ليبيا: مناخ سياسي واجتماعي محتقن يولِّد مزيداً من الضغائن

«فيديوهات» الدرسي زادت التوتر.... والبعثة الأممية تحذر من «خطاب الكراهية»

الدبيبة يتوسط عدد من المسؤولين في طرابلس (حكومة الوحدة)
الدبيبة يتوسط عدد من المسؤولين في طرابلس (حكومة الوحدة)
TT

ليبيا: مناخ سياسي واجتماعي محتقن يولِّد مزيداً من الضغائن

الدبيبة يتوسط عدد من المسؤولين في طرابلس (حكومة الوحدة)
الدبيبة يتوسط عدد من المسؤولين في طرابلس (حكومة الوحدة)

تمرّ ليبيا راهناً بمرحلة توصف بأنها «خطيرة»، يغلفها مناخ سياسي واجتماعي «محتقن» لا يخلو من «الشائعات» والتلاسن بين قادة شرق البلاد وغربها، وسط تحذيرات أممية من تصاعد «خطاب الكراهية».

وبات يلاحَظ ازدياد هذا المناخ داخل كل جبهة وفصيل، سواء كان سياسياً أو عسكرياً، إلا أن الانقسام الذي تعيشه ليبيا منذ عام 2014 بين شرق ليبيا وغربها، تجذّر في المجتمع، وباتت تذكيه حالة من «الكراهية» بين المساندين لهذا أو ذاك.

ويرى سياسيون ليبيون أن الأوضاع الراهنة في بلدهم، منذ أن شكّل البرلمان في شرق ليبيا حكومة «موازية» عام 2022، وعجزه عن إزاحة غريمتها في طرابلس، تسببت في تفاقم حدة الاستقطاب الذي نما على أطرافه فريقان يتناحران عبر المنصات الإعلامية.

النائب الليبي المخطوف إبراهيم الدرسي (صفحته على فيسبوك)

ويقول سياسي ليبي بغرب ليبيا إن المناصرين «لأي من الفريقين باتوا يتلقفون أي قضية قد تكون أحداثها وقعت على أرض الخصم، وينفخون في نارها بقصد تحقيق مكاسب وذلك من باب المكايدة»، لافتاً إلى أن مثل «هذه المناكفات باتت تشكل خطورة على ليبيا؛ وتولِّد شائعات؛ ما يزيد حالة الكراهية والضغينة بين المواطنين».

الدبيبة والتشكيلات المسلحة

السياسي الليبي، الذي رفض ذكر اسمه لحساسية موقعه، أشار إلى الحملة التي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا بشأن مناهضة خطاب الكراهية، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك خطر حقيقي يتهدد ليبيا؛ خصوصاً العاصمة طرابلس».

وذهب إلى أن «العلاقة بين عديد من التشكيلات المسلحة وعبد الحميد الدبيبة (رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة) باتت متداخلة وغير مفهومة؛ هناك طوق من نار يحيط بالعاصمة، والشائعات لم تتوقف، والدس في الأخبار والطعن على مواقع التواصل، مستمران».

ويرى أكرم النجار، رئيس تحرير منصة «علاش» الليبية، أن «هناك مؤشرات على أن حكومة (الوحدة الوطنية) تقترب من نهايتها، في ظل احتدام غير مسبوق للصراع داخل طرابلس بين التشكيلات المسلحة الموالية لها»، لافتاً إلى أن هذا التصعيد «يأتي وسط أزمة مالية خانقة تمر بها البلاد، وارتفاع كبير في سعر الدولار في السوق الموازية».

ويشير النجار في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى «اشتداد الانقسام بين معسكر حفتر في شرق ليبيا ونظيره في طرابلس الموالي للديبية، وسط تبادل مستمر للاتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان، والكلام عن استقبال مهاجرين مرحلين قسراً من الولايات المتحدة ، حيث يتهم كل طرف الآخر بإبرام الصفقة مع إدارة الرئيس الأميركي ترمب».

مصراتة

تعيش مدينة مصراتة (مسقط رأس الدبيبة) منذ أيام مناخاً اجتماعياً محتقناً بين أذرع عسكرية موالية له؛ ما دفع البعض إلى التهديد بالعصيان المدني، إلى جانب ذلك، يصعّد عبد الغني الككلي الشهير بـ«غنيوة» والقوات التابعة له ضد الدبيبة، فيما تطلّ أجواء مشابهة في مدينتي الزاوية والخمس.

وفي ظل هذا التوتر، تكثف الأجهزة الأمنية والعسكرية من عمليات تأمين محيط فيلا الدبيبة في حي الأندلس بالعاصمة طرابلس، وفق ما قال مصدر «تحسباً لوقوع هجوم محتمل من غاضبين».

ونقل شهود عيان لـ«الشرق الأوسط»، الأحد، جانباً من هذه العمليات، مشيرين إلى أنهم شاهدوا مسلحين ملثمين يتمركزون بالقرب من مقر الدبيبة.

وتتبنى البعثة الأممية خطاباً تحذيرياً من «خطاب الكراهية» المتصاعد في ليبيا، عبر ورش عمل متعددة عقدتها في أكثر من مدينة، وتشير البعثة إلى خطورة هذا الأمر وتأثيراته بشكل عام.

وتضيف البعثة: «تاريخياً، خطاب الكراهية تسبب في التمهيد لجرائم مروعة بما في ذلك الحروب والإبادة الجماعية»، وترى أن «تسليح الخطاب العام من أجل تحقيق مكاسب سياسية ليس بالأمر الجديد للأسف، ويمكن أن يؤدي خطاب الكراهية والمعلومات المضللة إلى التمييز والتحقير والعنف على نطاق واسع ومدمر».

والفيديوهات الخاصة بالنائب المخطوف إبراهيم الدرسي، وهو مكبّل من عنقه بالسلاسل، واحدة من الأوراق التي يلوّح بها أنصار حكومة الدبيبة في مواجهة جبهة شرق ليبيا، بينما استغل الطرف الأخير قضية المهاجرين الذين كانت أميركا بصدد «ترحيلهم» إلى مصراتة، وفق تقارير غربية.

وتموج الأوساط السياسية والاجتماعية في ليبيا راهناً، بحالة من الخلافات المتصاعدة منذ ظهور فيديوهات الدرسي بين «مشككين» فيها ينتمون إلى شرق ليبيا، وآخرين من غربها يطالبون بـ«التحقيق الفوري»، والكشف عن مصير النائب الذي خُطف من منزله في بنغازي قبل نحو عام.

حفتر خلال لقاء سابق مع قيادات عسكرية في بنغازي (الجيش الوطني الليبي)

وعلى مقربة من هذه الجدلية، تتصاعد حدة الانتقادات المتبادلة بين عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، والدبيبة، الذي قال: «كان يجب أن يفتح عقيلة صالح باب الحقيقة، ويُلغي هذا الصمت المريب، ويطرح السؤال المؤجل الذي يلاحقه من مسؤوليته الأخلاقية والعرفية قبل النيابية: أين نوابه المغيبون من أبناء وطنه؟». في إِشارة إلى الدرسي، وزميلته المختفية سهام سرقيوة.

وكان الدبيبة، يرد على تحركات صالح في فتح باب الترشح لـ«حكومة جديدة» بشكل متكرر، وهي خطوة وصفها الأول بأنها «غير مجدية، وتؤدي إلى إطالة أمد المرحلة الانتقالية في ليبيا».

وزاد أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب من انتقاده للدبيبة، وقال: «يدّعي استعداده للدفاع عن الجنوب، والواقع يشير إلى عدم سيطرة حكومته إلا على مقرها في طريق السكة بطرابلس؛ والأولى معالجة أوكار المهربين والمجرمين داخل العاصمة قبل التوجه إلى الجنوب، إن استطاع ذلك».

وسبق أن خطف مسلحون سرقيوة، النائبة عن مدينة بنغازي، عقب عودتها من لقاء برلماني في القاهرة عام 2019، بعدما أصابوا زوجها في إحدى ساقيه بالرصاص، ودمروا كاميرات مراقبة مثبتة بمحيط منزلها لإخفاء معالم الجريمة، واقتادوها معهم، بحسب مقربين من أسرتها.

ولا تزال تتصاعد قضية الدرسي، الذي خُطف من منزله ببنغازي قبل نحو عام، بينما تشير مصادر إلى أن النائب العام الصديق الصور، شكّل لجنة للتحقيق في قضيته عقب بلاغ تقدم به رئيس مجلس النواب، على أن تبدأ عملها خلال اليومين المقبلين.


مقالات ذات صلة

تزايد الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لـ«مبادرة بولس»

شمال افريقيا من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)

تزايد الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لـ«مبادرة بولس»

يتسع نطاق الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لمبادرة منسوبة لمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، الرامية إلى تقاسم النفوذ بين أطراف متنافسة.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا فريق الوساطة الليبي خلال لقاء مع تكالة الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للفريق)

ضغوط أممية وأميركية لعقد لقاء رئيسَي «النواب» و«الأعلى للدولة» الليبيين

يواجه مجلسا «النواب» و«الأعلى للدولة» الليبيين ضغوطاً أممية وأميركية متزايدة، في ظل تعثرهما للتوصل إلى توافق بشأن القوانين الانتخابية، حسب مراقبين.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا شكشك مستقبلاً خوري وأولريكا ريتشاردسون في ديوان المحاسبة 23 أبريل (ديوان المحاسبة)

ليبيا: خوري تدافع عن مسار «4+4» لتجاوز خلافات «النواب» و«الدولة»

دافعت ستيفاني خوري نائبة المبعوثة الأممية في ليبيا عن إطلاق ما يعرف بـ«المجموعة المصغرة»، مشددة على ضرورة إبعاد التشكيلات المسلحة عن عمل الأجهزة الرقابية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)

«الوطني الليبي» يعزز علاقته بقبائل «التبو» لإحكام قبضته على الجنوب

يعمل «الجيش الوطني» الليبي على توسيع قاعدته الشعبية والأمنية والعسكرية في جنوب البلاد، في مواجهة تحركات تقودها «غرفة تحرير الجنوب» عبر الحدود المترامية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يستقبل بولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك في سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي)

مأزق «البديل الوطني» في ليبيا يلاحق رافضي «الحلول الخارجية»

تتباين الآراء في ليبيا بشأن مدى قبول أو رفض «المبادرات الخارجية» التي تُسوَّق لحلحلة الأزمة السياسية المسيطرة على البلاد، في ظل عدم القدرة على تقديم بديل محلي.

جاكلين زاهر (القاهرة)

أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
TT

أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

يجد الكاتب الفرنسي - الجزائري، بوعلام صنصال، نفسه وسط عاصفة جديدة من الجدل، بعد أن هدَّد بـ«قطع روابطه كافة مع فرنسا» في تصريح لافت، أطلقه اليوم (السبت)، عشية انضمامه إلى «الأكاديمية الملكية للغة الفرنسية وآدابها في بلجيكا»، علماً بأنَّ الكاتب أعلن في وقت سابق متابعة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي حمَّله مسؤولية سجنه بين 2024 و2025.

تصريح الكاتب صنصال الذي أعلن فيه مغادرة فرنسا (لوفيغارو)

وقال بوعلام صنصال إن فرنسا «انتهت بالنسبة له»، مبرزاً أنَّه «أنهى كل صلة تربطه بها»، ومؤكداً في حديثه لـ«وكالة الأنباء الفرنسية» أنه «لا يريد أن تربطه أي علاقة مستقبلاً ببلد» يرى أنه «تعرَّض للخيانة من قبله»، وبرَّر هذا الموقف الحاد بشعوره بـ«الخذلان» من قبل السلطات الفرنسية، التي رفضت دعم مساعيه لمقاضاة المسؤولين الجزائريين عقب فترة سجنه لمدة عام.

وفي تصريحات أخرى نقلتها وسائل إعلام فرنسية، قال صنصال: «لماذا أبقى في فرنسا مع كل هذه الهجمات التي أتعرَّض لها صباحاً ومساءً؟ أنا معتاد على النقد، لكننا هنا تجاوزنا مرحلة الإهانة. يتم تصويري مجرماً، يجب أن أهرب. هذا أسوأ من الديكتاتورية في الجزائر».

«ضيق أفق» فرنسا

عدَّ الروائي الثمانيني أنَّ باريس فضَّلت الحسابات السياسية والدبلوماسية مع الجزائر على قضيته الشخصية، كما هاجم بشدة ما وصفها بـ«المحاكمة الأخلاقية»، التي تعرَّض لها من قبل بعض المثقفين والسياسيين الفرنسيين إثر انتقاله إلى دار نشر تابعة إلى مجموعة بولوريه، وهو رجل أعمال مقرب من اليمين الفرنسي المتطرف، واصفاً فرنسا في الوقت الحالي بأنها «أصبحت بلداً ضيق الأفق، ومنشغلاً بإعطاء الدروس»، بينما يفتقر لحرية التعبير التي وجدها في بلجيكا.

فنسنت بولوريه رجل الأعمال الفرنسي مالك دار النشر «غراسيه» (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

ومن المقرَّر أن يصدر كتاب صنصال الجديد بعنوان «الأسطورة» في الثاني من يونيو (حزيران) المقبل، والذي يتناول فيه فترة سجنه.

ويأتي هذا الموقف التصعيدي انعكاساً لحالة من الاستياء العميق، التي يبديها صنصال تجاه عدد كبير من السياسيين والمثقفين، الذين هاجموه بشدة إثر مغادرته دار النشر العريقة «غاليمار»، التي ساندته بقوة وشنَّت حملةً عالميةً لإطلاق سراحه، إثر اعتقاله في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بمطار الجزائر العاصمة، عندما كان عائداً من باريس. كما حشدت لصالحه عدداً كبيراً من الروائيين والمثقفين ووسائل الإعلام في العالم الغربي، إلى أن تم الإفراج عنه في 12 نوفمبر 2025، بموجب عفو أصدره الرئيس الجزائري، وبناء على طلب رسمي من الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، الذي اتصل بتبون، ملتمساً «شفاعة إنسانية» للروائي بحجة أنه «رجل مسن ومريض».

الكاتب بوعلام صنصال في أول ظهور له بعد إطلاق سراحه نهاية 2025 (ناشطون جزائريون)

وحوكم صنصال وتمَّت إدانته بالسجن 5 سنوات مع التنفيذ، بناءً على تهمة «المس بالوحدة الوطنية».، وجاء ذلك بسبب تصريحاته لمنصة «فرونتيير» القريبة من اليمين المتشدد في فرنسا، زعم فيها أنَّ ولايات من الغرب الجزائري «تابعة تاريخياً للمغرب»، وأنَّ فرنسا «اجتزأتها من المغرب خلال فترة احتلالها للبلدين».

وحدثت هذه التطورات المتسارعة في وقت تزداد فيه تعقيدات «حالة» صنصال، بعد قرار السلطات الجزائرية تعطيل جواز سفره، تزامناً مع تصريحاته الأخيرة التي أثارت استنكاراً واسعاً، حين أعلن دعم والده الرافض لاستقلال الجزائر عن فرنسا، وهو موقف تبناه صراحة لدى استضافته في قناة تلفزيونية فرنسية.

مواجهة مزدوجة مع القانون والسياسة

تفاعل الروائي الفرنسي - الجزائري كمال داود، المرفوض هو أيضاً من طرف الأوساط الحاكمة في الجزائر، مع الأزمة التي يواجهها مواطنه وصديقه صنصال، مؤكداً في حوار لـ«راديو فرانس»، أمس (الجمعة)، أنَّه دعمه عندما كان في السجن، «وهذا مبدأ بالنسبة لي؛ وإذا عاد إلى السجن فسأفعل ذلك مجدداً، فليس مكان الكاتب السجن. أما الآن، فأنا لست متفقاً مع الطريقة التي تمَّ بها الانفصال عن (غاليمار)؛ فهي دار نشر عريقة جداً وأنا فخور بالانتماء إليها، وقد ساعدت بوعلام صنصال كثيراً، وكنت أتمنى لو تمَّ الأمر في هدوء وصمت. ومن جهة أخرى، وانطلاقاً من حبي لفرنسا، أقول: احذروا من محاكمة الكُتاب بسبب أفكارهم، لأننا سنصل يوماً ما إلى مرحلة حرق الكتب؛ وما أود قوله هو أنَّ بوعلام صنصال إذا لم يكن محبوباً فلا يُقرأ له، لكنه في فرنسا، وبإمكانه قول ما يشاء».

الروائي الفرنسي - الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ومع ذلك، يرى كمال داود أن «التقاربات السياسية والآيديولوجية مع مهنتَي الكتابة والنشر أمر خطير». ويضيف: «أتفهم وجود وسائل إعلام تنتمي لتيارات سياسية معينة، وأعتقد أن هذا أمر طبيعي، لكنني أجد أنَّ الروابط المشبوهة بين دور النشر والقناعات السياسية الخاصة هي أمر كارثي بالنسبة للكُتاب، ولمهنة الناشر على حد سواء؛ فعلى الناشر أن يتجاوز ذلك ويسمو عليه ليؤدي مهنته. نحن لسنا هنا، وأكرِّرها مرة أخرى، لممارسة السياسة».

ويواجه داود مشكلات كبيرة من السلطات الجزائرية، حيث صدر ضده، الأربعاء الماضي، حكم غيابي بالسجن 3 سنوات نافذة، من طرف محكمة بوهران غرب الجزائر، وذلك على خلفية نشره في فرنسا رواية «حوريات» (2024)، التي تتناول صدمات «العشرية السوداء» في الجزائر (1992 – 2002)، وهو ما أوقعه تحت طائلة «قانون المصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرِّم الكتابة عن «المأساة الوطنية».

ويصف كمال داود في حواره مع «راديو فرانس»، فرنسا والجزائر بأنهما «بلدان غارقان في التاريخ إلى حد الإشباع، حيث تُتَّهم الرواية دوماً بأنَّها خطاب سياسي غير مباشر». ومن الصعب في نظره أن «يؤكد المرء فيهما هويته بوصفه كاتباً، وليس ممثلاً سياسياً، أو مؤرخاً أو مانحاً لشهادات التقدير، أو مجرد صوت عربي في خدمة آيديولوجية معينة. كما يصعب فيهما تجسيد الحق في الاختلاف والنزوع نحو العالمية، والقدرة على تبني لغة التعدد والتركيب».

ويرى داود أنَّ السياسيين «يدعون امتلاك الإجابات، بينما يتمثل دور الأدب في ابتكار الأسئلة، وتعميق الحيرة والكتابة عن الهشاشة الإنسانية، ورصد ثنائية الخير والشر، فنحن نقرأ لنستعيد الغموض الذي يسكننا. فلسنا أبطالاً في رواية نهائية، ولا ينقسم العالم ببساطة إلى أخيار وأشرار».


هيئة بحرية: اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل الصومال

قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
TT

هيئة بحرية: اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل الصومال

قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو)، السبت، أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء، قبالة سواحل الصومال.

ويُعرف الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي بتاريخ طويل من القرصنة.

وبعدما بلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، انخفضت بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية، وهو إقليم متمرد يحظى بحكم شبه ذاتي في الصومال، وتعيين حراس مسلحين على متن السفن التجارية.

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنه جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال.

وقالت: «أفادت السلطات العسكرية بأن أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

ولم تُعلق السلطات الصومالية بعد على الحادثة.

والخميس، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أيضاً باختطاف «11 مسلحاً» سفينة صيد ترفع العلم الصومالي.

ولفتت إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تمكّن مهاجمون من الصعود على متن ناقلة نفط كانت على بُعد نحو ألف كيلومتر قبالة السواحل الصومالية.

وأُبلغ عن حادثتين مماثلتين في الأشهر السابقة.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، تعد دولة الصومال غير مستقرة، إذ تواجه تمرداً تقوده حركة «الشباب» المتشددة منذ أكثر من 15 عاماً.

وتقع البلاد عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.


تزايد الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لـ«مبادرة بولس»

من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)
من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)
TT

تزايد الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لـ«مبادرة بولس»

من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)
من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)

يتسع نطاق الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لمبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، الرامية إلى تقاسم النفوذ بين أطراف متنافسة، في تطور يعكس تصاعد حالة الاحتقان الداخلي، ويضعف فرص تمرير أي تسوية لا تستند إلى توافق وطني واسع.

وفي مشهد يعكس ثقل مدينة مصراتة (غرب) في الخريطة السياسية الليبية، أعلنت مكوناتها السياسية والقبلية والعسكرية، خلال اجتماع موسع عُقد بمجمع الحديد والصلب، رفضها القاطع لما وصفته بـ«الصفقات المشبوهة» لتقاسم السلطة والثروة، مؤكدة أن أي ترتيبات تُفرض خارج الإرادة الوطنية تمثل محاولة لشرعنة «حكم العائلات» وفرض وصاية خارجية على القرار الليبي.

جانب من اجتماع مصراتة (متداولة)

وشدد البيان الصادر عن الاجتماع، السبت، على أن «أي طرف شارك في هذه الترتيبات لا يمثل إلا نفسه»، مع التأكيد على أن شرعية المدينة تنحصر في مجلسها البلدي وقوى ثورة فبراير (شباط).

وطالبت مكونات مصراتة بعثة الأمم المتحدة بالعمل على إنهاء حالة الانسداد السياسي، عبر إزالة الأجسام الحالية، وتشكيل «مجلس تأسيسي» يستند إلى مخرجات اللجنة الاستشارية، محذرة من الانجرار وراء تسويات تزيد من استنزاف مقدرات الليبيين، وتعمّق الأزمة بدلاً من حلها.

وعكست أجواء «اجتماع مصراتة»، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية، حالة توتر وانقسام داخل القاعة، حيث اندلعت مشادات كلامية بين بعض المشاركين، في مؤشر على عمق الخلافات بشأن المسارات السياسية المطروحة. ورغم ذلك، شدد عدد من المتحدثين على أن «الانتخابات» تمثل المخرج الوحيد للأزمة، باعتبارها المسار الأصيل لاستعادة الشرعية وإنهاء الانقسام.

وفي تصعيد لافت، دعا عضو مجلس أعيان مصراتة، أنور صوان، السبت، إلى تنظيم تظاهرات حاشدة للتعبير عن الرفض الشعبي للمبادرة، مؤكداً «ضرورة التمسك بالسيادة الوطنية، ورفض أي حلول مفروضة من الخارج».

وحسب مراقبين فإن «مخرجات اجتماع مصراتة تمثل ضربة واضحة لـ(مبادرة بولس)؛ إذ تعكس اتساع دائرة التحفظ داخل الأوساط السياسية والاجتماعية في غرب البلاد»، كما أنها «تنذر بتفاقم حالة الاحتقان الشعبي، بما قد يضاعف الضغوط على حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي».

وتزامن هذا الموقف مع تحركات احتجاجية في العاصمة طرابلس، حيث نظم محتجون وقفة أمام مقر بعثة الأمم المتحدة في جنزور، السبت، أعلنوا خلالها رفضهم لمبادرة بولس، التي يُنظر إليها على أنها تستهدف تقاسم السلطة بين صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام للجيش الوطني في شرق البلاد، والدبيبة في إطار تسوية لا تحظى بإجماع داخلي.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وفي موازاة ذلك، صعّد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، من لهجته، ملوحاً بخيارات «صعبة» لمواجهة ما وصفه بتقييد صلاحياته، وتحويل منصبه إلى دور بروتوكولي محدود. وأعرب المنفي، في بيان، عن قلقه من «تقييد الاختصاصات الرئاسية»، معتبراً أن ذلك يضعف مشروع الإصلاح ويقيد مواجهة الفساد.

وطرح المنفي في منشور عبر منصة «إكس»، مساء الجمعة، ثلاثة مسارات محتملة للتعامل مع هذا الوضع، تشمل «منطق القوة»، أو «قوة القانون» عبر تشريعات جديدة، تصحح ما وصفه بالتشوهات، أو اللجوء إلى «حراك سلمي تحميه الدولة»، في إشارة إلى إمكانية فتح المجال أمام الشارع للضغط على النخبة السياسية.

ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تعكس تصاعد التوتر داخل مؤسسات الحكم، وتلوّح بإمكانية إعادة تشكيل موازين القوى، سواء عبر أدوات قانونية، مثل إصدار مراسيم رئاسية أو تنظيم استفتاءات شعبية، أو من خلال تحريك الشارع في إطار احتجاجات منظمة.

المستشار الأميركي مسعد بولس خلال لقائه مع الكوني (المستشار)

من جهته، شدد نائب رئيس المجلس الرئاسي، موسى الكوني، على ضرورة الانتقال من تعدد المبادرات إلى التركيز على الطروحات القابلة للتطبيق والمقبولة شعبياً، مؤكداً أن نجاح أي مسار سياسي يظل مرهوناً بمدى توافقه مع تعقيدات الواقع الليبي، وضمان مشاركة الأطراف الفاعلة فيه.

وأكد الكوني، خلال مشاركته في المؤتمر السنوي للمجلس الوطني للعلاقات الليبية - الأميركية، بحضور بولس، مساء الجمعة، أهمية تمثيل الأقاليم الثلاثة، بما في ذلك إقليم فزان، في أي ترتيبات مستقبلية، مشيراً إلى أن تهميش الإقليم في بعض الملفات، مثل الميزانية الموحدة، ينعكس سلباً على الاستقرار العام.

لكن بولس سارع إلى القول بأن «المرحلة الحالية تتطلب تغليب المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات أو أجندات ضيقة»، داعياً «مختلف الأطراف الليبية إلى العمل المشترك وتجاوز الخلافات القائمة، بما يفضي إلى بناء أرضية سياسية مشتركة تعزز فرص الاستقرار».

وسعى بولس إلى الطمأنة بالقول إن «أي مبادرة سياسية مستقبلية ينبغي أن تتسم بالشمولية، وأن تحظى بمشاركة واسعة من مختلف المناطق والمؤسسات الليبية، بما يضمن الوصول إلى توافق وطني حقيقي، يمهد لإنهاء حالة الانقسام، وإعادة بناء الثقة بين الأطراف السياسية».