسمية تحمّل بكل وضوح، أولئك الذين لا يطرف لهم جفن، مسؤولية أي تدهور قد يصيب صميم العلاقات الجزائرية - الفرنسية، وتؤكد أن زمن الإملاءات قد ولّى، وأنّ منطق الاحترام المتبادل وحده هو ما يضمن استمرار العلاقات بين الدول».

البرلمان الفرنسي خلال تصويته ضد إلغاء اتفاق الهجرة الجزائري - الفرنسي (صورة أرشيفية لجلسة عامة بالجمعية الوطنية)

وتشهد العلاقات بين فرنسا والجزائر، منذ اعتراف باريس بمغربية الصحراء في نهاية يوليو (تموز) 2024، أزمة غير مسبوقة، بسبب خلافات متواصلة حول الذاكرة الاستعمارية، وقضايا الهجرة، وغياب التنسيق الدبلوماسي.

وقد جاءت قضية اختطاف «أمير دي زاد» في ضواحي باريس نهاية أبريل (نيسان) 2024 لتُفجّر آخر محاولات التهدئة. وقد بلغت الأزمة حدّاً دفع البلدين إلى استدعاء سفيريهما، وطرد ما يقرب من 30 دبلوماسياً من الطرفين بشكل متبادل.


مقالات ذات صلة

الجزائر: المرشحون لـ«التشريعية» أمام تحدي إقناع الناخبين بجدوى التصويت

شمال افريقيا أطر سلطة الانتخابات يتابعون مجريات الحملة الانتخابية (السلطة)

الجزائر: المرشحون لـ«التشريعية» أمام تحدي إقناع الناخبين بجدوى التصويت

وجَّهت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» ما يشبه تحذيراً إلى المترشحين، يخص مخلفات قانونية محتملة قد تؤدي إلى عقوبات قضائية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية مشاجرة عنيفة بين مشجعي منتخبي الأرجنتين والجزائر لكرة القدم في نيويورك (رويترز)

«مونديال 2026»: شجار بين جماهير الجزائر والأرجنتين يثير أزمة في نيويورك

اندلعت مشاجرة عنيفة بين حشود من مشجعي منتخبي الأرجنتين والجزائر لكرة القدم، في ميدان «تايمز سكوير» الشهير بنيويورك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا عناصر الشرطة قبل تنفيذ مداهمة حي بشرق البلاد تسيطر عليه عصابة (الشرطة الجزائرية)

الجزائر تعلن الحرب على عصابات الشوارع لتعزيز الأمن

بحث وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود مع مسؤولين حكوميين تسريع تفعيل «استراتيجية أمنية» تم إطلاقها لمواجهة عصابات الأحياء.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية ليونيل ميسي في تدريبات الأرجنتين استعداداً للجزائر (أ.ف.ب)

الأرجنتين حذرة قبل لقاء الجزائر في مستهل مشوارهما بالمونديال

قال المدرب ليونيل سكالوني، الاثنين، إنَّ الأرجنتين ستخوض مباراتها الافتتاحية في كأس العالم لكرة القدم ضد الجزائر بحذر واحترام.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
شمال افريقيا محكمة القطب الجزائي المختص في قضايا الفساد بالجزائر (الإذاعة الحكومية)

السجن 7 سنوات لوزير السكن الجزائري السابق عبد الوحيد طمار

أصدرت محكمة العاصمة الجزائرية المتخصصة في قضايا الإجرام المالي والفساد، الاثنين، حكماً بالسجن 7 سنوات حبساً نافذاً على وزير السكن السابق عبد الوحيد طمار.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الامم المتحدة تدعو «الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنه على الأبيّض

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
TT

الامم المتحدة تدعو «الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنه على الأبيّض

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

دعت الأمم المتحدة الخميس قوات الدعم السريع إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنّه على مدينة الأُبَيِّض السودانية الاستراتيجية في إقليم كردفان، محذّرةً من عواقب كارثية على المدنيين.

وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلقه» إزاء التقارير عن نشر قوات الدعم السريع تعزيزات عسكرية كبيرة حول المدينة، «ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك»، وفق ما أفاد المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك.

وحذر من أن هذا الحشد العسكري «من المحتمل أن يعرّض مركزا سكانيا رئيسيا آخر في السودان لخطر جسيم يتمثل بأعمال عنف واسعة النطاق».

ورأى المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك في بيان ضرورة «وقف هذا الجنون» في ضوء تقارير عن حشد لقوات الدعم السريع وحلفائها حول مدينة الأبيّض وتكثيف للضربات بالطائرات المسيّرة والقصف المدفعي.

وتَقَع مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، على طريق رئيسي يربط المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في إقليم دارفور في غرب السودان بالمناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش في الشرق. ويخوض الطرفان حربا منذ أبريل (نيسان) 2023.

ومنذ أشهر تُحاصر قوات الدعم السريع مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان.

وقال تورك «سبق أن شهدنا هذا السيناريو ونعلم إلى أين أدى، ولا يمكننا السماح بتكرار الفظائع التي كان ممكنا تجنبها وقمنا بتوثيقها في الفاشر ومخيم زمزم للنازحين في شمال دارفور العام الماضي».

واضاف أن «المدنيين يواجهون خطرا كبيرا في كردفان، ولا سيما في الأبيّض، اذا لم تُتخذ إجراءات لوقف الهجوم الوشيك والتصعيد العسكري المستمر».

وأورد تورك «ليكن هذا تحذيرا صارخا للعالم من كارثة وشيكة على صعيد حقوق الإنسان ومن تدهور الوضع الإنساني».

وتابع «على الدول التي تملك نفوذا وتأثيرا أن تمارس هذا الدور الآن لوقف هذا الجنون قبل أن يستفحل».

وخشية تكرار سيناريو الفاشر في الأُبيِّض، أشار المتحدث باسم غوتيريش إلى أنه «في كثير من الأحيان في هذا النزاع، فشلت التحذيرات الواضحة في إثارة تحرك منسق من قبل المجتمع الدولي».

ووصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» الوضع بأنه «متقلب وسريع التطور»، موضحا أن تصاعد الأعمال العدائية في الأُبيِّض وحولها يعطل بشدة عمليات الإغاثة.

وجاء في بيان أوتشا «تشير المصادر المحلية إلى أن معظم المدارس والأسواق والمتاجر والمستودعات الإنسانية في المدينة قد أغلقت الآن».

وأسفر النزاع في السودان الذي دخل عامه الرابع، عن مقتل عشرات آلاف الأشخاص وتشريد أكثر من 11 مليونا، وتسبب بأسوأ أزمة نزوح وجوع في العالم بحسب الأمم المتحدة.

واشتدّت حدة المعارك في الأشهر الأخيرة في إقليم كردفان وولاية النيل الأزرق قرب الحدود الإثيوبية، لا سيما بعد سيطرة قوات الدعم السريع في أكتوبر (تشرين الأول) على الفاشر، آخر معاقل الجيش الرئيسية في غرب دارفور.

ويتنازع الطرفان السيطرة على مدن كردفان الغنية بالموارد.

وخلصت بعثة تقصي الحقائق المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن السودان في فبراير (شباط) إلى أن حصار الفاشر والسيطرة عليها تسببا في «ثلاثة أيام من الرعب المطلق» ويحملان «سمات الإبادة الجماعية».

وقال تورك إن «الاستخدام المتزايد باستمرار للطائرات المسيّرة» في تنفيذ الضربات الجوية مؤذٍ جدا للمدنيين في كردفان.

وأعربت 29 دولة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف عن «قلق بالغ إزاء المخاطر العاجلة لارتكاب فظائع وعمليات قتل متعمدة في السودان»، ودعت قوات الدعم السريع إلى «الوقف الفوري لهجومها على الأبيض».

وجاء في بيان مشترك لها «نشعر بقلق عميق إزاء خطر التصعيد الوشيك على الأرض، مما يعرّض نحو 500 ألف مدني لخطر الوقوع ضحايا لجرائم فظيعة واسعة النطاق، بمن فيهم أكثر من 100 ألف نازح داخليا».

وبين الدول التسع والعشرين أستراليا وبريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا والنروج وإسبانيا.


فارس النور لـ«الشرق الأوسط»: أصطف مع دعاة «لا للحرب»

فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
TT

فارس النور لـ«الشرق الأوسط»: أصطف مع دعاة «لا للحرب»

فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

أكد القيادي البارز المستقيل من حكومة «حميدتي»، فارس النور أن السودان لا يزال يمتلك فرصة حقيقية للمضي نحو إنهاء الحرب الدائرة في البلاد، مستنداً إلى الحراك والجهود الدولية المتزايدة الرامية إلى فرض هدنة إنسانية تتيح إيصال المساعدات للمتضررين وتفتح الباب أمام عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة السودانية.

وشغل النور، عضوية المجلس الرئاسي في تحالف «تأسيس»، كما عينته الحكومة الموازية التي تتخذ من مدينة نيالا مقراً لها حاكماً للخرطوم. وشغل أيضاً لسنوات منصب مستشار قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكان من أبرز أعضاء وفد التفاوض التابع للقوات خلال مفاوضات جدة عام 2023.وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال إنه ينظر بإيجابية إلى هذه المساعي الدولية ويدعم كل الجهود التي تهدف إلى وقف القتال ووضع حد لمعاناة السودانيين، مضيفاً: «أنا الآن مصطف مع القوى التي تنادي بوقف الحرب، وأرى أن هذه هي الأولوية الوطنية القصوى التي ينبغي أن تتوحد حولها جميع الأطراف السودانية». ودعا النور إلى الاستفادة من التجربة الخليجية واستلهام ما وصفه بـ«الحكمة الخليجية الراسخة» في إدارة الأزمات، مشيراً بصورة خاصة إلى الموقف السعودي الأخير الذي عكس تماسك دول الخليج ووحدة مواقفها في مواجهة التحديات الإقليمية.

وأوضح أن الاتصال الهاتفي الذي أجراه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وما تضمنه من إدانة للاعتداءات الإيرانية والتأكيد على وقوف المملكة إلى جانب الإمارات واستعدادها لتسخير إمكاناتها دفاعاً عن أمنها واستقرارها، يمثلان نموذجاً عملياً يجسد عمق الروابط الخليجية ووحدة المصير بين دول المنطقة.

وأضاف النور أن السودان في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه المواقف التي تقوم على التضامن والتكامل وتغليب المصالح المشتركة، قائلاً: «نحن في السودان ما أحوجنا لمثل هذه المواقف. ونتمنى أن تمتد هذه الروح الأخوية وأن تسود الحكمة الخليجية الراسخة لتكون سنداً لجهود إحلال السلام في السودان، وأن تسهم في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، ودعم الحلول السلمية التي تنهي معاناة الشعب السوداني وتفتح الطريق أمام التنمية والاستقرار وإعادة بناء الدولة».

وكشف النور عن تطلعه للعمل مع دول الخليج من أجل بلورة نهج جديد يمكن أن يسهم في معالجة الأزمة السودانية ووقف الحرب، مشيراً إلى أهمية أن تتبع عملية السلام خطة تنموية وإعمارية واسعة النطاق، أشبه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار السودان وتعويض ما دمرته الحرب من بنى تحتية ومؤسسات وخدمات.

وشدد النور على أن موقفه الحالي يقوم على الانحياز الكامل لخيار السلام ورفض استمرار الحرب، مؤكداً أن هذا الموقف يعبر عن تطلعات غالبية السودانيين الذين أنهكتهم المعاناة الإنسانية والاقتصادية الناتجة عن الصراع المستمر.

وقال: «أنا اليوم أصطف مع موقف واضح عنوانه: لا للحرب. وهذا هو خيار كل السودانيين الذين يتطلعون إلى الأمن والاستقرار. كما أنني مع الحل السياسي الشامل الذي لا يستثني أحداً، حتى لا تتكرر أسباب الحرب مستقبلاً. نحن لا نريد معالجة الأعراض وترك المرض، بل نريد حلولاً متكاملة وشاملة للأزمة السودانية تعالج جذورها الحقيقية وكل القضايا المرتبطة بها».

نقف مع الحكم المدني

وأكد النور دعمه لأي جهة سياسية أو مدنية سودانية تعمل بجدية من أجل وقف الحرب والدفع نحو تسوية سياسية شاملة، موضحاً أنه يقف إلى جانب كل المبادرات الوطنية التي تسعى إلى بناء جبهة مدنية واسعة تتجاوز الانقسامات والاستقطابات القائمة. وأضاف: «مهم ان تعمل القوى المدنية، سواء في صمود أو الكتلة الديمقراطية أو غيرهما من المجموعات السياسية والمدنية، أن تؤسس جبهة عريضة تنادي بوقف الحرب وتعمل من أجل السلام. السودان يحتاج اليوم إلى قوى مخلصة تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، كما يحتاج إلى حكومة مدنية تعمل بإخلاص وتخطط لمستقبل أفضل للسودانيين».

وكان فارس النور قد أعلن، عبر صحيفة «الشرق الأوسط»، استقالته من جميع المناصب التي كان يشغلها داخل «قوات الدعم السريع» وكذلك من التحالف السياسي الداعم لها، مبرراً قراره بتفاقم حالة الانسداد السياسي واستمرار الحرب وما نتج عنها من أوضاع إنسانية مأساوية ألقت بظلالها على ملايين السودانيين في مختلف أنحاء البلاد. وأوضح النور أن قراره جاء انطلاقاً من قناعة راسخة بضرورة فتح المجال أمام حوار سوداني شامل يضم مختلف القوى السياسية والمدنية والاجتماعية، بعيداً عن الاستقطابات العسكرية والسياسية الحادة التي أسهمت في تعقيد المشهد وإطالة أمد الصراع.

وأكد أن الهدف من هذه الخطوة هو الإسهام في خلق مناخ أكثر ملاءمة للوصول إلى تسوية وطنية شاملة تنهي الأزمة الراهنة، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على التوافق الوطني والسلام المستدام وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق تطلعات السودانيين للأمن والاستقرار والتنمية.


«أزمة الشاطبي» تشعل الجدل حول «تجاوزات» المستشفيات العامة في مصر

أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)
أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)
TT

«أزمة الشاطبي» تشعل الجدل حول «تجاوزات» المستشفيات العامة في مصر

أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)
أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)

فتحت طبيبة مصرية ملفاً شائكاً حول «أخلاقيات المهنة» وفجَّرت جدلاً واسعاً بعدما تحدثت عن «تجاوزات» تعرضت لها سيدات من بعض عناصر الطواقم الطبية خلال خضوعهن لعمليات ولادة، شملت تنمراً وتحرشاً وعنفاً، على حد قولها.

وأشارت الطبيبة الشابة أمنية سويدان، في تدوينة على صفحتها على «فيسبوك» يوم الاثنين، إلى «تجاوزات» قالت إنها شهدتها داخل «مستشفى الشاطبي الجامعي» بمحافظة الإسكندرية في شمال مصر حين كانت في مرحلة الامتياز عام 2021، تضمنت كذلك التدخل بإجراءات طبية غير ضرورية دون إذن المرضى، والامتناع عن أداء الخدمة أو التهديد بالامتناع عنها.

وبعد إلقاء القبض عليها في اليوم التالي بناء على بلاغ مقدم ضدها من جامعة الإسكندرية، قررت جهات التحقيق، مساء الأربعاء، إخلاء سبيلها بكفالة مالية على ذمة التحقيقات.

وواجهت الطبيبة، وهي أيضاً مخرجة أفلام تسجيلية، اتهامات بـ«نشر أخبار كاذبة عن طريق (فيسبوك) وإساءة استخدام حسابها»، وذلك حسبما أوضح المحامي الحقوقي محمد رمضان في تدوينة على موقع التواصل الاجتماعي عقب انتهاء التحقيق معها.

وذكرت صحف مصرية أن جهات التحقيق أكدت أن «أمنية سويدان لم تعمل سوى لفترة قصيرة بصفتها طبيبة امتياز بالمستشفى قبل نحو 6 سنوات، ولا تعمل حالياً في المجال الطبي، وأنها تعاني من مرض نفسي مزمن وتتلقى علاجاً نفسياً منتظماً، وأن ما صدر عنها جاء نتيجة (شحنة عاطفية) عقب قراءتها منشورات متداولة لبعض السيدات على مواقع التواصل الاجتماعي دون التحقق من صحتها».

نائب وزير الصحة يتفقد أحد المستشفيات في مصر (وزارة الصحة والسكان على فيسبوك)

وقالت أسماء نعيم، إحدى محاميات الدفاع عن أمينة سويدان في تصريحات إعلامية، إن قضية موكلتها ما زالت قيد التحقيق، وإنه يمكن استدعاؤها مجدداً للاستجواب في أي وقت.

توثيق حالات سابقة

توالت خلال الأيام الماضية شهادات بشأن تجاوزات أخرى في مناطق ومستشفيات متفرقة.

وقالت النائبة بمجلس الشيوخ، أميرة صابر، إن لديها معلومات موثقة حول حالات تعرضت فيها نساء للعنف في أثناء الولادة، وإنها عملت من خلال مؤسستها «كيان» - وهي مؤسسة أهلية - بالتعاون مع الطبيبة فريدة محجوب على توثيق حالات من هذا النوع، وفقاً لما نشرته على صفحتها على «فيسبوك».

وطالبت النائبة بـ«اعتماد مدونة سلوك تحدد بوضوح الانتهاكات التي تندرج تحت (العنف التوليدي) لتوجيه الممارسة الصحية، وإنشاء آلية جادة للإبلاغ عن أي انتهاكات تتعرض لها السيدة الحامل أثناء الولادة».

كما ظهرت فريدة محجوب في مقطع فيديو تحدثت فيه عن تعرض نسبة كبيرة من النساء لأشكال متعددة من العنف في أثناء الولادة، والتي تتنوع بين العنف اللفظي والجسدي، مروراً باتخاذ إجراءات دون إذن المريضة، وذلك خلال بحث علمي أجرته داخل مستشفى «القصر العيني» بالقاهرة؛ لافتة إلى أنها لم تستطع نشر البحث لتعرضها لتهديد آنذاك.

كما توالت شهادات من عدة سيدات قلن إنهن تعرضن لعنف خلال الولادة، أو أطباء شهدوا على انتهاكات ارتكبها زملاء بالمهنة بحق مريضات. ولم تقتصر الشهادات على المستشفيات العامة، بل شملت مراكز ومستشفيات خاصة.

تحذير من «التعميم»

في المقابل، برزت حملات مضادة تدافع عن الأطباء، وتحذر من خطورة التعميم أو وصم كيانات تقدم خدمات ضخمة للمواطنين؛ من بينها شهادة زوجة طبيب في «مستشفى الشاطبي» بقسم النساء والتوليد، تحدثت فيها عن المجهود الضخم الذي يقدمه زوجها لعمله، وعن سفريات عديدة في أجواء غير آمنة كانت القيادة خلالها بسرعات كبيرة وعلى طرق مظلمة، من أجل حالة في وضع خطر.

كما حذرت النائبة أميرة صابر، في منشورها، من «مخاطر تعميم الانتقادات للمنظومة الطبية كلها».

وخضعت أكثر من 13 ألف سيدة لعمليات ولادة طبيعية وقيصرية داخل «مستشفى الشاطبي» الجامعي خلال عام 2025، وفق بيانات رسمية.

وكانت جامعة الإسكندرية قد أعلنت، الثلاثاء، فتح تحقيق فيما يجري تداوله عبر وسائل التواصل، واحتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة من نشر مزاعم واتهامات في حال عدم ثبوتها.

وشددت نقابة الأطباء على رفضها القاطع «لأي محاولة للمساس بمجهودات الأطباء المصريين أو التشكيك في دورهم الكبير والمشهود في رعاية المرضى وتقديم الخدمة الطبية»، مشيرة إلى أنها لم تتلق أي شكاوى رسمية في هذا الشأن.

مبنى جامعة الإسكندرية (الشرق الأوسط)

وقال عضو مجلس النقابة شادي صفوت لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة لم تصلها أي شكاوى رسمية إلى الآن، مضيفاً: «لكن وصلني ما يحكيه الأطباء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو على سبيل غير رسمي. وأمام كل ذلك لا نستطيع أن ننكر أو نتجاهل الأمر. المطلوب الآن تقديم شكاوى رسمية للنقابة حتى نستطيع التعامل معها».

وأكد متابعة النقابة لموقف الطبيبة أمنية سويدان، قائلاً: «النقابة لن تتخلى عنها، ففي حال توجهت لها تهم سنرسل لها المستشار القانوني للنقابة، فهي طبيبة والنقابة مسؤولة عن الوقوف بجانبها».

من جانبها، طالبت الناشطة النسوية، شيماء سامي، بتنظيم الشهادات الكثيرة المذكورة على «فيسبوك» والتقدم بها إلى النيابة العامة. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن تتولى النيابة بنفسها هذا الدور، كما سبق وفعلته في قضايا تحرش عديدة عقب انتشارها على مواقع التواصل، وهو ما شجع كثير من الضحايا على الإبلاغ مع اتخاذ إجراءات من شأنها الحفاظ على السرية حتى توجيه التهم للجناة».

وأعلنت جامعة الإسكندرية عن أكثر من طريقة للإبلاغ عن أي انتهاكات في «مستشفى الشاطبي»، مؤكدة في بيانها أن «كرامة المريض وسلامته والحفاظ على أخلاقيات المهنة تمثل مبادئ راسخة لا تقبل التهاون أو التجاوز تحت أي ظرف، وأن حق الشكوى مكفول للجميع».