السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

الرئيس المصري قال إن روسيا قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)
TT

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

شددت القاهرة وموسكو على «ضرورة احتواء التصعيد الراهن بمنطقة الشرق الأوسط». وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي، قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

جاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقاه السيسي، الثلاثاء، من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بينما تكثف مصر اتصالاتها لخفض التوتر، والحفاظ على الأمن الإقليمي، وتجنيب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى حالة من الفوضى بسبب تصاعد الحرب الإيرانية.

وأكد السيسي خلال الاتصال الهاتفي مع بوتين «دعم مصر الكامل لأمن الدول العربية الشقيقة، ورفضها التام للمساس باستقرارها وسيادتها تحت أي ذريعة»، لافتاً إلى أن «أمن الدول العربية يعد امتداداً للأمن القومي المصري».

وتناول الرئيسان سبل استعادة الاستقرار الإقليمي، خصوصاً في ظل الآثار الاقتصادية السلبية للحرب الحالية، وتداعياتها على الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين. وثمَّن بوتين الجهود التي تقوم بها مصر من أجل تدعيم الأمن الإقليمي، وخفض التوتر بالمنطقة، معرباً عن «تطلعه لاحتواء التصعيد الراهن، وتحقيق التهدئة».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (د.ب.أ)

ووفق إفادة للمتحدث باسم الرئاسة المصرية، محمد الشناوي، الثلاثاء، فقد تناول الاتصال الهاتفي مستجدات الأوضاع في الأرض الفلسطينية المحتلة، «وأكد الرئيس السيسي الأولوية التي تمنحها مصر لمواصلة تنفيذ اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، بما يشمل تعزيز تدفق المساعدات الإنسانية للقطاع بكميات كافية دون قيود، وسرعة البدء في عملية إعادة إعمار القطاع. وكذا العمل على إحياء عملية سياسية تفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو (حزيران) عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين، على أساس أن ذلك هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار الدائم بالمنطقة».

وأشار السيسي إلى «حرص مصر على مواصلة التنسيق مع الجانب الروسي لتحقيق التسوية العادلة والشاملة للقضية الفلسطينية، بينما رحب بوتين بمواصلة التشاور والتنسيق مع مصر في هذا الصدد».

وبحسب «الهيئة العامة للاستعلامات» بمصر، في مايو (أيار) الماضي، فقد اكتسبت العلاقات المصرية - الروسية قوة دفع قوية جديدة في عهد الرئيس السيسي حتى باتت أكثر تميزاً في ظل الظروف الدولية الراهنة التي تتسم بعدم الاستقرار.

كما تناول اتصال «السيسي - بوتين»، الثلاثاء، تطورات الأزمة الروسية - الأوكرانية، حيث أكد الرئيس المصري دعم بلاده للجهود الرامية لتسويتها سياسياً، معرباً عن استعداد مصر لتقديم الدعم في هذا الإطار، وهو ما ثمَّنه الرئيس الروسي.

وأضاف المتحدث باسم الرئاسة المصرية أن الاتصال تَطَرَّق أيضاً لعلاقات «الشراكة الاستراتيجية» بين مصر وروسيا وسبل تطويرها في مختلف المجالات، خصوصاً السياسية والتجارية والاستثمارية، وكذا في مجال السياحة.

وأكد السيسي «حرص مصر على دفع العلاقات الوثيقة مع الجانب الروسي بما يحقق مصالح البلدين والشعبين الصديقين»، كما عبر بوتين عن «تقديره للموقف الراهن للعلاقات الثنائية بين البلدين»، مؤكداً اتفاقه مع ما ذكره الرئيس السيسي حول ضرورة مواصلة العمل على دفعها بعدد من المجالات.

وتم بحث الموقف الحالي لمشروعات التعاون الاستراتيجي بعدد من القطاعات، ومن بينها مشروع «محطة الضبعة النووية»، ومشروع إنشاء المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بالإضافة إلى التعاون المثمر بين البلدين في مجالات الطاقة، والسياحة، والقطاع الغذائي.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي خلال تدشين تركيب وعاء ضغط المفاعل الأول بـ«الضبعة النووية» في نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

و«محطة الضبعة» النووية هي أول محطة للطاقة النووية في مصر، وتقع في مدينة الضبعة بمحافظة مرسى مطروح على ساحل البحر المتوسط. وكانت روسيا ومصر قد وقَّعتا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 اتفاقية للتعاون المشترك لإنشاء المحطة، ثم دخلت عقودها حيّز التنفيذ في ديسمبر (كانون الأول) 2017.

ومن المتوقع أن تُنتج المحطة نحو 35 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنوياً، بما يعادل 12 في المائة من احتياجات مصر من الكهرباء عام 2030، وهو ما يدعم تعزيز أمن الطاقة، وخفض استهلاك الغاز بما لا يقل عن 7 مليارات متر مكعب سنوياً، وفقاً لوزارة الكهرباء المصرية.

في غضون ذلك، جرت سلسلة اتصالات هاتفية بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وكل من وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن، ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي، تناولت التصعيد الراهن الخطير الذي تشهده المنطقة.

وأعرب عبد العاطي عن إدانة مصر للاعتداءات الإيرانية المستمرة التي تستهدف الدول الخليجية الشقيقة والأردن، مشدداً على «ضرورة الوقف الفوري لهذه الهجمات المرفوضة التي تمثل انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتعدياً على سيادة الدول ومقدرات شعوبها».

تصاعد الدخان عقب هجوم إيراني سابق في الشارقة بالإمارات (رويترز)

وبحسب بيان لـ«الخارجية المصرية»، الثلاثاء، فقد «تناولت الاتصالات الجهود المتواصلة لمنع انفجار الأوضاع بالمنطقة، مع تأكيد أهمية مواصلة وتكثيف التنسيق المشترك مع الدول الشقيقة والصديقة لاحتواء الأزمة الراهنة، ومنع مزيد من تفاقمها».

كما تطرقت الاتصالات إلى مضمون ما دار خلال «الاجتماع الوزاري الرباعي» الذي عُقد أخيراً في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث تم تبادل الرؤى حول سبل البناء على تلك المخرجات ومواصلة الجهود الإقليمية والدولية لوقف الحرب، وخفض التصعيد، ودفع المسار الدبلوماسي، وتغليب لغة الحوار كسبيل وحيد لتجنيب الإقليم «فوضى شاملة».

وكان «الاجتماع الرباعي» قد بحث، الأحد، في إسلام آباد سبل تعزيز التنسيق المشترك إزاء التطورات المتسارعة والتصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة. وتبادل الوزراء حينها التقييمات بشأن التداعيات الاقتصادية الوخيمة للتصعيد العسكري في المنطقة، وآثاره على الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، فضلاً عن تداعياته على أمن الطاقة في ظل ارتفاع أسعار النفط ومصادر الطاقة.


مقالات ذات صلة

«حصالة النقود تحطمت»... حرب إيران تدفع البحرية الأميركية لأزمة مالية حادة

الولايات المتحدة​ حاملة الطائرات الأميركية «CVN-72» (موقع البحرية الأميركية) p-circle

«حصالة النقود تحطمت»... حرب إيران تدفع البحرية الأميركية لأزمة مالية حادة

أدت حرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران إلى دفع الجيش الأميركي، لا سيما البحرية، إلى أزمة مالية حادة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مجتبى خامنئي خلال اجتماع في تسجيل أرشيفي غير مؤرخ يعود إلى ما قبل توليه منصب المرشد الإيراني ونشرته وسائل إعلام إيرانية 24 أغسطس 2026 (رويترز) p-circle

ستة أشهر من الصمت... استمرار غياب مجتبى يثير تساؤلات

بعد ستة أشهر من الغارات الجوية التي أشعلت فتيل الحرب ودفعت بمجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الإيراني، لا يزال مجتبى غائباً تماماً عن الأنظار.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران، الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (رويترز)

«بيانات»: حركة الشحن عبر مضيق هرمز دون متوسطها ​لعشرة أيام

أظهرت بيانات أولية ​للشحن صدرت اليوم (الجمعة)، أن خمس سفن عبرت مضيق هرمز أمس ‌الخميس ‌بانخفاض عن ​17 ‌سفينة ⁠في ​اليوم السابق.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الولايات المتحدة​ وزير الخزانة الأميركي سكوت خلال إعلانه حملة «يوم الإنزال الاقتصادي» ضد إيران (أ.ف.ب)

مسؤول أميركي: اجتماع مالية «العشرين» سيركز على النمو وعقوبات إيران

يستضيف وزير الخزانة الأميركي ⁠سكوت ⁠بيسنت، وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين يومي الاثنين والثلاثاء في مدينة آشفيل بولاية ​نورث ​كارولاينا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طائرة مقاتلة تابعة للبحرية الأميركية تنطلق من على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في المحيط الهندي (رويترز)

«تقرير»: حاملة طائرات أميركية جديدة تستعد للانتشار في الشرق الأوسط

تستعد حاملة طائرات أميركية جديدة للانتشار في الشرق الأوسط لتحل مكان حاملة أخرى أُرسلت أخيرا إلى المنطقة، فيما يتواصل النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قصف على الحدود السودانية - التشادية يثير مخاوف من اتساع نطاق الحرب

أرشيفية تُظهر سودانيين يفرون من العنف في دارفور إلى مدينة أدري التشادية (رويترز)
أرشيفية تُظهر سودانيين يفرون من العنف في دارفور إلى مدينة أدري التشادية (رويترز)
TT

قصف على الحدود السودانية - التشادية يثير مخاوف من اتساع نطاق الحرب

أرشيفية تُظهر سودانيين يفرون من العنف في دارفور إلى مدينة أدري التشادية (رويترز)
أرشيفية تُظهر سودانيين يفرون من العنف في دارفور إلى مدينة أدري التشادية (رويترز)

قُتل 12 شخصاً وأصيب 7 آخرون، يوم الخميس، في قصف استهدف منطقة حدودية بين السودان وتشاد، وفق مصدر أمني تشادي، في حادثة أثارت توتراً جديداً بين البلدين، بعدما اتهمت نجامينا والولايات المتحدة الجيش السوداني بتنفيذ ضربات داخل الأراضي التشادية.

وقال مصدر أمني تشادي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن قصفاً جوياً استهدف «سوقاً تتزود فيه (قوات الدعم السريع) بالوقود» في منطقة أديكون، قرب الحدود السودانية، ما أدى إلى مقتل 12 شخصاً وإصابة 7 آخرين. وأفادت وسائل إعلام تشادية محلية بأن الجيش السوداني قصف مدينة أديكون، الواقعة على بُعد مئات الأمتار من الحدود بالقرب من أدري داخل الأراضي التشادية.

اتهامات تشادية متكررة

ويأتي القصف بعد أيام من اتهام الجيش التشادي نظيره السوداني بشن هجمات بطائرات مسيّرة داخل الأراضي التشادية.

وكانت هيئة الأركان العامة للجيش التشادي قد أعلنت، السبت الماضي، أن طائرات مسيّرة نفذت هجوماً استهدف رتلاً من المركبات في ولاية إيندي الشرقية، مشيرة إلى أن «جميع الدلائل» تشير إلى أن الطائرات تابعة للقوات المسلحة السودانية ومؤيديها.

وقالت إن الهجوم بدأ، وفق روايتها، داخل الأراضي السودانية قبل أن يمتد لأكثر من 100 كيلومتر داخل الأراضي التشادية. ولم تُسجل إصابات في ذلك الهجوم، إلا أن الجيش التشادي أعلن أنه في «أعلى مستوى من التأهب» للرد على أي تهديد.

وتتهم نجامينا منذ فترة أطرافاً في النزاع السوداني باستخدام المناطق الحدودية التشادية ممراً أو قاعدة للأنشطة العسكرية، وسط مخاوف متزايدة من انتقال الحرب السودانية إلى دول الجوار.

واشنطن تدين الضربات

ترمب ومسعد بولس في نوفمبر 2024 (رويترز)

وفي واشنطن، أدانت الولايات المتحدة، يوم الخميس، ما وصفته بـ«الغارات الجوية الأخيرة التي نفذتها القوات المسلحة السودانية داخل تشاد».

وقال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، إنه أجرى اتصالاً هاتفياً بالرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، ناقش خلاله الضربة الجوية المنسوبة إلى الجيش السوداني. وأعرب بولس، في منشور على منصة «إكس»، عن «قلقه العميق» من امتداد الحرب السودانية إلى الأراضي التشادية، محذراً من أن ذلك يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين.

وشدد على أنه «لا يوجد أي مبرر على الإطلاق لامتداد العنف إلى خارج حدود السودان»، داعياً إلى وقف الدعم المالي والعسكري الخارجي للأطراف المتحاربة، ومجدداً موقف واشنطن القائل إنه «لا يوجد حل عسكري» للنزاع السوداني.

الخرطوم: لم نعتدِ على تشاد

وفي الخرطوم، رفضت وزارة الخارجية السودانية تحميل الجيش مسؤولية الاعتداء على الأراضي التشادية بصورة قاطعة، عادّةً أن ذلك جرى «قبل إجراء تحقيق مهني مستقل» في ملابسات الواقعة. وقالت الوزارة، في بيان، إنها تتابع «باهتمام ما يُتداول من تصريحات وادعاءات بشأن وقوع اعتداء سوداني على أراضي جمهورية تشاد الشقيقة»، مؤكدة احترام السودان «لسيادة جمهورية تشاد ووحدة أراضيها وسلامة حدودها».

وشددت على أن القوات المسلحة السودانية «تضطلع بواجبها الدستوري في الدفاع عن سيادة السودان وأمنه»، مع التأكيد على «الالتزام باحترام سيادة دول الجوار وعدم استهداف أراضيها». ودعت الخارجية السودانية الأطراف الدولية إلى «تحري الدقة والموضوعية» وعدم تبني روايات غير مكتملة، عادّةً أن ذلك من شأنه الإسهام في خفض التوتر ودعم الأمن والاستقرار في المنطقة.

وأكدت في الوقت ذاته حرص الحكومة السودانية على إقامة «علاقات أخوية ومستقرة» مع تشاد وإثيوبيا، واستعدادها لمعالجة أي قضايا حدودية أو أمنية عبر الحوار والتنسيق المباشر.

الخرطوم تتهم إثيوبيا

البرهان يقدم ضمانات قانونية لمشاركة معارضين بالخارج في حوار وطني (أ.ف.ب)

وفي المقابل، انتقدت الخارجية السودانية ما وصفته بـ«الصمت» إزاء هجمات بطائرات مسيّرة تقول الخرطوم إنها تنطلق من داخل إثيوبيا وتستهدف الأراضي السودانية.

وقالت الوزارة إن آخر هذه الهجمات وقع صباح الخميس، مؤكدة أن السودان «يملك الإثبات والأدلة القاطعة» على هذه الاعتداءات المتكررة.

وفي السياق نفسه، أعلن الجيش السوداني إسقاط طائرة مسيّرة «استراتيجية» في منطقة سركم، جنوب شرقي البلاد، وقال إن دفاعاته الجوية أسقطتها بعدما قدمت من الأراضي الإثيوبية باتجاه شمال سركم في إقليم النيل الأزرق. وأشار الجيش إلى أن هذه الطائرة هي الرابعة التي يتم إسقاطها خلال الأيام القليلة الماضية.

وتتهم الحكومة السودانية إثيوبيا بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها منصةً لشن هجمات بطائرات مسيّرة وتنفيذ عمليات برية، وهو ما نفته أديس أبابا. وأسهمت هذه الاتهامات في تصاعد التوتر بين البلدين خلال الأشهر الماضية، خصوصاً مع انتقال القتال إلى ولاية النيل الأزرق المحاذية للحدود الإثيوبية.

حرب تتجه إلى التدويل

وتأتي التطورات على الحدود السودانية - التشادية في ظل استمرار الحرب التي اندلعت بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، وأوقعت عشرات الآلاف من القتلى وأدت إلى نزوح ملايين الأشخاص وانتشار المجاعة، فضلاً عن تداعياتها المتزايدة على دول الجوار.

وتتهم الخرطوم كلاً من تشاد على حدودها الغربية، وإثيوبيا على حدودها الشرقية، بتقديم دعم، بدرجات متفاوتة، لـ«قوات الدعم السريع»، بينما تنفي الدولتان هذه الاتهامات.

وفي أحدث مؤشرات القلق الدولي من اتساع نطاق النزاع، قدمت الولايات المتحدة، يوم الاثنين، مقترحاً إلى مجلس الأمن لتوسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض على إقليم دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، محذرة من مخاطر تمدد الحرب إلى المنطقة.

ومن المقرر أن ينتهي حظر توريد الأسلحة إلى دارفور، المفروض منذ أكثر من عقدين، في 12 سبتمبر (أيلول) 2026، ما لم يتوصل مجلس الأمن إلى قرار جديد بشأنه.

وتثير الضربات الأخيرة داخل الأراضي التشادية، إلى جانب الاتهامات المتبادلة بشأن استخدام أراضي دول الجوار في تنفيذ هجمات، مخاوف من تحول الحدود المحيطة بالسودان إلى جبهة إضافية للصراع، بما يزيد الضغوط على دول المنطقة ويعقد الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية للحرب.


حظر السلاح... هل تفتح واشنطن ثغرة في جدار حرب السودان؟

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)
كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)
TT

حظر السلاح... هل تفتح واشنطن ثغرة في جدار حرب السودان؟

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)
كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

ألقت الولايات المتحدة بحجر في بركة الحرب السودانية الراكدة، بإعلان نيتها توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور منذ أكثر من عقدين ليشمل كامل السودان، في تحرك يبدو أنه يستهدف الانتقال من سياسة العقوبات المحدودة إلى محاولة مباشرة لتقليص قدرة طرفَي الحرب على الاستمرار في القتال، ودفعهما إلى إعادة حساب تكلفة الحسم العسكري مقابل العودة إلى التفاوض، وهي خطوة تبدو محفوفة بالمخاطر، لكنها في المقابل تبين عزم واشنطن على إحداث ثغرة في جدار حرب أصبحت توصف بأنها أكبر وأكثر الأزمات الإنسانية في العالم.

مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، قال أمام مجلس الأمن قبل أيام، إن المقترح الأميركي يشمل الطائرات المسيّرة وتقنياتها ومكوناتها، إلى جانب تعزيز عمل لجنة خبراء العقوبات المكلفة برصد الانتهاكات.

وينتهي نظام حظر الأسلحة الحالي الخاص بدارفور في 12 سبتمبر (أيلول)، ما يجعل الأسابيع المقبلة اختباراً لقدرة واشنطن على بناء توافق داخل مجلس الأمن حول توسيع نطاق الحظر. لكن روسيا التي أبدت تحفظات واضحة، أعلنت أنها لن تقبل بأي إجراءات قد تؤثر في قدرات الجيش السوداني، في حين اتخذت الصين موقفاً حذراً من توسيع العقوبات، وهو ما يجعل تمرير المشروع بصيغته الحالية غير مضمون.

وتنظر واشنطن إلى الحظر المقترح باعتباره أداة ضغط أكثر منه مجرد إجراء عقابي. ووفق وكالة «أسوشييتد برس»، ترى الإدارة الأميركية أن تضييق وصول الأسلحة إلى المتحاربين يمكن أن يدفعهما إلى العودة إلى طاولة التفاوض، في وقت حذرت فيه مسؤولة الأمم المتحدة للشؤون السياسية روزماري ديكارلو من استمرار اعتماد الأطراف على الحل العسكري، ومن التدفق المتواصل للأسلحة المتطورة.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

غير أن تصريحات رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان تعكس، في المقابل، استمرار الرهان على الحسم؛ فقد قلّل البرهان من تأثير العقوبات المحتملة، وقال إن الحديث عنها لن يؤثر في السودان أو يضعف عزيمة القوات المسلحة، مؤكداً أن الجيش سيواصل القتال حتى استعادة جميع المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع».

ويكشف هذا التباين جوهر المعركة السياسية المحيطة بالمقترح الأميركي؛ فواشنطن تريد إقناع طرفَي الحرب بأن استمرار تدفق السلاح لن يبقى مفتوحاً، في حين لا تزال القيادة العسكرية السودانية تتحدث بلغة استعادة الأرض عسكرياً، وينطبق الأمر ذاته على «الدعم السريع»، التي تواصل بدورها تعزيز مواقعها والاعتماد على شبكات الإمداد والسلاح والمسيّرات.

وتقوم الفرضية الأميركية على أن استمرار القدرة على إعادة التسليح يطيل عمر الحرب؛ فما دام يعتقد كل طرف أنه يستطيع تعويض خسائره والحصول على مزيد من المسيّرات والذخائر والوقود والتمويل، يظل دافعه إلى تقديم تنازلات محدوداً. أما إذا أصبحت عمليات الإمداد أكثر صعوبة وتكلفة، فقد تتغير الحسابات العسكرية تدريجياً لمصلحة التسوية.

مقاتلون منشقون عن «قوات الدعم السريع» يستسلمون للجيش السوداني في أم درمان على مشارف الخرطوم (أ.ب)

وشهدت الحرب السودانية خلال الأشهر الأخيرة توسعاً كبيراً في استخدام المسيّرات، التي لم تعد تستهدف الخطوط الأمامية فقط، بل وصلت إلى مدن وأسواق ومنشآت كهرباء ومياه ومرافق صحية. وقالت ديكارلو إن الأسلحة المتطورة، بما فيها المسيّرات، أصبحت عاملاً أساسياً في رفع تكلفة الحرب على المدنيين.

ومن هذه الزاوية، يمكن لتقييد تدفق المسيّرات ومكوناتها والذخائر والأسلحة الثقيلة أن يحقق مكسباً إنسانياً مباشراً عبر خفض عدد الهجمات بعيدة المدى، وتقليص الخسائر بين المدنيين، والحد من موجات النزوح وتعطيل المستشفيات وشبكات الكهرباء والمياه، إلى جانب تحسين فرص وصول المساعدات الإنسانية. غير أن نجاح الخطة الأميركية يبقى مرهوناً بالتنفيذ؛ فالحظر المفروض على دارفور منذ 2005 لم يمنع تدفق السلاح إلى الإقليم، ما يكشف محدودية القرارات الأممية عندما لا تصاحبها آليات رقابة وإنفاذ فعالة.

ترحيب المعارضة

ورحبت قوى مدنية سودانية معارضة بالمقترح الأميركي، مع ضرورة ربطه بمسار سياسي شامل. وقال خالد عمر يوسف، القيادي في تحالف «صمود»، إن الضغط على طرفي الحرب ينبغي أن يكون جزءاً من «حزمة متكاملة» لإنهاء القتال واستعادة المسار المدني، لا مجرد إجراء عقابي منفصل. أما ياسر عرمان، رئيس الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي، فحذر من أن تؤدي الإجراءات الجزئية إلى «إدارة الحرب بدلاً من إنهائها»، داعياً إلى خريطة طريق مشتركة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، توقف القتال وتحافظ على وحدة السودان.

وسيكون الاختبار الحقيقي لجدية واشنطن هو قدرتها على الانتقال من قرار في مجلس الأمن إلى ملاحقة شبكات الإمداد، بما يشمل الرحلات الجوية والطرق البرية والوسطاء والشركات والأفراد الذين يسهّلون شراء السلاح ونقله إلى السودان.

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)

ولا يبدو أن واشنطن تراهن على الحظر وحده لإنهاء الحرب؛ فالأرجح أن المقترح يأتي ضمن محاولة أوسع لرفع تكلفة استمرار القتال بالتوازي مع الدفع نحو مسار تفاوضي. ويقول مسؤولون أميركيون إن الغاية ليست منح النصر لطرف على آخر، بل تقليص قدرة الطرفين على مواصلة حرب مفتوحة بلا أفق. ومع ذلك، فإن جدية التحرك الأميركي ستقاس في النهاية بمدى استعداده للضغط على الداعمين، وليس فقط على المتحاربين السودانيين. فإذا استمر وصول السلاح، فلن يكون توسيع الحظر أكثر من إطار قانوني محدود الأثر. أما إذا اقترن بآليات مراقبة وعقوبات وضغط دبلوماسي متزامن لفتح باب التفاوض، فقد يتحول إلى إحدى أقوى أدوات الضغط الدولية منذ اندلاع الحرب.

وفي جوهره، يضع المقترح الأميركي معادلتين متناقضتين في مواجهة مباشرة: واشنطن تريد جعل مواصلة الحرب أكثر صعوبة وتكلفة، في حين يصر طرفا الصراع على القتال حتى استعادة كامل الأراضي. وبين الموقفين، يبقى المدنيون الطرف الأكثر استفادة من أي إجراء ينجح فعلياً في تقليل تدفق أدوات القتل، ولو قبل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.


الرئيس التونسي يندد بـ«أعمال مدبرة» وراء أزمة انقطاع الماء والكهرباء

يُعاني التونسيون من انقطاعات متكررة في مياه الشرب فيما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية (إ.ب.أ)
يُعاني التونسيون من انقطاعات متكررة في مياه الشرب فيما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية (إ.ب.أ)
TT

الرئيس التونسي يندد بـ«أعمال مدبرة» وراء أزمة انقطاع الماء والكهرباء

يُعاني التونسيون من انقطاعات متكررة في مياه الشرب فيما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية (إ.ب.أ)
يُعاني التونسيون من انقطاعات متكررة في مياه الشرب فيما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية (إ.ب.أ)

ندد الرئيس التونسي قيس سعيّد بـ«أعمال مدبّرة» تهدف إلى «تأجيج الأوضاع»، بعد تصاعد أزمة انقطاع المياه والكهرباء، التي أثّرت على معيشة التونسيين منذ بداية الصيف، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي، أدّت درجات حرارة استثنائية قاربت 50 درجة مئوية في بعض المناطق إلى ارتفاع استهلاك الكهرباء والمياه، ما دفع السلطات إلى فرض انقطاعات.

وأكد سعيّد، الذي يحتكر السلطات في البلاد منذ صيف عام 2021، في بيان نشرته الرئاسة، الخميس، أن الانقطاعات الطويلة للمياه والكهرباء التي قد تتجاوز عشر ساعات متتالية في بعض المناطق، بما فيها تونس العاصمة، «لا يمكن اعتبارها مجرّد أحداث عابرة أو حالات معزولة».

وترأس سعيّد اجتماعاً ضمّ رئيسة حكومته سارة الزعفراني الزنزري والوزراء المعنيين، إضافة إلى رؤساء شركتي الكهرباء والمياه الحكوميتين. وقال إنّ «الأبحاث أثبتت أن انقطاع الماء والكهرباء في كثير من المناطق لم يكن نتيجة أعطاب عادية، بل نتيجة أعمال مدبّرة».

وعادت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى نشر إعلانات عن قطع التيار لفترات معينة خلال اليوم، بهدف تخفيف الضغط على شبكتها في غالبية مناطق البلاد، بما فيها إقليم تونس الكبرى الذي يقطنه نحو ثلاثة ملايين نسمة.

ويُعاني التونسيون أيضاً من انقطاعات متكررة في مياه الشرب، إذ إن جزءاً كبيراً من التزود بالمياه يستلزم عمليات ضخ مستمرة. كما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية التي يستهلكها التونسيون بشكل كبير خلال فصل الصيف. وفي المساحات التجارية الكبرى، يُشترط شراء ست قوارير حداً أقصى للشخص الواحد.

وقال سعيّد إن «أعداء الوطن ومن والاهم باتوا مكشوفين أمام الشعب التونسي»، مشدداً على أنه «ما دامت الجبهة الداخلية متماسكة، وما دام الوعي متواصلاً، رغم كل محاولات التأجيج، فستتحطم كلّ هذه المخطّطات الإجراميّة مهما كان مأتاها».