ما الفارق بين «صفقة القرن» وخطة ترمب الجديدة بشأن فلسطين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض  (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

ما الفارق بين «صفقة القرن» وخطة ترمب الجديدة بشأن فلسطين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض  (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

5 سنوات بين طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما عُرف إعلامياً بـ«صفقة القرن» في أواخر ولايته الأولى (2016: 2020) لتطبيع سياسي واقتصادي إسرائيلي عربي مقابل دولة فلسطينية رمزية منزوعة السلاح لا علاقة لها بالقدس وخطة جديدة بأول فترته الثانية، تتوسع إلى السيطرة على قطاع غزة وتهجير سكانه وإعماره مقابل التطبيع وتوسيع احتلال الضفة الغربية.

الأولى لم يُكتب لها النجاح مع بداية السباق الرئاسي الأميركي آنذاك، ومجيء جو بايدن رئيساً جديداً (2020: 2024)، والثانية تجددت مع فوزه. وطُرحت الخطتان أثناء حضور رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وسط رفض عربي دولي.

وبحسب مصادر عربية تحدثت معها «الشرق الأوسط»، فإنه «لا فرق كبيراً بين الخطتين، إذ تتفقان على دعم إسرائيل بشكل مطلق دون القبول بحلول عادلة»، وتختلفان في أن الخطة الجديدة تعد «تطهيراً عرقياً واحتلالاً أميركياً للقطاع».

وتوقعت المصادر تحركاً عربياً واسعاً ومؤثراً وقمة عربية وحراكاً دولياً لإحباط الخطة، كما حدث للصفقة الأولى التي تعثرت.

المحاولة الأولى

وبعد نحو 3 سنوات من تسريبات إعلامية عن دولة فلسطينية منزوعة السلاح وليست لها ولاية على القدس، خرج ترمب، في 28 يناير (كانون الثاني) 2020، في مؤتمر صحافي مع نتنياهو بواشنطن لإطلاق خطته للسلام دون حضور فلسطيني، قائلاً إنها ستتضمن دولة فلسطينية لكن ستبقى القدس عاصمة موحدة لـ«إسرائيل»، لافتاً إلى أن دولاً عديدة ستشارك في توفير 50 مليار دولار لمشاريع جديدة بتلك الدولة.

شاحنات تحمل مساعدات داخل غزة (رويترز)

وكشف نتنياهو وقتها، في المؤتمر، عن أن خطة ترمب تتضمن نزع سلاح المقاومة، وتطبيق «إسرائيل» قوانينها على غور الأردن ومستوطنات الضفة الغربية ومناطق أخرى.

ولاقت خطة ترمب الأولى رفضاً فلسطينياً فورياً، وقال الرئيس محمود عبّاس آنذاك إن «القدس ليست للبيع، وصفقة المؤامرة لن تمر»، في حين أعلن أمين عام الجامعة العربية أحمد أبو الغيط، في مؤتمر صحافي في 1 فبراير (شباط) 2020، «رفض الخطة الأميركية بالإجماع».

المحاولة الثانية

بعد 5 سنوات، كشف الرئيس الأميركي، في مؤتمر صحافي مع نتنياهو، عن أن بلاده ستتولى السيطرة على قطاع غزة، مع إشراف الإدارة الأميركية على عملية إعادة الإعمار مع النظر في سيادة إسرائيل على الضفة الغربية، «خلال الأسابيع الأربعة المقبلة».

وتوقع ترمب أن يتحول القطاع، الذي يضم أكثر من مليوني فلسطيني، إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»، معرباً عن أمله في إمكانية نقل الفلسطينيين من غزة، وذلك بعد أيام من اقتراحه في 25 يناير أن تستقبل مصر والأردن الغزيين.

ورفض ترمب، الاثنين، الإجابة عن سؤال لأحد الصحافيين عما إذا كان يؤيد ضم إسرائيل المحتمل لأجزاء من الضفة الغربية، لكنه قال إن إسرائيل «قطعة أرض صغيرة للغاية»، في حين قدّم مشرعون جمهوريون في مجلس النواب مشاريع قوانين لحظر استخدام مصطلح الضفة الغربية في الوثائق الحكومية الأميركية.

فوارق رئيسية

ولا يرى عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» رئيس الوزراء السابق محمد اشتية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، وجود اختلافات جذرية بين الصفقتين، مؤكداً أن «الشعب الفلسطيني ليس مستأجراً لدى ترمب ليُطالب بإجلائه، وأرض فلسطين ليست مجرد عقار يُباع أو يُشترى، بل هي هوية، ومسقط رأس، وانتماء، ووطن».

ووفق الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، فإن «صفقة القرن اقترحت دولة فلسطينية مستقبلية مشروطة بقيود كبيرة على السيادة وتتطلب تنازلات كبيرة من الفلسطينيين، أمّا الخطة الجديدة فتركز فقط على قطاع غزة، وهي منطقة تواجه تحدياتها الخاصة مثل سيطرة (حماس)، والقضايا الإنسانية، والمخاوف الأمنية»، وفق قولها لـ«الشرق الأوسط».

وتعتقد تسوكرمان أن التدخل المستهدف في الخطة الجديدة يهدف إلى إعادة هيكلة الحكم أو الأمن في غزة بشكل مباشر، بدلاً من الصفقة التي كانت تشمل التفاوض على اتفاقية سلام واسعة النطاق تغطي جميع الأراضي الفلسطينية.

قطاع غزة انهار بشكل كامل (أ.ف.ب)

وعملت صفقة القرن على مزيج من الحوافز الاقتصادية، والضمانات الأمنية لإسرائيل، والمفاوضات متعددة الأطراف مع الجهات الفاعلة الدولية، بينما خطة غزة تنطوي على نهج أكثر صرامة باستخدام تكتيكات الضغط العالي، والمطالب الجريئة، بحسب تسوكرمان التي توقعت أن يركز ضغط ترمب المباشر على تغيير الوضع الراهن في غزة بسرعة، مما قد يؤدي إلى تهميش مفاوضات السلام الأوسع لصالح نتائج أمنية أو سياسية فورية.

وصُممت صفقة القرن على «سياق دبلوماسي عالمي، بينما خطة غزة تركز بشكل أقل على الإجماع العالمي والمزيد على العمل المباشر»، وفق تسوكرمان التي أكدت أن «صفقة القرن كانت تسوية تفاوضية واسعة النطاق للصراع بأكمله، في حين أن الخطة الجديدة لغزة من المرجح أن تكون تدخلاً أكثر تركيزاً يستهدف بشكل خاص التحديات في غزة».

بدوره، يرى رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط بالأردن، جواد الحمد، أن «ثمة تطابقاً بالأسس بين صفقة القرن عام 2020 ودوريات ترمب الحالية بشأن تهجير سكان غزة»، موضحاً أن «الولايات المتحدة لا تعترف بحقوق الفلسطينيين وتعمل على دعم إسرائيل، والتفكير بعقلية الصفقات التجارية».

وبحسب جواد الحمد، فإن «موقف المقاومة وانتصارها على جيش إسرائيل الآن مختلف عن صفقة 2020، وكذلك الرفض العربي والإسلامي والدولي أكبر وأسرع».

من التصفية إلى الجريمة

وبرأي الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي، لـ«الشرق الأوسط»، فإن «صفقة القرن كانت لتصفية القضية الفلسطينية وضم أجزاء من الضفة الغربية، بينما الخطة الجديدة تعد «جريمة حرب وتطهيراً عرقياً لغزة والضفة بعد ضمها»، وفق وصفه.

وبينما يعتبر المؤرخ الفلسطيني عبد القادر ياسين خطة ترمب الجديدة امتداداً لصفقة القرن، يؤكد المحلل السياسي السعودي مبارك آل عاتي أن «الخطة الجديدة كسابقتها تدعم إسرائيل».

ونقل موقع «أكسيوس» الأميركي، الأربعاء، عن مصدر مقرب من ترمب قوله إن «مبادرة غزة كانت فكرة خاصة به ودرسها منذ شهرين، بينما واجهت الخطة الجديدة رفضاً فلسطينياً ومواقف عربية سعودية مصرية أردنية عمانية وغربية تتواصل رفضاً للتهجير وتتمسك بإقامة دولة فلسطينية.

ما مصير الخطة؟

وفي ظل هذا الرفض، ترى تسوكرمان أن التنبؤ بنجاح أي خطة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يشكل تحدياً كبيراً، ويعتمد على تفاصيل التنفيذ، وقبول أصحاب المصلحة، والديناميكيات الإقليمية المتغيرة.

ترمب أعلن نيته السيطرة على قطاع غزة (رويترز)

ورأت أن صفقة القرن كانت تفتقر إلى الدعم الفلسطيني الواسع، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها فرضت تنازلات كبيرة ولم تعالج بشكل كافٍ التطلعات الوطنية الفلسطينية، وكذلك الخطة الجديدة لغزة، إذ ظل هؤلاء اللاعبون الرئيسيون متشككين، فقد تواجه الخطة عقبات كبيرة.

وتشدد على أن العديد من الدول العربية وشعوبها ملتزمون بشدة بالقضية الفلسطينية، وإذا ما اعتُبرت الخطة الجديدة أنها تقوض الحقوق الفلسطينية الأساسية أو تزيد التنازلات، فإن المعارضة العربية والفلسطينية والإقليمية القوية قد تمنع نجاحها.

وبحسب اشتية، فإنه «كما أفشل الشعب الفلسطيني مشاريع التوطين السابقة عام 1954 وما تلاها وكما أسقط صفقة القرن، سيسقط هذا المشروع»، مشيداً بالمواقف السعودية والأردنية والمصرية وكل المواقف العربية والدولية الرافضة لهذا الطرح.

ويراهن البرغوثي على مواقف مصر والسعودية والأردن وباقي الدول العربية وكذلك الشعب الفلسطيني في عدم تمرير خطة ترمب، مؤكداً أن نجاح ترمب في خطته يعني فناء الشعب الفلسطيني، وهذا مستحيل أن يحدث.

ترمب ونتنياهو يتلقيان الأسئلة خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

ويرى ياسين أن «ترمب يتعامل باستخفاف شديد مع قضايا حساسة بالمنطقة ولا يدرك أبعاد ما يقول»، متوقعاً أنه «سيفشل مرة أخرى وتكون خطته الجديدة حبراً على ورق في ظل رفض المقاومة الفلسطينية لتلك المشاريع».

وأشاد آل عاتي بالموقف السعودي والعربي الموحد في رفض خطط ترمب، معتقداً أن من نجح في رفض صفقة القرن في الفترة الأولى لترمب قادر على إحباطها في الفترة الثانية، خصوصاً أن السعودية تتصدى لها بما تتمتع به من ثقل سياسي واقتصادي وديني كبير بالمنطقة، متوقعاً أن يزداد الموقف العربي تنسيقاً بشكل أكبر ونرى قمة عربية في هذا الصدد ومشاورات واسعة مع المجتمع الدولي.


مقالات ذات صلة

«الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل المقترح الجديد بشأن غزة

خاص فلسطينيون يسعون للحصول على ماء في مخيم البريج بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل المقترح الجديد بشأن غزة

حصلت «الشرق الأوسط»، على تفاصيل المقترح الذي صاغه ممثلون لـ«مجلس السلام» بشأن قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون يحملون جثماناً خلال جنازة أربعة أشخاص قُتلوا في غارة إسرائيلية استهدفت سيارة بمدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

بينهم طفل... مقتل 5 فلسطينيين بغارتين إسرائيليتين على قطاع غزة

قُتل خمسة فلسطينيين، اليوم الثلاثاء، على أثر غارتين جويتين إسرائيليتين على غزة، وفقاً للدفاع المدني ومستشفيات في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيعون ضحايا غارة إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص غارة إسرائيلية تقتل إياد الشنباري القائد البارز في «القسام» بغزة

قتلت هجمات إسرائيلية 5 فلسطينيين في مدينتي غزة وخان يونس، وأسفرت غارة عن مقتل إياد الشنباري أحد أبرز قادة «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أشخاص يجلبون مياه الشرب في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين في وسط قطاع غزة 28 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: إسرائيل تستخدم المياه سلاحاً في غزة

حذّرت منظمة «أطباء بلا حدود»، الثلاثاء، من أن إسرائيل تتعمد حرمان أهالي قطاع غزة من الحصول على المياه اللازمة للحياة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز) p-circle

حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

تشهد القاهرة، خلال الأيام المقبلة، حراكاً سياسياً جديداً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة؛ بينما واصلت إسرائيل تصعيدها الميداني، وتوسيع نطاق سيطرتها.

«الشرق الأوسط» (غزة)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».