«تفعيل عنتيبي»... ما مسارات مصر والسودان للرد؟

القاهرة والخرطوم اعتبرتا الاتفاقية «غير ملزمة» لأي منهما

وزير الري المصري هاني سويلم خلال لقاء نظيره السوداني ضو البيت عبد الرحمن منصور في القاهرة السبت (الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال لقاء نظيره السوداني ضو البيت عبد الرحمن منصور في القاهرة السبت (الري المصرية)
TT

«تفعيل عنتيبي»... ما مسارات مصر والسودان للرد؟

وزير الري المصري هاني سويلم خلال لقاء نظيره السوداني ضو البيت عبد الرحمن منصور في القاهرة السبت (الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال لقاء نظيره السوداني ضو البيت عبد الرحمن منصور في القاهرة السبت (الري المصرية)

إعلان إثيوبيا عن دخول اتفاقية دول حوض نهر النيل المعروفة بـ«عنتيبي» حيز التنفيذ على غير رغبة القاهرة والخرطوم، يثير تساؤلات بشأن مسارات الرد من قبل مصر والسودان، دولتي المصب بالنهر، اللتين اعتبرتا الاتفاقية «غير ملزمة»، وطالبتا بمراجعتها لتحقيق مزيد من التعاون والأمن المائي.

وبحسب خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، فإن المسارات المتوقعة لمصر والسودان لمواجهة الخطوة الإثيوبية هي «الاعتراض أمام الاتحاد الأفريقي، أو الأمم المتحدة، أو المحاكم الدولية»، لافتين إلى أن من حق دولتي المصب اتخاذ أي إجراءات تحول دون وقوع أي ضرر جسيم، بما في ذلك «حق الدفاع الشرعي» أياً كان مصدر الخطر، وأياً كان من يؤيده أو يدعمه.

وفي تغريدة على منصة «إكس»، قال رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، إن «13 أكتوبر (تشرين الأول) 2024 يصادف تتويج رحلة طويلة نحو الاستخدام العادل والمعقول لمياه النيل، مع دخول اتفاقية إطار حوض نهر النيل (CFA) حيز النفاذ». واعتبر أحمد أن «هذا اليوم سوف يُذكَر باعتباره علامة فارقة تاريخية في جهودنا الجماعية الرامية إلى تعزيز التعاون الحقيقي في حوض النيل».

وبحسب رئيس الوزراء الإثيوبي، فإن «دخول اتفاقية الإطار التعاوني حيز التنفيذ من شأنه أن يعزز روابطنا كعائلة من عائلات حوض النيل، ويضمن أن إدارة مواردنا المائية المشتركة والاستفادة منها تعودان بالنفع على الجميع، ولصالح الجميع»، داعياً الدول غير الموقعة على الاتفاقية إلى «الانضمام إلى أسرة النيل، حتى نتمكن معاً من تحقيق أهدافنا المشتركة في التنمية والتكامل الإقليمي».

واتفاقية «عنتيبي»، التي تُعرف أيضاً بـ«الإطار التعاوني لحوض نهر النيل»، أُبرمت عام 2010، وتفرض إطاراً قانونياً لحل الخلافات والنزاعات، وتُنهي الحصص التاريخية لمصر والسودان، وتفرض إعادة تقسيم المياه، وتسمح لدول المنبع بإنشاء مشروعات مائية من دون التوافق مع دولتَي «مصر والسودان».

وجاء الإعلان الإثيوبي غداة اجتماع لـ«الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل بين مصر والسودان» (حكومية) تناولت بحث الجانبين المصري والسوداني «عدداً من القضايا ذات الصلة بمياه حوض النيل في إطار اختصاصها بموجب اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه نهر النيل الموقعة بين مصر والسودان في نوفمبر (تشرين الثاني) 1959، ومستجدات موقف تصديقات بعض دول الحوض على مشروع الاتفاق الإطاري CFA لدول حوض النيل».

الجانبان قالا في بيان مشترك، مساء السبت، إنهما «بذلا جهوداً مكثفة ومستمرة على مدار الأعوام السابقة لاستعادة اللُّحمة ورأب الصدع الذي تسبب فيه تبني بعض دول الحوض لمسودة غير مستوفاة للتوافق لوثيقة ما يسمى بالاتفاق الإطاري CFA ولا تتسق مع قواعد القانون الدولي ذات الصلة والممارسات الدولية المثلى، بما في ذلك في التجارب الأفريقية الرائدة، مثل حوض نهر الزامبيزي والسنغال، التي تضمن استمرارية التعاون واستدامة التنمية للجميع».

وجددت الدولتان «التزامهما الكامل بالتعاون مع دول حوض النيل في إطار المبادئ المتعارف عليها دولياً، التي تحقق المنفعة للجميع دون إحداث ضرر لأي من الدول»، مؤكدتين أن «ما يسمى بـ(الاتفاق الإطاري للتعاون في حوض النيل CFA) غير ملزم لأي منهما، ليس فقط لعدم انضمامهما إليه، وإنما أيضاً لمخالفته لمبادئ القانون الدولي العرفي والتعاقدي».

واعتبرت مصر والسودان «مفوضية الدول الست الناشئة عن الاتفاق الإطاري غير المكتمل، لا تمثل حوض النيل في أي حال من الأحوال»، كما دعت مصر والسودان أيضاً «دول الحوض إلى إعادة اللُّحمة إلى مبادرة حوض النيل وعدم اتخاذ إجراءات أحادية تسهم في الانقسام بين دول المنابع ودول المصب بحوض نهر النيل».

وكرر وزير الري المصري، هاني سويلم، طلب البلدين مجدداً، وطالب دول حوض النيل الموقعة على الاتفاقية الإطارية «عنتيبي» بمراجعة موقفها والعودة مرة أخرى للنقاش حول التعاون بين الدول، بما لا يحقق ضرراً لأي من دول النهر.

وشدد الوزير في مؤتمر صحافي على هامش «أسبوع القاهرة للمياه»، الأحد، على أن «مصر سوف تشارك في النقاش حول الاتفاقية الإطارية، لأن موقف مصر عادل ويتسق مع اتفاقيات الأنهار الدولية المعمول بها دولياً»، مؤكداً أنه «لا بد أن يشمل جميع الدول ولا يستثني مصالح دولة على أخرى، بما يوقع عليها الضرر»، لافتاً إلى أن «مصر لديها استخدامات حقيقية، والمياه الحالية لا تكفي، وبالتالي لا تسمح مصر بالتنازل عن متر واحد من مياه النيل، وترفض بشكل قاطع اتفاقية (عنتيبي) بوضعها الحالي».

وبحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، صلاح حليمة، فإن رفض مصر والسودان يعني أن الاتفاقية لن تُفرَض عليهما بالقوة، لافتاً إلى أن «الرفض المصري يأتي لتلافي أي مخاطر تتوقعها مصر والسودان من أعمال مستقبلية أو حالية قد تصيب حصتيهما المائيتين اللتين لا تكفيان بالأساس».

وبرأي الخبير في الشؤون الأفريقية، عبد الناصر الحاج، فإن انطلاق مصر تحديداً في موقفها الرافض لاتفاقية «عنتيبي» أو المطالبة بمراجعتها على أقل تقدير، يأتي من تمسك مصر باتفاقية عام 1959 التي وقعت عليها مصر، والتي تعتبرها القاهرة أنها قد وضعت الإطار القانوني اللازم، الذي يقضي بعدم السماح بإقامة مشروعات على حوض النيل إلا بعد الرجوع إلى دولتي المصب.

وبتقدير الحاج، فإن رفض مصر والسودان الاتفاقية، يتماشى مع روح القانون الدولي نفسه، ولا يتناقض معه، حيث إن محكمة العدل الدولية كانت قد قضت عام 1989 بأن اتفاقيات المياه شأنها شأن اتفاقيات الحدود، ولا يجوز تعديلها.

وكشفت «الخارجية الإثيوبية»، في سبتمبر (أيلول) الماضي، عن خطاب وجهته لمجلس الأمن الدولي، رداً على رسالة وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، مطلع الشهر ذاته، يتضمن إيداع اتفاقية «عنتيبي» المائية أمام مفوضية الاتحاد الأفريقي بهدف دخولها حيز التنفيذ، ودعوة القاهرة للتصديق عليها، مؤكداً استعداد بلاده مواصلة المفاوضات المجمَّدة منذ ديسمبر (كانون الأول) 2023 بشأن «سد النهضة».

وتضم دول حوض نهر النيل 11 دولة أفريقية بين دول المنبع (منبع النهر): بوروندي، والكونغو، وإثيوبيا، وكينيا، ورواندا، والسودان، وتنزانيا، وأوغندا، وإريتريا، فضلاً عن دولتي المصب «مصر والسودان»، وسط تجاذبات تقودها أديس أبابا تجاه اتفاقيات المياه التاريخية، وظهر ذلك بصورة جلية بعد بناء «سد النهضة»، قبل نحو عقد، والحديث عن اتفاقيات ما تسميها «الحقب الاستعمارية» والدعوة لتعديلها.

وتعارض مصر والسودان، الاتفاقية، ويتمسكان باتفاقيات 1902 و1929 و1959 التي ترفض الإضرار بدول المصب، كما تقر نسبة 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل لمصر، ونسبة 18.5 مليار متر مكعب للسودان، وترفض أي مشروع مائي بمجرى النيل يلحق أضراراً بالأمن المائي.

و«كانت هناك بعض المقترحات لمعالجة هذه المخاطر، سواء بأن تكون مصر والسودان من الأغلبية، أو يكون القرار بالأغلبية، وأن يكون هناك إخطار مسبق»، وفق حليمة، الذي اعتبر أن تفعيل القرار من دون إخطار مسبق يعني أن إثيوبيا لديها «نوايا عدوانية للنيل من حقوق مصر والسودان»، سواء المائية أو السياسية أو الأمنية.

وكان تفعيل هذا القرار يقتضي ألا يكون هناك تعارض بينه وبين أي اتفاقات دولية، خاصة إذا كانت تتعلق بالحدود والاتفاقيات الموقعة في عامي 1902 و1903، وهي تتعلق بالمياه والحدود لا يمكن تجاوزهما إلا بموافقة أطراف الاتفاقية، وبالتالي فإن تفعيلها أمام المنظمات الإقليمية والدولية سيجد صعوبة إلا بموافقة دولتي المصب، بحسب حليمة.

وباعتقاد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق فإن «المسارات المتوقعة لمصر والسودان لمواجهة الخطوة الإثيوبية، هي الاعتراض أمام الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة أو المحاكم الدولية»، لافتاً إلى أنهما «لهما الحق في اتخاذ أي إجراءات تحول دون وقوع أي ضرر جسيم، بما في ذلك حق الدفاع الشرعي أياً كان مصدر الخطر، وأياً كان من يؤيده أو يدعمه».

واعتبر أن الموقف المصري تؤيده المنظمات الإقليمية والدولية؛ كونه في إطار الاتفاقيات والقوانين الدولية ذات الصلة على خلاف الموقف الإثيوبي الذي «يخالف القوانين والمواثيق الدولية»، خاصة أن الاتفاق نفسه صاحبه جدل واسع بشأن شرط التصديق، وهو موافقة الثلثين، الذي كان يستلزم موافقة 6 دول، ودخول دولة جنوب السودان يعني أنها باتت 7، وهو ما يعني «وجود تحايل متعمد». ولم يستبعد حليمة أن يعاد النقاش من جديد بشأن الاتفاقية والنظر في تعديلها بما يتفق ومطالب مصر والسودان.

وبشأن تعجل إثيوبيا بتفعيل الاتفاقية، يرى الحاج أن «إثيوبيا تدرك حساسية التوقيت جيداً، لأن هناك كثيراً من المتغيرات الخاصة بموازين القوى الإقليمية والدولية تضرب المنطقة الأفريقية، خصوصاً تلك التي يتمدد في خريطتها حوض النيل».

وعن المسارات المتوقعة، أكد الحاج أن «مصر مطالبة بعمل عاجل على الأرض مع بقية دول حوض النيل»، وليس «التمسك فقط بهوامش القانون الدولي»، موضحاً: «بالنظر لبقية الدول الموجودة ضمن نطاق حوض النيل، مثل الكونغو الديمقراطية، وتنزانيا، وبوروندي، ورواندا، وأوغندا، وكينيا، وأريتريا، تستطيع مصر التحرك العاجل والفوري لبناء علاقات متينة مع هذه الدول، بمعنى أنه ينبغي على مصر تأسيس علاقات قائمة على التعاون العسكري والاستخباراتي مثلما حدث مع الصومال وإريتريا، ودون ذلك يصبح من الصعب جداً استمالة دول حوض النيل بعيداً عن التكتل الذي تنشط في هندسته إثيوبيا الآن».

أما السودان، فعليه «بناء وجهة نظر مستقلة في هذا التوقيت، لا تتعارض مع مصر ولا تقوم على التضحية بأمن مصر المائي، لكن لا بد للسودان من التحرك أيضاً دبلوماسياً بالاستفادة من نوعية الظروف الأمنية التي يواجهها حالياً، ليجعلها خط دفاع أول عن مصالحه في تعزيز أمنه القومي، بعيداً عن أي مجاملات سياسية ودبلوماسية»، وفق عبد الناصر الحاج.


مقالات ذات صلة

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

شمال افريقيا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات في ظل اضطرابات بمضيق هرمز جراء حرب إيران.

محمد محمود (القاهرة )
العالم أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو يناير الماضي (إ.ب.أ)

رفض عربي وأفريقي تعيين إسرائيل مبعوثاً دبلوماسياً لدى «أرض الصومال»

أدانت دول عربية وأفريقية بأشد العبارات إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى ما يسمى «أرض الصومال».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه الرئيس الصومالي على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد التزامها بدعم الصومال سياسياً وعسكرياً وأمنياً

أكدت مصر مواصلة دعم الصومال في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والإنسانية، وذلك في ضوء العلاقات القوية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال» خطوة باطلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تساؤلات حول دور «مجلس الأمن» في دفع ليبيا نحو الانتخابات

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة لمجلس الأمن في 21 أغسطس 2025 (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة لمجلس الأمن في 21 أغسطس 2025 (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول دور «مجلس الأمن» في دفع ليبيا نحو الانتخابات

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة لمجلس الأمن في 21 أغسطس 2025 (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة لمجلس الأمن في 21 أغسطس 2025 (البعثة الأممية)

تتزايد التحركات الدولية لإعادة دفع المسار السياسي في ليبيا نحو تسوية شاملة تنهي الانقسام وتفتح الطريق أمام «انتخابات وطنية»، وسط تساؤلات متصاعدة حول مدى قدرة مجلس الأمن الدولي على تحويل دعواته المتكررة إلى ضغط فعلي يغيّر واقع الأزمة المعقدة في البلاد.

وكانت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، قد حذرت في إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، من أن ليبيا «تواجه مفترق طرق سياسياً واقتصادياً وأمنياً»، داعية المجلس إلى «استخدام نفوذه لحمل القادة الليبيين على الوفاء بالتزاماتهم بتوحيد المؤسسات والمضي نحو انتخابات وطنية».

وتقول البعثة الأممية إنها تواصل تركيز جهودها على إحراز تقدم في «خريطة الطريق» التي سبق وطرحتها على مجلس الأمن في أغسطس (آب) 2025، بما يفضي إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

«أزمة باردة»

المحلل السياسي الليبي محمد بوصير استبعد أن يستجيب مجلس الأمن لتلك النداءات، وأرجع ذلك إلى «الانقسام المزمن بين مواقف أعضائه وتضارب مصالحهم في الساحة الليبية، بل ومقايضة بعضهم على هذا الملف لتحقيق مكاسب في ملفات أخرى»، لافتاً - في حديث لـ«الشرق الأوسط» - إلى أن المجلس لم يُفعّل العقوبات التي سبق ولوّح بها في مواجهة معرقلي العملية السياسية أو تطبيقها في أضيق الحدود.

ويرى بوصير أن الملف الليبي بات في نظر المجلس الدولي «أزمة باردة لا قتال فيها ولا تهديدات وشيكة، ولا ترقى إلى مستوى الأولوية مقارنة بأزمات أكثر إلحاحاً كالصراع بين واشنطن وطهران».

وأعرب المحلل الليبي عن قناعته بأن «الفراغ الذي خلفه تعثر (خريطة الطريق) الأممية بات يملؤه واشنطن عبر المبادرة المنسوبة لمسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي تستهدف دمج السلطتين في شرق البلاد وغربها لتشكيل مجلس رئاسي جديد وحكومة موحدة».

لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

وتقضي المبادرة المنسوبة إلى بولس بتولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، صدام حفتر، رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من محمد المنفي، على أن يبقى عبد الحميد الدبيبة رئيساً لـ«الحكومة الموحدة».

«رفض ضمني»

وقال رئيس «الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية»، أسعد زهيو، إن مجلس الأمن «لن يتعاطى بجدية مع نداءات تيتيه»، التي يراها «عبارات تقليدية متكررة»، معتقداً أن «مواقف الدول الكبرى انتقلت من القبول على مضض بالسياسات الأميركية إلى ما يشبه المعارضة الواعية، وإن كانت هادئة متريثة».

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن كلمات ممثلي روسيا والصين وفرنسا خلال اجتماع مجلس الأمن حول ليبيا، «تضمنت دفاعاً واضحاً عن (الخريطة الأممية)، ودعت الأطراف الليبية إلى الانخراط بها»، معتبراً ذلك «رسالة رفض ضمني لمبادرة بولس».

وتساءل زهيو عن الأدوات التي تملكها واشنطن «لفرض رؤيتها على مشهد عبثي تتشابك فيه أطياف سياسية ومجتمعية متعددة ترفض أن تقتصر طاولة التفاوض على الفاعلين في شرق وغرب البلاد، مما يرجح تقلص نفوذهم وبقاء الانقسام وترسيخه».

وتوقع أن تتجه تيتيه في إحاطتها المقبلة بعد شهرين نحو المطالبة بتطبيق المادة 64 من الاتفاق السياسي وإطلاق حوار سياسي موسع، وأضاف: «وحينها لن تتردد بقية الدول دائمة العضوية في دعمه، كونه يضمن مصالحها جميعاً لا مصالح واشنطن وحدها».

وتنص المادة، وفقاً للاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات المغربية عام 2015، على إمكانية عقد حوار سياسي استثنائي بناء على طلب أي من أطراف الاتفاق السياسي للنظر في أي متغيّر أو خرق جسيم لبنوده.

«انسداد سياسي»

عضو المجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، حمّل البعثة الأممية لدى ليبيا «المسؤولية الأكبر» عن الانسداد السياسي واستمرار الأزمة لأكثر من 15 عاماً، رافضاً «تبرير البعثة المستمر لإخفاقاتها بتحميل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة مسؤولية تعثر العملية السياسية».

واتهم معزب البعثة الأممية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بعرقلة إعادة تشكيل المفوضية الوطنية للانتخابات بإصرارها الإبقاء على رئيسها الحالي عماد السائح؛ «رغم أن تعيينه جاء مخالفاً للاتفاق السياسي، مما يهدد مصداقية أي استحقاق انتخابي مقبل»، حسب قوله.

عبد الحميد الدبيبة مجتمعاً بعماد السائح رئيس مفوضية الانتخابات الليبية (حكومة الوحدة)

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً يتمثل في وجود حكومتين متنافستين؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة الدبيبة في طرابلس، والثانية مكلّفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير المنطقة الشرقية وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وكان مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، قد قال في كلمة أمام مجلس الأمن إن «عدم تسوية الأزمة في ليبيا يثير قلق موسكو»، معبراً عن قناعة بأن «القيادات الليبية تدرك أهمية تجنب أي تصعيد ممكن، وستتجنب أي خطوات تزعزع الاستقرار».

أما ممثلة الولايات المتحدة في مجلس الأمن، فدعت كل الأطراف للانخراط بشكل بنَّاء في خريطة الطريق الأممية.


حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
TT

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

ووفقاً لآخر التقارير الصحية، سُجّل أكثر من 6 آلاف إصابة في ولاية نهر النيل وحدها منذ بداية العام، بينها 205 حالات خلال يومين فقط، إضافة إلى 12 حالة وفاة تراكمية. ولا يزال المرض منتشراً في ولايات أخرى، من بينها العاصمة الخرطوم، والجزيرة، ودارفور.

وأفادت وزارة الصحة بولاية نهر النيل، في تقريرها اليومي، بارتفاع كبير في عدد الإصابات، حيث بلغ إجمالي الحالات 6392 إصابة حتى يوم الجمعة. وسُجلت 97 إصابة جديدة يوم الخميس، و108 حالات يوم الأربعاء، استدعت دخول المستشفيات. وتوزعت الإصابات داخل الولاية على عدة مدن، حيث سجلت شندي 2495 إصابة و4 وفيات، تلتها الدامر بـ2100 إصابة و4 وفيات، ثم المتمة بـ1722 إصابة و6 وفيات، فيما سجلت عطبرة 75 إصابة.

وامتد انتشار المرض أيضاً إلى الولاية الشمالية المجاورة، حيث سُجلت أول إصابة في منطقة الزومة بمحلية مروي منذ ظهور المرض في فبراير (شباط) الماضي. وبلغ إجمالي الإصابات هناك 174 حالة حتى يوم الجمعة، في محليتي مروي والدبة.

دعوات للتدخل السريع

وفي إطار جهود التصدي للوباء، عقدت الإدارة العامة للطوارئ الصحية ومكافحة الأوبئة اجتماعاً مع قيادات مجتمعية وممثلين عن جمعية الهلال الأحمر السوداني، لبحث التدخلات العاجلة وتعزيز التنسيق المجتمعي للحد من انتشار المرض.

وفي العام الماضي، شهدت عدة ولايات سودانية تفشياً وبائياً واسعاً لحمى الضنك، لا سيما في الخرطوم والجزيرة ودارفور، وذلك في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية نتيجة الحرب. ووفق الإحصاءات، سُجل أكثر من 14 ألف إصابة في ولاية الخرطوم وحدها، ونحو 3 آلاف إصابة في ولاية الجزيرة، إلى جانب 176 حالة وفاة مرتبطة بالمرض حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وفي مواجهة التصاعد الحالي، أعلنت وزارة الصحة بولاية نهر النيل أن مفوضية العون الإنساني أطلقت نداءً عاجلاً موجهاً إلى المنظمات الأممية والوطنية وشركاء العمل الإنساني، للتدخل السريع والحد من انتشار الوباء في مدن وبلدات الولايات الشمالية، مع الدعوة إلى تكثيف الجهود العلاجية والوقائية بصورة عاجلة لتقليل آثار المرض.

وزير الصحة الاتحادي د. هيثم محمد إبراهيم يتفقد المنشآت الصحية في شمال البلاد (صفحة الوزارة على فيسبوك)

وفي هذا السياق، أجرى وزير الصحة الاتحادي، هيثم محمد إبراهيم، جولة ميدانية في الولايات الشمالية، أعلن خلالها تدشين حملة موسعة لمكافحة نواقل الأمراض والحد من انتشار الحميات، تشمل تنفيذ عمليات رش ومكافحة جوية وأرضية في جميع محليات ولايتي نهر النيل والشمالية.

وأشار الوزير إلى أن حمى الضنك باتت منتشرة في جميع ولايات السودان الثماني عشرة، مؤكداً أهمية تكثيف الجهود المجتمعية والمشاركة الشعبية الواسعة في حملات المكافحة، وتسريع التدخلات لخفض معدلات الإصابة. كما دعا المتطوعين وأئمة المساجد ووسائل الإعلام إلى تعزيز التوعية الصحية بين المواطنين.

ويأتي هذا التفشي في سياق أوسع من تدهور الأوضاع الصحية والبيئية في البلاد، حيث انتشرت أوبئة عدة مثل الكوليرا والملاريا إلى جانب حمى الضنك، نتيجة تدهور البيئة وانهيار البنية التحتية الصحية بفعل الحرب.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذّرت في تقرير سابق من أن النظام الصحي في السودان يقف على «حافة الهاوية»، مشيرة إلى أن أقل من 25 في المائة من المرافق الصحية لا تزال تعمل في الولايات الأكثر تضرراً، فيما تعمل نحو 45 في المائة فقط بكامل طاقتها في الولايات الأقل تأثراً.

وتُعد حمى الضنك مرضاً فيروسياً ينتقل إلى الإنسان عبر لدغة بعوضة «الزاعجة المصرية» (Aedes aegypti)، وهي نوع من البعوض يُعد من أخطر نواقل الأمراض للإنسان، وتنشط خلال النهار وتتكاثر في المياه الراكدة. وتتراوح فترة ظهور الأعراض بين 4 و10 أيام، وتشمل ارتفاعاً مفاجئاً في درجة الحرارة، وآلاماً حادة في العضلات والمفاصل، ما أكسبها لقب «حمّى تكسير العظام»، إضافة إلى إرهاق شديد. وفي الحالات المتقدمة، قد تتطور إلى حمى نزفية مصحوبة بنزيف من الأنف واللثة، وانخفاض حاد في ضغط الدم، ما قد يؤدي إلى فشل في الأعضاء الداخلية.


«عفو رئاسي» عن مئات السجناء في مصر

أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«عفو رئاسي» عن مئات السجناء في مصر

أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)

قرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، العفو عن 602 من السجناء المحكوم عليهم في «قضايا».

وقالت وزارة الداخلية المصرية في إفادة، إنه «بمناسبة الاحتفال بـ(عيد تحرير سيناء) وتنفيذاً لقرار الرئيس السيسي بشأن الإفراج بالعفو عن بقية مدة العقوبة بالنسبة لبعض المحكوم عليهم الذين استوفوا شروط العفو، فقد عقد (قطاع الحماية المجتمعية) لجاناً لفحص ملفات النزلاء على مستوى ربوع البلاد، لتحديد مستحقي الإفراج بالعفو عن بقية مدة العقوبة».

وأضافت: «انتهت أعمال اللجان إلى انطباق القرار على 602 نزيل ممن يستحقون الإفراج عنهم بالعفو».

وتحتفل مصر في يوم 25 أبريل (نيسان) من كل عام بذكرى «تحرير سيناء»؛ حيث تم رفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء، بعد استعادتها من إسرائيل في عام 1982، وانسحاب آخر جندي إسرائيلي منها، تنفيذاً لـ«معاهدة السلام».

السجناء المفرج عنهم في مصر بموجب «عفو رئاسي» (وزارة الداخلية المصرية)

وأوضحت «الداخلية»، السبت، أن الإفراج عن السجناء «يأتي في إطار حرص الوزارة على تطبيق السياسة العقابية بمفهومها الحديث، وتوفير أوجه الرعاية المختلفة لنزلاء (مراكز الإصلاح والتأهيل)، وتفعيل الدور التنفيذي لأساليب الإفراج عن المحكوم عليهم الذين تم تأهيلهم للانخراط في المجتمع».

وأكدت وزارة الداخلية المصرية في وقت سابق أن «جميع (مراكز الإصلاح والتأهيل) تتوفر فيها الإمكانات المعيشية والصحية كافة للنزلاء، في إطار ما شهدته المنظومة العقابية من تطوير وتحديث، وفقاً لأعلى معايير حقوق الإنسان الدولية، فضلاً عن أنها تخضع للإشراف القضائي».