إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

الجبهة تعلن خطة لاستعادة السيطرة على الإقليم

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».


مقالات ذات صلة

وزير الإعلام الإريتري يتحدث عن صفحة تعاون جديدة مع واشنطن

خاص وزير الإعلام الإريتري يماني قبر مسقل (حسابه على إكس)

وزير الإعلام الإريتري يتحدث عن صفحة تعاون جديدة مع واشنطن

رحب وزير الإعلام الإريتري يماني قبر مسقل بقرار الولايات المتحدة رفع عقوبات عن بلاده، واصفاً الخطوة بأنها تعكس «رصيداً من حسن النية السياسية البناءة» لدى واشنطن.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يناقش تحضيرات منتدى «العلمين - أفريقيا» مع رئيس «البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد» (الخارجية المصرية)

منتدى «العلمين - أفريقيا» يتجاوز تداعيات «إيبولا»... ويبحث تطوير الشراكات بالقارة

تستعد مدينة العلمين على ساحل البحر المتوسط (شمال غربي مصر)، لاستضافة النسخة الأولى من منتدى «العلمين - أفريقيا»، لدعم تطوير الشراكات الاقتصادية مع دول القارة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الدفاع الصومالي ورئيس أركان القوات المسلحة وعدد من قادة الجيش (وكالة الأنباء الصومالية)

«تهديدات رقمية» تُعقّد جهود الحرب على الإرهاب في الصومال

تقنيات حديثة تمتلكها عناصر حركة «الشباب» المتطرفة في الصومال، لاقت مخاوف وتحذيرات من مسؤولين حكوميين في مقديشو.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مباحثات سابقة بين آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي في أديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

الدعم الإسرائيلي لـ«المنفذ البحري» الإثيوبي يزيد التوتر مع مصر

دعم إسرائيلي لتحركات إثيوبيا، في الحصول على منفذ على البحر الأحمر، يأتي تزامناً مع رفض مصري يتوالى ضد تحركات أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي سفن تجارية راسية وسط ضباب في مضيق هرمز الاثنين 7 سبتمبر 2026 (أ.ب)

من «هرمز» إلى الصومال... توترات المنطقة تحاصر بحارة مصريين

تحاصر التوترات الأمنية في المنطقة بحارة مصريين في مناطق متفرقة، في وقت تحاول الجهات الحكومية الإفراج عن المختطفين قبالة السواحل الصومالية.

أحمد جمال (القاهرة)

غوتيريش يدعو أميركا والصين لبدء حوار بشأن الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

غوتيريش يدعو أميركا والصين لبدء حوار بشأن الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، الولايات المتحدة والصين إلى بدء حوار بشأن مستقبل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وذلك في ظل ازدياد الدعوات إلى كبح سرعة تطوّر القطاع والخشية من تأثيره على البشرية. وقال غوتيريش خلال افتتاح أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة: «تقع على عاتق الحكومات ذات القدرات الأكبر في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤوليات الكبرى حيال الإنسانية»، مشدداً على ضرورة «إقامة قنوات من أجل الحوار والتواصل والثقة والتعاون» بين تلك الدول. وأضاف: «في لحظة محورية في أثناء الحرب الباردة، أدرك خصمان استراتيجيان الحاجة إلى إدارة التهديدات الوجودية المشتركة»، في إشارة للتواصل الأميركي السوفياتي آنذاك.

وتُجري الصين والولايات المتحدة حالياً محادثات لإنشاء قناة اتصال بشأن المسائل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، تمهيداً للقمة المقررة، الخميس، في واشنطن بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ. وتأتي هذه المحادثات في وقت تواجه القوتان مخاوف متزايدة من أن الأنظمة ذات القدرات المتطورة في مجال الذكاء الاصطناعي قد تقضي على البشرية؛ ما يوفر حافزاً نادراً للتعاون رغم احتدام السباق على التفوق التكنولوجي بين البلدين.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي كلمته خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

تحذير من الشعور «بالقوة الخارقة»

وقال غوتيريش، إن على القوى العظمى أن تدرك أن «قوتها ليست خارقة كما تبدو» وأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان السلام.

ودعا إلى «عالم مبني على الاعتماد المتبادل» لدى الإدلاء بخطابه الأخير أمام قادة العالم الحاضرين في الجمعية العامة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وأضاف قائلاً: «إن خطوط الانقسام في عالمنا تتسع»؛ مشيراً إلى الحروب المستعرة، وارتفاع درجات الحرارة والذكاء الاصطناعي، من بين أمور أخرى.

وتعهّد غوتيريش بمواصلة «الدفاع عن اقتناعي بأن تحقيق السلام ممكن» بمجرد انتهاء ولايته العام الحالي.

وافتتح خطابه الجزء الرئيسي من أكبر اجتماع دبلوماسي في العالم في العام الحالي. ويخاطب قادة الدول الأعضاء الـ193 في الأمم المتحدة بعضهم بعضاً، ويعرضون آمالهم وخططهم وشكاواهم.

ويُعد الذكاء الاصطناعي أحد الموضوعات الرئيسية المطروحة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام. وقبيل بدء الاجتماعات في نيويورك، دعا قادة أكثر من 20 دولة إلى اتخاذ تدابير مُلزمة لضمان سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، محذّرين من أن تطوّر هذه التكنولوجيا قد يتجاوز القدرات المتاحة للسيطرة عليها. ولم تكن الصين والولايات المتحدة من الدول الموقعة على تلك الدعوة. وعارض ترمب بشدة تدابير سلامة الذكاء الاصطناعي، متعهداً، السبت، بعدم السماح بـ«تدمير» هذه الصناعة بسبب ما يعدها مخاوف غير مبررة. وقال الرئيس الصيني شي جينبينغ في يوليو (تموز) إن الذكاء الاصطناعي يجب ألا تهيمن عليه دولة واحدة، داعياً إلى تعاون دولي في تطوير هذه التكنولوجيا.


مقاطعة كندية تقاضي «أوبن إيه آي» بشأن حادث إطلاق نار في مدرسة

ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
TT

مقاطعة كندية تقاضي «أوبن إيه آي» بشأن حادث إطلاق نار في مدرسة

ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)

رفعت مقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية دعوى قضائية أمام محكمة اتحادية في الولايات المتحدة ضد شركة «أوبن إيه آي»، على خلفية اتهامات بعدم إبلاغ السلطات عن تفاعلات مقلقة عبر تطبيق «تشات جي بي تي» سبقت حادث إطلاق نار في مدرسة ببلدة تامبلر ريدج، أسفر عن مقتل 8 أشخاص، بينهم 6 أطفال.

ونفّذت الهجوم، الذي وقع في فبراير (شباط) الماضي، ويُعدّ أحد أسوأ حوادث إطلاق النار الجماعي في تاريخ كندا، فتاة تُدعى جيسي فان روتسيلار، تبلغ من العمر 18 عاماً، قبل أن تنتحر عقب إطلاق النار.

وبحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، كانت الشركة قد اعتذرت سابقاً عن عدم إبلاغ سلطات إنفاذ القانون بشأن حساب جيسي على «تشات جي بي تي»، بعدما أثار مخاوف لدى فريق السلامة في الشركة بسبب إشارات إلى العنف باستخدام الأسلحة، وذلك قبل وقوع الهجوم بأشهر.

وصرحت نيكي شارما، المدعية العامة لمقاطعة كولومبيا البريطانية، بأن الدعوى القضائية تثير تساؤلات حول «مسؤوليات شركات التكنولوجيا عندما تدرك وجود تهديدات موثوقة بوقوع أعمال عنف جسيمة».

وأضافت شارما: «حتى الآن، لم تتخذ (أوبن إيه آي) خطوات ملموسة لمعالجة المخاوف التي أثارها الناجون وعائلات الضحايا وسكان تامبلر ريدج».

وتابعت قائلة: «لا تزال الشركة تملك فرصة لإثبات تحملها للمسؤولية من خلال تعزيز تدابير الحماية، وتحسين الشفافية، واتخاذ إجراءات فعلية للمساعدة في منع وقوع مآسٍ مماثلة في المستقبل».

وأوضحت شارما للصحافيين أنها لم تطلع على محتوى المحادثات التي أجرتها جيسي عبر «تشات جي بي تي»، مشيرة إلى أن حكومتها طلبت من الشركة الكشف عنها، لكنها رفضت ذلك. وقالت: «علينا جميعاً أن نسألهم: لماذا؟».

كما صرحت شارما بأن أي تعويضات مالية قد تحصل عليها المقاطعة من القضية ستُخصص لإعادة بناء المدرسة الثانوية التي وقعت فيها المأساة.


الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)

اقترحت الولايات المتحدة على الصين، خلال محادثات عُقدت في نيويورك الأحد، إنشاء آلية تتيح للبلدين إبلاغ بعضهما بحوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، قبل أيام من لقاء مرتقب بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ.

وجاء الاقتراح بعد ثلاثة أيام من تحذيرات أطلقها مسؤولون وخبراء خلال منتدى شيانغشان الأمني في بكين من المخاطر التي قد ترافق الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وبينها تقليص الوقت المتاح أمام البشر لاتخاذ القرارات مع تزايد الاعتماد على أنظمة أكثر استقلالية.

وفي الفترة نفسها، طرح خبراء أمنيون أميركيون وصينيون ضوابط مقترحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، محذّرين من سيناريوهات قد تترك واشنطن أو بكين أمام وقت قصير لتحديد ما إذا كان حادث مرتبط بأنظمة عسكرية حساسة يمثّل هجوماً متعمداً من الطرف الآخر.

وتطرح هذه التطورات مخاوف من تداعيات الاستخدام العسكري المتزايد للذكاء الاصطناعي، لا سيما مع قدرته على تسريع عملية اتخاذ القرار. فهل يزيد ذلك خطر سوء التقدير، ويدفع دولتين إلى مواجهة لم تكن أي منهما تسعى إليها؟

نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)

قرارات أسرع

دخل الذكاء الاصطناعي مجالات متعددة من العمل العسكري، من تحليل كميات ضخمة من المعلومات والصور إلى المراقبة ورصد التهديدات ودعم عمليات القيادة واتخاذ القرار.

وتكمن إحدى أبرز ميزاته العسكرية في السرعة. فالأنظمة القادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات خلال فترة قصيرة يمكن أن تمنح الجيوش قدرة أكبر على اكتشاف التهديدات والاستجابة لها، وهي أفضلية تزداد أهميتها في ساحات قتال تتسارع فيها وتيرة العمليات.

لكن الميزة نفسها تحمل خطراً معاكساً. فكلما ازدادت سرعة رصد التهديد والرد عليه، تقلّص الوقت المتاح أمام البشر للتحقق من المعلومات وتقدير نيات الخصم قبل اتخاذ قرار قد يصعب التراجع عنه.

ويشير معهد «بروكينغز» الأميركي إلى أن دخول الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة إلى المجال العسكري، من الدفاع الإلكتروني إلى أنظمة الأسلحة وتحليل المعلومات والقيادة واتخاذ القرار، يفتح مسارات جديدة أمام أخطاء أو سوء استخدام يمكن أن يقود إلى التصعيد.

وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلّق الأمر بقوى نووية، حيث يمكن أن تكون تكلفة تفسير نشاط معادٍ بصورة خاطئة أكبر بكثير منها في ساحات القتال التقليدية.

وزراء دفاع الصين ولاوس وبيلاروسيا وكمبوديا قبيل افتتاح منتدى شيانغشان في بكين في 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي

ولا يحتاج هذا السيناريو إلى أن يتّخذ الذكاء الاصطناعي قرار شن حرب بصورة مستقلة. فقد تبدأ المشكلة قبل ذلك بكثير، عندما تصبح المعلومات التي ينتجها أو يحللها جزءاً من سلسلة القرارات التي يتخذها البشر.

فالأنظمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ليست معصومة من الخطأ، وقد يؤدي تصنيف غير دقيق لهدف أو تحليل خاطئ لمعلومة إلى تقديم صورة مضللة لصانع القرار، خصوصاً عندما يكون مطالباً بتحديد طبيعة التهديد والرد عليه بسرعة.

كما تبرز مشكلة أخرى في العمليات الإلكترونية، إذ يصعب أحياناً تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم. فقد يكون مصدره دولة أو مجموعة غير حكومية أو جهة تستخدم الذكاء الاصطناعي، فيما يمكن أيضاً تنفيذ عملية بطريقة توحي بأن دولة أخرى تقف خلفها.

وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الخطر في الآلة وحدها، بل في التفاعل بين معلومات غير مكتملة وسرعة متزايدة وضغط لاتخاذ القرار. وقد يقود الرد على هجوم نُسب بصورة خاطئة إلى الخصم إلى سلسلة من الإجراءات والإجراءات المضادة يصعب وقفها لاحقاً.

مخاطر تطول الأنظمة النووية

ويزداد القلق عند ارتباط الذكاء الاصطناعي بالأنظمة النووية والعمليات الإلكترونية.

وحذّر خبراء أمنيون أميركيون وصينيون، الأسبوع الماضي، من أن تدَخُّل نظام يعمل بالذكاء الاصطناعي في شبكة للقيادة والسيطرة النووية، أو تنفيذه عملية إلكترونية عسكرية، قد يترك الطرف الآخر أمام وقت محدود لتحديد ما إذا كانت الحكومة المنافسة تقف خلف ما حدث.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على إطلاق حرب نووية من تلقاء نفسه. لكن دمجه في أنظمة الإنذار والتحليل العسكري يمكن أن يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى أزمات يكون الوقت المتاح لإدارتها محدوداً أصلاً.

وتزداد المخاطر مع انتشار أنظمة عسكرية أكثر استقلالية، مثل المسيّرات والسفن غير المأهولة. فتحرُّك غير مقصود أو استجابة آلية لحادث في منطقة تشهد احتكاكاً عسكرياً يمكن أن يُفسَّرا بصورة مختلفة لدى الطرف المقابل، ما يفرض على الحكومات احتواء الأزمة بعد وقوعها.

إبقاء القرار بيد الإنسان

ودفعت مخاطر سوء التقدير إلى البحث عن ضوابط تضمن بقاء السيطرة البشرية في المجالات العسكرية الأكثر حساسية.

وكانت الولايات المتحدة والصين قد اتفقتا في أواخر عام 2024 على ضرورة بقاء قرار استخدام الأسلحة النووية تحت سيطرة البشر. ويرى باحثون أميركيون وصينيون مشاركون في حوار ينظمه معهد «بروكينغز» و«مركز الأمن والاستراتيجية الدولية» في جامعة تسينغهوا الصينية أن هذا المبدأ يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لضوابط أوسع.

ومن بين المقترحات إبقاء قرار تنفيذ هجمات إلكترونية على أنظمة القيادة والسيطرة النووية والبنى التحتية الحساسة بيد البشر، وتحديد معنى واضح لـ«السيطرة البشرية» على الأنظمة العسكرية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.

كما يقترح الخبراء إنشاء قناة اتصال أميركية - صينية مخصصة للحوادث الناجمة عن أخطاء الذكاء الاصطناعي أو الهجمات الإلكترونية المرتبطة به، بهدف منع سوء الفهم من التحوّل إلى أزمة أوسع.

ولا تمثل هذه المقترحات اتفاقاً بين الحكومتين، لكنها تزامنت مع تحرّك رسمي في الاتجاه نفسه. فقد قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بعد محادثاته مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفينغ، الأحد، إن واشنطن اقترحت آلية للإبلاغ عن الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، على أن يبحث ترمب وشي هذه الآلية خلال لقائهما.

سباق أسرع من الضوابط

لكن إبقاء الإنسان ضمن سلسلة اتخاذ القرار لا يحل المشكلة بالكامل. فالولايات المتحدة والصين لم تتوصلا بعد إلى مقاربة مشتركة لتنظيم الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، فيما يستمر التنافس بينهما على تطوير قدرات أكثر تقدماً.

كما أن بقاء الكلمة الأخيرة للإنسان لا يعني بالضرورة امتلاكه الوقت والمعلومات الكافية للتأكد من صحة ما تقترحه الأنظمة الآلية. فزيادة سرعة الأنظمة العسكرية قد تفرض على البشر اتخاذ قراراتهم تحت ضغط أكبر.

ويضاف إلى ذلك ما يصفه باحثو «بروكينغز» بمعضلة أمنية ناجمة عن صعوبة معرفة القدرات الحقيقية التي يمتلكها الخصم، أو تحديد ما إذا كانت تطبيقاته العسكرية للذكاء الاصطناعي دفاعية أم هجومية. وقد يدفع الغموض كل طرف إلى افتراض السيناريو الأسوأ وتطوير قدرات مقابلة.

ولا يلغي الذكاء الاصطناعي الحسابات السياسية التي تقود الدول إلى الحرب أو تمنعها منها، لكنه يغيّر جانباً من معادلة الردع بين الدول المتنافسة، عبر تسريع رصد التهديدات والاستجابة لها وتقليص الوقت المتاح لتقدير الموقف قبل اتخاذ القرار.

ومع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، تزداد أهمية الحفاظ على السيطرة البشرية ومنح القادة الوقت الكافي للتحقق من المعلومات وتصحيح الأخطاء قبل اتخاذ القرار. فالسرعة التي توفرها هذه الأنظمة قد تكون ميزة عسكرية، لكنها تزيد في المقابل أهمية التأكد من صحة المعلومات قبل اتخاذ خطوات قد تقود إلى تصعيد غير مقصود.