ما حقيقة العثور على 45 جثة لجنود تابعين لحفتر في طرابلس؟

واحدة من الجثث الـ9 التي كشف عثر عليها جهاز المباحث الجنائية بغرب ليبيا (وزارة الداخلية بحكومة الوحدة)
واحدة من الجثث الـ9 التي كشف عثر عليها جهاز المباحث الجنائية بغرب ليبيا (وزارة الداخلية بحكومة الوحدة)
TT

ما حقيقة العثور على 45 جثة لجنود تابعين لحفتر في طرابلس؟

واحدة من الجثث الـ9 التي كشف عثر عليها جهاز المباحث الجنائية بغرب ليبيا (وزارة الداخلية بحكومة الوحدة)
واحدة من الجثث الـ9 التي كشف عثر عليها جهاز المباحث الجنائية بغرب ليبيا (وزارة الداخلية بحكومة الوحدة)

تحدثت حكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، عن العثور على 9 جثث مجهولة الهوية داخل ثلاجة بمستشفى في العاصمة الليبية طرابلس، كانت تخضع لحماية جهاز «دعم الاستقرار»، الذي قُتل آمره عبد الغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة»، في أحداث دامية.

الككلي في صورة متداولة عبر حسابات موثوقة (متداولة)

ويأتي هذا الإعلان من جهة «الوحدة» للتدليل على تورّط الجهاز الميليشياوي بارتكاب جرائم قتل عديدة ضد المواطنين، لكن الأخير عَدّ هذا الأمر «اتهامات باطلة»، وقال إن الجثث عددها 45 وتعود لقتلى من قوات «الجيش الوطني» برئاسة المشير خليفة حفتر.

ويبقى السؤال: ما حقيقة هذه الجثث؟ وهل هي من ضحايا جهاز «غنيوة»، أم أنها من عناصر «الجيش الوطني» كما يدعي جهاز «دعم الاستقرار»؟

«الجيش الوطني» سبق وخاض حرباً على العاصمة طرابلس مطلع أبريل (نيسان) 2019 خلّفت آلاف القتلى والجرحى، وانتهت بسحب قواته في يونيو (حزيران) إلى خط (سرت - الجفرة)، وأعقب ذلك عملية تسليم وتسلم للأسرى والقتلى بين جبهتي شرق ليبيا وغربها.

غير أنه منذ مقتل الككلي الأسبوع الماضي، تزايدت الأحاديث عن ارتكاب جهازه العديد من الجرائم، كما بدأت أجهزة أمنية التحقيق من احتمال وجود «مقابر جماعية» في منتجع كان يمتلكه في منطقة أبو سليم بالعاصمة.

وقال جهاز المباحث الجنائية بغرب ليبيا في ساعة مبكرة من صباح الأحد إنه، وبتعليمات من النيابة العامة، بدأ التحقيق في واقعة العثور على 9 جثث مجهولة الهوية داخل ثلاجة مهجورة في مستشفى الخضراء بطرابلس، كانت خاضعة في السابق لحماية «دعم الاستقرار».

وأوضح جهاز المباحث أن هذه الإجراءات جاءت «استناداً إلى معلومات وردت إليه تفيد بوجود ثلاجة مهجورة داخل المستشفى، يُشتبه في احتوائها على جثامين غير معروفة»، وقال: «تم التنسيق مع النيابة العامة، وتم فتح الثلاجة صباح (السبت)، ليتبيّن وجود 9 جثث في حالة تحلل متقدمة، نتيجة انقطاع التيار الكهربائي عنها منذ مدة».

ونوه الجهاز إلى اتخاذ عدد من «الإجراءات الفورية»، التي اشتملت على سحب عينات من الجثامين لإجراء التحاليل اللازمة ومحاولة تحديد هويات الضحايا، مشيراً إلى أنه «بفحص سجلات النيابة ومراكز الشرطة للتقصي عن أي بلاغات تتعلق بهذه الجثث؛ إلا أنه لم يتم العثور على أي بلاغات مسجلة بشأن هذه الجثث من قبل جهاز دعم الاستقرار أو مستشفى الخضراء».

وانتهى جهاز المباحث الجنائية إلى أن «التحقيقات لا تزال مستمرة، بإشراف مباشر من النيابة العامة، لكشف الحقائق كافة أمام الرأي العام، وضمان محاسبة المتورطين».

دورية أمنية في مجمع ريكسوس بطرابلس (جهاز دعم المديريات)

وقُتل الككلي داخل معسكر التكبالي، مقر «اللواء 444 قتال»، في عملية وصفتها حكومة الدبيبة بـ«الأمنية المعقدة»، ومذاك والأجهزة الأمنية التابعة لها تفتّش في مقار جهاز «دعم الاستقرار»، الذي يتخذ من أبو سليم معقلاً، ويضم أيضاً حديقة حيوان شهيرة.

ويرى الحقوقي الليبي طارق لملوم أنه «لا يجب الانتظار حتى تنتهي مجموعة مسلحة أو ميليشيا؛ لنكتشف وجود انتهاكات وجثث»، ولفت إلى أن «شهادات الضحايا منذ سنوات تؤكد أن أغلب السجون والمعسكرات يحدث فيها القتل والدفن والتخلص من الجثث للمهاجرين ولليبيين».

وتحدث عن ضرورة «تشكيل لجنة مختصة تباشر البحث والتفتيش داخل السجون والمعسكرات على سبيل المثال»، ومنها «الكتيبة 55» و«سجون المايا» في ورشفانة.

وسبق أن قالت «الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين» في طرابلس، (الجمعة) إنها «تلقت عدداً من البلاغات من أسر مفقودين، تفيد باحتمال وجود مقابر جماعية داخل موقع سابق تابع لأحد التشكيلات الأمنية، في نطاق حديقة الحيوان ببلدية أبو سليم؛ في إشارة إلى «دعم الاستقرار».

وعقب كشف جهاز «المباحث الجنائية» العثور على 9 جثث، سارع جهاز «دعم الاستقرار» إلى القول إنه تلقى ما وصفه بـ«الادعاءات الباطلة» التي تحاول «حكومة التطبيع» استخدامها كذريعة لإدانة الجهاز، عبر «تزييف الحقائق الموثقة» بخصوص الجثث التي عثر عليها.

وقال جهاز «دعم الاستقرار» إن «الجثث الـ45 التي عثر عليها في مستشفى الحوادث أبو سليم، أو مستشفى (الهضبة الخضراء العام)، تعود لقتلى من صفوف قوات حفتر، خلال حرب الدفاع عن العاصمة طرابلس، وقد تم توثيقهم بالصور حينها».

ولمزيد من الدفاع عن نفسه، قال «دعم الاستقرار» إن البعثة الأممية لدى ليبيا كانت على علم بتفاصيل هذه الجثث، عن طريق مانويلا روسي، المكلفة بملف تبادل الأسرى والجثامين». وتابع: «سبق وتمت إحاطة الهلال الأحمر بالموضوع في حينه، لكنه رفض التدخل، كما قوات حفتر رفضت آنذاك تسلّم هذه الجثث».

وأشار جهاز «دعم الاستقرار» إلى أنه سبق وعُقد اجتماع في تونس برعاية أممية يتعلق بتلك الجثث؛ و«لكن مساعي الأمم المتحدة فشلت في الوصول إلى تفاهم بين الطرفين، بينما جرى تسليم 16 أسيراً وتسلُم أسير واحد من قوات حفتر».

وفيما لم تعلق القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» على ذلك، انتهى جهاز «دعم الاستقرار» إلى دعوة الجهات المسؤولة في طرابلس إلى إجراء تحليل الحمض النووي للجثامين تحت إشراف أممي، «للتأكد من هويتها».

وأمام الحديث عن احتمالية وجود «مقابر جماعية» في محيط حديقة الحيوان، دعت «الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين» أهالي المفقودين إلى تقديم بلاغاتهم إلى النيابات المختصة، وإحالتها إلى الهيئة، «قصد تمكينها من مباشرة أعمالها بعد تكليفها، للقيام بأعمال البحث والكشف الميداني في الموقع».

مع ذلك نوهت الهيئة إلى أن «البلاغات الأولية من أسر ضحايا تشير إلى وجود مؤشرات جدية على احتمال وجود مقابر جماعية، مما يستدعي التعامل مع الأمر بأقصى درجات الحذر والمسؤولية القانونية والإنسانية».

وخلال العقد الماضي، انتشرت في ليبيا بلاغات كثيرة من أسر ونشطاء حقوقيين، عن الخطف والإخفاء القسري لمواطنين، بالإضافة إلى حالات تصفية عديدة، دون التوصل إلى الجناة.


مقالات ذات صلة

«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

شمال افريقيا من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)

«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

قالت منظمة الإنقاذ الألمانية غير الحكومية «سي ووتش» إنها أقامت دعاوى جنائية ضد خفر السواحل الليبي أمام المحاكم الإيطالية، والألمانية.

«الشرق الأوسط» (تونس-روما)
شمال افريقيا المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي ينفتح على أطياف ليبية عديدة خشية «إقصائه» من المشهد السياسي

يسعى محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، إلى تعضيد موقفه السياسي عبر تكثيف لقاءاته بأطياف سياسية واجتماعية متباينة تحوطاً لتفعيل مقترح أميركي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع المسار الاقتصادي لـ«الحوار المهيكل» في ليبيا يوم الاثنين (البعثة الأممية)

واشنطن تدعو لتسريع العملية السياسية في ليبيا لإنجاز الانتخابات

تدفع واشنطن باتجاه تحريك العملية السياسية المجمدة في ليبيا، في وقت قالت البعثة إن المسار الاقتصادي لـ«الحوار المُهيكل» سيبدأ صياغة «وثيقة المخرجات».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا «الهلال الأحمر» الليبي يقدم الدعم لمهاجرين غير نظاميين تم انتشالهم من البحر يوم الاثنين (المكتب الإعلامي للهلال)

بعد 3 أيام في البحر… إنقاذ «مهاجرين» من الغرق قبالة طبرق الليبية

قالت جمعية «الهلال الأحمر» الليبي فرع طبرق إن قوات خفر السواحل في شرق ليبيا أنقذت قارباً كان على متنه مهاجرون من مصر والسودان وبنغلاديش.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)

المنفي يؤكد رفض أي «مبادرات» تُطيل الانقسام الليبي

تمسك رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، الأحد، برفضه لما وصفه بمبادرات «إطالة عمر الانقسام»، داعياً إلى «العودة إلى الشعب والاحتكام إلى إرادته الحرة».

خالد محمود (القاهرة )

تونس: سجن رئيس سابق لهيئة مكافحة الفساد بتهمة «الفساد»

شوقي الطبيب (غيتي)
شوقي الطبيب (غيتي)
TT

تونس: سجن رئيس سابق لهيئة مكافحة الفساد بتهمة «الفساد»

شوقي الطبيب (غيتي)
شوقي الطبيب (غيتي)

أصدر قاضٍ بالقطب القضائي المالي في تونس، الثلاثاء، حكماً يقضي بسجن المحامي والرئيس السابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب، لاتهامه بارتكاب مخالفات إدارية، وفق ما ذكره محامون ووسائل إعلام محلية لوكالة الصحافة الألمانية.

وشوقي الطبيب هو عميد سابق للمحامين بتونس، وكان قد شغل منصب رئيس هيئة مكافحة الفساد في 2016 حتى تاريخ تجميد أعمالها، بعد إعلان الرئيس قيس سعيد التدابير الاستثنائية في البلاد في 25 من يوليوز (تموز)2021.

ويحقق القضاء معه في جرائم ترتبط بالإدارة والتزوير في أثناء توليه منصبه في الهيئة، كما يلاحَق أيضاً في قضية أخرى منفصلة لاتهامات بفساد مالي.

كان الطبيب قد خضع للإقامة الجبرية لمدة 40 يوماً بين شهري سبتمبر (أيلول) وأغسطس (آب) 2021. في المقابل، تقول هيئة الدفاع عنه إنه يواجه «قضايا كيدية وسياسية» بسبب انتقاداته حكم الرئيس قيس سعيد. كما أعلنت في وقت سابق أنّه تمت مجدداً إحالة الطبيب إلى التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي من أجل تهم «التدليس من موظف عمومي، ومسك واستعمال مدلس، وإذاعة مضمون مكتوب للغير من دون رخصة من صاحبه».

وأضافت الهيئة، في بيان لها، أنه «بالاطلاع على الملف، اتضح أنّه يتعلق بشكاية كيدية تقدم بها سنة 2020 وكيل شركات مساهم فيها رئيس حكومة أسبق، تعهد العميد الطبيب خلال اضطلاعه بمسؤولية رئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالتقصي في شبهات تضارب مصالح، واستغلال نفوذ تعلقت به»، معقبةً بأنّ هذا الملف هو الثالث الذي تتم فيه إحالة شوقي الطبيب إلى القضاء خلال المدة الأخيرة.

كما ذكرت هيئة الدفاع أنه «تم منع السفر على شوقي الطبيب من طرف قاضي التحقيق في ملف مشابه منذ 8 يناير (كانون الثاني) 2024، لكن لم يتم إلى اليوم سماعه وتلقي دفاعه»، مشيرةً إلى أنه «في المقابل صدر قرار آخر بالتحقيق في مكاسبه، فضلاً عن إخضاعه خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2021 للإقامة الجبرية، مما ألحق ضرراً كبيراً بمصالحه المهنية، نتيجة الوصم الذي نتج عن ذلك»، حسبما جاء في نص البيان.


«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
TT

«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)

قالت منظمة الإنقاذ الألمانية غير الحكومية «سي ووتش» إنها أقامت دعاوى جنائية ضد خفر السواحل الليبي أمام المحاكم الإيطالية، والألمانية، تتهمه فيها بممارسة العنف، وإطلاق النار، وأعمال قرصنة في البحر، داعية إلى إنهاء التعاون الأوروبي معه، بحسب أوردته تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية». وتستند دعاوى المنظمة إلى حادثة اعتراض عنيفة تعرضت لها سفينة الإنقاذ التابعة لها «سي ووتش5»، في 26 من سبتمبر (أيلول) الماضي، أثناء عملية إنقاذ لـ66 شخصاً بسبب مناورات خطيرة، وإطلاق نار من قبل زورق ليبي، رغم أن العملية جرت في المياه الدولية، وبموجب القانون الدولي، وفق ما أشارت إليه. وتابعت المنظمة موضحة أن الزورق المهاجم لم ينسحب إلا بعد وصول طائرة تابعة للوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، وأشارت في بيان نشرته على موقعها الرسمي إلى حادثة أخرى، وقعت يوم 24 أغسطس (آب) الماضي أيضاً 2025، كاشفة عن أن خفر السواحل الليبي أطلق النار على سفينة الإنقاذ «أوشن فايكنج»، التابعة لمنظمة «إس أو إس ميديتيراني» غير الحكومية لمدة 20 دقيقة. وتطالب «سي ووتش»، ضمن الدعاوى المرفوعة، السلطات في إيطاليا وألمانيا بإنهاء جميع أشكال التعاون مع خفر السواحل الليبي، لأنه يتحمل في تقديرها مسؤولية مباشرة، من خلال إضفاء الشرعية على القوات المتورطة في العنف، ودعمها. وبحسب المنظمة أيضاً، فقد قررت الحكومة الألمانية في 2025 السماح للجيش الألماني بتدريب خفر السواحل الليبي، بينما قدمت الحكومة الإيطالية زورقاً جرى استخدامه في إحدى حوادث الاعتراض ضد سفن الإنقاذ. وأودعت المنظمة الشكاوى في الوقت الذي تحتجز فيه سفينتا إنقاذ تابعتان لها، «سي ووتش 5» و«أورورا» في إيطاليا لرفضهما التواصل مع خفر السواحل الليبي في عمليات الإنقاذ في البحر.


موريتانيا: الموالاة والمعارضة تتبادلان تهمة «تعطيل الحوار»

جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا: الموالاة والمعارضة تتبادلان تهمة «تعطيل الحوار»

جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

رفض حزب «الإنصاف»، الحاكم في موريتانيا، اتهامه من طرف حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)» المعارض بعرقلة الحوار الوطني، بعد عقد جلسات تحضيرية لإطلاقه. وقال الحزبُ الحاكم إن الجلسات جرى تعليقها بطلب من حزب «تواصل».

ويأتي تبادل الاتهامات بين أكبر حزبين في البلاد ليثير الشكوك حول إمكانية تنظيم حوار وطني، سبق أن دعا له الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني من أجل تهدئة الساحة الداخلية، في ظلِّ تصاعد التوتر في المحيط الإقليمي، والتقلبات في الساحة الدولية.

ويعد حزب «الإنصاف» الحاكم، أكبر حزب في البلاد، حيث يسيطر وحده على قرابة ثلثي مقاعد البرلمان، ويهيمن بذلك على النسبة الكبرى من مقاعد الحكومة، أما حزب «تواصل»، الذي يرتبط بحركة الإخوان المسلمين، فهو أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها تمثيلاً في البرلمان، ويتولَّى زعامة مؤسسة المعارضة الديمقراطية.

عرقلة الحوار

خلال الأسابيع الماضية عقد ممثلون عن الطيف السياسي في موريتانيا جلسات مغلقة؛ بهدف تحديد النقاط التي ستناقَش في الحوار، وتحديد موعد ثابت له، ثم آلية لتنفيذ النتائج التي سيسفر عنها، لكن هذه الجلسات سرعان ما توقفت؛ بسبب خلاف حاد حول نقطة تتعلق بالولايات الرئاسية.

من اجتماع سابق لقادة المعارضة في موريتانيا (الشرق الأوسط)

واتهمت المعارضة معسكر الأغلبية الرئاسية بالسعي إلى نقاش تعديل دستوري، سيفضي إلى منح الرئيس الحالي إمكانية الترشُّح لولاية رئاسية ثالثة عام 2029، وهو ما عدّته خطاً أحمر، أما أحزاب الأغلبية فقد رفضت هذه التهمة، وشدَّدت على أنَّ المأموريات تأتي على هامش الإصلاح المؤسسي، وقالت إن المعارضة تسعى للتأويل من أجل عرقلة الحوار.

وعقد المكتب السياسي لحزب «تواصل» المعارض، الاثنين اجتماعاً، أكد في ختامه أنَّ موريتانيا تعيش «ظرفاً وطنياً بالغ الحساسية»؛ بسبب ما سماه «تفاقم أزمة المحروقات، وتعاظم الضغوط المعيشية على المواطنين، في ظلِّ عجز حكومي وفشل في إدارة الأزمة».

وأدان الحزب «الطريقة المرتبكة والمرتجلة التي أدارت بها السلطة أزمة المحروقات»، وحمَّل الحكومة «المسؤولية الكاملة عن موجة الغلاء، التي تضرب البلاد»، داعياً إلى «التراجع الفوري عن السياسات التي أثقلت كاهل المواطنين، وجعلتهم يتحملون وحدهم النصيب الأوفر من تبعات الأزمة».

وفيما يتعلق بالوضع السياسي، قال الحزب المعارض إنه «يحمِّل أحزاب الموالاة المسؤولية المباشرة عن تعطيل الحوار، وافتعال مطبات؛ بغية إفشال أي فرصة لبناء مسار سياسي توافقي، يخدم المصلحة الوطنية»، مشدداً على أنَّ «أي حوار لا تتوفر له ضمانات الجدية والالتزام المسبق بمخرجاته، لن يكون سوى مضيعة للوقت، وتكريس للأزمة القائمة»، داعياً في السياق ذاته إلى «الارتقاء بالتنسيق بين قوى المعارضة إلى مستوى الفعل المشترك، وبناء موقف موحد قادر على فرض التوازن المطلوب في المشهد السياسي».

رد التهمة

رداً على تصريحات حزب «تواصل»، قال حزب «الإنصاف» الحاكم، (الاثنين)، إنه «متمسك بخيار الحوار الوطني»، وأكد أنَّ «تعليق الحوار تمَّ بطلب من حزب (تواصل)، ولأسباب تفتقر إلى الوجاهة»، مشيراً إلى أنَّ هذا الطلب جاء «خلافاً لما عبَّر عنه داخل قاعة النقاش عددٌ من قادة أحزاب المعارضة، الذين دعوا إلى مواصلة المسار الحواري».

الرئيس الموريتاني حسم الجدل بخصوص ترشُّحه لولاية ثالثة (الرئاسة)

وبخصوص اتهامه بالسعي لتعديل الدستور ونقاش مواد الولايات الرئاسية خلال الحوار، قال الحزب الحاكم إن الأغلبية الرئاسية «قدَّمت ورقةً سياسيةً اتسمت بالجدية والانفتاح والمسؤولية، واضعةً المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار».

في السياق ذاته، قال الحزب إنه «يرفض بشكل قاطع التأويلات المغلوطة، التي استند إليها البعض، بخصوص الرسالة الموجهة إلى منسِّق الحوار»، في إشارة إلى الفقرة المتعلقة بالإصلاح المؤسسي، والتي تضمَّنت عبارة «المأموريات».

وأشار الحزب الحاكم إلى أنَّه «يثمن المقاربة الشاملة، التي اعتمدها صاحب الفخامة، من خلال إتاحة حوار لا يستثني طرفاً ولا يقصي موضوعاً». وشدَّد على أنَّ الرئيس ولد الغزواني «ليس طرفاً في هذا الحوار، بل ضامن له وميسر لمساره». وذلك في إشارة إلى سعي أطراف في المعارضة لتدخل الرئيس من أجل إزالة العقبات المتعلقة بجدول أعمال الحوار، خصوصاً النقطة المتعلقة بالمأموريات الرئاسية، ورغم أنَّ ولد الغزواني حسم الجدل بخصوص ترشحه شخصياً لولاية رئاسية ثالثة، فإنه رفض التدخل في جدول أعمال الحوار ليضيف أو يحذف أي نقطة.

مستعدون للعودة

وأكد حزب «الإنصاف» أن «محاولات تعطيل الحوار أو التشكيك فيه ليست وليدة اللحظة، بل تندرج ضمن ممارسات معروفة، تسعى من خلالها بعض الأطراف إلى عرقلة أي مسار توافقي، خدمةً لحسابات ضيقة لا تمت بصلة للمصلحة الوطنية».

وفي اتهام ضمني لحزب «تواصل»، قال حزب «الإنصاف» في بيانه: «من غير المقبول أن تنخرط بعض التشكيلات السياسية في أدوار لا تنسجم مع طبيعتها، من خلال توفير غطاء لمثل هذه السلوكيات»، وذلك في إشارة إلى مساعي تعطيل الحوار.

ودعا حزب «الإنصاف» الأقطاب والتشكيلات السياسية كافة إلى «الاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في هذه المرحلة الدقيقة، من خلال العمل على تشجيع شركائها وحلفائها على الانخراط الإيجابي في مسار الحوار، بدل الانجرار وراء مواقف التعطيل أو التردد».

وخلص الحزب إلى تأكيد أنه «من غير المنطقي محاولة إقناع الرأي العام بأنَّ الأغلبية الرئاسية يمكن أن تكون عائقاً أمام حوار دعا إليه رئيس الجمهورية»، وجدَّد الحزب «استعداده الكامل للدخول في أي مشاورات جادة، واستئناف الجلسات التحضيرية للحوار».