«هدنة غزة»: ما خيارات الوسطاء لتجاوز التعثر؟

«حماس» تريد اتفاقاً شاملاً... وإسرائيل تلّوح بالتصعيد

رد فعل والد طفلة فلسطينية خلال جنازتها بالمستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
رد فعل والد طفلة فلسطينية خلال جنازتها بالمستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«هدنة غزة»: ما خيارات الوسطاء لتجاوز التعثر؟

رد فعل والد طفلة فلسطينية خلال جنازتها بالمستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
رد فعل والد طفلة فلسطينية خلال جنازتها بالمستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

أزمة جديدة تواجه استئناف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، عقب تمسك «حماس» بأولوية إبرام صفقة شاملة تنهي الحرب المستعرة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في تجاهل للمقترح الإسرائيلي، الساعي لهدنة مؤقتة.

«حماس» التي لم تغلق الباب أمام قبول اتفاق تهدئة خصوصاً مع التصعيد الإسرائيلي واقتراب زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة الشهر المقبل، غازلت مبعوثه آدم بوهلر، الذي سبق أن التقى قياداتها بالدوحة، بالتأكيد على تطابق موقفهما بخصوص إبرام صفقة شاملة، وهو ما يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، توصيفاً لمرحلة «عض الأصابع» شديدة الصعوبة بين مناورات من الحركة الفلسطينية، وتصعيد من حكومة بنيامين نتنياهو.

وينقسم الخبراء إزاء دور الوسطاء بين السعي لإبرام صفقة شاملة، أو المحاولة مجدداً لتقريب وجهات النظر، والضغط على الطرفين لقبول تهدئة جزئية تقود لاتفاق شامل بدعم وضمانة أميركيين، وربما من تركيا، وفق المقترح المصري الأخير الذي قبلت به «حماس» مبدئياً، قبل تقديم نظيره الإسرائيلي منتصف الأسبوع.

ومقدماً طرحاً بديلاً، قال رئيس حركة «حماس» في غزة، خليل الحية، في كلمة متلفزة، مساء الخميس، إن «الحركة مستعدة للتفاوض على الفور بشأن اتفاق لتبادل جميع الرهائن مع عدد متفق عليه من الفلسطينيين المعتقلين لدى إسرائيل، في إطار صفقة تضمن الانسحاب الإسرائيلي، وتنهي الحرب في القطاع»، مضيفاً: «نؤكد استعدادنا للبدء الفوري في مفاوضات الرزمة الشاملة، التي تتضمن إطلاق سراح جميع الأسرى لدينا وعدد متفق عليه من أسرانا لدى الاحتلال. على الاحتلال في المقابل وقف الحرب تماماً على شعبنا والانسحاب الكامل من قطاع غزة».

وأضاف: «الاتفاقات الجزئية يستعملها نتنياهو وحكومته غطاءً لأجندته السياسية القائمة على استمرار حرب الإبادة والتجويع، حتى لو كان الثمن التضحية بأسراه جميعاً، ولن نكون جزءاً من تمرير هذه السياسة». ورحّب الحية بموقف المبعوث الأميركي، آدم بوهلر، بإنهاء ملف الأسرى والحرب معاً، وقال إنه «يتقاطع مع موقف الحركة في التوصل إلى اتفاق شامل»، بعد ساعات من تصريحات بوهلر، أفاد خلالها بأن «حماس» مُرحب بها «إذا كانت ستقدم شيئاً يتطابق مع محدداتنا»، مضيفاً أن هناك دائماً إمكانية للوصول إلى اتفاقية شاملة بشأن الرهائن.

نساء وأطفال غزيون نازحون يركبون على ظهر سيارة مع أمتعتهم أثناء عبورهم ممر نتساريم في وقت سابق (أ.ف.ب)

ونقلت شبكة «CNN» الأميركية عن قيادي بـ«حماس»، لم تسمه، قوله إن المقترح الإسرائيلي الذي تسلمته الحركة الاثنين، من القاهرة «مرفوض ونريد اتفاقاً شاملاً».

وبحسب استطلاع جديد نشرته صحيفة «معاريف»، العبرية، الجمعة، فإن 62 في المائة من الإسرائيليين عبروا عن دعمهم لصفقة يتم بموجبها إطلاق سراح جميع الرهائن دفعة واحدة، مقابل وقف القتال والانسحاب من غزة، بينما عارضها 21 في المائة، و17 في المائة لم يحددوا موقفهم.

وعقب موقف «حماس»، علق مصدر أمني إسرائيلي، الجمعة، قائلاً إن «إسرائيل ستزيد الضغط العسكري على قطاع غزة، وهذا الرفض سيضر بـ(حماس) ومسؤوليها الكبار، وسيزداد الضغط العسكري من الجو والبحر والبر»، وقال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، على منصة «إكس»، الجمعة: «حان الوقت لفتح أبواب الجحيم على (حماس) لتكثيف القتال حتى احتلال القطاع بالكامل».

ويعتقد الخبير الاستراتيجي والعسكري، اللواء سمير فرج، أن «(حماس) تريد بهذا الرد، الوصول إلى الحل النهائي مرة واحدة، وليس خطوة بخطوة، وهذا يتوافق مع رغبة أميركا»، مشيراً إلى أن هذا يصطدم برغبة بنيامين نتنياهو، الذي قد يقابل بضغط أميركي قبل زيارة ترمب للشرق الأوسط.

فلسطينية تبكي على أقارب لها قُتلوا في غارة إسرائيلية ببيت لاهيا (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور، أيمن الرقب، أن الهدنة المنتظر بمرحلة «عض الأصابع»، وهي مرحلة شديدة الصعوبة، خصوصاً مع التصعيد الكبير من نتنياهو الذي يدرك أن أمامه مهلة بنهاية الشهر الحالي، وفق ما وجه به ترمب خلال لقاء بالبيت الأبيض، وكما تشير تسريبات الإعلام الإسرائيلي، وكذلك تدرك «حماس» ذلك، ومن ثم جاء رفضها لمزيد من الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي.

ولفت إلى أن المقترح الإسرائيلي قدمه نتنياهو ليُرفض، خصوصاً أن به عورات كثيرة، من بينها أنه لا يتحدث عن انسحاب أو مفاتيح إطلاق سراح الأسرى، وجاء رد «حماس» الداعي إلى «صفقة شاملة»، قبولاً داخلياً واسعاً في إسرائيل، كما تلاقى مع تصريحات سابقة من واشنطن.

ولم يعلق الوسطاء لا سيما بالقاهرة والدوحة على موقف «حماس»، غير أنه قبل كلمة خليل الحية، بشأن التمسك باتفاق شامل، قال أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، الخميس: «نسعى لتقريب وجهات النظر للتوصل إلى اتفاق ينهي معاناة الشعب الفلسطيني».

رجال إنقاذ فلسطينيون يتفقدون موقع قصف إسرائيلي على مبنى سكني في حي الشجاعية بمدينة غزة خلال وقت سابق (أ.ف.ب)

ويعتقد الرقب أن مصر وقطر ستتحركان بشدة، للتوصل إلى تهدئة جزئية وإحداث مقاربات نحو حل وسط، بغض النظر عن مطلب «حماس» بشأن «الصفقة الشاملة»، خصوصاً والأخيرة كان لديها استعداد لقبول المقترح المصري الأخير الجزئي الممهد لوقف دائم لإطلاق نار، وأبدت تجاوباً معه قبل أن ترد إسرائيل بمقترح منتصف الأسبوع، يشمل نزعاً لسلاح الحركة، وهو ما قوبل بالرفض.

ويرى أن واشنطن لن تتحرك بشكل كبير؛ إلا بعد حلحلة مصر وقطر للأزمة، وتقريب وجهات النظر، ليكون التدخل الأميركي حاسماً بضغوط خاصة قبل زيارة ترمب للمنطقة، على أن تكون هناك ضمانات أميركية لـ«حماس».

بينما يعتقد فرج أن الوسطاء ليس أمامهم بشكل عملي سوى الاتجاه نحو إتمام «الصفقة الشاملة»، مع تعهد وضمانة أميركيين، وتفاهمات بشأن كيفية التغلب على رفض نزع السلاح الذي بات عملياً، ليس كما قبل الحرب؛ بل أقل بكثير جداً، ولا يمثل تهديداً كبيراً.


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في قرية شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

في رام الله وسط الضفة الغربية، اعتصم أهالي معتقلين فلسطينيين وممثلون للفصائل الفلسطينية ورجال دين ونشطاء أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.


حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الحرب في السودان التي دخلت، الأربعاء، عامها الرابع، فإنه لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على وجود رغبة لدى أطرافها للتوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه لإيقاف القتال، وسط أزمة إنسانية تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم.

ومنذ تفجرت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، راهن كل طرف على توجيه ضربات سريعة خاطفة للخصم، لا تتجاوز مدتها أياماً، أو بضعة أسابيع على الأكثر، لحسم المعركة، والقضاء على الطرف الآخر. لكن البلاد تقترب الآن أكثر فأكثر من سيناريو الانقسام إلى دولتين بعد عام من إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» في غرب البلاد.

وُصفت الحرب المتصاعدة في السودان على مدى ثلاث سنوات دونما انقطاع بأنها الأكثر «عنفاً ودموية» في تاريخ حروب المدن؛ وحسب تقارير أممية موثقة، فإن المدنيين الأبرياء كانوا ولا يزالون أكبر ضحية لهذا النزاع، إذ دفعوا أثماناً باهظة جرَّاءه.

مساعي الوساطة

وبعد أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، استضافت مدينة جدة، بمبادرة سعودية-أميركية، محادثات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مايو (أيار) أفضت إلى توقيع ما عُرف بـ«إعلان جدة الإنساني»، ونص على حماية المدنيين، والمرافق الخاصة، والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، لكن الطرفين لم يلتزما بما اتُفق عليه.

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمية (أرشيفية - رويترز)

كما فشلت لاحقاً جولة ثانية عقدت في جدة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بيد أنها واجهت تعنتاً من طرفي الصراع، وانسحب على أثرها «الجيش السوداني» من المفاوضات، ما دفع الوساطة السعودية-الأميركية إلى تعليقها، ولاحقته الاتهامات بعدم الجدية في وقف الحرب.

ولم يقف القتال عند العاصمة الخرطوم، بل تمدد لولايات جديدة لم تكن جزءاً من الحرب. وخلال الأشهر الستة الأولى، دخلت «قوات الدعم السريع» ولايتي الجزيرة، والنيل الأبيض في وسط البلاد، في وقت كان الجيش يتراجع عسكرياً قبل أن يستعيد زمام المبادرة على الأرض بعد أكثر من عام، ويسترد تلك الولايات في يناير (كانون الثاني) 2024.

مآسٍ وأوضاع إنسانية قاسية

أسفرت الحرب عن عشرات آلاف القتلى. وفي حين لم تتّضح الحصيلة الفعلية للصراع، تفيد تقديرات بأنها قد تصل إلى «150 ألفاً»، كما أدت إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، أو لجوئهم إلى البلدان المجاورة، بحسب أرقام الأمم المتحدة.

وعاش السودانيون طوال السنوات الثلاث الماضية أوضاعاً إنسانية قاسية جراء انتقال الحرب إلى أنحاء واسعة من البلاد، واستمروا في النزوح دون توقف مع وصول الحرب إلى إقليمي دارفور، وكردفان بغرب البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن نحو 33 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي العام الماضي، تمكنت «قوات الدعم السريع» من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال الإقليم، وتمددت في أجزاء واسعة من ولايات غرب وجنوب كردفان وسط غرب، بينما تواصل قواتها التقدم في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة نزوح في العالم»، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحولها إلى حرب أهلية.

سودانية تنتظر هي وأطفال للحصول على الماء في مخيم للنازحين بشرق تشاد يوم الثامن من أبريل 2026 (د.ب.أ)

وتشدد كل المبادرات الإقليمية والدولية، وأحدثها خريطة طريق رسمتها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، داعية أطراف القتال إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق تسعة أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية بفرض عقوبات مشددة على قادة عسكريين، ومؤسسات تابعة للجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فإنها لم تجد استجابة من الطرفين للدخول في مفاوضات.

«حرب متوحشة»

ومنذ وقت باكر، سعت القوى المدنية والسياسية في تحالف «قوى الحرية والتغيير» سابقاً، (تحالف «صمود» حالياً)، للتواصل مع قيادات الجيش و«الدعم السريع» من أجل الوصول إلى وقف الحرب، وتجنب تمددها في كل البلاد.

وفي ذكرى اندلاع الحرب، قال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة»، المعروف اختصاراً بـ«صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك: «إن إصرار قيادات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) على مواصلة هذه الحرب المتوحشة، والعبث بأرواح وممتلكات السودانيين خلَّف أسوأ وأكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم».

وأكد التحالف، في بيان على «فيسبوك»، الحاجة الملحة لوقف فوري للحرب، والأعمال العدائية دون قيد، أو شرط، لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 33 مليون شخص، أي نحو ثلث سكان البلاد، يعانون نقصاً حاداً في الغذاء.

وحذر التحالف من استمرار عسكرة الفضاء المدني الذي قال إنه تسبب في انقسام مجتمعي حاد في كل أنحاء البلاد، مشدداً على أنه لا وجود لحل عسكري للنزاع الذي طال أمده.