النفط الليبي... «الورقة الحائرة» بين خصوم السياسة

«الفيل» ينضم للحقول المُعطّلة وسط ضبابية في المشهد

انخفاض الإنتاج في حقول النفط التي تسيطر عليها شركة «الواحة للنفط» إلى 150 ألف برميل يومياً (رويترز)
انخفاض الإنتاج في حقول النفط التي تسيطر عليها شركة «الواحة للنفط» إلى 150 ألف برميل يومياً (رويترز)
TT

النفط الليبي... «الورقة الحائرة» بين خصوم السياسة

انخفاض الإنتاج في حقول النفط التي تسيطر عليها شركة «الواحة للنفط» إلى 150 ألف برميل يومياً (رويترز)
انخفاض الإنتاج في حقول النفط التي تسيطر عليها شركة «الواحة للنفط» إلى 150 ألف برميل يومياً (رويترز)

ماذا يحدث للنفط الليبي حالياً؟

سؤال يطرحه جل الليبيين حول القطاع، الذي يعدّونه المورد الرئيسي للبلاد، لكنهم يرون بحكم تجاربهم السابقة أنه بات «ورقة حائرة للمساومة» في قبضة بارونات السياسة والمتصارعين على السلطة.

حيرة الليبيين، التي خلقت حالة من الضجر، جاءت بعد إعلان السلطات المحلية وبعض الاختصاصيين بقطاع النفط، مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي، عن تشغيل ثلاثة حقول نفطية، ما عدّوه انفراجة على مسار الأزمة، لكن بعد ثلاثة أيام أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حالة «القوة القاهرة» بحقل الفيل، وسط ضبابية المشهد السياسي العام.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

وأُدخل النفط مجدداً على مسار الأزمة السياسية، عندما أعلنت الحكومة الليبية المكلفة من البرلمان، في 26 من أغسطس (آب) الماضي، حالة «القوة القاهرة» على جميع الحقول والموانئ، وإيقاف إنتاج وتصدير النفط «حتى إشعار آخر»، رداً على تغيير رئيس محافظ المصرف المركزي من قبل سلطات طرابلس.

إزاء هذه الأزمة، يتذكر المحلل السياسي الليبي، حسام القماطي، وجود لافتات في شوارع ليبيا كتب عليها: «نفطنا سلاحنا في الحرب والسلم»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «يبدو أن هذا الشعار ترسّخ في عقلية الأطراف السياسية، فعندما تقع أي أزمة يسارعون للتلويح بهذه الورقة».

في مطلع الشهر الحالي، نُقل عن مهندسين يعملون بقطاع النفط أن «ثلاثة حقول نفط بالجنوب الشرقي، هي السرير ومسلة والنافورة، تلقّت تعليمات باستئناف الإنتاج، من قِبل مشغّل الحقول (شركة الخليج العربي للنفط)، التي لم تقدّم أي أسباب لذلك، وفقاً للمهندسين».

مستودع الزاوية النفطي بغرب ليبيا (شركة البريقة لتسويق النفط)

ولم يعرف جُل الليبيين الأسباب التي أدت إلى تشغيل تلك الحقول، ولا مصير باقي الحقول، لكن مصادر محلية بررت عملية التشغيل حينها «لضمان استمرار تشغيل محطات الكهرباء وتوفير الوقود»، وتوقعت «إعادة تشغيل الحقول والموانئ النفطية المغلقة كافة تباعاً».

وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، مساء الأحد، حالة «القوة القاهرة» بحقل الفيل النفطي، الواقع بحوض مرزق جنوب غربي ليبيا. وبررت اللجوء لهذا القرار إلى «الظروف الحالية التي يمر بها إنتاج النفط بحقل مليتة، التي منعت المؤسسة من القيام بعمليات تحميل النفط الخام»، وقالت موضحة: «هذه الظروف سوف تؤثر على عمليات إنتاج النفط الخام بحقل الفيل النفطي».

أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان (الشرق الأوسط)

وتراجع الإنتاج النفطي لأكثر من النصف تقريباً خلال الأيام الأخيرة، بعد أن سجل 1.15 مليون برميل يومياً خلال شهر يوليو (تموز) الماضي؛ وفق بيانات المؤسسة.

ويشير القماطي إلى أن استخدام هذا المورد ورقة سياسية «أصبح أمراً مبتذلاً في هذه المرحلة، إذ إن كل طرف من الأطراف يستخدمها على حسب قدراته، بالنظر إلى عدد الحقول الموجودة في مناطق نفوذه».

وعدّت المؤسسة أن «الظروف الحالية الخارجة عن سيطرتها هي التي دفعتها إلى إعلان حالة (القوة القاهرة) بحقل الفيل، بدءاً من اليوم الثلاثاء، مع الأخذ في الاعتبار أن حالة القوة القاهرة لا تنطبق على عمليات تحميل الهيدروكربونات الأخرى».

حقل «الشرارة» النفطي في جنوب ليبيا (الاتحاد العام لعمال النفط والغاز)

وعدّ موقع «إس آند بي غلوبال بلاتس» الأميركي إعلان المؤسسة الوطنية حالة «القوة القاهرة» على حقل الفيل «انتكاسة تضرب قطاع النفط الليبي».

وفي الخامس من أغسطس الماضي، توقف الإنتاج بشكل كامل في حقل الشرارة، الذي يعمل بطاقة إنتاج تبلغ نحو 300 ألف برميل يومياً. علما بأن شركة مليتة للنفط والغاز، وهي مشروع مشترك بين المؤسسة الوطنية للنفط و«إيني» الإيطالية، تتوليان تشغيل حقل الفيل الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 70 ألف برميل يومياً.

وسبق أن أكدت المؤسسة الوطنية للنفط أن إغلاق حقول نفطية في الفترة الأخيرة تسبب في فقد 63 في المائة تقريباً من الإنتاج الكلي للنفط في البلاد.

ويأمل الليبيون في إبعاد النفط، الذي يُشكّل 98 في المائة من موارد البلاد، عن المناكفات السياسية بين المتصارعين على الحكم. لكن تقارير دولية توضح أن عملية تعطيل إنتاج النفط في ليبيا ستطول، مما «يزيد من عذابات المواطنين وحيرتهم»، وفق متابعين.

وتقع غالبية الحقول تحت سيطرة «الجيش الوطني»، برئاسة المشير خليفة حفتر، فضلاً عن أن منطقة الواحات بجنوب غربي ليبيا تعد من أبرز المناطق الغنية بالحقول النفطية في البلاد.

ولم تنعم ليبيا، العضو في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، باستقرار يذكر منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، وانقسمت ليبيا بين جبهتين واحدة في شرق البلاد وأخرى في غربها بداية من 2014.


مقالات ذات صلة

«الوحدة» الليبية لمواجهة موجة الغلاء بتدابير صارمة

شمال افريقيا الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)

«الوحدة» الليبية لمواجهة موجة الغلاء بتدابير صارمة

تشهد ليبيا موجة غلاء ملحوظة في ظل ازدياد أسعار السلع الغذائية والدوائية بنسبة متفاوتة تقارب 25 في المائة، في ظل تغوّل السوق الموازية للدولار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)

هل حوّل الانقسام السياسي سفارات ليبيا إلى أداة لكسب الولاءات؟

وصف دبلوماسيون ليبيون القفزة التي سجلتها مرتبات العاملين بالسفارات والبعثات الدبلوماسية بأنها «استنزاف ممنهج» لميزانيات السفارات.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي (الحكومة)

حكومة حماد تعلن إطلاق سراح الليبيين المحتجزين في تشاد

أعلنت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بالحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي، برئاسة أسامة حماد، يوم الخميس، إطلاق «جميع المواطنين الليبيين» المحتجزين في تشاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا قبيل ترحيل عدد من المهاجرين النيجيريين من غرب ليبيا (وزارة الداخلية)

قتيلان في استهداف قارب تهريب مهاجرين بـ«مُسيرة مجهولة» غرب ليبيا

كشفت «قوة دعم المديريات بالمنطقة الغربية» عن تفاصيل استهداف طائرة «مُسيرة» قارباً يُستخدم في تهريب مهاجرين غير نظاميين عبر البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صالح خلال استقباله بورزيزة أثناء تأديته اليمين القانونية في سبتمبر 2022 (مجلس النواب الليبي)

تبادل الاتهامات بين صالح والمحكمة العليا يوسّع شرخ «انقسام القضاء» الليبي

أعربت الجمعية العمومية للمحكمة العليا بالعاصمة الليبية «عن بالغ أسفها، وشديد استنكارها لموقف عقيلة صالح» الذي وصف رئيسها بأنه أصبح خصماً سياسياً غير محايد».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

مخاوف الانقسام تتصاعد في السودان مع ترسيخ واقع حكومتين

قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» يتنازعان السلطة بعد سنوات من التفاهم (أ.ف.ب)
قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» يتنازعان السلطة بعد سنوات من التفاهم (أ.ف.ب)
TT

مخاوف الانقسام تتصاعد في السودان مع ترسيخ واقع حكومتين

قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» يتنازعان السلطة بعد سنوات من التفاهم (أ.ف.ب)
قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» يتنازعان السلطة بعد سنوات من التفاهم (أ.ف.ب)

مع مطلع عام 2026، وبينما يحتفل السودانيون – نظرياً – بمرور سبعين عاماً على الاستقلال، تبدو «فكرة الدولة» نفسها موضوعة أمام اختبار وجودي قاسٍ. فالحرب التي طالت لم تكتفِ بتدمير البنية المادية، بل أنتجت واقعاً سياسياً جديداً يقوم على سلطتين متنازعتين على الشرعية والأرض، وتغذية مستمرة لتعبئة حربية وخطاب كراهية، يقوضان أي قابلية مجتمعية للعودة إلى صيغة وطن واحد جامع.

في خطاب الاستقلال، سعى رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى استعادة مفردات «الوطن والمواطنة»، وفتح نافذة للحديث عن «المصالحة الوطنية»، لكنه في الوقت ذاته شدد على مواصلة القتال حتى تحقيق النصر. وعلى الضفة الأخرى، قدم رئيس وزراء الحكومة الموازية في نيالا، محمد الحسن التعايشي، رؤية تقوم على «تأسيس الدولة من جديد»، عبر عقد اجتماعي جديد، ونظام حكم لا مركزي، وجيش واحد.

رئيس وزراء حكومة «تأسيس» الموازية محمد حسن التعايشي (صفحة مكتبه على «فيسبوك»)

وبين هذين الخطابين، اللذين يبدوان ظاهرياً حريصين على وحدة السودان، يبرز ملف مقلق يتمثل في احتمال أن تقود الحرب إلى انقسام بحكم الأمر الواقع، يتطور لاحقاً إلى تفكيك شامل، لا سيما في ظل الذاكرة الجمعية التي ما تزال تحتفظ بتجربة انفصال جنوب السودان.

معسكران متنافسان

فعلى الأرض، أعلن التحالف الذي تقوده «الدعم السريع» تشكيل حكومة في مناطق سيطرته، وعين لها مجلساً رئاسياً يترأسه قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، إلى جانب رئيس وزراء هو محمد الحسن التعايشي. في المقابل، يسعى المعسكر المرتبط بالجيش إلى ترسيخ وجوده في بورتسودان بوصفه «السلطة المعترف بها دولياً». وبهذا، تنتقل الأزمة من مجرد صراع عسكري على العاصمة أو مفاصل الدولة، إلى منافسة مباشرة على تمثيل الدولة نفسها.

نائب رئيس حزب المؤتمر السودان، والقيادي بتحالف "صمود" خالد عمر يوسف (صفحته على فيسبوك)

في مواجهة هذه المخاوف، حذر القيادي البارز في تحالف القوى المدنية الديمقراطية «صمود»، خالد عمر يوسف، من تقديم سردية «الخيار العسكري» بعدّها ضمانة للوحدة الوطنية، وعدّ توصيف الحرب بأنها وسيلة لحماية السيادة «إحدى أكبر الأكاذيب المتداولة». وتوقع يوسف، في حديث بثه عبر منصته، أن تكون النتيجة العملية لاستمرار الحرب هي «تآكل الدولة، وتعدد مراكز القرار، وترسيخ إدارتين متوازيتين»، مشدداً على أن كل يوم قتال إضافي يعمق ويعزز وضعية الانقسام.

ويرى أن جذور الأزمة تكمن في «تعدد الجيوش، ووجود قوتين عسكريتين متوازيتين»، مؤكداً أن معالجة هذا الوضع لا تتم عبر شعارات من قبيل «حل هذا الجيش أو ذاك»، بل من خلال اتفاق سياسي تفاوضي يضع آليات واضحة للدمج والتوحيد، أو عبر حسم عسكري بالقوة، وهو خيار يراه غير مرجح. ويجزم يوسف بأن الرهان على الحسم العسكري «لن يصنع جيشاً واحداً»، بل قد يفتح الباب أمام مزيد من التشظي، خاصة في ظل انتشار السلاح، وتكاثر الجماعات المسلحة، وتعقد مسارات السيطرة والنفوذ.

سلطات ولاية الخرطوم تقوم بتدريب آلاف الجنود في منطقة أم بدة غرب أم درمان لمساعدة القوات المسلحة 15 ديسمبر (أ.ف.ب)

كما حذر من أخطار متعددة تواجه البلاد، من بينها تحول الحرب إلى صراع ذي طابع جهوي، تغذيه الكراهية والفراغ الأمني وتعدد القوى المسلحة، إلى جانب الامتدادات الإقليمية والدولية، وظهور دعوات انفصالية داخل دولة هشة، ما قد ينتج كيانات ضعيفة لا تعرف الاستقرار.

ولا تأتي هذه المخاوف من فراغ؛ إذ ربطت وكالات وتقارير دولية بالفعل بين قيام سلطتين متوازيتين وخطر التشظي، على غرار نماذج دول منقسمة. فقد ذكرت وكالة «رويترز» في 31 يوليو (تموز) الماضي أن وجود حكومتين «يعمّق مسار الانقسام بحكم الأمر الواقع في البلاد».

سيناريوهات التقسيم

أما الصحافية رشا عوض، فتذهب إلى قلب الفكرة، عادّةً أن الحروب الطويلة نادراً ما تفتح الطريق أمام «نصر حاسم»، بقدر ما تفتح الباب أمام «سيناريوهات التقسيم».

وتوضح أن التقسيم الإداري بات واقعاً فعلياً، تسيطر فيه قوى مسلحة على أقاليم كاملة وتديرها بشكل شبه مستقل عن الدولة المركزية، محذرة من أن استمرار الحرب قد يحوّل هذا الواقع إلى تقسيم كامل، قائلة: «إطالة القتال تعني ترسيخ هذا الوضع».

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)

وترى عوض أن أي تقسيم محتمل لن يكون سلمياً، بل سيكون «دموياً وغير قابل للاستقرار»، مضيفة: «حتى لو انفصل إقليم، فلن يستقر بذاته، لأن التناقضات الداخلية – كما في حالة دارفور – قد تكون أعمق من تناقضاته مع المركز، ما يجعل الانفصال مدخلاً لتشظٍ داخلي، لا لحل سياسي». وتؤكد عوض لـ«الشرق الأوسط» أن البيئة الإقليمية الحالية تضاعف المخاطر، مشيرة إلى أن الإقليم «يغلي»، وأن اندلاع صراع إقليمي أوسع في ظل استمرار الحرب في السودان قد يحوله إلى ساحة ضمن حرب إقليمية كبيرة، تطيل أمد القتال داخلياً، وتعمق آثاره، وتدفع البلاد نحو التفكك، خاصة مع امتلاك كل طرف عسكري حلفاء إقليميين متنافسين.

وتربط بين الحرب وما تصفه بـ«حالة الانقسام النفسي والاجتماعي المتصاعدة»، الناتجة عن خطاب الكراهية، قائلة: «القتال ضخ جرعات عالية من التحريض تجاه أقاليم ومكونات بعينها»، مضيفة أن غياب مشروع وطني للتعافي والمصالحة والعدالة الانتقالية يعزز منطق «نحن الخير المطلق، وهم الشر المطلق»، ما يجعل قبول السودانيين لبعضهم أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

دولة البحر والنهر

ويتقاطع هذا الانقسام النفسي والاجتماعي مع مظاهر فرز اجتماعي بدأت تظهر في اللغة اليومية بين مؤيدي الطرفين، وتوضح عوض: «الأمر لا يقتصر على ضجيج سياسي، بل يمثل شرطاً نفسياً يمهد لقبول الانقسام كحل، أو على الأقل للتعايش معه بوصفه قدراً». وفي هذا السياق، تتداول بعض منصات التواصل الاجتماعي دعوات صريحة لفصل إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، وسط خطاب كراهية لا يستثني حتى حلفاء الجيش، تجلى في مفردات مهينة مثل «عرب الشتات»، و«أم كعوكات»، و«لا يشبوننا»، وغيرها. كما برزت دعوات لإقامة دولة باسم «البحر والنهر»، تضم وسط السودان وشماله وشرقه، مصحوبة بخطاب يقوم على النقاء والتمييز العرقي، وتداول معلومات عن وجود ما يسمى «قانون الوجوه الغريبة».

السودانيون يحلمون بعودة الحياة المدنية، وذكريات الاحتفال بذكرى الثورة في ديسمبر 2018 (أ.ف.ب)

وخلاصة ما يجمع بين تحذيرات خالد عمر يوسف وتحليل رشا عوض، أن الحل لا يكمن في ترديد شعار «الوحدة»، بل في وقف ديناميكيات الانقسام قبل أن تتصلب، وذلك عبر وقف فوري للحرب، ومنع تحول السيطرة العسكرية إلى حدود سياسية. فما يشهده الناس ويسمعونه اليوم يؤكد أن مخاوف الانقسام لم تعد مجرد توقعات نظرية، بل باتت تنطلق من واقع يتعقد كلما طال أمد الحرب. وفي ظل وجود سلطتين متنازعتين، وسلاح كثيف خارج السيطرة، وتصدع اجتماعي عميق، فإن العودة إلى المشترك الوطني تتطلب انتقالاً عاجلاً من منطق «إدارة الحرب» إلى منطق «إنقاذ الدولة»، حتى يتمكن السودانيون من أن يرددوا من جديد نشيدهم الأثير: «اليوم نرفع راية استقلالنا».


مصر: الذهب يحافظ على مكانته ويعزز أدواره رغم قفزات الأسعار

ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)
ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)
TT

مصر: الذهب يحافظ على مكانته ويعزز أدواره رغم قفزات الأسعار

ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)
ارتفاعات قياسية جديدة سجَّلها المعدن الأصفر في مصر (أرشيفية - رويترز)

ظل المصري مجدي سيد، وهو موظف في منتصف الأربعينات من عمره، عاماً كاملاً يحاول أن يدخر مبلغاً يُمكّنه من شراء سبيكة ذهبية لا تتجاوز 10 غرامات ليحافظ على ما ادخره، ووجد أن الوقت قبل ساعات من نهاية العام الماضي مناسب لأن يُقدّم السبيكة هدية لزوجته، رغم أنه اعتاد في مثل هذه المناسبات أن يفاجئها بمشغولة ذهبية بغرض الادخار والزينة أيضاً.

ورغم الارتفاعات المستمرة في أسعار الذهب في مصر، يقول مجدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إنه اتخذ قراره بناءً على نصائح من أقاربه، الذين اتفقوا على أن هذا الحل هو الأسلم للادخار، رغم أنه قد يحتاج إلى المبلغ لدفع مصاريف أبنائه المدرسية في غضون أشهر قليلة، كما أنه أراد أن يُحفز زوجته للاستمرار في اقتصاد مصروفات المنزل.

وصل سعر «سبيكة الذهب» عيار 24 لنحو 71 ألف جنيه (الدولار يساوي 40.5 جنيه في البنوك المصرية) عند نهاية عام 2025.

وتأثرت «سبيكة الذهب» بالارتفاعات المتتالية في أسعار الذهب خلال العام الماضي في مصر بنسبة 60 في المائة خلال عام واحد، في واحدة من أكبر الطفرات السعرية، مدفوعة عالمياً بارتفاع الأونصة لأرقام قياسية، وصلت إلى نحو 70 في المائة، وفقاً «للتقرير السنوي لشعبة الذهب والمعادن الثمينة» في مصر.

الموظف المصري، الذي يقطن بحي عابدين في وسط القاهرة، أكد أن «زملاءه وإخوته يتجهون نحو الذهب للادخار بشكل مستمر رغم ارتفاع أسعاره»، وقال بهذا الخصوص: «بالنسبة لزوجتي، الذهب أداة تأمين فاعلة في مواجهة تقلبات الحياة، وذلك أفضل كثيراً من قضاء إجازة صيفية مثلاً».

وقفز سعر الذهب من 3740 جنيهاً للغرام الواحد عيار 21 ليلامس مستوى 6100 جنيه في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن ينخفض قليلاً ليصل إلى 5830 جنيهاً، الجمعة. وقد حقق الذهب خلال العام الماضي أفضل أداء سنوي له منذ عام 1979، كما أنه العام الثالث على التوالي الذي يشهد فيه مكاسب، حيث يمثل هذا الارتفاع تصعيداً لتحول جذري في الأسواق المالية العالمية، وفقاً لأرقام منصة «آي صاغة».

ورغم هذه القفزات، فإن الشاب الثلاثيني محمد عمر، الذي أتم خطبته قبل أسبوع تقريباً من نهاية 2025، قام بشراء شبكته مقدماً خشية مزيد من الارتفاعات في 2026، خصوصاً مع بداية العام، الذي يتزامن مع أعياد الميلاد التي تشهد دائماً إقبالاً كبيراً على الذهب، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «اتفقت مع أهل خطيبتي على شراء 30 غراماً من الذهب عيار 18 لتدبير باقي نفقات الزواج الباهظة».

أحد محالّ الذهب في مصر (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب)

ورفضت أسرة عمر وأهل خطيبته التنازل عن شراء «الشبكة» (تعرف في الموروث الشعبي بأنها هدية يقدمها الخاطب لخطيبته للإعلان عن الخطوبة، وهي جزء من تقاليد الزواج، وتعد في العرف الشرعي للمسلمين جزءاً من المهر)، مشيراً إلى أن الاتفاق عليها كان مسبقاً على توزيع أعباء الزفاف بينهما.

وأقدم المصريون على «شراء 50 طناً من الذهب خلال عام 2024»، كما بلغت مشترياتهم في أول 9 شهور من العام الماضي «نحو 32.5 طن»، حسب «مجلس الذهب العالمي». ولا يرتبط الأمر فقط بشراء الأفراد، حيث جذبت صناديق الاستثمار في الذهب، التي انطلقت عام 2023، استثمارات تتراوح بين 4 و5 مليارات جنيه لما يقرب من 250 ألف مستثمر، بعضهم بدأ الاستثمار بمبالغ محدودة، وفقاً «للهيئة العامة للرقابة المالية».

أستاذة الاقتصاد في جامعة عين شمس، يمن الحماقي، قالت إن «الإقبال على الذهب آخذ في الازدياد على مستوى العالم أجمع، لكن الوضع في مصر أكثر خصوصية؛ لأن كثيرين اتجهوا إليه للتحوط من تقلبات سعر الصرف، وانخفاض قيمة العملة المحلية مع اتخاذ قرارات عديدة بتعويم الجنيه خلال السنوات الماضية، وصاحب ذلك موجات تضخمية عنيفة».

وأضافت يمن موضحة: «صار هناك مشهد يتجه فيه كل مواطن لتأمين نفسه، خصوصاً المستثمرين الذين يسعون للحفاظ على قيمة أموالهم، ومن لديهم سيولة إضافية مع ضعف فرص الاستثمار». وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن وجود «اقتصاد غير رسمي» دفع البعض لتحويل أمواله غير المستغلة في استثمارات الذهب، وهو ما يفسر اللجوء إلى السبائك ذات المصنعية المنخفضة على نحو أكبر، أو الاستثمار في «صناديق الذهب»، ما يجعل التحوط يأتي على رأس أولويات اقتناء الذهب.

ويعد ذلك أحد الأسباب التي دفعت «شعبة الذهب والسبائك الثمينة» في مصر تتحدث في تقريرها الأخير، الأربعاء، للتأكيد على أن «أداء الذهب خلال عام 2025 يعكس تحولاً هيكلياً في سلوك المستثمرين، ويثبت قدرة المعدن الأصفر على الحفاظ على القيمة، وتعظيمها على المدى الطويل».

زيادة أسعار الذهب لم تثن المصريين عن الشراء (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)

وعلى المستوى الاجتماعي، ما زال الذهب في مصر يحافظ على إرث اقتنائه بسبب الوجاهة والزينة، ويعد مكوناً رئيسياً في الزواج، وفق أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، هالة منصور، التي أشارت إلى أنه في خمسينات القرن الماضي «كانت الطبقة المتوسطة والفقيرة تشتري الذهب، بينما كانت الطبقات العليا تتجه نحو الألماس، والهدف هو الزينة والاحتفاظ به، وكذلك فهو رمز مهم للوجاهة، وارتبط بالهدايا و(شبكة الزيجة)».

وأضافت منصور لـ«الشرق الأوسط»: «استمر هذا الوضع عقوداً طويلة، خصوصاً أنه لم تكن هناك ارتفاعات كبيرة في أسعاره حتى عام 2011، وفي ذلك الحين بدأت التحولات الاجتماعية تأخذ نمطاً متسارعاً، بينما شهد الذهب أيضاً قفزات كبيرة عززها انخفاض قيمة الجنيه، وشعور المواطنين بأن مدخراتهم بالعملة المحلية قد تتعرض للتآكل، فأصبح الذهب أداة ادخار واستثمار مهمة».


زيادة حادة في أسعار الصحف المصرية لا تعالج أزماتها المالية

احتفالية مؤسسة الأهرام الصحافية بمرور 150 عاماً على صدورها (صحيفة الأهرام)
احتفالية مؤسسة الأهرام الصحافية بمرور 150 عاماً على صدورها (صحيفة الأهرام)
TT

زيادة حادة في أسعار الصحف المصرية لا تعالج أزماتها المالية

احتفالية مؤسسة الأهرام الصحافية بمرور 150 عاماً على صدورها (صحيفة الأهرام)
احتفالية مؤسسة الأهرام الصحافية بمرور 150 عاماً على صدورها (صحيفة الأهرام)

رفعت «الصحف القومية» في مصر أسعار النسخ المطبوعة مع بداية شهر يناير (كانون الثاني) الحالي، بنسبة زيادة قدرها 66 في المائة تقريباً، غير أن هذه «الزيادة الحادة» لا تعالج أزماتها المالية المتراكمة منذ سنوات، وفق مراقبين.

وأعلنت 3 صحف يومية رئيسية، هي «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية»، زيادة قيمة النسخة من 3 إلى 5 جنيهات، (الدولار يساوي 47.62 جنيه مصري)، ونوّهت الصحف الثلاث في أعدادها الصادرة الخميس، إلى أن «الزيادة بسبب ارتفاع تكاليف الطباعة الورقية، ولضمان استمرار تقديم المحتوى الصحافي بجودة عالية».

وجاءت زيادة الأسعار على نسخ الصحف القومية اليومية والأسبوعية، في حين أبقت المجلات الأسبوعية والشهرية على نفس أسعارها الحالية.

وترجع ملكية المؤسسات الصحافية القومية إلى الحكومة المصرية، منذ صدور قانون تنظيم الصحافة عام 1960، ومن أبرزها «الأهرام»، و«الأخبار»، و«روز اليوسف»، و«دار الهلال»، وتمنح المادة 212 من الدستور «الهيئة الوطنية للصحافة» سلطة تطوير وتحديث المؤسسات الصحافية، وتنمية أصولها وضمان استقلاليتها وحيادها.

وإلى جانب الصحف القومية، هناك صحف خاصة وحزبية تصدر يومياً في القاهرة، أقدم الجزء الأكبر منها على رفع أسعاره أيضاً في توقيتات مختلفة خلال السنوات الماضية.

وقالت «صحيفة الأهرام» في صفحتها الأولى، الخميس، إنها «تواجه تحدياً اقتصادياً يفرض رفع سعر النسخة إلى 5 جنيهات، لضمان استدامة الصحيفة، وقدرتها على تغطية كافة الأخبار والأحداث بجودة واحترافية»، موضحة أن «رفع السعر أصبح ضرورة اقتصادية».

فيما أشارت صحيفتا «الأخبار» و«الجمهورية» إلى أن «سبب الزيادة يعود إلى الارتفاع المتواصل في تكلفة الورق ومستلزمات الطباعة، ما يجعل الزيادة تمثل جزءاً بسيطاً من إجمالي تكاليف الإنتاج».

وتصدر الصحف بأقل من سعر تكلفة طباعتها، حيث تصل قيمة طباعة النسخة إلى 8 جنيهات، لتباع بـ3 جنيهات (قبل الزيادة الأخيرة)، حسب تقدير سابق من الهيئة الوطنية للصحافة.

رئيس الهيئة الوطنية للصحافة في مصر عبد الصادق الشوربجي خلال احتفالية «150 سنة أهرام» (صحيفة الأهرام)

وتواجه المؤسسات الصحافية القومية، وعددها 8 مؤسسات، أعباء مالية متزايدة، بسبب تراكم الديون إلى أكثر من 19 مليار جنيه مصري، حسب تقدير صادر عن الهيئة الوطنية للصحافة عام 2017.

وناقش رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مع رئيس الهيئة الوطنية للصحافة عبد الصادق الشوربجي، خلال اجتماع حكومي، منتصف شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، سبل التوصل لحلّ جذري للمشكلات المالية التي تواجه المؤسسات الصحافية، وأكد «استعداد الحكومة دعم ومساندة هذه المؤسسات لإقالتها من عثراتها المالية، ولضمان استقرار أوضاعها الاقتصادية»، إلى جانب «تنفيذ إصلاح مالي حقيقي، يسهم في تطوير الأداء الصحافي والإعلامي».

وأشار رئيس الهيئة الوطنية للصحافة إلى أن «المؤسسات الصحافية تواجه مطالب شهرية تصل إلى 250 مليون جنيه»، وقال أمام لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، في شهر يونيو (حزيران) الماضي، إن «المطالب المالية للصحف مستمرة، في وقت تراجعت فيه أرقام التوزيع والإعلانات بشكل كبير».

وتأتي الزيادة الأخيرة في أسعار الصحف، بسبب الأعباء الاقتصادية التي تواجه الصحف المطبوعة، وفق وكيل الهيئة الوطنية للصحافة، علاء ثابت، وقال إن «تغطية الفارق بين تكلفة طباعة الصحف وأسعار توزيعها، كان المفترض أن تعوضه الإعلانات المنشورة، إلا أن نسبتها تراجعت إلى حد كبير».

وأوضح ثابت، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأصل في الصحف القومية أنها تقدم خدمة للقارئ المصري، ولا يتم التعامل معها كسلعة»، مشيراً إلى أن «المؤسسات الصحافية تسعى لمواجهة أعبائها الاقتصادية والمالية بإقامة مشاريع استثمارية، تحقق دخلاً ثابتاً لتلك المؤسسات، وتغطي تكلفة طباعة إصداراتها الصحافية».

وخلال الاحتفال بمرور 150 عاماً على صدور «صحيفة الأهرام»، الأسبوع الماضي، قال رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، عبد الصادق الشوربجي، إن «الصحف القومية تمثل إحدى أدوات القوى الناعمة المصرية»، وقال إن «الهيئة تسعى لتحقيق التوازن المالي للمؤسسات خلال الفترة المقبلة».

وترى عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق، ليلى عبد المجيد، أن «الصحف المصرية مضطرة لزيادة أسعارها لتغطية جزء من خسائرها، في ظل ارتفاع أسعار الورق والمواد الخام، وتراجع أرقام توزيعها». وأشارت إلى أن الزيادة في الأسعار «ليست بديلاً كافياً لتعويض خسائر تلك الصحف».

ويجب على المؤسسات الصحافية المصرية التفكير في بدائل أخرى للتمويل، وفق ليلى عبد المجيد، التي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «كثيراً من الإعلانات التي كانت توجه للصحف ذهبت إلى المنصات الرقمية». وأشارت إلى «ضرورة الحفاظ على الإصدارات المطبوعة، خصوصاً التي تمتلك تاريخاً عريقاً في الصحافة المصرية، من خلال دعم التحول الرقمي داخل المؤسسات، وتوفير بدائل تمويل تحافظ على دورية صدورها».