«الدعم السريع» تسيطر على معبر حدودي مع جنوب السودان ومدينة استراتيجية

مواطنون يتهمون «كتائب الإخوان» بقتل وتعذيب العشرات... ويستنجدون بالجيش

جنود من «قوات الدعم السريع» خلال دورية بمنطقة شرق النيل (أرشيفية - أ.ب)
جنود من «قوات الدعم السريع» خلال دورية بمنطقة شرق النيل (أرشيفية - أ.ب)
TT

«الدعم السريع» تسيطر على معبر حدودي مع جنوب السودان ومدينة استراتيجية

جنود من «قوات الدعم السريع» خلال دورية بمنطقة شرق النيل (أرشيفية - أ.ب)
جنود من «قوات الدعم السريع» خلال دورية بمنطقة شرق النيل (أرشيفية - أ.ب)

أعلنت «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقتين استراتيجيتين قرب وعلى حدود السودان الجنوبية الشرقية مع دولتي جنوب السودان وإثيوبيا، هما بلدة «بوط» بولاية النيل الأزرق، والمعبر الحدودي مع الجمهورية الجنوبية عند بلدة «جودة» بولاية النيل الأبيض، وهو ما نفاه الجيش، وأكد أنه يسيطر على كامل المنطقة.

وإلى ذلك، وجّه مواطنون في ولاية سنار اتهامات لـ«كتائب الإخوان» المعروفة باسم «كتائب البراء بن مالك»، بقتل واعتقال وتعذيب مدنيين في منطقة استردها الجيش أخيراً، بذريعة «التعاون مع (الدعم السريع)»، وطالبوا الحكومة وقيادة الجيش بالتدخل لحمايتهم.

شاحنة تحمل مسلحين تابعين للجيش السوداني في أحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في نوفمبر 2024 (أ.ف.ب)

وقالت «قوات الدعم السريع» في بيان، إنها سيطرت على «اللواء 70» و«الكتيبة 379 مشاة» التابعة للجيش ببلدة «جودة» الواقعة بمحلية الجبلين بولاية النيل الأبيض، ولم يصدر من الجيش تعليق على ما أوردته.

ويعد معبر «جودة» الحدودي أحد أكبر المعابر بين السودان وجنوب السودان، ويربط ولاية النيل السودانية ومقاطعة «الرنك» بجنوب السودان، ومن يسيطر عليه يسيطر تقريباً على أكثر حدود البلدين نشاطاً، ويهدد ولاية النيل الأبيض التي توجد «قوات الدعم السريع» في شمالها وتسيطر على محلية «القطينة»، كما يهدد مدينة «الجبلين» حاضرة المحلية التي تبعد نحو 40 كيلومتراً عن منطقة جودة، والتي بدأت فيها حركة نزوح منذ وصول «الدعم» إليها.

وقالت «الدعم السريع» إنها سيطرت أيضاً على «اللواء 15 مشاة» التابع لـ«الفرقة الرابعة مشاة» في بلدة «بوط» بمحلية التضامن بولاية النيل الأزرق، وإن الجيش انسحب وسيطرت قواتها على البلدة، كما استولت على عدد كبير من الذخائر والمعدات، وهو ما نفاه الجيش، وقال في نشرة صحافية على منصته الرسمية على «فيسبوك»، إنه صد محاولة «يائسة لميليشيا آل دقلو الإرهابية» استهدفت البلدة، وكبدتها خسائر كبيرة في العتاد والأرواح، وأضاف: «بوط ستظل أبية عصية على بقايا المتمردين».

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بين قواته في سنار قبل هجوم «الدعم السريع» عليها (موقع مجلس السيادة في «فيسبوك»)

وسيطرت «قوات الدعم» على عدة بلدات في ولاية النيل الأزرق، عقب استرداد الجيش لمدن «سنجة، والسوكي، والدندر» بولاية سنار، والقوات المنسحبة من سنار (يقول الجيش إنها فرّت) سيطرت على تلك المناطق في الولاية الحدودية؛ ما يهدد العاصمة «الدمازين» مقر «الفرقة الرابعة مشاة» التابعة للجيش التي تبعد عنها بعشرات الكيلومترات فقط.

وناشد مواطنو قرية «الشقيق» في ريف مدينة سنجة حاضرة ولاية سنار، القوات المسلحة التدخل لوقف انتهاكات «كتائب البراء» المستنفرين ضد السكان، وقالوا إنها اعتقلت وعذبت 22 مواطناً، وقتلت اثنين تحت التعذيب، بتهمة «التعاون مع (الدعم السريع)» التي تصل عقوبتها إلى الإعدام، وجرت الاعتقالات والقتل دون محاكمة. وقالوا في بيان: «نناشد حكومة السودان وقيادة القوات المسلحة، إيقاف هذه الاعتقالات والتعذيب على أساس إثني، وإجراء تحقيق حول أسباب الوفيات»، وتابع البيان: «نحملكم مسؤولية كل هذا العبث والضرر الذي لحق بنا»... ودعا البيان مفوضية حقوق الإنسان، وجهات مناهضة التعذيب والإخفاء القسري، للتدخل الفوري، وإجراء تحقيق، وإطلاق سراح المعتقلين.

سودانيون نازحون هرباً من ولاية سنار جنوباً (أ.ف.ب)

ولا تعد العمليات «الانتقامية» التي ينفذها كل من الجيش و«قوات الدعم السريع» استثنائية؛ إذ ظلت مواقع التواصل الاجتماعي تتداول مقاطع فيديو لعمليات إعدام عدد من المواطنين في منطقة «الحلفايا» بالخرطوم بحري من قبل عسكريين وهم يطلقون النار عن قرب على أشخاص بثياب مدنية بحضور الشهود... في حين نفذت «الدعم السريع» عمليات «انتقامية» واسعة النطاق في شرق ولاية الجزيرة بوسط البلاد، بعد معارك أعقبت انسلاخ قائدها العسكري أبو عاقلة كيكل وانضمامه للجيش، راح ضحيتها المئات بين قتيل بالرصاص أو تحت التعذيب أو جراء الحصار والجوع وانعدام الدواء.

وقال الإداري الأهلي وضابط الشرطة المتقاعد مالك الحسن أبو روف، ناظر المنطقة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «قوات العمل الخاص، وغيرها من كتائب الكيزان، ارتكبت، وترتكب، انتهاكات واسعة وعلى أساس إثني في سنجة، وأبو حجار، وود النيل، ودار عقيل، بجانب انتهاكاتها السابقة للمواطنين في الدندر، والسوكي، وكامراب، وود العيس، بذريعة التعامل والتعايش مع (قوات الدعم السريع)». وتابع: «الجيش هرب من تلك المناطق وترك المواطنين دون حماية، وعندما عاد اتهمهم بالتعاون والتعايش مع (قوات الدعم السريع)».


مقالات ذات صلة

العطش يحاصر سكان الخرطوم في عام الحرب الرابع

خاص تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)

العطش يحاصر سكان الخرطوم في عام الحرب الرابع

تزداد حياة السودانيين تعقيداً في ظل الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي، وبات الحصول على المياه معركة يومية لا تقل قسوة عن أصوات المدافع والقذائف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا الفريق ياسر العطا خلال لقائه في وقت سابق حاكم إقليم النيل الأزرق (فيسبوك) p-circle

العطا يتفقد جبهة النيل الأزرق وسط تصاعد هجمات «الدعم السريع»

جدد عضو مجلس السيادة السوداني رئيس هيئة أركان الجيش، الفريق أول ياسر العطا، تعهده بمواصلة دعم العمليات العسكرية في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)

خاص اتهامات وتحشيد عسكري... هل يقترب السودان وإثيوبيا من المواجهة؟

تشهد العلاقات بين السودان وإثيوبيا تصعيداً غير مسبوق، بعد تبادل الاتهامات السياسية والعسكرية بين البلدين بشأن دعم جماعات مسلحة وشن هجمات بطائرات مسيرة.

شمال افريقيا 
رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي (الشرق الأوسط)

حاكم دارفور: «الدعم السريع» ارتكبت أكبر الجرائم

أكد رئيس «حركة تحرير السودان»، حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، أن «قوات الدعم السريع» ارتكبت أكبر الجرائم في السودان، وأن البلاد تنهار تحت وطأة الحرب.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
خاص رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي (الشرق الأوسط)

خاص مناوي: حملنا السلاح «مجبرين»... والسودان ينهار تحت وطأة الحرب

وصف رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور، مشاركة قواته في الحرب إلى جانب الجيش بأنها «ضرورة»، وقال إن الاستهداف طال أرواح السودانيين وتاريخهم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

العطش يحاصر سكان الخرطوم في عام الحرب الرابع

تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)
تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)
TT

العطش يحاصر سكان الخرطوم في عام الحرب الرابع

تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)
تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتفاقم معاناة المواطنين بصورة غير مسبوقة، في ظل الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي والانهيار الواسع للخدمات الأساسية، لتتحول أزمة المياه إلى واحدة من أكثر التحديات قسوة في الحياة اليومية. ولم يعد الحصول على مياه الشرب أمراً عادياً، بل أصبح معركة يومية لا تقل قسوة عن أصوات المدافع والقذائف، وتستنزف الوقت والجهد والمال، وسط ظروف إنسانية واقتصادية خانقة.

ومنذ اندلاع الحرب، تحولت مياه الشرب من خدمة أساسية متاحة إلى عبء ثقيل يرهق الأسر السودانية، حيث يقضي السكان ساعات طويلة في طوابير ممتدة للحصول على براميل مياه تكفي احتياجاتهم اليومية، وتبقي الحياة ممكنة في البيوت والأسواق والمطاعم الصغيرة، التي تعطلت بسبب انعدام الإمداد المائي.

أحد مراكز المياه حيث يتجمع الباعة على عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)

وفي عدد من الأحياء الطرفية بالعاصمة الخرطوم، تبدو آثار الأزمة واضحة في تفاصيل الحياة اليومية؛ أطفال ونساء يحملون الأواني لمسافات بعيدة، وعربات الكارو التي تجرها الدواب أصبحت الوسيلة الرئيسية لنقل المياه إلى المنازل، في وقت يشكو فيه السكان من ارتفاع الأسعار وتراجع جودة المياه المتوفرة، وسط مخاوف متزايدة من انتشار الأمراض المرتبطة بالتلوث وانعدام البدائل الصحية، ومطالبات متزايدة بضرورة التدخل العاجل للسلطات لإعادة الخدمات الأساسية وتخفيف معاناة السكان.

معاناة يومية مستمرة

يقول الطيب بلال، صاحب عربة كارو لنقل المياه، إن الأزمة تفاقمت بصورة كبيرة نتيجة الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، الأمر الذي أدى إلى تعطل محطات المياه في كثير من المناطق. وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أنه يقضي أحياناً أكثر من عشر ساعات في انتظار الحصول على برميل مياه يشتريه بخمسة آلاف جنيه سوداني، (نحو دولار) قبل أن يبيعه بنحو عشرين ألف جنيه (4 دولارات) وفق أسعار السوق الموازية، لتغطية تكاليف النقل والمجهود اليومي.

الطيب بلال بائع مياه قال إنه يقضي ساعات طويلة في انتظار تعبئة برميل الماء (الشرق الأوسط)

أما المواطنة زينب التوم، فتصف معاناة السكان بأنها «قاسية ومستمرة»، مشيرة إلى أن الأسر باتت مضطرة منذ أكثر من عام إلى شراء المياه بشكل يومي رغم تدهور الأوضاع المعيشية. وأوضحت أن بعض المياه التي تصل إلى المواطنين تكون ملوثة أو غير صالحة للاستخدام الكامل، إلا أن السكان يضطرون لاستخدامها بسبب غياب أي بدائل أخرى.

وتتحدث مكة عبد الله، وهي بائعة شاي، عن الأعباء المتزايدة التي فرضها انقطاع الكهرباء على أصحاب الأعمال الصغيرة، مؤكدة أنها تضطر يومياً إلى شراء عبوتي مياه سعة 24 رطلاً، إلى جانب الفحم وبقية المستلزمات، ما يستهلك معظم دخلها المحدود. وناشدت السلطات التدخل العاجل لإعادة خدمات الكهرباء والمياه، مؤكدة أن استمرار الأزمة فاقم معاناة المواطنين بصورة كبيرة.

بائعة الشاي مكة عبد الله تقول إن انقطاع الكهرباء زاد من أعباء أصحاب الأعمال الصغيرة (الشرق الأوسط)

وفي السياق نفسه، تقول فاطمة حسن، صاحبة مطعم، إن الارتفاع المتواصل في أسعار المياه والثلج أثر بشكل مباشر على عملها، موضحة أن معظم الإيرادات تذهب لتغطية تكاليف التشغيل دون تحقيق أي أرباح حقيقية. وأضافت أنها تعمل في ظروف شاقة لإعالة أسرتها، في وقت يعاني فيه زوجها من المرض والشلل النصفي، بينما يواصل أطفالها الخمسة دراستهم وسط مصروفات متزايدة.

ويرى محمد النور، وهو جزار، أن أزمة المياه أصبحت من أخطر الأزمات التي تواجه المواطنين حالياً، لما لها من تأثير مباشر على الحياة اليومية والأنشطة المهنية، مطالباً الجهات المعنية بالتحرك العاجل لإيجاد حلول جذرية ومستدامة تضمن وصول المياه بصورة منتظمة إلى الأحياء السكنية.

كما أشار المواطن عباس محجوب إلى أن نحو 60 ألف نسمة في مناطق شرق النيل والوادي الأخضر، شرقي الخرطوم، لا يزالون يعانون من أزمة عطش حادة، في ظل ضعف الاستجابة الرسمية واعتماد بعض المناطق على الجهود الذاتية لصيانة آبار المياه الجوفية.

زيادة كبيرة في الاستهلاك

من جانبها، أرجعت الجهات المختصة تفاقم الأزمة إلى الانقطاعات المتكررة للكهرباء وتذبذب التيار المغذي لمحطات المياه، إضافة إلى تراجع إنتاج الكهرباء وارتفاع معدلات الاستهلاك خلال فصل الصيف.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، أن السلطات لجأت إلى تشغيل بعض محطات المياه عبر مولدات تعمل بالجازولين لضمان استمرار الإمداد المائي، مشيراً إلى أن محطة مياه المنارة في مدينة أم درمان تحتاج وحدها إلى نحو ثمانين برميلاً من الجازولين يومياً حتى تواصل عملها بصورة طبيعية.

تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)

وأكد سعد الدين تنفيذ تدخلات عاجلة خلال الأيام الماضية لمعالجة أزمة المياه في محلية أم بدة غربي الخرطوم، شملت حفر عشر آبار عالية الإنتاجية لتغطية مناطق أم بدة السبيل ودار السلام، معرباً عن توقعاته بحدوث انفراج تدريجي في الأزمة مع اكتمال التشغيل الكامل لمحطة مياه المنارة.

وفي بلد أنهكته الحرب وأثقلته الأزمات المتلاحقة، لم تعد معاناة السودانيين تقتصر على الخوف والنزوح وفقدان الأمن، بل امتدت إلى أبسط مقومات الحياة. وبين طوابير الانتظار والأسعار المرتفعة والانقطاع المستمر للخدمات، يواصل المواطنون صراعهم اليومي من أجل البقاء، في مشهد يعكس حجم التدهور الإنساني الذي تعيشه البلاد.


مباراة لكرة القدم تتحول إلى أزمة سياسية واشتباكات في العاصمة الليبية

عبد الحميد الدبيبة في صورة تذكارية مع لاعبي فريق الاتحاد (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة في صورة تذكارية مع لاعبي فريق الاتحاد (الوحدة)
TT

مباراة لكرة القدم تتحول إلى أزمة سياسية واشتباكات في العاصمة الليبية

عبد الحميد الدبيبة في صورة تذكارية مع لاعبي فريق الاتحاد (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة في صورة تذكارية مع لاعبي فريق الاتحاد (الوحدة)

حوّل التعصّب الكروي بعض مناطق العاصمة الليبية إلى ملعب كبير، تم فيه تبادل إطلاق الرصاص وإضرام النيران في المنشآت واندلاع الاشتباكات، وسط أجواء متوترة لا تخلو من انعكاسات سياسية نمّت شعور فريق بـ«الانحياز» والافتقار إلى «العدل الكروي».

القصة بدأت عندما شهدت طرابلس، التي تلتقط أنفاسها من اشتباكات التشكيلات المسلحة، توتراً جديداً اندلع مساء الخميس، بعد قرار الحكم في مباراة كرة قدم جرت بين فريقي الاتحاد الطرابلسي والسويحلي المصراتي على أرضية ملعب مدينة ترهونة (65 كيلومتراً جنوب شرقي طرابلس).

آلية عسكرية في الطرق المؤدية إلى مقر الحكومة بطرابلس (حسابات موثوقة)

المباراة التي جرت ضمن منافسات سداسي التتويج بالدوري الليبي الممتاز، توقفت في الدقيقة 87 إثر احتجاجات لاعبي الاتحاد على القرار التحكيمي، الذي عدّوه «تجاهل احتساب ركلة جزاء»، فاقتحم مشجعوه أرضية الملعب، ما أدى إلى اندلاع أعمال شغب أسفرت عن أضرار مادية، وإصابة عدد من حراس الملعب.

وفي تلك الأثناء، كانت جماهير أخرى لفريق اتحاد طرابلس، تتابع المباراة في مقر ناديهم بطرابلس، فتوجهوا نحو مبنى حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وألقوا باتجاهه عبوات حارقة، ما أدى إلى اشتعال النيران في جزء من واجهة المبنى.

ومع تصاعد أعمال الشغب والعنف في ملعب ترهونة، وإضرام الجماهير الغاضبة النار في سيارة البث المباشر، توترت الأوضاع في طرابلس، خصوصاً بعد وقوع عدد من الجرحى في صفوف العسكريين والمدنيين. وعبّر المجلس الرئاسي عن أسفه لـ«انحراف المباراة عن مسارها الرياضي، لتصل إلى حد استهداف ديوان الحكومة بأعمال تخريب وحرق»، وعدّ الأحداث «مساساً خطيراً بهيبة الدولة».

وأمام تصاعد النيران في واجهة مبنى مجلس الوزراء بطريق السكة، وارتفاع أعمدة الدخان، سارعت سيارات الإطفاء إلى إخماد النيران، وراجت صور ومقاطع فيديو لعناصر تابعة لـ«اللواء 444» وهو يطلقون النار على الجماهير عقب المباراة، في ظل حالة كرّ وفرّ بين المواطنين.

جانب من النيران التي اندلعت في مبنى حكومة «الوحدة» (حسابات موثوقة)

ويرى كثير من الليبيين أن هذه الأزمة «تصبّ في حجر عائلة الدبيبة»، بالنظر إلى أن محمد، نجل عبد الحميد الدبيبة، يترأس نادي اتحاد طرابلس، فيما يتولى إبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي للدبيبة، رئاسة مجلس إدارة نادي السويحلي المصراتي، معتبرين أن «السياسة أفسدت المسار الرياضي في ليبيا».

ودعا المجلس الرئاسي، في بيان، الجمعة، الجماهير والروابط الرياضية، إلى ضبط النفس والتحلي بالروح الوطنية، والحفاظ على المنشآت العامة، وتغليب صوت العقل لقطع الطريق أمام دعوات التحريض والتفرقة بين أبناء الوطن الواحد، بينما هدأت الأوضاع بطرابلس في الساعات الأولى من صباح الجمعة، لافتاً إلى «تفهمه الكامل لمطالب الجماهير الرياضية في الحصول على منافسة شريفة، تُحترم فيها حقوق الجميع وتُرسخ فيها مبادئ العدالة والمساواة».

ووجّه المجلس الرئاسي، مكتب النائب العام، الصديق الصور، ببدء «التحقيقات الفورية لمحاسبة المسؤولين عن الإهمال الجسيم، الذي أدى إلى الفشل في تأمين المرافق الحيوية، والكشف عن المتورطين في أعمال الشغب».

محمد الدبيبة (إلى اليسار) محتفلاً مع جماهير نادي الاتحاد أبريل الماضي (حسابات موالية للنادي)

واعتبر المجلس أن «أي شعور بالغبن أو القصور في الإجراءات الرياضية، يجب أن يُعالج عبر الأطر القانونية واللوائح المنظمة، بعيداً عن العنف الذي يضر بالمصلحة الوطنية»، متوعداً بأن «يد القانون ستطول كل من تسول له نفسه العبث بمؤسسات الدولة، أو ترويع المواطنين».

ومع بزوغ نهار الجمعة، كانت المدرعات والآليات المسلحة تغلق جميع المداخل المؤدية إلى مقر الحكومة، وسط تساؤلات عن أسباب تمكن جماهير الكرة الغاضبة من الوصول إلى مقر الحكومة، وإضرام النار فيه بهذه السهولة، في ظل وجود حراسة مشددة، بينما لم يتمكن متظاهرون بأعداد ضخمة في مرات سابقة، من الاقتراب منه.

واستغرب الإعلامي الليبي محمد القرج ما حدث، قائلاً: «نادٍ رئيسه محمد الدبيبة خسر مباراة أمام نادٍ رئيسه إبراهيم علي الدبيبة، يتم حرق مقر الحكومة؟... نريد فهم الخريطة الرياضية السياسية!».

وهذه ليست المرة الأولى التي تندلع فيها أعمال شغب مرتبطة بكرة القدم بليبيا؛ ففي أبريل (نيسان) 2025، دهست سيارة مسلحة، تحمل شعار وزارة الداخلية بالحكومة، عدداً من الجماهير خارج أسوار ملعب طرابلس الدولي، عقب انتهاء مباراة أهلي طرابلس والسويحلي، ما أدى إلى إصابة عدد من المشجعين.

وأمام انتقادات محلية واسعة، وجّهت وزارة الداخلية بفتح تحقيق «فوري وشامل» في الحادثة.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، توقفت مباراة أهلي طرابلس والاتحاد في الدوري الليبي الممتاز، بعد أن اقتحم لاعبو الأهلي البدلاء والجماهير الملعب، اعتراضاً على احتفال لاعبي الاتحاد بتسجيل الهدف الأول، في أحداث تسببت في إصابة حكم برتغالي وعدد من المشجعين.

جانب من النيران التي أشعلها متفرجون غاضبون (حسابات موثوقة)

وأعرب فريق السويحلي - الذي كان متقدماً بهدف سجله اللاعب أيوب عياد - عن «بالغ استنكاره ورفضه القاطع للأحداث المؤسفة والخطيرة التي شهدتها المباراة، في مشهد لا يمت للرياضة ولا لقيم التنافس الشريف بأي صلة»، وقال إن فريقه كان في طريقه للعودة إلى مصراتة «متوجاً بالفوز».

وأضاف الفريق في بيان، الجمعة: «كانت المباراة تسير بصورة طبيعية، وسط أفضلية واضحة لفريقنا، وشهدت الدقائق الأخيرة محاولات مرفوضة للتأثير على مجريات اللقاء، عبر تدخلات واحتجاجات صدرت من دكة البدلاء والطاقم الفني، الأمر الذي أسهم في تأجيج الأجواء وإخراج المباراة عن إطارها الرياضي».

وفي موازاة ذلك، طالب نادي الاتحاد بفتح «تحقيق شامل» في جميع الحالات التحكيمية التي رافقت اللقاء، ومراجعة القرارات التي أثرت بشكل مباشر على مجريات المباراة ونتيجتها، معرباً عن «بالغ استغرابه واستيائه من المستوى التحكيمي»، وداعياً إلى «اتخاذ ما يلزم من إجراءات تحفظ حقوق النادي، وتصون نزاهة وعدالة المنافسة».


تيتيه تبدي تفاؤلاً بتلبية «الحوار المهيكل» لتطلعات الليبيين السياسية

الزادمة ملتقياً المبعوثة الأممية في طرابلس و(البعثة الأممية)
الزادمة ملتقياً المبعوثة الأممية في طرابلس و(البعثة الأممية)
TT

تيتيه تبدي تفاؤلاً بتلبية «الحوار المهيكل» لتطلعات الليبيين السياسية

الزادمة ملتقياً المبعوثة الأممية في طرابلس و(البعثة الأممية)
الزادمة ملتقياً المبعوثة الأممية في طرابلس و(البعثة الأممية)

أعربت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، عن تفاؤلها بأن التوصيات المزمع إصدارها عن «الحوار المُهيكل» ستستجيب لمخاوف الليبيين في جميع أنحاء البلاد، «بما يلبي تطلعات الشعب الليبي التنموية».

وقالت البعثة الأممية إن تيتيه ناقشت مع سالم الزادمة، نائب رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية في ليبيا، مع التركيز على الأوضاع في منطقة الجنوب الليبي.

الزادمة والمبعوثة الأممية في طرابلس (مكتب البعثة الأممية)

وأوضحت البعثة أن الممثلة الخاصة أطلعت الزادمة على «جهود البعثة في تيسير عملية سياسية تشمل جميع مناطق البلاد، وتُسهم في نهاية المطاف في إرساء نظام حكم أكثر شمولاً»، مشيرة إلى أنها بيّنت أن «الجهود المبذولة لتنفيذ (خريطة الطريق) السياسية، بما في ذلك تيسير البعثة اجتماعين في روما وتونس بهدف استكمال الإطار الانتخابي، وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات».

كما استعرضت تيتيه «أهداف (الحوار المُهيكل) ومساراته الأربعة: الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان». فيما قالت البعثة الأممية إن الزادمة «قدم رؤية شاملة للوضع السياسي والاقتصادي والأمني، لا سيما في الجنوب». وأكد الطرفان ضرورة الشمول في أي عملية سياسية وتنموية تتبناها الأمم المتحدة.

اجتماع فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود برعاية أممية في سرت (البعثة الأممية)

في شأن آخر، قالت البعثة الأممية إن فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود اتفق في سرت، الخميس، على «خطوات عملية لتعزيز التنسيق الأمني الحدودي، بما في ذلك إجراء عملية تعايش بين وحدات حرس الحدود»، مشيرة إلى أن ذلك يستهدف «تنفيذ مهام بشكل متكامل ومشترك في مناطق حدودية محددة، بالإضافة إلى تفعيل عمل المراكز المشتركة لأمن الحدود، التي سبق استحداثها في بنغازي وطرابلس».

وحضر الاجتماع، الذي يسّرته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، «كبار الضباط العسكريين والأمنيين من القيادة العامة لـ(الجيش الوطني) الليبي، ووزارة الدفاع في حكومة (الوحدة الوطنية)، ووزارة الداخلية، بحضور آمري ركن حرس الحدود في الجهتين».

وكان فريق التنسيق قد أُنشئ بدعم من البعثة في يناير (كانون الثاني) 2025، لتعزيز وتوحيد الجهود الليبية المبذولة في تأمين وحماية الحدود، باعتباره ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي الليبي. وتُعدّ هذه المبادرة الليبية، التي تُمثّل علامة فارقة في تطوير التنسيق المؤسسي، خطوة مهمة نحو توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وبناء الثقة، وتهيئة بيئة مواتية للعملية السياسية.

وكانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قد استضافت بمكتبها في تونس جلسة، وصفتها البعثة بـ«المثمرة» لـ«الاجتماع المصغّر»، المعروف بلجنة «4+4»، والمعني بإنجاز الخطوتين الأوليين من «خريطة الطريق» التي تيسّرها الأمم المتحدة، وهما: إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتعديل القوانين الانتخابية.

اجتماع فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود برعاية أممية في سرت (البعثة الأممية)

وعقب نقاشات قالت إنها «بنّاءة»، تناولت الأطر الدستورية والقانونية للانتخابات العامة، اتفق المشاركون على الحفاظ على هذا الزخم الإيجابي، واستئناف اللقاء مطلع شهر يونيو (حزيران) المقبل.

وسبق أن قالت تيتيه إن «الاجتماع المصغّر» لن يحل محل «الحوار المُهيكل»، مشددة على أنه يمثل آلية تكميلية لمعالجة المعوقات المحددة، المرتبطة بالإطار الانتخابي والهيئة العليا للانتخابات، فيما يظل «الحوار المُهيكل» المسار الرئيسي لصياغة رؤية وطنية شاملة بقيادة وملكية ليبية.

وتضم لجنة «4+4» ممثلين عن «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، وحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة الدبيبة، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تشهده ليبيا منذ سنوات.