سفير يرفض إبعاده! هل من سوابق في العلاقات بين الدول؟

حالات شبيهة بين بيروت وطهران وبين لندن وطرابلس وبين باريس ونيامي وبين لندن وطهران... وبين واشنطن وكاراكاس

مؤيدون لـ«حزب الله» في مظاهرة داعمة لإيران أمام سفارتها ببيروت يوم 26 مارس (أ.ف.ب)
مؤيدون لـ«حزب الله» في مظاهرة داعمة لإيران أمام سفارتها ببيروت يوم 26 مارس (أ.ف.ب)
TT

سفير يرفض إبعاده! هل من سوابق في العلاقات بين الدول؟

مؤيدون لـ«حزب الله» في مظاهرة داعمة لإيران أمام سفارتها ببيروت يوم 26 مارس (أ.ف.ب)
مؤيدون لـ«حزب الله» في مظاهرة داعمة لإيران أمام سفارتها ببيروت يوم 26 مارس (أ.ف.ب)

تبدو قضية إبعاد سفير إيران المعتمد في لبنان، ورفضه الالتزام بالقرار اللبناني، واحدة من حالات قليلة مشابهة في العلاقات الدبلوماسية بين الدول. حصلت سوابق مماثلة إلى حدٍّ ما، على غرار الأزمة الدبلوماسية بين لبنان وإيران عام 1983، وبين المملكة المتحدة وليبيا (في عامَي 1984 و2011)، وبين النيجر وفرنسا (عام 2023). وغالباً ما تنتهي مثل هذه الأزمات باستدعاء الدبلوماسي إلى بلده الأصلي، أو ترحيله، أو التوصل إلى تسوية بين البلدين.

هذه جولة على بعض الأزمات الدبلوماسية وطريقة حلها:

لبنان وإيران

أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية، يوم الثلاثاء الماضي، إبلاغها سفير إيران المعيّن في بيروت محمّد رضا شيباني بـ«سحب الموافقة على اعتماده، ومطالبته بالمغادرة في مهلة أقصاها الأحد (أمس)». لكن قرار إبعاد شيباني الذي باشر مهامه في أواخر فبراير (شباط) الماضي، قوبل برفض شيعي لبناني قاده «حزب الله» و«حركة أمل». وأعلنت إيران، الاثنين، أن سفيرها سيبقى في لبنان برغم إعلانه من جانب الحكومة اللبنانية شخصاً غير مرغوب فيه. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، خلال مؤتمر صحافي أسبوعي: «سيواصل سفيرنا عمله سفيراً لإيران في بيروت، وسيبقى موجوداً هناك»، مضيفاً أن السفارة في بيروت «لا تزال تعمل».

السفير شيباني... قرار بإبعاده من بيروت (أ.ف.ب)

وهذه المرة الثانية التي يحصل فيها مثل هذا الإشكال الدبلوماسي بين لبنان وإيران. ففي عام 1983، قررت حكومة الرئيس الراحل شفيق الوزان (خلال حكم الرئيس أمين الجميل)، قطع العلاقات مع إيران وطرد القائم بالأعمال محمود نوراني. لكن قرار طرده قوبل أيضاً برفض شيعي لبناني. بقيت الأزمة حتى فبراير 1984 عندما تغيّرت الحكومة اللبنانية وأعادت العلاقات مع إيران.

بريطانيا وليبيا

شهدت العلاقات بين المملكة المتحدة وليبيا أزمات دبلوماسية شبيهة إلى حدٍّ ما. ففي عام 2011 خلال الثورة على حكم العقيد معمر القذافي، نقلت حكومة المملكة المتحدة الاعتراف الدبلوماسي من نظام القذافي إلى المجلس الوطني الانتقالي، وتم إبعاد دبلوماسيين ليبيين في نهاية المطاف، لكن بقي في السفارة موظفون موالون للقذافي ظلوا يرفعون لفترة علم «الجماهيرية»، قبل انتقال البعثة الدبلوماسية لسلطة المجلس الانتقالي.

العقيد الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)

لم تكن تلك الحادثة الدبلوماسية الوحيدة بين لندن وطرابلس. فعقب مقتل الشرطية إيفون فليتشر بالرصاص في 17 أبريل (نيسان) 1984، خلال مظاهرة أمام المكتب الشعبي الليبي في العاصمة البريطانية، قطعت حكومة مارغريت ثاتشر علاقاتها الدبلوماسية مع ليبيا وطردت 30 دبلوماسياً ليبياً. أدى الحادث إلى حصار دام 11 يوماً للمكتب الشعبي، وانتهى بمغادرة الموظفين وترحيلهم في 27 أبريل 1984.

فرنسا والنيجر

في عام 2023، شهدت العلاقات بين فرنسا والنيجر أزمة دبلوماسية مرتبطة أيضاً بقرار يتعلق بطرد السفير. فعقب انقلاب عسكري، أمر المجلس العسكري السفير الفرنسي، سيلفان إيتيه، بمغادرة البلاد. رفضت فرنسا في البداية الامتثال، بحجة أن المجلس العسكري ليس حكومة شرعية تملك صلاحية طرد ممثلها. بقي السفير داخل السفارة لعدة أسابيع قبل أن يغادر في نهاية المطاف.

إيران - المملكة المتحدة (1989)

بعد فتوى المرشد الإيراني الأول الخميني ضد الروائي البريطاني، الهندي المولد، سلمان رشدي، نشبت أزمة دبلوماسية بين لندن وطهران. أدت الأزمة إلى تقليص العلاقات ومغادرة دبلوماسيين، لكن بعض الدبلوماسيين الإيرانيين تأخروا أو لم يمتثلوا فوراً لقرار إبعادهم. لم تكن تلك حالة رفض علني لقرار بالإبعاد، لكنها كانت عبارة عن مماطلة وعدم امتثال فوري.

نيكولاس مادورو (أ.ف.ب)

فنزويلا - الولايات المتحدة (2019)

شهدت العلاقات بين واشنطن وكاراكاس أزمة دبلوماسية عقب اعتراف الحكومة الأميركية بخوان غوايدو رئيساً للبلاد عام 2019. فقد أمر الرئيس نيكولاس مادورو الدبلوماسيين الأميركيين بمغادرة البلاد. رفضت الولايات المتحدة الأمر بحجة أن مادورو «غير شرعي». بقي الدبلوماسيون الأميركيون في كاراكاس لفترة قبل سحبهم، علماً أن مادورو نفسه اعتُقل مطلع عام 2026، ونُقل إلى الولايات المتحدة للمحاكمة بتهم الاتجار بالمخدرات.

ماذا يحدث في حال رفض قرار بطرد دبلوماسي من بلدٍ ما؟

وفقاً لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (المادة 9)، إذا أُعلن دبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه ورفضت الدولة المُرسِلة استدعاءه، يجوز للدولة المُضيفة رفض الاعتراف به كعضو في البعثة. وهذا يعني فقدان الحصانة الدبلوماسية، ما يجعله، من الناحية القانونية، مواطناً عادياً خاضعاً للقوانين المحلية مع إمكان اعتقاله.

حقائق

أزمات طرد دبلوماسيين

حالات تكررت بين بيروت وطهران عامَي 1983 و2026... وبين لندن وطرابلس عامَي 1984 و2011... وبين باريس ونيامي عام 2023... وبين لندن وطهران عام 1989... وبين واشنطن وكاراكاس عام 2019


مقالات ذات صلة

الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

شمال افريقيا وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»

الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

دخلت مساعي التقارب بين الجزائر وباريس مرحلة جديدة، إثر الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود إلى العاصمة الفرنسية يومي 2 و3 يونيو الحالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي عَلما إسرائيل واللواء غولاني في الجيش الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف (رويترز)

واشنطن تشعر بخيبة من موقف برّي لرفضه «النصيحة»

عبّرت واشنطن عن «خيبتها» من موقف رئيس البرلمان نبيه بري لوصفه الطلب من «حزب الله» أن يوقف أولاً هجماته ضد إسرائيل، بأنه مثابة «استسلام».

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا وزير الداخلية الجزائري مستقبِلاً نظيره الفرنسي بمقر الوزارة في 16 فبراير الماضي (وزارة الداخلية الجزائرية)

وزير جزائري يبحث في فرنسا «أزمة المعارضين» و«أموال الفساد»

يبحث وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود الاثنين والثلاثاء بباريس ملفات عالقة بين البلدين تخص التعاون في مجال مكافحة الإرهاب وقضية شبكة «مافيا دي زاد» الإجرامية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

صعود اليمين المتطرف يهدد بنسف «مصالحة الذاكرة» بين الجزائر وباريس

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية يبرز تساؤل مُلحّ: ما مصير سنوات من العمل المشترك بين الجزائر وباريس حول ملف «مصالحة الذاكرتين» بين البلدين؟

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

صدور قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» للجزائر في الجريدة الرسمية

صدر في الجريدة الرسمية للدولة الجزائرية قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر منذ 14 يونيو 1830 حتى الخامس من يونيو 1962، وآثاره المباشرة وغير المباشرة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

لبنان يتصدّى لتوظيفه إيرانياً في المفاوضات

مسعفون وعناصر من فرق الطوارئ يتجمعون حول سيارة مشتعلة استهدفتها مسيّرة إسرائيلية في مدينة النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مسعفون وعناصر من فرق الطوارئ يتجمعون حول سيارة مشتعلة استهدفتها مسيّرة إسرائيلية في مدينة النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لبنان يتصدّى لتوظيفه إيرانياً في المفاوضات

مسعفون وعناصر من فرق الطوارئ يتجمعون حول سيارة مشتعلة استهدفتها مسيّرة إسرائيلية في مدينة النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مسعفون وعناصر من فرق الطوارئ يتجمعون حول سيارة مشتعلة استهدفتها مسيّرة إسرائيلية في مدينة النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

برّي يقترح «انسحاباً متبادلاً» بين إسرائيل و«حزب الله تصدّى لبنان، أمس، لما اعتبره محاولات إيرانية لتوظيفه في المفاوضات مع الولايات المتحدة، على خلفية رفض طهران و«حزب الله» للتفاهمات بين بيروت وتل أبيب برعاية أميركية بشأن مسوّدة اتفاق لوقف النار.

وقال ​الرئيس اللبناني جوزيف عون لشبكة «سي إن إن»، إن طهران تستخدم ​لبنان ‌ورقة ضغط ​في مفاوضاتها مع واشنطن، معتبراً أن إيران لا تحاول مساعدة لبنان، وأن اللبنانيين هم من يدفعون ثمن الصراعات الدائرة في المنطقة. وأضاف عون أن مصالح لبنان لا تتوافق مع مصالح إيران، كما توجّه إلى «الحرس الثوري» الإيراني بالقول إن «لبنان ليس بلدكم».

من جهته، قال رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إن على إيران أن تكفّ عن التعامل مع بلاده كـ«ورقة لتحسين شروط مفاوضاتها». وأشار إلى أن اللبنانيين فوجئوا بأن يكون «الحرس الثوري» الإيراني «أوّل الرافضين» لاتفاق وقف النار.

في غضون ذلك، بحث الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مع الرئيس اللبناني آخر التطورات في لبنان والمنطقة. واستعرض الجانبان، خلال اتصال هاتفي تلقاه الأمير محمد بن سلمان من الرئيس عون، المساعي الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار. كما شكر عون الأميرَ محمد بن سلمان على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في المجالات كافة، لا سيما لجهة المساعدة في تهدئة الأوضاع، ووضع حد للتصعيد الذي يشهده لبنان، حسب ما أفادت الرئاسة اللبنانية.


«هدية» حافظ الأسد: فتح بوابة لبنان أمام طهران

حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
TT

«هدية» حافظ الأسد: فتح بوابة لبنان أمام طهران

حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)

حين أطلق «حزب الله» حرب إسناد «طوفان» يحيى السنوار، وحديثاً «حرب إسناد» إيران في حربها مع أميركا، تذكّر كثيرون أن لبنان يعيش منذ ثمانينات القرن الماضي على الهدير الإيراني.

تُواصل «الشرق الأوسط» اليوم رصدها دخول إيران على خط القضية الفلسطينية.

كان ياسر عرفات أول من احتفى بانتصار الخميني في فبراير (شباط) 1979. أدرك الخميني أن فلسطين هي الكلمة السحرية التي تسمح بالتسلل إلى ضمائر العرب والمسلمين. لكن التجربة أظهرت أن ثناء عرفات لا يدفعه أبداً إلى تسليم أوراقه. في أي حال، نجحت إيران على مدى السنوات اللاحقة في توسيع نفوذها في دول الإقليم.

في الثمانينات، تلقت إيران «هدية» من نظام حافظ الأسد تمثّلت في سماحه لـ«الحرس الثوري» بتدريب مجموعات شيعية نشأ منها «حزب الله» في البقاع. وبدءاً من التسعينات، استفادت إيران من «هدايا» خصومها: غزو قوات صدام حسين الكويت، وهجمات «القاعدة» في نيويورك وواشنطن عام 2001، واقتلاع الأميركيين نظام «البعث» العراقي عام 2003.


لبنان يشكر السعودية على مساعيها لخفض التصعيد

ولي العهد السعودي لدى استقباله الرئيس اللبناني في الرياض خلال شهر مارس 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
ولي العهد السعودي لدى استقباله الرئيس اللبناني في الرياض خلال شهر مارس 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يشكر السعودية على مساعيها لخفض التصعيد

ولي العهد السعودي لدى استقباله الرئيس اللبناني في الرياض خلال شهر مارس 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
ولي العهد السعودي لدى استقباله الرئيس اللبناني في الرياض خلال شهر مارس 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

شكر لبنان السعودية على «المساعدة في تهدئة الأوضاع ووضع حد للتصعيد الذي يشهده لبنان»، وأعرب الرئيس اللبناني جوزيف عون للأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في اتصال هاتفي عن «تقديره البالغ لمواقف المملكة تجاه لبنان ودعمها لجهود إحلال الاستقرار والسلام في المنطقة».

وجرى خلال الاتصال بحث آخر التطورات في لبنان والمنطقة، والمساعي الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار.

وقالت الرئاسة اللبنانية في بيان، إن الرئيس عون، شكر ولي العهد، على «وقوف المملكة إلى جانب لبنان في المجالات كافةً، لا سيما لجهة المساعدة في تهدئة الأوضاع ووضع حد للتصعيد الذي يشهده لبنان».

وقالت الرئاسة في البيان ذاته: «خلال الاتصال، تمنى الرئيس عون من ولي العهد السعودي، إعادة فتح أسواق المملكة أمام المنتجات اللبنانية الزراعية والصناعية؛ نظراً لأهمية هذه الأسواق في تعزيز الاقتصاد اللبناني، لا سيما أن لبنان اتخذ إجراءات مشددة لحماية حركة التصدير من أراضيه، فوعد سموه بإعطاء توجيهاته في هذا الشأن».