«هدنة غزة»: «مقترح مُحدث» لاستئناف المفاوضات... هل يُمهد لاتفاق شامل؟

«حماس» توافق على إطلاق سراح رهائن... وإسرائيل تتهمها بـ«التلاعب»

فلسطينيون يحملون جريحاً في موقع غارة جوية إسرائيلية على مأوى للنازحين وسط قطاع غزة (رويترز)
فلسطينيون يحملون جريحاً في موقع غارة جوية إسرائيلية على مأوى للنازحين وسط قطاع غزة (رويترز)
TT

«هدنة غزة»: «مقترح مُحدث» لاستئناف المفاوضات... هل يُمهد لاتفاق شامل؟

فلسطينيون يحملون جريحاً في موقع غارة جوية إسرائيلية على مأوى للنازحين وسط قطاع غزة (رويترز)
فلسطينيون يحملون جريحاً في موقع غارة جوية إسرائيلية على مأوى للنازحين وسط قطاع غزة (رويترز)

تباينات تسود محادثات اتفاق وقف إطلاق النار بغزة، التي تستضيفها الدوحة، عقب إعلان «حماس» موافقتها على «مقترح لاستئناف المفاوضات» وإطلاق سراح مواطن أميركي على قيد الحياة، بينما اتهمتها حكومة بنيامين نتنياهو بـ«التلاعب»، وعدم قبول مقترح المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، الساعي إلى تمديد المرحلة الأولى.

ذلك التطور الجديد عقب محادثات لأيام في الدوحة، شارك فيها ويتكوف، يشي، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، بأن «هناك احتمالاً بأن تفضي المفاوضات لهدنة أوسع». وأشاروا إلى أن «المقترح المحدث حالياً لا يزال ينتظر مشاورات جديدة، خاصة أنه قد لا يحمل انتقالاً مباشراً للمرحلة الثانية، وإنما اتفاق جديد قد يكون شاملاً».

وذكرت «حماس» في بيان صحافي، الجمعة، أنها «تسلّمت الخميس مقترحاً من الوسطاء لاستئناف المفاوضات، تعاملت معه بمسؤولية وإيجابية، وسلمت ردّها عليه فجر الجمعة، متضمناً موافقتها على إطلاق سراح الجندي عيدان ألكسندر، الذي يحمل الجنسية الأميركية، إضافة إلى جثامين 4 آخرين من مزدوجي الجنسية».

وأكدت الحركة «جاهزيتها التامة لبدء المفاوضات والوصول إلى اتفاق شامل حول قضايا المرحلة الثانية»، دون أن تحسم موقفها من مقترح ويتكوف، الذي أثيرت بشأنه مناقشات الأيام الماضية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدّ أن إطلاق عيدان ألكسندر وجثامين المواطنين الأميركيين الأربعة بـ«مثابة أولوية للإدارة الأميركية».

نتنياهو الذي بات في مأزق عقب مغازلة «حماس» لواشنطن لم ينتظر طويلاً في التعقيب، وقال مكتبه: «في حين قبلت إسرائيل مخطط ويتكوف، فإن (حماس) تُصرّ على رفضه ولم تتحرك قيد أنملة، وفي الوقت نفسه، تواصل الانخراط في التلاعب والحرب النفسية»، وتحدث عن «عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي اجتماعاً مع الفريق الوزاري، مساء السبت، لتلقي تقرير مفصل من فريق التفاوض والبتّ في الخطوات المقبلة لإطلاق سراح المختطفين».

فلسطينيون بسوق أقيمت في الهواء الطلق قرب أنقاض المباني التي دمرتها الضربات الإسرائيلية (رويترز)

وأفاد موقع «أكسيوس» الأميركي، الخميس، نقلاً عن مصادر بأن ويتكوف قدّم اقتراحاً مُحدثاً لتمديد وقف إطلاق النار في غزة حتى 20 أبريل (نيسان) المقبل، مقابل إطلاق «حماس» سراح مزيد من المحتجزين، واستئناف المساعدات الإنسانية إلى غزة.

وبتقديرات أستاذ العلوم السياسية والمختص بالعلاقات الدولية والشؤون الإسرائيلية، الدكتور طارق فهمي، فإنه «لم نعد نتحدث عن الاتفاق الرئيسي في المفاوضات، والتركيز الآن على مفاوضات مرحلة جديدة، تتجاوز السعي للتمديد، وقد تصل إلى اتفاق شامل»، لافتاً إلى أن ويتكوف «عرض فكرة تركز على هدنة الـ50 يوماً، ثم مراحل زمنية أخرى والحديث الآن ليس عن المرحلة الثانية».

وإزاء تلك التطورات، يرى فهمي أننا «أمام عدة مسارات: الأول، العودة إلى المفاوضات ولكنها ستبقى أطر عامة بشأن المرحلة الثانية، لكن بعد الـ50 يوماً وتسليم رهائن وأسرى وترضية المفاوض الأميركي الذي يحرج إسرائيل ويضعها في ورطة مع إدارة ترمب. والأمر الثاني العمل على بناء إجراءات ثقة، خاصة أنه لا تزال إسرائيل تتحدث عن نزع سلاح (حماس)، ولا إعمار في ظل وجودها، بخلاف انتظار إجراءات بشأن دور السلطة الفلسطينية مستقبلاً».

وبرأي المحلل السياسي الفلسطيني، المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، فإن «استئناف المفاوضات يُمثل خطوة محورية نحو مناقشة الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي يُعوَّل عليها لتحقيق وقفٍ دائمٍ لإطلاق النار، وانسحاب كاملٍ للاحتلال الإسرائيلي، وفتح المعابر، ورفع الحصار، والشروع في إعادة الإعمار، إلى جانب الإفراج عن جميع الأسرى من كلا الجانبين».

ويرى المدهون أن استجابة الحركة للطلب الأميركي للإفراج عن الأسير الإسرائيلي مزدوج الجنسية، الحامل للجنسية الأميركية، «خطوة تعكس مرونة سياسية تهدف إلى إنجاح المرحلة الثانية، وقطع الطريق على مخططات نتنياهو، الذي كان يسعى لإنهاء المرحلة الأولى فقط، تمهيداً لتجديد عدوانه على غزة، وتشديد الحصار، واستمرار إغلاق المعابر».

فلسطينيون يحملون جريحاً في موقع غارة جوية إسرائيلية على مأوى للنازحين وسط قطاع غزة (رويترز)

وينتظر أن تبدأ «حماس» محادثات بالقاهرة بشأن تلك المفاوضات. وأفادت الحركة في بيان ثانٍ، الجمعة، بأن وفدها المفاوض برئاسة خليل الحية توجه إلى «القاهرة للقاء المسؤولين المصريين ومتابعة تطورات ملف المفاوضات، واتفاق وقف إطلاق النار».

وبينما تمسكت حركتا «حماس» و«الجهاد» في بيان، الخميس، بالبدء في تنفيذ المرحلة الثانية، وصولاً لاتفاق شامل، وجّه أعضاء «منتدى عائلات الأسرى الإسرائيليين» مناشدةً لرئيس الوزراء الإسرائيلي: «نطالبكم بأن توجهوا الوفد إلى عدم العودة من الدوحة دون اتفاق على جميع المختطفين البالغ عددهم 59 دفعة واحدة وإبرام اتفاقية شاملة».

وبشأن مستقبل تلك الخطوات والمواقف، قال المدهون: «من المبكر الجزم بتوجهات السلوك الإسرائيلي في هذه المرحلة وعدم قدرة نتنياهو على اتخاذ قرارات حاسمة»، مرجحاً: «احتمال أن يلجأ نتنياهو إلى سياسة المماطلة لكسب الوقت أو تحسين شروطه، لكن الضغط الأميركي المتوقع بعد الموافقة على إطلاق سراح أحد مواطنيه قد يشكل عاملاً حاسماً في دفع مسار الاتفاق نحو التنفيذ وإنهاء الحرب، وإن كان ذلك قد يستغرق بعض الوقت».

ويرى فهمي أنه «من المبكر وضع تصورات بشأن مستقبل المرحلة الثانية، في ظل مرحلة ضبابية وإصرار نتنياهو على مصالحه وتحركات إسرائيلية نحو انهيار الاتفاق».


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يعتزم مناقشة حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية

المشرق العربي مستوطن إسرائيلي يلتقط صوراً بهاتفه في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال احتجاج فلسطيني ضد مستوطنة قرب الخليل في الضفة الغربية 9 يونيو 2026 (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يعتزم مناقشة حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية

سيناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، وذلك بعد ضغوط من عدد من الدول الأعضاء على التكتل لاتخاذ إجراءات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون موقع غارة إسرائيلية استهدفت مركبة في مدينة غزة (رويترز) p-circle

غزة: مقتل 9 بينهم طفلان في قصف إسرائيلي

أفاد مسؤولون ‌في قطاع الصحة بأن غارات جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل تسعة فلسطينيين على الأقل، بينهم طفلان بعمر العاشرة والسادسة، اليوم الأربعاء في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون موقع غارة إسرائيلية استهدفت خيمة في مخيم لإيواء النازحين بمدينة غزة (رويترز) p-circle

مسؤول: «مجلس السلام» يخطط لإنشاء منطقة إنسانية تجريبية في غزة

كشف مسؤول ‌في «مجلس السلام» الذي أسسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن المجلس يخطط لإنشاء منطقة ​إنسانية تجريبية لسكان غزة كوسيلة لإعادة تنشيط خطة السلام المتعثرة

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يحاولون إخماد حريق أشعله مستوطنون في حقول قمح بقرية سالم شرق نابلس في الضفة الغربية المحتلة يوم الجمعة (أ.ف.ب)

اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين تضاعفت أكثر من 5 مرات

بعد محاولات لحجب المعطيات الرسمية اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى كشف عدد اعتداءات المستوطنين التي تتخذ طابعاً إرهابياً ضد الفلسطينيين وتبين زيادتها 560 في المائة

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الصحافي الفلسطيني مجاهد بني مفلح الذي فقد حوالي عشرين كيلوغراماً من وزنه خلال فترة احتجازه التي دامت ستة أشهر في سجن إسرائيلي (أ.ف.ب)

تقرير: السجون الإسرائيلية تحولت إلى «مقبرة» للأحياء

يقول الصحافي الفلسطيني مجاهد بني مفلح إن السجون الإسرائيلية تحوّلت إلى «مقبرة» للأحياء، وهو يروي تفاصيل رحلة علاجه بعد تدهور حاد في وضعه الصحي.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)

ليبيون يراهنون على اتفاق سياسي يمهد للانتخابات رغم المخاوف

هانا تيتيه خلال مشاركتها في اجتماع لجنة «4+4» الليبية بتونس الاثنين (البعثة الأممية)
هانا تيتيه خلال مشاركتها في اجتماع لجنة «4+4» الليبية بتونس الاثنين (البعثة الأممية)
TT

ليبيون يراهنون على اتفاق سياسي يمهد للانتخابات رغم المخاوف

هانا تيتيه خلال مشاركتها في اجتماع لجنة «4+4» الليبية بتونس الاثنين (البعثة الأممية)
هانا تيتيه خلال مشاركتها في اجتماع لجنة «4+4» الليبية بتونس الاثنين (البعثة الأممية)

تتجه الأنظار في ليبيا إلى العاصمة التونسية، حيث يُنتظر أن يوقّع ممثلو شرق البلاد وغربها، الأسبوع المقبل، الصيغة النهائية لتفاهمات لجنة «4+4» بشأن القوانين الانتخابية، وإعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، وسط رهانات على أن تمثّل الخطوة انفراجة في الأزمة السياسية، التي عطّلت الاستحقاقات الانتخابية، في بلد يعاني انقساماً مؤسسياً وعسكرياً، وغابت فيه الانتخابات العامة منذ أكثر من 12 عاماً.

رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

ويُنظر إلى التفاهمات المرتقبة، باعتبارها «محاولة لكسر الجمود الذي حال دون إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية منذ انهيار خطة تنظيمها في ديسمبر (كانون الأول) 2021»؛ إلا أن استمرار التكتم على بنودها يثير مخاوف لدى قوى سياسية من طبيعة التسوية المنتظرة، واحتمال إقصاء الأحزاب من المعادلة الانتخابية، في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى إعلان تفاصيل الاتفاق قبل اعتماده رسمياً.

وقال مصدر مقرب من اللجنة لـ«الشرق الأوسط» إن «كل النقاط العالقة منذ سنوات بشأن قوانين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية تم الاتفاق عليها»، مرجحاً أن يتم التوقيع الرسمي على التفاهمات. وتشير هذه التأكيدات إلى تجاوز أبرز الخلافات التي عطّلت الانتخابات، التي كانت مقررة في ديسمبر 2021، وفي مقدمتها شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، لا سيما ما يتعلق بترشح العسكريين وحاملي الجنسية المزدوجة.

وكان ممثل حكومة «الوحدة» في «4+4»، عبد الجليل الشاوش، قد أعلن أن اللجنة التي من المقرر أن توقع الاتفاق، الثلاثاء المقبل، تمكّنت من معالجة «جميع العوائق» التي تضمّنتها القوانين الانتخابية السابقة، وتوصلت إلى حلول للنقاط الخلافية كافّة، لافتاً إلى أن ذلك يمهد لـ«مرحلة جديدة من الاستقرار»، وأنه «لم يعد هناك مجال لتأجيل أو عرقلة إجراء الانتخابات»، كما أكد في تصريحات لوسائل إعلام محلية.

وبشأن إعادة تشكيل «مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات»، قال المصدر المقرب من اللجنة ذاته إن «ترشيح رئيس مجلس المفوضية من قبل النائب العام، الصديق الصور لم يصل حتى الآن، ونتوقع وصوله خلال هذا الأسبوع ليكتمل تشكيل المجلس بالكامل».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

وكانت بعثة الأمم المتحدة قد أعلنت، أواخر أبريل (نيسان) الماضي، توصل «4+4» في اجتماعها بروما إلى اتفاق لإعادة تشكيل «مجلس المفوضية»، يتضمن ترشيح النائب العام أحد القضاة المعروفين بالكفاءة والنزاهة لرئاستها، إلى جانب 6 أعضاء ممثلين لمجلسي النواب و«الأعلى للدولة».

ورغم اقتراب موعد التوقيع، ما تزال تفاصيل التفاهمات التي جرى التوصل إليها خلال خمس جولات من الاجتماعات في تونس وروما بعيدة عن الأضواء؛ إذ اتفق أعضاء اللجنة، حسب عضوين تحدثا سابقاً إلى «الشرق الأوسط»، على إبقاء مضمونها سرياً إلى حين استكمال الإجراءات القانونية والتوقيع الرسمي.

وأثار هذا التكتم انتقادات داخل الأوساط السياسية، كما دفع مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» إلى عقد اجتماع مشترك بعد فترة طويلة من الانقطاع، في محاولة للتوافق على منصب رئيس المفوضية، في خطوة عدّها مراقبون استباقاً للتفاهمات المنتظر توقيعها.

غير أن التخوف الأكبر بدا واضحاً في موقف «التجمع الوطني للأحزاب الليبية»، وهو تحالف حزبي عدّ «أي تسوية سياسية يجب أن تقوم على المشاركة الوطنية والتعددية السياسية»، محذراً في بيان الأسبوع الماضي من «تجاوز الأحزاب في رسم مستقبل العملية السياسية»، ورافضاً «أي ترتيبات تحرمها من حقها في الترشح أو المشاركة في المجلس التشريعي أو السلطة التنفيذية».

الموقف السابق عدّه القيادي في حزب «ليبيا النماء»، حسام فنيش، «تجسيداً لقلق حزبي من العودة إلى القانون الصادر عام 2014، الذي أُجريت على أساسه انتخابات مجلس النواب، الذي أقر النظام الفردي في الانتخابات، بما يعني استبعاد الأحزاب السياسية مستقبلاً من المعادلة الانتخابية».

قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

وإذ أقر فنيش بمحدودية وجود فعلي ومؤثر للأحزاب السياسية في الشارع الليبي، لكنه قال لـ«الشرق الأوسط» إن «إقصاءها يعني الموت النهائي للعمل الحزبي في ليبيا، وهو العمود الفقري لأي ممارسة سياسية حديثة»، متسائلاً: «كيف يُطلب منا الوجود في الشارع، في حين يتم تجاهل حقنا في الترشح والمشاركة؟».

وأشار فنيش إلى أن «من بين المخاوف أيضاً تجاهل مطلب عدد كبير من الأحزاب بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن، فضلاً عن استمرار الغموض والخلاف بشأن آلية الطعون الانتخابية، وإمكانية عرض التعديلات في قانون الانتخابات على مجلسي النواب والأعلى للدولة».

وسبق أن انتقد عضو مجلس النواب، فهمي التواتي، استمرار سرية أعمال اللجنة، معتبراً في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» أنه «من غير الطبيعي أن تكون أعمال اللجنة سرية»، داعياً إلى نشر مضمون التفاهمات قبل إحالتها إلى مجلس النواب، حتى يتمكّن أعضاؤه من مناقشتها وإقرارها، أو تعديلها بما يحقق توافقاً سياسياً أوسع ويزيد فرص تنفيذها.

يُشار إلى أن لجنة «4+4» تضم ممثلين عن «الجيش الوطني» في شرق ليبيا وحكومة «الوحدة» في غربها، إضافة إلى عضوين من مجلس النواب وعضوين من المجلس الأعلى للدولة.


«تنازلات براغماتية» تنهي أشهراً طويلة من التوتر بين الجزائر ومالي

الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)
TT

«تنازلات براغماتية» تنهي أشهراً طويلة من التوتر بين الجزائر ومالي

الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)

طوى تبادل الاتهامات بـ«نشر الإرهاب»، وأوصاف «الانقلابيين والجنود المتسلطين» التي طبعت الخطاب بين الجزائر وباماكو خلال السنتين الماضيتين، صفحتهما أمام هدوء نسبي في الأشهر الأخيرة، مهَّد الطريق لتطبيع كامل؛ وهو مسار استند إلى تنازلات متبادلة غلَّبت المصلحة المشتركة، والروابط الإنسانية الوثيقة عبر الحدود المترامية.

الحاكم العسكري في مالي مستقبلاً وفداً دبلوماسياً وأمنياً جزائرياً في أبريل 2023 (وزارة الخارجية الجزائرية)

وشهدت العلاقات الجزائرية- المالية انفراجة دبلوماسية لافتة بعد نحو 15 شهراً من الجفاء والتوتر؛ حيث أعلن البلدان أمس (الجمعة)، عن حزمة إجراءات مشتركة تهدف إلى إعادة الدفء إلى علاقاتهما. وشملت هذه الخطوات إعادة فتح الأجواء الجوية بشكل متبادل، وتأكيد عودة سفيرَي البلدين لممارسة مهامهما الرسمية.

ويأتي هذا التقارب لينهي مرحلة معقدة من التجاذبات التي طبعت مسار العلاقات، منذ وصول السلطة العسكرية إلى سدة الحكم في باماكو بقيادة العقيد عاصيمي غويتا، عقب انقلابَي 2020 و2021، وهي الفترة التي شهدت توجيه مالي اتهامات متكررة للجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية، في حين كانت الجزائر قد لعبت دوراً محورياً كراعٍ ومفاوض أساسي في اتفاق السلام التاريخي، الموقع عام 2015 بين الحكومة المالية والحركات المسلحة في الشمال، المعروفة بـ«تنظيمات أزواد».

خلفيات الانفراجة

يتضح من قراءة مسار التهدئة بين الجزائر وباماكو، أن هذا التقارب الدبلوماسي لم يكن وليد صدفة؛ بل جاء نتاج تفاهمات واقعية، قدم فيها الطرفان تنازلات متبادلة لإعادة قطار العلاقات إلى سكته الطبيعية، حسب مصادر دبلوماسية تحدثت مع «الشرق الأوسط».

اجتماع لوزير خارجية الجزائر السابق مع ممثلي المعارضة المالية في سبتمبر 2022 (الخارجية الجزائرية)

فمن الجانب الجزائري، تجلت هذه البراغماتية في تحجيم مساحات النشاط السياسي والإعلامي للمعارض المالي البارز الشيخ محمود ديكو، اللاجئ بالجزائر منذ عام ونصف عام، وهو ملف طالما شكَّل نقطة خلاف جوهرية أثارت حفيظة السلطات العسكرية في باماكو، التي اعتبرت احتضانه تدخلاً في شؤونها الداخلية؛ خصوصاً منذ أن تم ضمه إلى «المجلس العلمي» لـ«جامع الجزائر».

وأكدت المصادر الدبلوماسية نفسها أن السلطات المالية قابلت هذه الخطوة بإبداء مرونة مماثلة؛ حيث أوقفت باماكو حملات الهجوم الإعلامي والسياسي الحاد، التي كانت تقودها ضد جارتها الشمالية، ووضعت حداً لخطاب التخوين والاتهامات بالتدخل في السيادة.

استقبال الرئيس الجزائري وزير خارجية مالي السابق في 16 يناير 2023 (الرئاسة الجزائرية)

وعوضاً عن ذلك، فضَّل المجلس العسكري في مالي العودة إلى مربع التنسيق الأمني والعسكري المباشر مع الجزائر لمواجهة الجماعات الإرهابية، وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود في فضاء الساحل: «إدراكاً من باماكو بأن العمق الاستراتيجي والخبرة الأمنية للجزائر لا يمكن الاستغناء عنهما في معادلة استقرار المنطقة، مهما تعددت التحالفات الدولية البديلة»، وفق تعبير المصادر الدبلوماسية ذاتها.

وحول تطور الأزمة بين البلدين قبل ظهور بوادر حلها، يقول الخبير الجزائري في شؤون الساحل، قوي بوحنية لـ«الشرق الأوسط»: «تتسم مالي بتركيبة خاصة المعالم، لا سيما في الشمال الذي تشهد جبهاته معارك محتدمة منذ 3 عقود، في ظل سيطرة اسمية فقط للدولة على تلك المناطق»، مبرزاً أنه «مع دخول الفيلق الروسي (مجموعات فاغنر سابقاً) على خط المواجهات، تكبد خسائر كبرى محاطة بالتعتيم، بالتزامن مع إغلاق الحدود مع الجزائر الذي ألقى بظلاله مباشرة على حركة التجارة الحيوية ونشاط نقل المحروقات. وتوقف هذه الأنشطة منذ اندلاع الأزمة ضاعف من وطأة المعيشة، وفاقم معدلات التضخم».

عساكر ماليون في الميدان لمواجهة تحالف المتطرفين مع المعارضة (موقع باماكو بامادا)

وأوضح بوحنية أن التضامن السياسي من بوركينا فاسو والنيجر مع باماكو، والوعود الخارجية بانتشال السلطة الانتقالية من مشكلاتها، لم ينجح -حسبه- في سد العجز الاقتصادي والهيكلي البنيوي.

وأضاف الخبير نفسه: «بدلاً من أن تتعامل سلطات باماكو بحكمة مع الجزائر، انزلقت نحو لغة التوتر والتحريض، وهو ما تجلى في المظاهرات أمام السفارة الجزائرية، والحملات الإعلامية التي روجت لمزاعم الوصاية الجزائرية، وهي ادعاءات عارية من الصحة. وأمام هذه المعطيات، أدرك الحُكم في مالي في نهاية المطاف أن استعادة الاستقرار الداخلي تقتضي حتماً وقف التصعيد».

من ذروة التصعيد إلى الحوار

بلغت الأزمة ذروتها في أبريل (نيسان) 2025، إثر إسقاط الجزائر طائرة مُسيَّرة مالية بدعوى انتهاك أجوائها، وهو ما نفته باماكو، ما أدى إلى قطيعة كاملة بين الجارين اللذين يتشاركان حدوداً بطول 1300 كيلومتر. وصعَّدت بوركينا فاسو والنيجر ضد الجزائر، تضامناً مع مالي ضمن «تحالف دول الساحل».

بقايا المُسيَّرة المالية المحطمة (المعارضة المالية المسلحة)

وتصاعد التوتر بشكل لافت في سبتمبر (أيلول) 2025 بمناسبة انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك؛ حيث وقعت مشادة كلامية حادة بين وزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ورئيس الوزراء المالي عبد اللاي مايغا، الذي اتهم الجارة الشمالية بـ«توفير ملاذ وحماية للإرهابيين»، وكان يقصد تنظيمات المعارضة، وبشكل خاص الشيخ محمود ديكو. كما اتهم الجزائر بـ«دعم الإرهاب الدولي» عندما تحدث عن موضوع تحطيم الطائرة المُسيَّرة.

وردَّ عطاف بحدة على مايغا، معرباً عن «أسفه» على ما وصفه بـ«الانحطاط والبذاءة والوقاحة، التي بلغها هذا الشاعر الزائف، ولكنه انقلابي حقيقي»، عادّاً اتهاماته «هراءَ جندي متسلِّط».

وحملت التطورات الأخيرة مؤشرات على طي التوتر؛ إذ أعلنت باماكو أمس (الجمعة) فتح أجوائها أمام الطائرات الجزائرية، وعودة سفيرها إلى الجزائر العاصمة. وجاء القرار بعد ساعات من خطوة جزائرية مماثلة، قضت بفتح الأجواء، وتأكيد عودة السفير كمال رتيب لاستئناف مهامه في مالي.

من لقاء سابق بين وزيرَي خارجية الجزائر ومالي (صحافة مالية)

وأثار هذا التقارب بين البلدين تفاعلاً حتى خارج حدودهما السياسية؛ ففي منشور عبر حسابه على منصات التواصل الاجتماعي، أكد بالي باجايوكو، نائب رئيس بلدية «سان دوني» بضواحي باريس، والمنحدر من أصول مالية، أن عودة الحوار بين الجزائر وباماكو «مؤشرٌ على أن الأخوة أقوى من الانقسامات، وأن ذاكرة كفاح التحرير لا تزال تلهم حاضرنا، وأن مستقبل أفريقيا ملك للأفارقة أولاً».

وشدد القيادي في حزب «فرنسا الأبية» على أن «مستقبل القارة لا يكمن في الحدود الموروثة عن الاستعمار، ولا في الصراعات المُغذَّاة من الخارج؛ بل في الحوار، والاحترام المتبادل، والتعاون السيادي بين الدول الأفريقية».


ليبيا تواجه خطر تفشي «الحمى القلاعية» بإجراءات احترازية

عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)
عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)
TT

ليبيا تواجه خطر تفشي «الحمى القلاعية» بإجراءات احترازية

عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)
عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)

وسَّعت السلطات الليبية إجراءاتها الاحترازية لمواجهة مخاوف تفشي مرض الحمى القلاعية بين الأبقار والأغنام، بعد رصد إصابات وحالات اشتباه في عدد من المدن، بالتزامن مع إغلاق أسواق للمواشي، وتشديد الرقابة البيطرية في مناطق بالشرق والغرب.

ويعكس تحرك الحكومتين في طرابلس وبنغازي تصاعد القلق من اتساع نطاق المرض، وما قد يترتب عليه من خسائر اقتصادية، وسط تحذيرات من أن سنوات الانقسام السياسي أضعفت منظومة الصحة الحيوانية، وقلَّصت فاعلية برامج التحصين.

فنيون بفريق بيطري خلال الكشف على أحد الحيوانات المشتبه إصابتها بالحمى القلاعية في مدينة زليتن الليبية (الشرطة الزراعية)

ويرى الدكتور عبد الحميد الشريف، مدير إدارة مكافحة الأوبئة والأمراض المشتركة بـ«المركز الوطني للصحة الحيوانية» في غرب ليبيا، أن المخاوف الحالية لا ترتبط فقط بظهور بؤر جديدة؛ بل أيضاً بتراكم أزمات يعانيها القطاع البيطري منذ سنوات. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات البيطرية تواصل جهود الاحتواء عبر فرق التحقق الوبائي المنتشرة في البلديات، التي تتولى سحب العينات وفحصها داخل البلاد، أو إرسالها إلى مختبرات خارجية عند تعذُّر إجراء التحاليل محلياً.

وازدادت المخاوف في غرب البلاد مع إعلان الشرطة الزراعية، السبت، تسجيل إصابة مؤكدة في قطيع أغنام بمنطقة العمامرة التابعة لبلدية مسلاتة، أسفرت عن نفوق 4 رؤوس وإصابة 86 أخرى، عقب بلاغ من أحد المربين، ومعاينة ميدانية أجراها أطباء بيطريون.

وزير الزراعة والثروة الحيوانية في غرب ليبيا عبد اللطيف الطاهر خلال تفقُّد مقر المركز الوطني للوقاية والحجر الزراعي الأسبوع الماضي (صفحة الوزارة)

وتزامن ذلك مع تصعيد الإجراءات الاحترازية؛ إذ أغلقت بلديات قصر بن غشير والعجيلات وبني وليد أسواق المواشي، وفرضت قيوداً على دخول الحيوانات واللحوم القادمة من المناطق المشتبه بإصابتها، للحد من انتقال العدوى.

كما كثَّف مسؤولون زراعيون، نهاية الأسبوع الماضي، حملات التفتيش في أسواق المواشي بمدن سوق الخميس أمسيحل والأصابعة وغريان، بينما تعاملت الفرق البيطرية في زليتن مع حالات اشتباه، عبر سحب عينات من عدد من المواشي، بينما خلصت لجنة مشتركة في بئر الغنم إلى عدم تسجيل أي إصابات.

وفي شرق البلاد، أعلنت السلطات البيطرية في البيضاء الاشتباه بإصابة قطعان أغنام في منطقتي قندولة ومراوة، بعد ظهور أعراض شملت العَرَج وتقرحات الفم واللسان وحالات نفوق. وسحبت فرق الصحة الحيوانية عينات لإخضاعها للفحوصات المخبرية لتحديد طبيعة الفيروس، واتخاذ التدابير اللازمة لاحتوائه.

وأطلق نقيب المهن الطبية البيطرية بمدينة المرج، الدكتور مروان العسبلي، تحذيراً من خطورة الحمى القلاعية؛ مشيراً إلى أنها تتميز بسرعة انتشارها وقدرتها على الانتقال عبر الهواء لمسافات بعيدة، فضلاً عن انتقالها بواسطة المعدات، ووسائل النقل والأشخاص المتنقلين بين الحظائر. وأوضح في تصريحات سابقة لوكالة «الأنباء الليبية» (وال) أن «المرض رغم انخفاض معدلات نفوقه بين الحيوانات البالغة، يتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة تراجع إنتاج الحليب والإجهاض والهزال، بينما ترتفع معدلات نفوق المواليد من الحملان والعجول إلى ما بين 50 و70 في المائة، بسبب إصابة عضلة القلب».

ويتكرر ظهور مرض الحمى القلاعية في ليبيا منذ سنوات، وتقابله في كل مرة إجراءات من جانب السلطات في شرق البلاد وغربها، غير أن الشريف يعزو تكرار موجات التفشي إلى تأثير محتمل لتداعيات الانقسام السياسي. ويوضح أن «نقص الإمكانات، وعدم انتظام وصول اللقاحات في مواعيدها، والخلل في تنفيذ برامج التحصين، كلها عوامل أسهمت في زيادة انتشار المرض»، مبرزاً أن «الصراعات التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الأخيرة أدت أيضاً إلى توسع استيراد المواشي واللحوم، في ظل ضعف بعض مؤسسات الدولة، الذي ربما ساهم في دخول بؤر جديدة للمرض، وجعل الحمى القلاعية تظهر بصورة شبه سنوية».

من عمليات الكشف على أغنام في أحد المزارع بغرب ليبيا (الشرطة الزراعية)

لكن تكرار ظهور المرض لا يعود -حسب الشريف- إلى سنوات الانقسام وحدها، وأوضح في هذا السياق أن ليبيا شهدت منذ ثمانينات القرن الماضي بؤراً متفرقة للمرض في الشرق والغرب، وكانت الإصابات تظهر كل 5 سنوات تقريباً، قبل أن يتم احتواؤها عبر «التطعيم الحلقي»، الذي يعتمد على التخلص من الحيوانات المصابة، وتحصين المواشي في نطاق البؤرة؛ مشيراً إلى أن آخر حملة تطعيم شاملة على مستوى ليبيا نُفذت عام 2013، قبل أن ترتفع وتيرة الإصابات بين عامي 2015 و2019، لتتحول من موجات متباعدة إلى حالات تفشٍّ شبه سنوية.

ويُعد مرض الحمى القلاعية من أكثر الأمراض الفيروسية عدوى بين الحيوانات ذات الظلف المشقوق، مثل الأبقار والأغنام والماعز، ويسبب ارتفاعاً في درجات الحرارة، وتقرحات بالفم والحوافر تؤدي إلى العَرَج وانخفاض إنتاج الحليب، وينتقل عبر المخالطة المباشرة والهواء والأدوات الملوثة، بينما تظل إصابة الإنسان به نادرة.

ويوصي متخصصون بالالتزام ببرامج التحصين الدورية، وتطبيق إجراءات الأمن الحيوي داخل الحظائر، وفرض الحجر الصحي على الحيوانات الجديدة، والتخلص الآمن من الحيوانات النافقة. كما أكد العسبلي أن الإبلاغ المبكر عن الحالات المشتبه بها يمثل أحد أهم عوامل احتواء المرض.

غير أن مدير إدارة مكافحة الأوبئة والأمراض المشتركة شدد على أن القضاء على الحمى القلاعية بصورة نهائية «لا يرتبط فقط بالإجراءات البيطرية؛ بل يتطلب معالجة جذور الأزمة، عبر استعادة مؤسسات الدولة قدراتها، وضمان انتظام برامج التحصين، وتشديد الرقابة على حركة استيراد المواشي».