المجاعة تنهش السودان... «لا طعام ولا دواء ولا أي شيء»

الأم السودانية النازحة منى إبراهيم وأطفالها يجلسون على الأرض في مخيم زمزم للنازحين داخلياً الذي يعاني من المجاعة في شمال دارفور في 21 يناير 2025 (أ.ف.ب)
الأم السودانية النازحة منى إبراهيم وأطفالها يجلسون على الأرض في مخيم زمزم للنازحين داخلياً الذي يعاني من المجاعة في شمال دارفور في 21 يناير 2025 (أ.ف.ب)
TT

المجاعة تنهش السودان... «لا طعام ولا دواء ولا أي شيء»

الأم السودانية النازحة منى إبراهيم وأطفالها يجلسون على الأرض في مخيم زمزم للنازحين داخلياً الذي يعاني من المجاعة في شمال دارفور في 21 يناير 2025 (أ.ف.ب)
الأم السودانية النازحة منى إبراهيم وأطفالها يجلسون على الأرض في مخيم زمزم للنازحين داخلياً الذي يعاني من المجاعة في شمال دارفور في 21 يناير 2025 (أ.ف.ب)

في خلال شهرين، دفنت منى إبراهيم اثنين من أولادها قضيا جوعاً في مخيّم للاجئين في السودان الذي تنهشه حرب أهلية منذ نحو سنتين بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وشهدت هذه الأمّ البالغة 40 عاماً، التي لا حول لها، كيف انطفأت ابنتها رانيا في ربيعها العاشر قبل أن يموت منتصر في شهره الثامن في مخيّم زمزم، حسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وهي باتت تخشى على حياة ابنتها رشيدة (4 سنوات) التي تعاني من فقر حادّ في الدمّ بلا أيّ رعاية طبّية.

الأم السودانية النازحة منى إبراهيم وأطفالها يجلسون على الأرض في مخيم زمزم للنازحين داخلياً الذي يعاني من المجاعة في شمال دارفور في 21 يناير 2025 (أ.ف.ب)

وتتحسّر في تسجيل مصوّر أرسلته عبر «واتسابـ» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أمام مأوى بلا سقف قرب الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور التي تحاصرها «قوّات الدعم السريع» منذ مايو (أيار): «أنا خائفة جداً أن تضيع منّي. نحن متروكون».

وتؤكّد: «ليس هناك طعام ولا دواء ولا أي شيء».

وتروي منى كيف فقدت اثنين من أولادها وهي عاجزة عن مساعدتهما: «ما كان لي سوى أن أضمّهما وهما يحتضران».

وكانت رانيا أوّل من لقي حتفه في المستشفى الوحيد في الفاشر الذي ما زال قيد الخدمة لكنّه يعاني نقصاً شديداً في الطواقم والمعدّات الطبية، في نوفمبر (تشرين الثاني) بعد ثلاثة أيّام من إدخالها بسبب إسهال حادّ. وبعد بضعة أسابيع، لحقها منتصر بعدما انتفخ جسده الصغير بسبب سوء تغذية حادّ.

«هذا كلّ ما لدينا»

أُعلنت حالة المجاعة في مخيّم زمزم الشاسع الذي أنشئ سنة 2004، ويضمّ ما بين 500 ألف ومليون شخص، بالاستناد إلى نظام تصنيف مدعوم من منظمات الأمم المتحدة. وانتشرت في مخيّمين آخرين، وفي بعض أنحاء جبال النوبة في جنوب البلد.

وأنكرت الحكومة الموالية للجيش حدوث مجاعة في البلد، في حين يعاني ملايين الأشخاص نقصاً في التغذية.

في «سلام 56»، إحدى الوحدات الـ48 المكتظّة باللاجئين التي تشكّل مخيّم زمزم، تهزّ أمّهات أطفالهن الذين يعجزون عن المشي من شدّة الإنهاك. وتتشارك عائلات بقايا طبق فول لا طعم له.

وتقرّ راوية علي (35 عاماً)، وهي أمّ لخمسة أطفال: «هذا كلّ ما لدينا». وإلى جانبها دلو فيه ماء عكر من خزّان لمياه الأمطار على بعد ثلاثة كيلومترات، «تشرب منه الحيوانات ونحن أيضاً».

وتعيش في «سلام 56» أكثر من 700 أسرة نزحت من جرّاء الحرب الطاحنة التي تدور منذ أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوّات الدعم السريع» بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو الملقب بـ«حميدتي».

ويقول المنسّق المشرف على الوحدة آدم محمود عبد الله، إنه لم يتلقّ سوى أربع شحنات من المساعدات الغذائية منذ اندلاع الحرب، تعود آخرها إلى سبتمبر (أيلول) مع نحو عشرة أطنان من الدقيق، و«مذاك، لم يصلنا شيء».

ويعكس البؤس الذي حلّ بزمزم ضراوة هذه الحرب التي أودت بحياة عشرات الآلاف، وهجّرت أكثر من 12 مليون شخص وتسبّبت بـ«أكبر أزمة إنسانية تسجّل على الإطلاق»، بحسب «لجنة الإغاثة الدولية» (آي آر سي).

أم تحتضن طفلها الذي يعاني من سوء التغذية الحاد في مستشفى الرحمة في ولاية جنوب كردفان بالسودان (رويترز)

«قرارات تدمي القلوب»

وعلى مسافة نحو 700 كيلومتر من جنوب شرقي مخيّم زمزم، ليس الوضع أفضل حالاً.

وأمام أحد آخر المطابخ الجماعية قيد العمل في مدينة ديلينغ في جنوب كردفان، تمتدّ طوابير الانتظار إلى ما لا نهاية له، بحسب ما تخبر نازك كابالو التي تدير مجموعة للدفاع عن حقوق النساء.

وفي الصور التي تشاركتها مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، نساء ورجال وأطفال هزلى منتفخو البطون، عظامهم ناتئة، يصعب عليهم الوقوف من شدّة الإنهاك.

وبعد أيام من دون أي لقمة تسدّ الرمق، «ينهار البعض منهم... في حين يتقيّأ البعض الآخر عندما يحصل على بعض الطعام»، بحسب كابالو.

وفي كردفان الجنوب التي كانت فيما مضى منطقة زراعية غنيّة، يقتات بعض المزارعين بذوراً كان يفترض بهم زرعها، أو يغلون أوراق نبات.

وتؤكّد كابالو: «بتنا نلحظ الجوع في مناطق لم تشهد سابقاً مجاعة».

نساء سودانيات فررن من الصراع في منطقة دارفور بالسودان يصطففن لتلقي حصص الأرز من متطوعي الصليب الأحمر في أورانغ على مشارف أدري بدولة تشاد 25 يوليو 2023 (رويترز)

وقد حلّ الجوع بهذا البلد الزاخر بالموارد الطبيعية، حتّى على بعد مئات الكيلومترات من المناطق التي ضربتها المجاعة.

وفي القضارف، على بعد 400 كيلومتر من جنوب شرقي الخرطوم، حيث يعيش أكثر من مليون نازح، تصل عائلات فارة من المعارك الضارية يائسة ومتضوّرة.

وتخبر ماري لوبول، مديرة الشؤون الإنسانية في منظمة «أنقذوا الأطفال» غير الحكومية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها رأت «أطفالاً شديدي الضعف، تسيل أنوفهم، ويعانون التهاباً في ملتحمة العين. ويتّخذ الأهل قرارات تدمي القلوب ليحدّدوا أيّاً من أطفالهم تحتّم عليه الموت».

تداعيات طويلة الأمد

في جنوب العاصمة الخرطوم، أخبر عمّال في برنامج الأغذية العالمي أنهم رأوا أشخاصاً «هم جلد على عظم»، يقتاتون عدساً وحبوباً مغلية، بحسب ما نقلت ليني كينزلي، المسؤولة عن التواصل في البرنامج، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتؤكد المنظمات المعنية بالمساعدات الإنسانية أن الحرب تجعل عملها شبه مستحيل.

صورة ملتقطة في يناير 2024 تُظهر نساء وأطفالاً في مخيم زمزم للنازحين بالقرب من الفاشر في شمال دارفور (رويترز)

وتكشف لوبول: «لا يمكننا بكلّ بساطة أن نحمّل الإعاشات في شاحنة وننقلها إلى المناطق المتأثّرة بالمجاعة. فحواجز العبور وقرارات الرفض وعمليات النهب من جماعات مسلّحة تحرم من هذه المساعدات مَنْ هم في أشدّ الحاجة إليها».

ومن دون تحرّك سريع، قد تعيث المجاعة خراباً في البلد، بحسب منظمات غير حكومية.

وتحذّر لوبول من أن «أشخاصاً يموتون راهناً لكنّ التداعيات الطويلة المدى ستلاحق السودان على مدى أجيال».

ومع حلول الليل في مخيّم زمزم، تتمدّد ابنة منى إبراهيم على الفراش بلا طاقة ومقطوعة النفس. وتقول والدتها: «لا أعلم إلى أي حد يمكننا أن نصبر».


مقالات ذات صلة

العنف الجنسي في السودان... اعتداء منهجي وسلاح حرب يقتل مراراً

خاص سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)

العنف الجنسي في السودان... اعتداء منهجي وسلاح حرب يقتل مراراً

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتوارى خلف جدران منازل مهدمة ومخيمات نزوح مكتظة قصص نساء وفتيات نجون من العنف الجنسي، لكن نجاتهن لم تكتمل بعد.

بهرام عبد المنعم (السودان)
خاص سيدتان تتجولان في أحد أحياء الخرطوم المهدمة (أ.ف.ب)

خاص من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

بعد سنوات من الحرب التي تركت وراءها دماراً هائلاً، بدأت العاصمة الخرطوم تستعيد نضبها بعودة بعض الأنشطة الرياضية والموسيقية والفنية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (متداولة)

هجوم «المسّيرات» يزيد الضغط على مدينة الأُبَيِّض السودانية

تسود مخاوف جدية من احتمال تجدد المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مدينة الأُبَيِّض، أكبر مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب) p-circle

مقتل أكثر من 1000 مدني بالمسيّرات في السودان خلال 5 أشهر من 2026

استنكر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، «الزيادة الحادة» في استخدام الطائرات المسيّرة خلال الحرب بالسودان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

خاص حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

في أرفف مغطاة بالتراب، يُحيط بها الركام والغبار من كل جانب، تقبع ملايين الوثائق المهمة التي تسجل أكثر من 500 عام من تاريخ السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)

حراك شعبي ضد «توطين المهاجرين» يثير غضب «طوارق ليبيا»

جانب من المظاهرة الرافضة لتوطين الأجانب في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من المظاهرة الرافضة لتوطين الأجانب في ليبيا (أ.ف.ب)
TT

حراك شعبي ضد «توطين المهاجرين» يثير غضب «طوارق ليبيا»

جانب من المظاهرة الرافضة لتوطين الأجانب في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من المظاهرة الرافضة لتوطين الأجانب في ليبيا (أ.ف.ب)

انتابت أوساط الطوارق في ليبيا موجة غضب واسعة، عقب رفع شعارات خلال حراك شعبي مناهض لـ«توطين المهاجرين غير النظاميين»، ربطت بين هذا الملف وقضية «الأرقام الإدارية» التي يحملها آلاف من أبناء المكون «التارقي» في جنوب البلاد.

ويحمل هؤلاء أرقاماً إدارية مؤقتة تُستخدم لإثبات الهوية منذ سنوات، لكنها لا تمنح أصحابها الحقوق السياسية أو الامتيازات الاجتماعية، التي تكفلها الأرقام الوطنية، وهو ملف ظل محل جدل متواصل منذ عهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.

مظاهرة ضد توطين المهاجرين في طرابلس (لقطة من تسجيل مصور)

ومع تصاعد الاحتجاجات الرافضة لما يصفه منظموها بمحاولات توطين المهاجرين داخل ليبيا، منذ مطلع يونيو (حزيران) الحالي، أثار تداول شعارات عُدَّت موجهة ضد قضية حاملي الأرقام الإدارية، وتحدثت عن تمرير «التوطين» من خلالها، ردود فعل غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي.

وقال موسى أحمد، أحد حاملي الأرقام الإدارية من الطوارق، إن بعض الشعارات التي رُفعت خلال مظاهرة أمام المنظمة الدولية للهجرة في طرابلس، الثلاثاء، «استهدفت هذه الفئة بصورة مباشرة»، عادَّاً أن ربط قضيتهم بملف التوطين يمثل تحريضاً ضد مواطنين يسعون إلى تسوية أوضاعهم القانونية.

في السياق ذاته، أكد الناشط إبراهيم المعيقلي أن الأرقام الإدارية مُنحت عبر إجراءات رسمية معتمدة، في حين طالب المدون أحمد جمعة الشريفي باعتذار علني عن هذه الشعارات، مشدداً على أن الفصل في الملف يظل اختصاصاً قضائياً بالدرجة الأولى.

من لقاء سابق في الزنتان بحضور أعضاء من المجلس الاجتماعي لقبائل طوارق ليبيا (الصفحة الرسمية للمجلس)

هذا الغضب عدَّته الناشطة المهتمة بهذا الملف، خديجة عنديدي، «مُبرَّراً»، محذرة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من مغبة «استمرار استغلال معاناة آلاف الأسر الليبية، التي عانت لعقود من التهميش والحرمان من حقوقها الأساسية، وتحويل قضيتها مادةً للمزايدات السياسية».

ووجد هذا السخط تضامناً حقوقياً من جانب منظمة «ضحايا» لحقوق الإنسان، برئاسة ناصر الهواري، الذي رأى أن أصحاب الأرقام الإدارية «ليبيون في الأصل، ويجب العمل على منحهم الجنسية والهوية الوطنية»، مشيراً إلى أن كثيراً منهم «شاركوا في الدفاع عن البلاد، ومن بينهم كفاءات أكاديمية وإدارية، ويستحقون تسوية أوضاعهم القانونية».

ولا توجد إحصاءات رسمية عن أعداد الطوارق، لكن «المجلس الأعلى لطوارق ليبيا» قدّر عدد الأسر الطوارقية، الحاملة لهذه الصفة، بنحو 14 ألف أسرة، تتوزع على مدن عدة في الجنوب، من بينها غات وأوباري.

ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لتوطين المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)

في المقابل، رفضت الناشطة الحقوقية ثريا الطويبي، إحدى الوجوه البارزة فيما يعرف بـ«حراك ضد التوطين»، اتهامات التحريض والعنصرية، عادةً أن مطالب المحتجين تنحصر في ضرورة إخضاع ملفات حاملي الأرقام الإدارية للفحص القضائي الفردي.

وقالت الطويبي إن المحتجين لا يعترضون على أصحاب الأرقام الإدارية بصفتهم الشخصية، بل يطالبون بالتحقق من مدى استحقاق كل حالة على حدة، خصوصاً في ظل ما تقول إنه وجود وقائع تزوير موثقة في السجل المدني. وأضافت أن المطالبة بالفحص القانوني لا تعني رفض منح الحقوق للمستحقين، وإنما تهدف إلى ضمان سلامة الإجراءات القانونية، وفق منشور عبر صفحتها بموقع «فيسبوك».

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى ما يعلنه مكتب النائب العام الليبي، الصديق الصور، بشكل دوري بشأن قضايا تزوير بيانات الأحوال المدنية والأرقام الوطنية. وكان المكتب قد أعلن أخيراً عن كشف وقائع تزوير في عدد من القيودات العائلية، ترتب عليها حصول أشخاص على أرقام هوية وطنية، ومزايا مخصصة للمواطنين الليبيين.

ويعيد الجدل الحالي إلى الواجهة قضية شائكة تعود إلى عقود؛ إذ يطالب أبناء الطوارق منذ عهد الزعيم الراحل معمر القذافي بالحصول على حقوق المواطنة الكاملة، واستخراج أرقام وطنية تمكنهم من المشاركة السياسية، والاستفادة من الخدمات العامة.

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وفي محاولة لمعالجة هذه المشكلة، شرعت السلطات الليبية منذ عام 2014 في منح أرقام إدارية مؤقتة لآلاف الأشخاص لحين تسوية أوضاعهم القانونية، غير أن الملف ظل عالقاً بسبب تعقيدات قانونية وإدارية متشابكة.

وكان أحدث تطور في هذا الملف، الذي استمر لعقود، هو تضمين ملف حاملي السجلات المؤقتة ضمن توصيات الحوار الليبي المهيكل، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا خلال الأشهر الماضية، حيث دعت التوصيات إلى دعم الإجراءات التي تضمن كرامة المسجلين في السجل المؤقت، وتنفيذ القرارات النافذة الصادرة قبل عام 2011، والفصل النهائي في ملفات السجل المدني خلال مدة لا تتجاوز سنة، بما ينهي حالات انعدام الجنسية، ويكفل الحقوق الأساسية خلال فترة التسوية.

وحسب اعتقاد عضو الحوار المهيكل، محمد إبراهيم ماخي، فإن ما توصل إليه الحوار المهيكل هو «معالجة جادة ومسؤولة لواحد من الملفات الشائكة، التي ظلت عالقة لسنوات، خصوصاً أنه يلامس حقوقاً قانونية وإدارية ترتبط بشريحة من المواطنين وأصحاب السجلات المؤقتة».

وأبدي ماخي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ثقته في أن البت في هذا الملف خلال عام «أمر ممكن وقابل للتطبيق شريطة توفر إرادة سياسية حقيقية، والتزام واضح من الجهات التنفيذية المختصة بتنفيذ التوصيات، وفق إطار قانوني منظم وجدول زمني محدد».

ورداً على ما حدث في مظاهرة الثلاثاء، انتهي ماخي إلى «المطالبة بالتعامل مع الملف بعيداً عن التسييس، أو محاولات خلط الأوراق لأن الهدف الأساسي هو الوصول إلى حلول عادلة ومنصفة تحفظ الحقوق المشروعة وتخدم المصلحة الوطنية العليا حسب القوانين المعمول بها في ليبيا».


«الثلاثية المغاربية» تبحث تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة

عدد من المشاركين في الاجتماع الوزاري والأمني الثلاثي بطرابلس (وزارة الداخلية الليبية)
عدد من المشاركين في الاجتماع الوزاري والأمني الثلاثي بطرابلس (وزارة الداخلية الليبية)
TT

«الثلاثية المغاربية» تبحث تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة

عدد من المشاركين في الاجتماع الوزاري والأمني الثلاثي بطرابلس (وزارة الداخلية الليبية)
عدد من المشاركين في الاجتماع الوزاري والأمني الثلاثي بطرابلس (وزارة الداخلية الليبية)

يجري وفد من وزارة الداخلية الجزائرية في ليبيا، منذ الثلاثاء، اجتماعات في ليبيا مع مسؤولين بوزارتي الداخلية وجهازي الأمن بتونس وليبيا، تخص مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية بالحدود.

وتندرج الاجتماعات في إطار «القمة المغاربية التشاورية»، التي جمعت قادة الدول الثلاث الجزائر وتونس وليبيا في تونس بتاريخ 22 أبريل (نيسان) 2024؛ حيث اتفق القادة على تشكيل «فرق عمل مشتركة»، أحدها مكلف بالحدود.

البعثة الحكومية الجزائرية في اجتماع طرابلس (وزارة الداخلية الليبية)

وأفادت وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية الليبية، في بيان، بأن العاصمة طرابلس استضافت، الثلاثاء، اجتماعاً لـ«فريق العمل الليبي الجزائري - التونسي المكلّف بتأمين الحدود المشتركة»، وذلك في إطار تعزيز التعاون الأمني بين الدول الثلاث، وتطوير آليات التنسيق الميداني لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في المنطقة.

حزام أمني مغاربي

بحسب الوزارة، ناقش الاجتماع «رفع مستوى التعاون الأمني المشترك بين ليبيا وتونس والجزائر، بما يشمل تأمين الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، إضافة إلى التصدي لخطر الإرهاب والحد من الهجرة غير الشرعية، بما ينعكس على تعزيز الأمن والاستقرار، وحماية المصالح المشتركة لشعوب المنطقة».

الوفد الرسمي الليبي في اجتماع طرابلس حول تأمين الحدود (وزارة الداخلية الليبية)

ونقل البيان نفسه عن وكيل وزارة الداخلية للشؤون العامة الليبية، اللواء محمود سعيد، قوله إن الدول الثلاث حريصة على تطوير التعاون الأمني المشترك وتوحيد الجهود الميدانية، بما يضمن رفع الجاهزية في مواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود.

واللافت أنَّ الحكومتينِ الجزائرية والتونسية لم تنشرا أي تفاصيل عن هذا الاجتماع الذي يندرج في إطار سلسلة اجتماعات «القمة المغاربية الثلاثية»؛ وهي الآلية التي أثارت جدلاً واسعاً عند إطلاقها، حيث فُهمت على أنها خطوة لتعويض «اتحاد المغرب العربي»، الذي يضم إلى جانب الدول الثلاث كلاً من المغرب وموريتانيا، والذي يشهد شللاً تاماً بسبب الخلافات بين الجزائر والرباط.

وأعقب عقد «قمة 2024» اجتماعات أخرى على مستوى القادة، تم الاتفاق خلالها على إطلاق جهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار الإقليمي، وتعزيز الشراكة والتكامل الأمني، بما يسهم في حماية الحدود المشتركة، والحد من مختلف أشكال الجريمة المنظمة.

صورة أرشيفية لمؤسسي الاتحاد المغاربي

وتأتي هذه الاجتماعات الثلاثية في ظل تصاعد التحديات الأمنية في منطقة شمال أفريقيا، خصوصاً مع تنامي شبكات التهريب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، ما يدفع الدول الثلاث إلى تعزيز التعاون الأمني، وتنسيق الجهود الميدانية لضبط الحدود وتحقيق الاستقرار الإقليمي.

4 ملفات فوق الطاولة

بحسب مصادر حكومية، تدارست الوفود الأمنية رفيعة المستوى في اجتماع طرابلس التحديات الميدانية الحالية على طول الأشرطة الحدودية المشتركة، حيث جرى تفكيك معضلات الأمن والتنمية وصياغتها في أربعة ملفات أساسية: الملف الأول يتمثل في مراجعة تدابير إغلاق المنافذ، حيث بحث الاجتماع تقييم الإجراءات الميدانية المفروضة، التي نجحت في كبح تسلل الجماعات المسلحة، لكنها خلفت عبئاً اقتصادياً على السكان المحليين.

الوفد الحكومي التونسي خلال مشاركته في اجتماع طرابلس (وزارة الداخلية الليبية)

وضمن هذا الملف تدارس المسؤولون، حسب نفس المصادر، دعم مشروعات تنموية لفائدة سكان الحدود، لا سيما قبائل الطوارق في مناطق إليزي وجانت بالجزائر وما يقابلها في الغرب الليبي كغدامس وغات، والتي تضررت مداخيلها المعيشية المعتمدة تاريخياً على التجارة البينية والروابط العائلية العابرة للحدود، مع التأكيد على ضرورة حماية هذه الحواضن الاجتماعية لمنع استقطابها من شبكات الجريمة.

ويتعلق الملف الثاني بمواجهة شبكات التهريب، التي حولت نشاطها إلى جريمة منظمة عابرة للحدود، ومكافحة تدفق المخدرات والأسلحة، حيث ركزت الوفود على خطورة تحول نشاط التهريب من سلع معيشية مدعمة، إلى تجارة نوعية تهدد الأمن القومي، مع وضع خطط عملياتية لمحاصرة شبكات تهريب الأسلحة والذخيرة القادمة من مستودعات السلاح الليبية غير الخاضعة للرقابة. وأيضاً محاصرة تهريب الحبوب المهلوسة، والمخدرات الصلبة العابرة للمدن وشبكات تهريب السجائر، والمنقبين غير الشرعيين عن الذهب في عمق الصحراء.

كما ناقش المجتمعون الآليات الاستخباراتية المشتركة لرصد روابط المصلحة بين بارونات التهريب والتنظيمات المتطرفة في منطقة الساحل، التي تفرض إتاوات مقابل تأمين طرق المسالك الصحراوية الوعرة.

مهاجرون غير نظاميين من بلدان الساحل على حدود الجزائر (حسابات ناشطين في مجال غوث المفقودين)

ويخص الملف الثالث إدارة تدفقات الهجرة غير النظامية، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، وتأمين مسارات العبور الملغومة. وقد وقف الاجتماع عند خريطة تحرك المهاجرين غير النظاميين القادمين من دول الساحل والقرن الأفريقي عبر التضاريس الوعرة، وتحول المنطقة إلى رواق عبور رئيسي تستغله شبكات المتاجرة بالبشر نحو العمق الليبي، ثم السواحل الأوروبية.

كما تم التباحث حول سبل التنسيق البيني لتخفيف الضغط الأمني والمالي والصحي الكبير، الذي تواجهه وحدات حرس الحدود، ومراكز الإيواء في الولايات والمناطق الجنوبية للمنطقة المشتركة.

مصافحة على هامش القمة المغاربية الثلاثية التي عقدت بتونس في 22 أبريل 2024 (الرئاسة التونسية)

أما الملف الرابع فيخص تفعيل معابر التنمية الاقتصادية، وتأمين القوافل التجارية وتنشيط الصادرات؛ إذ بحثت الوفود سبل بعث الروح في المبادلات التجارية البرية واستحداث مناطق تبادل حر، والتركيز على تفعيل الاستثمار والتصدير خارج المحروقات كبديل اقتصادي أمن للمنطقة. وتطرق النقاش، وفق المصادر ذاتها، إلى آليات تجاوز العقبات الميدانية، المرتبطة بغياب التوحيد الأمني الشامل في الجانب الليبي، وبحث صيغ أمنية مرنة ومستمرة بين قطاعات وزارة الداخلية لحماية الشاحنات، والقوافل التجارية من تهديدات الفصائل المحلية المسلحة.


مبادرة بولس لتوحيد ليبيا تخرج للعلن... وخلافات تحيط بمستقبلها

من الجلسة الختامية للحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة في طرابلس (البعثة الأممية)
من الجلسة الختامية للحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة في طرابلس (البعثة الأممية)
TT

مبادرة بولس لتوحيد ليبيا تخرج للعلن... وخلافات تحيط بمستقبلها

من الجلسة الختامية للحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة في طرابلس (البعثة الأممية)
من الجلسة الختامية للحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة في طرابلس (البعثة الأممية)

خرجت مبادرة أميركية ترمي إلى توحيد السلطة المنقسمة في ليبيا من دائرة التسريبات والتكهنات إلى العلن، مع أول حديث مباشر لمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس عن خطة تستهدف تشكيل حكومة موحدة، وإعادة توحيد المؤسسات الليبية المنقسمة، في مقاربة تربط بين التسوية السياسية، وضمان استقرار قطاع النفط وتعزيز الاستثمارات الأميركية.

وعلى مدى الأشهر الماضية، ظلّت الأوساط السياسية الليبية تتداول معلومات متفرقة عن تحركات يقودها بولس لتجاوز حالة الجمود، التي تعصف بالمسار السياسي منذ سنوات، عبر صياغة تفاهم مباشر بين مراكز النفوذ الرئيسية في شرق البلاد وغربها.

مسعد بولس والمبعوثة الأممية هانا تيتيه في لقاء سابق (البعثة الأممية)

وتقوم هذه المقاربة، وفق ما تردد في وسائل إعلام محلية ودولية، على الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة في طرابلس، مقابل صعود نائب قائد «الجيش الوطني» الفريق أول صدام حفتر إلى رئاسة مجلس رئاسي جديد.

في أول تأكيد علني لوجود مسار سياسي تدعمه واشنطن لمعالجة الانقسام القائم، نقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» عن بولس قوله إن الخطة الأميركية تستهدف «تشكيل حكومة موحدة وتوحيد جميع المؤسسات».

ولم يُخفِ المسؤول الأميركي البعد الاقتصادي للمبادرة، إذ ربط نجاح الاستقرار السياسي بتهيئة البيئة اللازمة لدخول شركات النفط الأميركية الكبرى إلى السوق الليبية، من بينها «شيفرون» و«كونوكو فيليبس»، مع طموح لمضاعفة إنتاج النفط الليبي ليصل إلى 3 ملايين برميل يومياً بحلول نهاية العقد الحالي.

وينظر مراقبون إلى هذه المبادرة باعتبارها مقاربة تستند إلى موازين القوى القائمة على الأرض، وتعكس توجهاً أميركياً براغماتياً يربط بين ترتيبات الحكم وضمان تدفقات النفط والاستقرار الاقتصادي، من خلال التفاهم المباشر مع القوى السياسية والعسكرية الفاعلة.

ولم تصدر حتى الآن مواقف رسمية واضحة من أبرز الأطراف السياسية الليبية بشأن تصريحات بولس، غير أن الجدل حول المبادرة بدأ يتسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية، بين من يراها فرصة لكسر حالة الانسداد السياسي، ومن يعدّها إعادة إنتاج لترتيبات سابقة، لم تحقق تقدماً ملموساً نحو الانتخابات أو إنهاء الانقسام.

وفي معسكر الرافضين، اعتبر تجمع يضم سياسيين وأكاديميين وحقوقيين ليبيين أن أي تسوية سياسية ينبغي أن تستند إلى قاعدة دستورية واضحة وإرادة شعبية مباشرة. وأعلن ما يعرف بـ«التجمع الوطني لمترشحي مجلس النواب بطرابلس»، الذي ضم 136 موقعاً على بيان مشترك، تحفظه على مبادرات، ومن بينها مبادرة بولس، مطالباً بتحديد موعد ملزم للاستفتاء على مشروع الدستور ليكون أساساً لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

كما رأى عضو المجلس الأعلى للدولة، بلقاسم دبرز، أن المبادرة تعكس تراجعاً لدور البعثة الأممية لحساب الدور الأميركي، معتبراً أن جهود الأمم المتحدة باتت تتجه إلى مواءمة مخرجات الحوار السياسي مع الطرح الذي يقوده بولس، بحسب تصريحات لإعلام محلي.

بدوره، وجّه المستشار الأمني والسياسي الليبي ورئيس اللجنة الأمنية العليا السابق في طرابلس، هاشم بشر، انتقادات حادة للمبادرة، واصفاً إياها بأنها «تحول صريح نحو دبلوماسية الصفقات البراغماتية، التي تتجاوز الشروط الدستورية، وتتعامل مباشرة مع القوى المسيطرة ميدانياً».

وبحسب رؤيته، التي نقلها لـ«الشرق الأوسط»، يبدو أن جوهر هذه المقاربة يتمثل في «شراء استقرار أمني ومالي مؤقت، يضمن مصالح شركات النفط الغربية»، محذراً من أنها قد تمنح شرعية إضافية لقوى الأمر الواقع، وتؤدي إلى إدارة الانقسام بدلاً من إنهائه، بما يضعف فرص الوصول إلى انتخابات شاملة.

في المقابل، يرى مؤيدو المبادرة أنها تمثل خياراً أكثر واقعية من المسارات السابقة التي تعثرت مراراً، ويعتقدون أنها قد تفتح نافذة لإنهاء حالة الانقسام إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الأطراف الليبية والدعم الدولي اللازم لتنفيذها. كما تشير تقديرات سياسية إلى وجود قبول نسبي للفكرة داخل معسكر شرق ليبيا، الذي ينظر إليها باعتبارها إطاراً يمكن البناء عليه للوصول إلى تسوية أوسع.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة السياسية في ليبيا (المجلس)

ويأتي هذا الجدل بالتزامن مع ترقب إحاطة مرتقبة، ستقدمها هانا تيتيه أمام مجلس الأمن الدولي، الخميس، تستعرض خلالها آخر التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية، إضافة إلى نتائج الحوار المهيكل، الذي اختتم أعماله أخيراً، وشمل ملفات الحوكمة والأمن، والمصالحة وحقوق الإنسان والاقتصاد.

ويرى دبلوماسيون أن الإحاطة قد تكشف إلى أي مدى يمكن أن تتقاطع خريطة الطريق الأممية مع المبادرة الأميركية الجديدة، أو تدخل في منافسة معها على رسم ملامح المرحلة المقبلة في ليبيا.