عمرو موسى: عاملني القذافي في البداية بوصفي جاسوساً أميركياً ثم تغيرت الأمور

قال لـ«الشرق الأوسط» إن صدام حسين «شخصية صعبة جداً وكانت له مهابة خاصة» (3 من 4)

TT

عمرو موسى: عاملني القذافي في البداية بوصفي جاسوساً أميركياً ثم تغيرت الأمور

جانب من الصورة التذكارية لآخر قمة جمعت عمرو موسى بمعمر القذافي في سرت الليبية عام 2010 (أ.ف.ب)
جانب من الصورة التذكارية لآخر قمة جمعت عمرو موسى بمعمر القذافي في سرت الليبية عام 2010 (أ.ف.ب)

يقول وزير الخارجية المصري الأسبق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، في الحلقة الثالثة من مقابلته مع «الشرق الأوسط»، إن الرئيس الأسبق حسني مبارك «لم يكن دموياً ولم يكن فرعوناً ولم يحاول أن يكون». ويلفت إلى قول الرئيس أنور السادات: «أنا وجمال (عبد الناصر) آخر الفراعنة».

ويعترف بأن التعامل مع معمر القذافي لم يكن سهلاً، خصوصاً أن الزعيم الليبي استقبله في البداية بوصفه «جاسوساً أميركياً»، وراح يتحدث من دون أن ينظر مباشرة إليه. ويصف الرئيس صدام حسين بأنه «شخصية صعبة جداً وصاحب مهابة خاصة به». ويضيف أن صدام كان قلقاً من المفتشين الدوليين، ويعدّهم عملاء لوكالة المخابرات الأميركية، خصوصاً حين طرحوا على مواطنين عراقيين أسئلة عن مستوى معيشتهم وأحوالهم.

سألت عمرو موسى: إن كانت أغنية المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم (شعبولا) التي تقول: «أنا بكره إسرائيل وبحب عمرو موسى» أثارت حساسية الرئيس حسني مبارك والمحيطين به؟ فقال: «الحقيقة، لا أعتقد أن حسني مبارك وحده شعر بالحساسية، فهو الرئيس، ومهما كان وزير الخارجية أو غير وزير الخارجية فليس هناك من ينافس الرئيس في شعبيته. لم يكن هذا هو المقصود، إنما بعض المحيطين، ليس المحيطين المباشرين، بعض المحيطين وأنا أعرفهم جيداً، ولم أرد أن أتدخل وعددت الأمر شيئاً من قبيل الدعابة، ونجلس ليلاً ونضحك، إنما بعض الجهات جعلت شعبان عبدالرحيم يقول: أنا بكره إسرائيل وبحب حسني مبارك. إنما كانت الأغنية الأولى هي التي اشتهرت وتبيع شرائط، وكانت موجودة فعلاً؛ إذ قال أحد أصحابي الدبلوماسيين من أميركا اللاتينية، أظن أنه كان أرجنتينياً، ما هي هذه الحكاية فنحن نرقص عليها هنا؟».

قلت له إن الروس يطلقون على رئيسهم لقب القيصر، فهل كان حسني مبارك أو أنور السادات قريباً من ملامح الفرعون؟ أجاب: «أنور السادات نعم، ولكن في مقابل لقب القيصر كان هناك لقب الزعيم، لكن هذا كان خاصاً بعبد الناصر. الزعيم، والرئيس. أما أنور السادات فاكتفى بلقب الرئيس، ولكنه هو الذي قال: أنا وجمال (عبد الناصر) آخر الفراعنة، ولن يكون هناك فرعون آخر. الفرعون ماذا يعني؟ أو من ضمن سلطات الفرعون، الحياة. يبقي حياتك أو ينهي حياتك.

هذا لم يكن في تكوين حسني مبارك. لم يكن عنيفاً ولا دموياً إنما كان يمكن أن يعاقب طبعاً بصفته رئيساً، معاقبة قاسية تقصر عن أن يسيح دماً. هل هناك حوادث معينة أو حالات معينة قبل فيها توصية بإنهاء حياة أحد، لا أظن، وإنما قد تكون. ولكن في عرفي وفي تحليلي للرئيس مبارك أنه لم يكن دموياً ولم يكن يريد أن يسمح بالدموية في تعامل السلطة. ربما حصلت استثناءات لهذا من كيفية إدارة السجون، الله أعلم، ولكن أنا أجزم أنه هو شخصياً لم يكن من ضمن تصرفاته وأخلاقه أن يكون دموياً».

العلاقة مع القذافي

كان لمصر جار متعب اسمه معمر القذافي، كيف تعامل الرؤساء معه وكيف تعامل عمرو موسى؟ يقول: «بالنسبة إلى الرؤساء العرب كانوا إما يسخرون منه أو يستصغرون شأنه. إنما كلهم حاولوا، باستثناء ملك السعودية، أن يهدئوه ولربما أن يستفيدوا منه أو يتقوا شره. هذه قصة وحدها، وتحتاج إلى موضوع حول معمر القذافي وعلاقاته بالرؤساء والشعوب والثورات. هذه تحتاج إلى بحث طويل عريض. من ضمن ما قاله لي شخصياً إنني صرفت مالاً كثيراً على أناس أيام الثورة الفلانية والثورة الفلانية؛ ولذلك أصبح بخيلاً في الثلث الأخير من حكمه ولم يعد يصرف مالاً بسهولة، ولا يهمه أن تكون هناك ثورة أو غير ثورة. تعلّم. قال لي هذا الكلام. ذكر ذلك لي هذا في معرض حديث في موضوع الثورات.

تمكن حسني مبارك من إدارة العلاقة الصعبة مع معمر القذافي (أ.ف.ب)

كان عندما تذهب إليه تجده جالساً في خيمة، وهذه الخيمة بجانبها سيارة كبيرة، مثل حافلة، وفيها الدوش والتكييف وكل شيء. إنما هو جالس في خيمة وهواؤها لطيف. على شماله كراسات منها النوتة الصفراء المشهورة في أميركا، وكتب وأقلام كثيرة، أزرق وأحمر وأخضر وأصفر وكل ما تريده. وهو جالس وطاقيته معوجة فتجلس معه ويكون بحسب رضاه عنك. إذا كان راضياً عنك يتحدث إليك، وإذا لم يكن راضياً فيتكلم ووجهه إلى ناحية ثانية ولا ينظر إليك، وأنتم أناس كذا وكذا. وأنا رأيته في الوضعين. أحياناً راضٍ فيكلمني مباشرة، وأحياناً غير راضٍ فيتكلم ووجهه لناحية ثانية وكأنني غير موجود. وأنا وجدت في هذا نوعاً من المرح وكنت أراهن مع نفسي يا ترى هذه المرة سيكلمني مباشرة أم يتكلم في ناحية ثانية؟

أول ما عُيّنت قيل له: هذا جاسوس أميركي وآتٍ من واشنطن. أنا طبعاً لم أكن في واشنطن، وكنت سفيراً في نيويورك. وتردد هذا الكلام أن هذا جاسوس آتٍ بخطة أميركية، ولما رأى الأداء غير ذلك بدأ يلين بعض الشيء، ثم بدأ يطلب، عندما يكون جالساً مع الرئيس مبارك، هل يمكن أن نأتي بعمرو موسى لنتحدث معه. وحصل مرة، وكنا في طبرق، على ما أظن، نتغدى وكانت هناك أكثر من مائدة. الرئيس مبارك والعقيد جالسان إلى مائدة معينة، ونحن إلى موائد كثيرة، وزراء ومسؤولون من الجانبين، فقال معمر القذافي للرئيس مبارك لنستدعِ عمرو موسى ونتحدث معه في موضوع، وانتهينا نحن الثلاثة إلى مائدة واحدة نتكلم والباقون إلى موائدهم، وكنت عارفاً أن الأمر سيؤدي إلى شيء من عدم الارتياح لدى آخرين. إنما هذا تكرر غير مرة.

عندما جاء مرة إلى القاهرة في زيارة رسمية وكنت وزيراً للخارجية، نصبت له خيمة في حدائق قصر القبة، القصر فيه كل شيء ولماذا تنام هنا؟ لم يكن ينام هناك إنما يستقبل في الخيمة. ذهبت، وكان وقتها يعتبرني جاسوساً أميركياً، فنظر إلى كل جوانب الخيمة إلا الجانب الذي أجلس فيه. طبعاً بالنسبة إلي الأمر مرح. نعم، كان أحياناً قاسياً، منها مرة، مثلاً، أنت لست فاهماً أن الرجعية العربية ستودي العرب في داهية؟ أنت لست فاهماً هذا الكلام؟ وأنت تقول لي - أنا لم أقل له - إنك من الناس المؤمنين بالوحدة العربية؟ هكذا بهذه القسوة.

أحكي لك موضوع الكتب؛ لأنه قارئ يترجمون له ويأتون له بكتب. كان يتكلم عن علاقة الدول العربية المتوسطية بالدول الأوروبية. فقلت له: أخيراً قرأت كتاباً يتحدث عن كذا وكذا، فقال لي: ما هو هذا الكتاب؟ لم يخبرني عنه أحد. فأعطيته عنوان الكتاب، فاستدعى سكرتيره وقال له اشترِ لي هذا الكتاب وترجمه لي. كان يريد أن يقرأ ويريد أن يعرف. هذه من طرائف العقيد، وأنا أرى أنه كان شخصية استثنائية في طرافته وفي ذكائه وتصرفه.

جانب من الصورة التذكارية لآخر قمة جمعت عمرو موسى بمعمر القذافي في سرت الليبية عام 2010 (أ.ف.ب)

لا جدال في أنه كان ذكياً. تصرفه، سواء كان صحيحاً أو غير صحيح، إنما كان شخصية خاصة. لم يكن يسدد المساهمات الخاصة بالجامعة العربية، فتراكمت عليه، وليبيا من أكبر المساهمين مثلها مثل مصر، والجزائر، والمغرب والسعودية. وجاء دور ليبيا لتترأس الجامعة العربية، إنها تستضيف القمة العربية، فأرسل لي مبعوثاً إلى القاهرة. جاءني في مكتبي، بصفتي أميناً عاماً، وقال لي: القائد بعث لك بهذه اللائحة، نحتاج كذا وكذا وكذا. قلت له: حاضر. قفلتها وقمت إلى المكتب ووضعتها في درج وقفلته وعدت. فقال لي: ماذا أقول له؟ قلت له ما حصل إنني أخذت الرسالة ولم أقرأها ووضعتها في درج ورجعت. فعل فاستدعاني، وأرسل لي طائرة لكي أذهب إليه. كان جالساً في خيمة في سرت. وبينما كنت جالساً وإذ بسكرتيره بشير صالح، وكان من جنوب ليبيا وأسمر، ماشياً يغني أراك عصي الدمع شيمتك الصبر. كان ماشياً ويغنيها، فقلت له: يا بشير، قل للقائد، أراك عصي الدفع، وليس عصي الدمع. فقال لي: والله سأقول له. ذهب إليه فضحك وكان عنده رئيس أفريقي وعندما خرج، دخل إليه بشير وأخبره بهذه الحكاية وقال لي تفضل فدخلت عليه ووجهه كالطماطم لأنه يكتم الضحك. فقال لي: أنا عصي الدفع؟ قلت له: طبعاً، 3 سنين لم تدفع.

دفع الأموال وكنت سعيداً جداً بذلك. عندما كنا في القمة، كان سعيداً بوجود هذه القمة عنده وأظهر أنه يتعامل بمسؤولية. أذكر أننا كنا نتكلم عن جيش عربي وكان اجتماع فيه الرئيس مبارك والرئيس علي عبد الله صالح، الله يرحمهم جميعاً، وأظن أن رؤساء آخرين شاركوا أيضاً. الرئيس مبارك قال: نبحث بعقلانية أولاً... علي عبد الله صالح: لا يمكن، الجيش العربي يقرر الآن. فقال له القذافي: بالراحة يا علي بالراحة. كلمة أن رئيس اليمن علي عبد الله صالح يتحدث عن فورية للجيش، ورد معمر القذافي بالراحة يا علي، يفتح لك آفاقاً للتحليل. بالراحة يا علي أو شيء من هذا القبيل لكي أكون دقيقاً، إنما كانت مسألة فارقة تماماً».

هل ترى نفسك محظوظاً لأن القدر لم يلزمك بالعمل مع رئيس مثل القذافي؟ قال: «نعم، بالتأكيد لأنني رأيت ماذا يحصل لعبد الرحمن شلقم وعلي التريكي. الاثنان وزيرا خارجية مشهود لهما. أناس أذكياء جداً، ولكن كان يمكن أن يقول له لخطأ ما، اجلس في البيت ولا تخرج حتى أقول لك. يجلس سنة، سنتين، إلى أن يتذكره. ولكن عبد الرحمن شلقم، وهو مفكر محترم جداً، وكذلك علي التريكي، قالا لي: مُرتبك يصلك إلى البيت وتظل محافظاً على مزاياك ولكن لا تتحرك إلا حين يقول لك. وهناك عقوبة إنزال الرتبة. علي التريكي كان وزير خارجية ثم أصبح وزيراً للشؤون الأفريقية والوزير كان شلقم. والمبعوث الذي أرسله إليّ كان وزير خارجية وأصبح وكيلاً للخارجية. عقوبات معينة على رجاله».

أنور السادات ومعمر القذافي وبينهما الملك حسين عام 1970 (غيتي)

أحد الذين عملوا مع القذافي قال لي إنه تحدث مرة عن السادات ومبارك، وقال: كانا يقفان في الصف عندما أذهب لزيارة معلمهما ويقصد عبد الناصر، هل كانت لديه عقدة عبد الناصر؟ أجاب: «لا، كان لديه كره للسادات. يكره السادات. ذهبنا إليه مرة، مجموعة من وزراء الخارجية العرب والدكتور عصمت عبد المجيد، أمين عام الجامعة العربية، ذهبنا في أحد الرمضانات لنتحدث في مسائل عربية، فوجدناه معتكفاً في أحد المساجد. ولا يلتقي أحداً. قالوا له جاء 10 أشخاص، وزراء خارجية بطائرة خاصة، فقال لهم بعد تأخير، وكان معنا عبد السلام جلود الذي كان يعطينا محاضرات فيها كثير من الطرافة، فليأت أمين عام الجامعة ولا لزوم لوزراء الخارجية، فذهب أمين عام الجامعة. وربما أدركوا أن ذلك لا يصح، فقال: تفضلوا. وصلنا بعد دقيقتين أو ثلاث من (وصول عصمت عبد المجيد).

كان القذافي جالساً وفي يده سبحة رخيصة، وراح يتكلم عن السادات (ويشد السبحة بيده) فرطت منه السبحة، ونحن جالسون متربعين في الخيمة. فقلت له: نحن عندنا، المصريين، تقدير كبير له لأنه حرر الأرض، والأمور الثانية يمكن أن نناقش فيها أي شخص إلا دوره في تحرير الأرض ووطنيته. فغيَّر كلامه، وقال لي: أنا فاهم هذا الكلام، متفهم لهذا الكلام. وفاتت».

لقاء مع صدام حسين قبل الغزو

طلبت من موسى أن يتحدث عن شخصية صعبة أخرى تعامل معها، فقال: «صدام حسين، شخصية صعبة جداً. عندما انتُخبت أميناً عاماً للجامعة العربية، لا أقول عُينت انتُخبت؛ لأنه كان اقتراحاً مصرياً عُرض على الرؤساء في قمة عمان سنة 2001. قلت أمين عام جديد، وزير سابق للخارجية في مصر الجامعة، يفترض أن ألتقي الزعماء العرب كلهم، وفعلاً أعددت جدولاً ووضعت صدام حسين آخر واحد؛ لأنني أعرف التعقيدات والحساسيات، وبدأت من موريتانيا، والمغرب، والجزائر والسودان، وكلهم بالدور ولم يبق إلا صدام حسين. هذا سنة 2002، أي السنة التالية لتسلمي منصبي. في 19 يناير (كانون الثاني) 2002.

عمرو موسى وكوفي أنان (أ.ف.ب)

قبل ذلك كنت في الأمم المتحدة وقلت لكوفي أنان، ونحن صديقان منذ الشباب الباكر، أنا الآن أمين عام الجامعة العربية وذاهب لزيارة صدام وهناك مشكلة بين الأمم المتحدة وبينه، ولا بد من أن أذهب برسالة منك، فقال لي: أي رسالة؟ قلت له: خاصة بالمفتشين، خاصة بمسألة تطمئنه. فقال لي: قل له نحن على استعداد لاستئناف التفاوض وإن كانت لديه شكاوى ننظر فيها. قلت له: عظيم، متشكر جداً.

ذهبت وقلت ذلك، وكان غرضي أن يشعر بأن الزيارة ليست فقط زيارة تحيات وتمنيات من أمين عام الجامعة، بل إنني آتٍ إليه بعمل معين. استقبلني في قصر من قصوره، صغير، وجاءني مساعده عبد حمود، وهو رجل ممشوق وشواربه كثة جداً، وفي الصباح قال: تفضل، سيارة وموكب. قبل أن يأتي، انتقلت من الاستراحة التي كنت فيها بموكب سيارات، إلى مكان ما، قاعدة عسكرية أو شيء مشابه، ومن هناك قابلني الفريق عبد حمود، وركبت معه في سيارة «تويوتا» بيج، هو يقودها وأنا بجانبه، ولم يكن أحد أمامنا ولا وراءنا. وذهبنا إلى قصر. مرافقي أخذوهم بطريق أخرى. دخلت، بيت صغير وقربه بحيرة فيها بجع. نزلت درجتين إلى قاعة ممتدة وصدام مشى إلى منتصفها وأنا مشيت إلى منتصفها وسلمنا بعضنا على بعض، سلام رجل لرجل، لا قبلات ولا أحضان. هو كان معه الفريق عبد حمود ووزير الخارجية ناجي صبري الحديثي، رجل جيد جداً، وأنا معي أحمد بن حلي، نائب الأمين العام وحسين حسون، السفير وكان رئيس البعثة في واشنطن.

صدام حسين مستقبلاً عمرو موسى في يناير 2002 (أ.ف.ب)

بدأت بالحديث عن خطورة الموقف، وأنه لا بد من تليين الموقف العراقي وفي أوقات كثيرة، حتى في القمة العربية، هناك صمت في حين الأمور تحتاج إلى مرونة وإلخ. وجرى الحديث بهذا الشكل. ثم انتقلت إلى الحديث عن رسالة كوفي أنان، وقلت له: يا سيادة الرئيس، أنا أحمل رسالة من أمين عام الأمم المتحدة خاصة بالمفتشين، وبإمكانية أن نحرك الأمور من أجل أن نقلل من الاضطراب والتوتر الذي يمكن أن ينفجر.

وقلت له: تحدي الولايات المتحدة ليس فيه حكمة وفي لحظة ما لن يقف معك أحد. هذا موجود في المحضر الذي كتبه بن حلي، رحمه الله. طلبت أن نمشّي الأمور بالراحة. نعم، هناك مواقف خطيرة جداً للولايات المتحدة في قضايا معينة، إنما الأمور تقتضي أن نكون حذرين في مثل هذا الأمر، وبالمناسبة الأمين العام ليس لديه مانع من استئناف المفاوضات. يا سيادة الرئيس، هل أنت لديك مفاعلات نووية أو أسلحة نووية؟ فقال لي: لا. قلت له: هل تسمح لي أن أسأل مرة ثانية هذا السؤال؟ هل لديك أسلحة نووية؟ فقال لي: لا. في هذه اللحظة، نظرت إلى بن حلي بطرف عيني.

وجدت بن حلي يكاد يضطرب لأنني سألت صدام حسين السؤال نفسه مرتين؟ ربما توقع أننا لن نخرج من هنا. عندما رأيت بن حلي زاد الموقف لدي طرافة، فقلت له: يا سيادة الرئيس، ما هي شكواك من المفتشين إذا لم يكن لديك شيء؟ فقال لي: لا، هؤلاء ليسوا مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، هؤلاء يأتون ويذهبون إلى المقاهي وفي الشوارع يسألون (الناس) أنتم ماذا تأكلون؟ وهل هناك طعام كافٍ؟ وما هو رأيك في الحكومة؟ ما هي علاقتهم بهذه الأمور؟ قلت له: المسألة بسيطة، أنا أبلغ الأمين العام بهذا الكلام، حتى عندما تتفاوضون ويتم اختيار المفتشين بعد ذلك يكون فيه عناية. فقال لي: نعم، أنا أفوّضك بأن تقول ذلك. وفعلاً قلت لأنان وبدأت مفاوضات عراقية مع الأمم المتحدة في هذا الشأن، وهذه قصة أخرى، وانتهت إلى الغزو.

في هذا الوقت، أقدر أقول إن صدام كان متقبلاً ولكن من أناس هو متأكد أنهم غير مدسوسين عليه، أي لست أقول له ذلك من أجل أن آخذ منه شيئاً أنقله لكي يحسب عليه. ولذلك؛ في رأيي، كان مرتاحاً للحديث معي».

وعن هيبة صدام حسين، قال: «نعم، ليس هناك كلام. ليس هناك كلام. لديه هيبة خاصة به. يخشونه، يخشونه جداً. ولكن في ذلك الوقت لا أظنه أنه كان مستعداً لاستخدام هذه الهيبة... كان هناك وضع جديد وفيه تحسب كبير جداً؛ لأنه في الليلة السابقة على هذا اللقاء، كان هناك عشاء أقامه طارق عزيز، وكان نواب الرئيس وغيرهم حاضرين، في برج مطل على القصر الملكي القديم. ليس قصراً، بل (منزل) صغير. فقلت مثل هذا الكلام، أي أنتم ليس لديكم مرونة في حين الدنيا متغيرة، فقال لي أحدهم قل له غداً هذا الكلام. مرتين ثلاث، قالوا لي قل له، قل له، أي أنهم كانوا يريدونه أن يسمع هذا الكلام. وأنا تشجعت وقلت له هذا الكلام، كل الذين يريدونني أن أقوله قلته».

صدام حسين خلال قمة عربية في عمّان عام 1980 وبدا خلفه إلى اليسار طارق عزيز (غيتي)

وما هو انطباعك عن طارق عزيز؟ أجاب: «طارق عزيز كان دبلوماسياً ذكياً جداً، وسياسياً أيضاً ذكياً جداً. ذهب بعيداً في تأييده لصدام من حيث كل شيء. أي أن طارق عزيز كان مسماراً رئيسياً في المرحلة هذه من نظام صدام حسين. إنما، وهو يعلم تمام العلم، أن الذين هم فيه هذا، مغامرة لن تنتهي على خير، إنما لم يستطع أن يقول له هذا الكلام خوفاً على نفسه، وعلى عائلته. لو كان يدري الغيب، لربما قالها لأن الشيء نفسه حصل معه بعد قليل. إنما كان اختياراً موفقاً من حيث المهنية والقدرة على الحديث والتواصل مع الناس. يعكس قوة العراق في حديثه. وهو شخصية محببة أيضاً ويمكنك ان تجلس معه وتتحدث معه وتسهر معه وتتعشى معه وتأخذ وتعطي معه. هذا هو طارق عزيز».

قلت إن بعض الذين عملوا في القصر مع صدام حسين يقولون إن طارق عزيز كان مدركاً مثلاً لأخطار غزو الكويت؟ فأجاب موسى: «هذا لا يحتاج إلى كلام. كانت مسألة حياة أو موت لأي شخص أن يقول رأياً في تلك الظروف. كان يمكن أن يُستأصل، والله أعلم. إنما هو قطعاً، عندما نتكلم في ذكائه وقدرته السياسية الواضحة كان ضرورياً أن يستخدمها ويستخدم هذا الذكاء في أن يعرف كيف يتكلم مع صدام، في ظروف معينة.

افترض نحن نتحدث في مثل هذا ولا أريد أن أقول إنني ضد، فأقول لنؤجل المسألة على الأقل أسبوعاً أو اثنين أو شهراً، ليس لأنك ليس لديك الاستعداد العسكري، بل يا سيادة الرئيس، الاستعداد الإعلامي في العالم. هناك أبواب يمكنك أن تدخل منها. لكنه لم يستخدمها. نحن نتحدث ونحن جالسون مستريحين، إنما هو كان يجلس على مسامير في كرسيه».


مقالات ذات صلة

مصرع الحداد يستحضر إرث أزمات الطيران الليبي منذ سقوط القذافي

شمال افريقيا من مراسم تشييع الحداد وقادة عسكريين في مدينة مصراتة الليبية (بلدية مصراتة)

مصرع الحداد يستحضر إرث أزمات الطيران الليبي منذ سقوط القذافي

أعاد حادث سقوط طائرة «فالكون 50» الذي أودى بحياة المشير محمد الحداد وعدد من القيادات العسكرية فتح ملف إرث الأزمات المتراكمة التي يعاني منها قطاع الطيران بليبيا

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا في ليبيا بات كل مواطن يحتفل بـ«ثورته» في مواعيدها (أ.ف.ب)

الليبيون يحتفلون بالذكرى الـ74 للاستقلال على وقع انقسام حاد

بشكل منفصل أعلن كل من رئيسي حكومتي ليبيا الدبيبة وحماد يومي الأربعاء والخميس عطلة رسمية لمناسبة «عيد الاستقلال» في بلد يعاني من تداعيات انقسام سياسي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي يصل لتوقيع نسخ من كتابه «مذكرات سجين» (Le journal d'un prisonnier)، الذي يروي فيه فترة احتجازه التي دامت ثلاثة أسابيع في مكتبة «لا مارتين» بباريس في فرنسا 10 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

ساركوزي قد يمثل أمام القضاء مجدداً بشبهة التلاعب بالشهود

قد يُحال الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي إلى محاكمة جديدة، رغم إدانته في قضية تمويل حملته الرئاسية من ليبيا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا الدبيبة يستعرض رؤيته لأسباب ما يعانيه بلده خلال «منتدى طرابلس للاتصال الحكومي» (الشرق الأوسط)

الدبيبة يتهم نظام القذافي بإهدار أموال ليبيا على «الوحدة العربية»

دافع رئيس «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة عن حكومته، في مواجهة الأزمات التي تعاني منها قطاعات واسعة من الشعب.

جمال جوهر (القاهرة)
كتب رجل يحمل كتاب «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أمام مكتبة في باريس الأربعاء 10 ديسمبر 2025 (أسوشييتد برس)

«يوميات سجين» يكشف عن العالم الخفيّ داخل زنزانة ساركوزي

واحد وعشرون يوماً هزّت الإليزيه… قصة ساركوزي خلف القضبان.

كوثر وكيل (باريس)

الاتحاد الأوروبي يسلم تونس معدات لتعزيز مراقبة الحدود

مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي يسلم تونس معدات لتعزيز مراقبة الحدود

مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)

سلم الاتحاد الأوربي دفعة جديدة من المعدات إلى تونس، لتعزيز مراقبة الحدود ضمن برنامج تعاون يهدف إلى كبح تدفقات الهجرة غير النظامية وشبكات التهريب والاتجار بالبشر.

وتولت بعثة الاتحاد الأوروبي في تونس الخميس، تسليم المعدات في ثكنة الحرس الوطني التونسي قرب العاصمة.

وينضوي هذا الدعم ضمن برنامج إدارة الحدود الذي بدأ منذ عام 2018، بتمويل تبلغ كلفته 130 مليون يورو، وفق ما ذكرته البعثة.

مهاجرون أفارقة في العاصمة تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضحت البعثة، في بيان لها، أن هذا الدعم «ساهم في تعزيز القدرات العملياتية للحرس الوطني وحرس السواحل، بخاصة في مجالي البحث والإنقاذ وحماية المهاجرين غير النظاميين».

ويعد طريق وسط البحر الأبيض المتوسط الذي يشمل أساساً سواحل ليبيا وتونس، أكثر الطرق نشاطاً لعمليات العبور غير النظامية لحدود الاتحاد الأوروبي ولأنشطة مهربي البشر. لكن أحدث تقرير لـ«الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل»، يشير إلى تدفقات رئيسية من سواحل ليبيا التي تحولت إلى المنصة الأولى لعمليات العبور في 2025.

وقالت البعثة الأوروبية: «كل هذه الجهود مكنت من تسجيل انخفاض ملحوظ في عمليات العبور غير النظامية، وعدد المفقودين والوفيات في البحر، ابتداء من سنة 2024».

خفر السواحل التونسي يحاول إيقاف بعض المهاجرين في البحر في أثناء محاولتهم العبور إلى إيطاليا (أرشيفية - رويترز)

وترتبط تونس بمذكرة تفاهم شاملة مع الاتحاد الأوروبي تعود إلى يوليو (تموز) 2023، تشمل من بين بنودها مكافحة الهجرة غير النظامية مقابل دعم اقتصادي ومالي وتمويلات لخفر السواحل.

وتنتقد منظمات حقوقية في تونس مدافعة عن حرية التنقل، المذكرة وتطالب بوقف عمليات الترحيل القسري والإبعاد لمهاجري دول أفريقيا جنوب الصحراء نحو المناطق الحدودية النائية، على ما أفادت به «وكالة الانباء الألمانية».


​الجزائر تعلن عن مكاسب جديدة بمسار «استرجاع الأموال المنهوبة» في الخارج

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)
TT

​الجزائر تعلن عن مكاسب جديدة بمسار «استرجاع الأموال المنهوبة» في الخارج

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)

أكد مسؤول جزائري رفيع المستوى، أن بلاده «جنت نتائج إيجابية» من مساعيها لدى دول كثيرة، ودولة أفريقية واحدة، فيما يخص «استرداد الأموال العامة المحولة إلى الخارج بطرق غير شرعية»، في إشارة إلى خطة، يقول رئيس البلاد عبد المجيد تبون إنه نفذها منذ وصوله إلى الحكم، تتعلق بتتبع آثار عائدات مالية محل شبهة فساد، يعتقد أن وجهاء من النظام وضعوها في الخارج خلال الـ20 سنة الماضية.

وصرح كمال تويجيني مساعد النائب العام بـ«مجلس قضاء الجزائر العاصمة» (محكمة الاستئناف)، الأربعاء، بأن القضاء الجزائري «وجه 52 طلباً لكثير من الدول الأجنبية، منها دولة أفريقية واحدة، في إطار مساعي استرداد الأموال المنهوبة»، من دون ذكر اسم دولة واحدة.

وكان المسؤول القضائي يتحدث للصحافة لمناسبة اجتماع نظمته «السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته» (هيئة دستورية مستقلة) في إطار مهامها الخاصة بمتابعة «الاستراتيجية الوطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته»، التي وُضعت قبل 5 سنوات.

من اجتماع «سلطة مكافحة الفساد» (سلطة المكافحة)

«من التخطيط إلى التفعيل»

وصرحت رئيسة «سلطة الشفافية» سليمة مسراتي، في بداية الاجتماع، بأن فريق العمل «انتقل من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التفعيل الميداني».

وأكدت الحكومة الجزائرية، في يوليو (تموز) 2025، أنها اصطدمت بصعوبات في تنفيذ استراتيجيتها الرامية إلى استرجاع الأموال المنهوبة الموجودة في الخارج، نتيجة التعقيدات التي تفرضها الأنظمة القضائية في بعض الدول. غير أن سويسرا أبدت، في الفترة الأخيرة، استعداداً للتعاون في هذا المسعى، الذي يطول شخصيات نافذة من النظام السابق ممن ارتبطوا بالرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019).

رئيسة سلطة مكافحة الفساد (سلطة المكافحة)

وأوضح وزير العدل الجزائري، لطفي بوجمعة، أن الحكومة «حققت تقدماً ملموساً في ملف استرجاع الأموال المتأتية من الفساد، إلا أن هذه الجهود واجهت تحديات كثيرة أدت إلى بطء تجاوب بعض الدول». وأرجع ذلك إلى «خصوصية أنظمتها القضائية وتعقيد المساطر المعتمدة، فضلاً عن تعدد الأطراف المتدخلة، سواء كانت قضائية أو دبلوماسية وغير ذلك».

كما يجدر التذكير بأن الرئيس تبون سبق أن أعلن عن حجز «فندق كبير» في إسبانيا، في إطار التعاون القائم مع السلطات الإسبانية، ويتعلق الأمر بممتلكات تعود لرجل الأعمال علي حداد، المحكوم عليه بالسجن منذ خمس سنوات بتهمة «غسل الأموال».

فندق «إل بالاس» في برشلونة الذي استعادته الحكومة الجزائرية (متداول)

وكان تبون قد أشار، في تصريحات أدلى بها للصحافة الأجنبية العام الماضي، إلى أن فرنسا «لا تتعاون بالقدر المطلوب» مع الجزائر بشأن طلبات تتعلق بتجميد ودائع مالية وممتلكات عقارية تعود لوزراء وشخصيات نافذة من النظام السابق. ومن بين أبرز الأسماء المعنية وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب (2015 - 2017)، الذي رفضت محكمة فرنسية في مارس (آذار) الماضي تسليمه إلى الجزائر، رغم صدور أحكام قضائية جزائرية بحقه بعقوبات مشددة على خلفية قضايا «فساد مالي». وبرر القضاء الفرنسي قراره بأن الجزائر «لم تقدم ضمانات كافية بشأن توفر شروط محاكمة عادلة لبوشوارب» في حال تسليمه، وهو ما زاد من حدة التوتر بين البلدين.

وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

وعلى خلاف الموقف الفرنسي، خطت سويسرا خطوة وُصفت بالمهمة في مسار تعاونها مع الجزائر في ملف «استرجاع الأموال المنهوبة». ففي سنة 2023، قرر القضاء الفيدرالي السويسري مصادرة وديعة بقيمة 1.7 مليون يورو مودعة في أحد البنوك السويسرية تعود لعبد السلام بوشوارب، تمهيداً لتحويلها إلى الجزائر. كما تطالب الجزائر السلطات السويسرية بتجميد أموال أخرى تعود لوزير الطاقة الأسبق شكيب خليل، المقيم حالياً في الولايات المتحدة الأميركية، الذي صدر في حقه حكم بالسجن بتهم «الفساد»، وهي القضايا التي تطول أيضاً زوجته وابنه، إضافة إلى صدور مذكرة توقيف دولية بحقه.

وزير الطاقة السابق المتهم بالفساد شكيب خليل (الشرق الأوسط)

وفي سياق ذي صلة، أصدرت محكمة عنابة (شرق البلاد) الأربعاء، أحكاماً مشددة في حق شرطيين واثنين من أعوان الجمارك كانوا ينشطون بمطار عنابة، بعد إدانتهم بتهم تتعلق بـ«الفساد والاتجار غير المشروع بالمعادن الثمينة». ويأتي ذلك في إطار تفكيك شبكة مختصة في تهريب المعادن الثمينة، عقب حجز كمية معتبرة من الفضة تقدر بـ80 كيلوغراماً، كانت آتية من فرنسا إلى إحدى كبرى مدن شرق البلاد.

وتعود فصول القضية إلى نحو ثمانية أشهر مضت، حين أوقفت فرقة للدرك الوطني مركبة على مستوى بلدية الحجار بعنابة، كانت تنقل شحنة الفضة المحجوزة. ووفق ما أوردته جريدة «الخبر»، كان سائق المركبة مرفوقاً بشرطي يعمل بمطار عنابة، وكانا في طريقهما نحو ولاية الطارف الحدودية مع تونس.

من اجتماع برلمانيين جزائريين مع مسؤولين بالخزانة الأميركية عام 2023 في سياق مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة (البرلمان الجزائري)

وبعد تعميق التحقيقات، تبين أن الشحنة أُرسلت من فرنسا من طرف شخص لم يكن على متن الرحلة الجوية، وأن إخراجها من مطار عنابة تم بتواطؤ شرطيين واثنين من أعوان الجمارك، قبل تسليمها إلى شريك آخر كان في انتظارها خارج المطار.

وفي إطار هذه القضية، جرى توقيف ستة أشخاص، من بينهم الشرطيان وأعوان الجمارك المعنيون، ووجهت إليهم تهم «الاتجار في المواد الثمينة، وإساءة استغلال الوظيفة، وتلقي منافع غير مستحقة، إضافة إلى تبييض الأموال».


«الوحدة» الليبية تتحدث عن «آليات جديدة» للحد من تهريب الوقود

الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)
TT

«الوحدة» الليبية تتحدث عن «آليات جديدة» للحد من تهريب الوقود

الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)

عاد ملف تهريب الوقود إلى واجهة المشهد الليبي، بعد أن تزايد حديث السلطات في غرب البلاد عن «حلول وآليات جديدة» للحد من هذه الأزمة المزمنة التي تواجه الدولة منذ أكثر من عقد، في ظل انقسام سياسي وعسكري مستمر.

وأشارت مصادر رسمية (سابقة) ومحللون سياسيون لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تهريب الوقود في ليبيا لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل يتداخل مع مصالح سياسية، وشبكات مسلحة ميليشياوية معقدة، ما يزيد صعوبة وضع حلول فعالة.

«اللواء 444» التابع لحكومة «الوحدة» يعلن ضبط شاحنات مهربة عبر مسار جبلي بغرب ليبيا (اللواء)

وتجددت التساؤلات حول أزمة تهريب الوقود على وقع حديث رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، الأربعاء، عن «أهمية تفعيل آليات متابعة ورقابة مشتركة، ووضع إجراءات واضحة، لضمان وصول الوقود إلى مستحقيه».

وليس هذا الحديث الحكومي الأول من نوعه، إذ كان تهريب المحروقات محور مناقشات لجنة فنية شكلها رئيس «المجلس الرئاسي»، محمد المنفي، في أغسطس (آب) 2025، للتدقيق في عقود قطاعي النفط والكهرباء خلال السنوات الخمس الماضية، وفق ما صرح مصدر مقرب من اللجنة لـ«الشرق الأوسط».

وأشار المصدر ذاته، الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث للإعلام، إلى أن «قضية تهريب المحروقات لم تحقق أي تقدم حتى الآن، لكون اللجنة فنية، ومحدودة التحرك ميدانياً، فضلاً عن تأخر بعض الجهات في إتاحة المعلومات المطلوبة».

وينظر مراقبون إلى تهريب المحروقات باعتباره أحد المنغصات في الأزمة الليبية منذ 2011، إذ سجل تقرير سابق لخبراء الأمم المتحدة زيادة ملحوظة في عائدات الميليشيات المسلحة من الديزل، «مستفيدة من نفوذها» على مرافق حكومية رئيسة.

وكان النائب العام، الصديق الصور، أكثر وضوحاً في هذا الشأن، عادّاً أن «عمليات التهريب تموّل بعض المجموعات المسلحة»، وفق تصريحات تلفزيونية الأربعاء.

وفي هذا السياق، شكك وزير النفط والغاز السابق، محمد عون، في قدرة حكومة «الوحدة» على الحد من الظاهرة، مشيراً إلى أن «غياب السيطرة الأمنية الفعلية على كامل الأراضي الليبية، إلى جانب سنوات من العبث والفساد، يقوض أي آلية حكومية».

ويذهب عون إلى الاعتقاد، بحسب تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، بأن «جذور الأزمة تكمن في تدخلات سياسية مباشرة في قطاع النفط، ومخالفة صريحة للتشريعات، وأن الجهود لم تفلح رغم إصداري خلال فترة تولي الوزارة مذكرات متعددة لمؤسسة النفط والجهات الرقابية».

ولم يتوقف الحديث عن «هيمنة» المجموعات المسلحة على ملف تهريب الوقود في ليبيا عند التقارير الأممية، إذ سبق أن تحدثت دراسة لمنظمة «ذا سنتري» الأميركية غير الربحية، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عن «تورط قيادات عسكرية» محسوبة على «الجيش الوطني» وأسماء مرتبطة بحكومة «الوحدة»، دون أي رد رسمي من الأطراف المعنية.

ويعتقد المحلل السياسي حسام فنيش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تهريب الوقود هو «جزء من منظومة مصالح مسلحة وسياسية تشكّلت خلال سنوات الانقسام، والفوضى». وأضاف أن هذه الشبكات «تدار، أو تحمى من قبل مجموعات مسلحة محددة، وتستفيد من غطاء سياسي، وأمني، ما يتيح لها تحقيق أرباح تُقدّر بمئات الملايين سنوياً»، مشيراً إلى أن نشاطها «يمتد داخلياً وخارجياً، ليصبح جزءاً من اقتصاد غير مشروع عابر للحدود».

وتُعدّ مدينة الزاوية غرب ليبيا من أبرز مراكز تهريب الوقود المدعوم خارج البلاد، حيث كشف النائب العام عن ضبط 42 ألف لتر ديزل معدّة للتهريب في منطقة المطرد بالزاوية، مصحوبة بمواجهات محدودة مع المهربين في أغسطس الماضي.

ويبرز الحل الأمني كأحد الخيارات التي لا يستبعد مراقبون أن تلجأ إليها حكومة الدبيبة، لمواجهة التشكيلات المسلحة، وعصابات التهريب، خاصة بعد إطلاق عملية عسكرية في الزاوية العام الماضي، واستخدام طائرات مسيّرة لمكافحة أوكار المهربين.

ويقر فنيش بأن «المسيّرات توفر قدرة أكبر على مراقبة الطرق الصحراوية، والسواحل، وخطوط النقل الطويلة، بتكلفة سياسية وعسكرية أقل من المواجهة المباشرة»، لكنه يرى أن مجمل الحلول الأمنية والعسكرية «تبقى أدوات مؤقتة ما لم تُدمج ضمن استراتيجية شاملة، إذ يظل غياب القرار السياسي الموحد، والقدرة التنفيذية الفعلية عائقين أمام تفكيك الشبكات».

ويشير إلى أن جوهر المشكلة يكمن في جوانب فنية واقتصادية تشمل «اختلالات في منظومة الدعم، والتسعير، وآليات التوزيع، وضعف الرقابة المالية».

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب النائب العام)

وتبلغ خسائر ليبيا من تهريب المحروقات نحو 1.5 مليار دولار سنوياً، بالنظر إلى اعتماد البلاد على أسلوب «مبادلة النفط بالمحروقات»، بحسب تقديرات النائب العام، فيما كشفت بيانات ديوان المحاسبة الأخيرة عن إنفاق نحو 45 مليار دينار خارج سجلات وزارة المالية لدعم الوقود، دون إدراج المحروقات ضمن بند الدعم في الترتيبات المالية للدولة للعام الماضي، ما يعكس هشاشة الرقابة، وانهيار أجهزة الدولة، بحسب مراقبين. و(الدولار) يساوي 6.36 دينار في السوق الرسمية، و9.09 دينار في السوق الموازية.

وكان صندوق النقد الدولي اقترح إصلاحات اقتصادية برفع سعر البنزين في ليبيا إلى 3.3 دينار للتر، وذلك على مراحل تمتد لثلاث سنوات، مع تقديم دعم نقدي شهري يصل إلى 509 دنانير لكل مواطن، ما يفتح الباب لاحتمالية رفع الدعم بشكل تدريجي. ويبلغ سعر لتر البنزين 0.150 دينار، وهو أحد أدنى الأسعار عالمياً، ما يجعل تهريبه نشاطاً بالغ الربحية.

ويرى الخبير الاقتصادي يوسف يخلف مسعود، لـ«الشرق الأوسط»، أن حديث الدبيبة عن «أسعار مقبولة للبنزين» قد يكون إعلاناً ضمنياً عن هذا «المسار الإصلاحي».