​ليبيا: هل تُغير «حرب النفوذ» الخريطة العسكرية والسياسية؟

حفتر «يتوسّع» جنوباً... والدبيبة يتوعد

جانب من المشروع التعبوي (درع الكرامة) 2024 الذي سبق ونظمه الجيش «الوطني الليبي» في بنغازي (القيادة العامة)
جانب من المشروع التعبوي (درع الكرامة) 2024 الذي سبق ونظمه الجيش «الوطني الليبي» في بنغازي (القيادة العامة)
TT

​ليبيا: هل تُغير «حرب النفوذ» الخريطة العسكرية والسياسية؟

جانب من المشروع التعبوي (درع الكرامة) 2024 الذي سبق ونظمه الجيش «الوطني الليبي» في بنغازي (القيادة العامة)
جانب من المشروع التعبوي (درع الكرامة) 2024 الذي سبق ونظمه الجيش «الوطني الليبي» في بنغازي (القيادة العامة)

اعتاد الليبيون على مشاهد التحشيد العسكري وتحريك الأرتال من منطقة إلى أخرى طوال العقد الماضي، لكن هذه المرة وهم يراقبون تحريك عناصر تابعة لـ«الجيش الوطني» إلى جنوب غربي البلاد، اختلف الأمر، متذكرين زحفه السابق على العاصمة.

قوات بـ«الجيش الوطني» تتحرك باتجاه الجنوب الغربي (من فيديو لرئاسة أركان القوات البرية)

كانت «القيادة العامة» للجيش بشرق ليبيا الذي يقوده المشير خليفة حفتر، أعلنت على لسان المتحدث باسم رئاسة أركانها البرية، تنفيذ «مهمة عسكرية محددة» ضمن «خطة شاملة لتأمين الحدود الجنوبية وتعزيز الأمن القومي»، غير أن الخبر أثار مخاوف عدة لدى الغرماء غرباً.

و«المهمة» التي أطلقتها «القيادة العامة»، واكبتها تفسيرات وشكوك عدة من جانب سلطات طرابلس، لجهة «ما قد تخفيه هذه التحركات من أهداف استراتيجية»، فضلاً عن أنها تأتي في ظل أوضاع إقليمية ودولية مضطربة.

ومنذ توقف الحرب التي شنها «الجيش الوطني» على طرابلس 2019، والأوضاع العسكرية تراوح مكانها في ليبيا، إلا أن البلاد شهدت عقب ذلك مزيداً من الانقسام السياسي بين حكومتين متصارعتين على السلطة الأولى بطرابلس، والثانية في بنغازي.

وعملية تحريك القوات عدّها المناوئون بغرب ليبيا «نكوصاً» عن اتفاقية «وقف إطلاق النار» الموقعة في جنيف 2020، وتعهدوا بمقاومتها. لكن ذلك استدعى على الفور تساؤلات حول القوة العسكرية للطرفين على الأرض.

وسعت قيادة «الجيش الوطني» سريعاً إلى طمأنة «الرافضين»، وقللت من مخاوفهم، وقالت إن هذا التحريك يأتي «تنفيذاً لتعليمات المشير خليفة حفتر، في إطار تعزيز الأمن على الحدود، والتصدي لأي تهديدات قد تستهدف سلامة الوطن واستقراره».

وتحركت القوات باتجاه مدينة سبها، التي توصف بأنها «عروس الجنوب الليبي»، مروراً بغات، وأباري ومرزق والقطرون، وبراك والشاطئ وصولاً إلى أدري، تلك القرية الصغيرة التي تعد النهاية الغربية لوادي الشاطئ، ويقطنها قرابة 4 آلاف مواطن.

الموالون لـ«الجيش الوطني»، والمناوئون له، قدموا في حديثهم إلى «الشرق الأوسط»، قراءات متباينة من منطلقات بعضها مناطقية، لكنها عكست فصلاً جديداً من فصول الحرب على «تمديد النفوذ على الأرض».

حفتر مستقبلاً في لقاء سابق ببنغازي نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكيروف (القيادة العامة)

انصبّ الاهتمام في ليبيا إلى حد كبير بعد رحيل نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، على جبهتي (شرق ليبيا وغربها)، وبالتبعية سقط الجنوب من حسابات الساسة الذين تصارعوا على الحكم مذاك، وبقي سكان تلك المدن البعيدة يشتكون «الإقصاء» حتى الآن.

وظلّت حدود ليبيا الجنوبية منذ توقف «حرب 2019» مقسّمة (شبه عرفي): (الجنوب الغربي) منها لسلطات طرابلس، و(الشرقي) لسلطات بنغازي، لكن الأخيرة سعت للحضور حكومياً في بعض مناطق الجنوب، فضلاً عن حضور عسكري أيضاً على الأرض من قبل.

وعلى رغم رسائل الطمأنة التي حملتها تصريحات المتحدث باسم «الجيش الوطني» اللواء أحمد المسماري، فإن هناك من عدّ، أن هذه التحركات جاءت بـ«إيعاز من الجانب الروسي» الذي «يتمدد في بعض مناطق ليبيا».

وانطلق المحلل العسكري الليبي عادل عبد الكافي، من نقطة أن حفتر، بهذا الإجراء «يدعم حلفاءه الروس، بـالتوسع من مناطق نفوذه كي يؤمّن الحدود الرابطة بين ليبيا والنيجر، بداية من ممر السلفادور وصولاً إلى حقل العطشان».

ويعتقد عبد الكافي في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن هناك في هذه المنطقة القصيّة «قرابة 18 ممراً تستطيع عناصر (الفيلق الأفريقي) التابع لروسيا استخدامها لتأمين عمليات الإمدادات العسكرية، ما يسهل لها الدفع بعناصر من الأراضي الليبي إلى النيجر ومالي».

هذا الاستنتاج الذي قدمه المحلل العسكري، نفاه المسماري في تصريحات صحافية، وأكد أن الهدف هو «تأمين كامل الأراضي الليبية، مع ما تشهده بعض الدول في الجنوب وفي الصحراء الغربية أو الأفريقية، من توترات وقلاقل».

جانب من المشروع التعبوي (درع الكرامة) 2024 الذي سبق ونظمه الجيش «الوطني الليبي» في بنغازي (القيادة العامة)

ويرى متابعون ليبيون، أن ما يحدث في ليبيا من توترات، خاصة على الحدود، لا ينفصل عن الصراع الدولي في الساحل الأفريقي، عادّين أن «كل طرف يسعى لتعزيز قواته عبر حلفائه العسكريين في المنطقة، بقصد إحكام السيطرة على أكبر قدر من المناطق الحيوية، ومن ثم فتح نافذة حدودية جديدة على القارة».

وفتح الانقسام السياسي الذي تعيشه ليبيا باباً واسعاً لتغوّل قوى دولية في الشؤون الداخلية للبلاد. وبحسب ما يعتقد سياسيون وأكاديميون، فإن روسيا تأتي في مقدمة هذه الأطراف، ويرون أنها «طوّرت من وجود قوات تابعة لها في ليبيا بتمدد نفوذها»، فيما يعرف بـ«الفيلق الأفريقي».

والحديث عن وجود قوات روسية في ليبيا ليس جديداً، لكن اتجاه موسكو لتعزيز هذا الوجود منذ أشهر قليلة، بحسب تقارير، بعد نقل قوات وعتاد إلى مناطق في شرق البلاد، زاد منسوب المخاوف والتحذيرات، ليس فقط لدى قوى محلية بل دولية أيضاً، ومن بينها أميركا وأوروبا.

جانب من المشروع التعبوي الذي سبق ونظمه الجيش «الوطني الليبي» في بنغازي (القيادة العامة)

رغم نفي قيادات «الجيش الوطني»، فإن التوتر وتسارع التحشيد العسكري، تواصلا على أطراف غرب ليبيا، ودخلت قوى دولية على خط الأزمة. إذ حضّت البعثة الأممية، الأطراف كافة على «تجنب أي أعمال استفزازية»، ودعتهم إلى الدخول في حوار لمنع مزيد من الانقسام، والحفاظ على الاستقرار وعلى «اتفاق وقف إطلاق النار» الموقع في عام 2020.

كما استشعرت بعثة الاتحاد الأوروبي هي الأخرى «القلق العميق» إزاء التحشيدات والتحركات العسكرية في المنطقة الجنوبية الغربية... وموقف البعثتين، وبعض الدول الرافضة لخطوة الجيش، استقبله المسماري، باستهجان كبير، لكن ذلك لم يمنع مصادر ليبية كثيرة من الربط بين هذا التحرك، واجتماعات سابقة لحفتر بقيادات عسكرية واستخباراتية عربية وأجنبية، معتقدين أن ليبيا ربما تكون «على أبواب تغيرات سياسية وعسكرية في الأيام الآتية».

والحديث عن المخاطر التي تتهدد «اتفاقية وقف النار» لم تتوقف عند تحذيرات البعثة الأممية، إذ يعتقد المحلل العسكري الليبي عبد الكافي، الذي يقيم في طرابلس، أن هناك «خرقاً للاتفاقية» التي تأسست على «عدم قيام أي تحركات عسكرية ضخمة، أو استفزازية لأي من الطرفين».

وهنا، جدد المسماري التزام القيادة العامة «باتفاق وقف إطلاق النار، وبتعهداتها أمام الدول الصديقة والشقيقة، والمنظمات الدولية».

غير أن نبرة التخوف التي خلفها تحريك قوات «الجيش الوطني» جاءت متصاعدة، فـ«المجلس الأعلى للدولة»، وصف الخطوة بأنها «مشبوهة»، وتمثل «عودة إلى الصراع المسلح»، وطالب بعثة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي «بموقف واضح» و«إدانتها بشكل واضح وصريح».

إلا أن وزير الدفاع الليبي السابق محمد محمود البرغثي، قلل من خطورة الأمر، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تلك التحركات «تستهدف حماية الحدود من عمليات التهريب، وتدفق المهاجرين غير النظاميين»، ورأى أن الأمر «بات يستدعي تدخل الجيش».

خلال احتفال بتخريج دفعة بأكاديمية الدراسات البحرية بغرب ليبيا (مكتب الدبيبة)

وأمام ما تشهده ليبيا من متغيرات متسارعة في ظل «جمود سياسي»، بالنظر إلى ما تراه سلطات طرابلس من توسّع حفتر باتجاه الجنوب الغربي، واستقبال القاهرة أسامة حمّاد، رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب، باتت هناك أحاديث داخلية تتوقع «متغيرات قريبة».

ويعتقد مسؤول ليبي سابق تحدث إلى «الشرق الأوسط»، أن التقارب المصري - التركي واستقبال القاهرة حمّاد، وزيارة بالقاسم نجل حفتر إلى أنقرة مؤخراً: «ربما يكون وراء ذلك كله، شيء سيكشف عنه لاحقاً».

وزاد المسؤول، الذي رفض ذكر اسمه لدواع أمنية، من توقعه بأن هذه التغيرات السريعة في المواقف «توحي بأن هناك اتفاقاً ما لتغيير كامل الخريطة العسكرية والسياسية الليبية؛ بحيث يسيطر الجيش الوطني على باقي أطراف ليبيا»، متوقعاً أن «أمراً ما سيحدث في ليبيا خلال الأيام القليلة المقبلة؛ وأن هذا سيغير مختلف قواعد اللعبة العسكرية والسياسية».

ولم يوضح المسؤول، ما إذا كان هناك اتفاق بين الأطراف الدولية المتداخلة في الملف الليبي بشأن قرب تشكيل «حكومة جديدة موحدة» أم لا. لكن هناك رهانات من مناوئي رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، على التقارب بين صالح، وخالد المشري الذي يقترب من رئاسة «المجلس الأعلى للدولة»، لإنجاز ذلك عما قريب.

ومع أول ظهور للدبيبة، الذي انشغل بوفاة نجله عبد الرحمن، خلال الأسبوع الماضي، توعّد بـ«الوقوف أمام من يحاول تجديد الخروقات العسكرية وتعزيز الانقسام»، دون أن يأتي على ذكر حفتر.

واستغل الدبيبة كلمته خلال تخريج طلبة الكليات والأكاديميات العسكرية، ووجه حديثه للخريجين ودعاهم «للسير على نهج المؤسسين للجيش من أجل رد الأطماع الخارجية وتفتيت الطموحات الشخصية التي تسعى لعودة الاستبداد».

جانب من تدريب سابق بمركز تدريب الزاوية ومقر الكتيبة 103 مشاة (رئاسة أركان الوحدة)

التهديدات والتحشيدات - التي ربما تكون قلّت حدتها خلال الساعات الماضية لانشغالات داخلية - دفعت كثيرين للتساؤل عن حقيقة القوة الصلبة «لطرفي الصراع» على الأرض، وما يحوزان من قدرات عسكرية لاستخدامها إذا احتدمت المعركة التي يسعّر البعض نارها.

متابعون كثيرون للشأن العسكري يرون أن الأطراف الليبية اعتمدت بشكل كبير ومباشر منذ رحيل نظام القذافي، على دعم الأطراف الخارجية، ويشيرون إلى أن «حسم أي معركة يتوقف على سخاء الداعمين الخارجيين، وما يقدمونه من أسلحة متطورة من بينها المسيرات».

جانب من القوات البرية التابعة لـ«الجيش الوطني» المكلفة بالتحرك جنوب غربي ليبيا (رئاسة أركان القوات البرية)

وقدرات «الجيش الوطني» كثيرة، لكن المحلل العسكري عبد الكافي، تحدث عن أشهرها وتتمثل في «اللواء طارق بن زياد المعزز» الذي يشرف عليه صدام حفتر، و«اللواء 128 المعزز» و«كتيبة سبل السلام»، إلى جانب عشرات الكتائب والألوية الموجودة ما بين شرق ليبيا وجنوبها.

كما تستند قوات غرب ليبيا، وفق عبد الكافي، على كتائب عدة من بينها «كتيبة مدينة مصراتة» و«اللواء 444 قتال»، و«اللواء 555» و«اللواء 111»، بالإضافة إلى «القوة العسكرية بالزاوية»، كما تعتمد بشكل مباشر على التشكيلات المسلحة.

أسئلة إضافية تم استحضارها على خلفية تقارب تركي مع سلطات غرب ليبيا راهناً، وما إذا كان ذلك سيسهم في رفع أنقرة الغطاء عن شركائها بالعاصمة، هنا يعتقد الأكاديمي والمحلل السياسي التركي، مهند حافظ أوغلو، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، بأن تركيا «تسعى منذ أكثر من عام إلى أن توازن في علاقتها بين شرق ليبيا وغربها؛ لذا ستعمل على منع أي تصعيد، لأن عكس ذلك ستكون له أثمان باهظة».


مقالات ذات صلة

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

شمال افريقيا  جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

يرى ليبيون مشاركون في مسار ترعاه البعثة الأممية أن مشروع قانون العدالة الانتقالية المطروح عام 2025 «يحتاج إلى إصلاحات جذرية لتلافي إخفاقات الماضي».

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

حذّر تقرير أممي أخير من تغلغل الميليشيات المسلحة داخل مؤسسات الدولة الليبية، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي.

علاء حموده (القاهرة)
تحليل إخباري المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة لمجلس الأمن في 21 أغسطس 2025 (البعثة الأممية)

تحليل إخباري تساؤلات حول دور «مجلس الأمن» في دفع ليبيا نحو الانتخابات

على خلفية تحذيرات أممية بأن ليبيا «تواجه مفترق طرق سياسياً واقتصادياً وأمنياً»، تساءل متابعون عن الدور الذي يمكن أن يلعبه مجلس الأمن الدولي حيال الأزمة الراهنة.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا صوفيون في «زاوية إبراهيم المحجوب» بمصراتة الليبية (الصفحة الرسمية للزاوية)

وفاة محتجز بشرق ليبيا تعيد أزمة توقيف صوفيين إلى الواجهة

عادت أزمة توقيف أتباع الطرق الصوفية إلى الواجهة في ليبيا، السبت، عقب وفاة محتجز من عناصرها داخل أحد السجون في شرق البلاد، في واقعة أثارت انتقادات حقوقية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)

تزايد الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لـ«مبادرة بولس»

يتسع نطاق الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لمبادرة منسوبة لمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، الرامية إلى تقاسم النفوذ بين أطراف متنافسة.

خالد محمود (القاهرة )

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
TT

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)

اختتم أعضاء مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» في ليبيا جولة ثالثة من الاجتماعات المباشرة في العاصمة طرابلس، بالمطالبة بمراجعة «جوهرية» لمشروع قانون العدالة الانتقالية الحالي، وضمان إبعاد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان عن المشهد السياسي.

وأدرجت بعثة الأمم المتحدة، في بيان، مساء السبت، المناقشات التي انتهت الخميس الماضي، في إطار «الحوار المهيكل» برعاية الأمم المتحدة، لوضع «خريطة طريق» لـ«المساءلة عن تجاوزات الماضي وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة كركيزة أساسية للوصول إلى انتخابات وطنية سلمية».

وشدّد المشاركون في توصياتهم الختامية على أن مشروع قانون العدالة الانتقالية المطروح عام 2025 «يحتاج إلى إصلاحات جذرية» لتلافي «إخفاقات الماضي» التي غذّتها الانقسامات السياسية والمعاملة غير المتساوية للضحايا.

«الحقيقة والعدالة»

واعتبرت هانا تيتيه، رئيسة البعثة الأممية، أن أي تحول ذي مصداقية في ليبيا «يجب أن يتجذر في الحقيقة والعدالة والكرامة للضحايا وعائلاتهم»، مشيرة إلى أنه «لا يمكن استدامة المصالحة الوطنية دون مقاربة قائمة على الحقوق بقيادة وملكية ليبية».

وشملت التوصيات الرئيسية الصادرة عن الاجتماع ضمان استقلال هيئة تقصي الحقائق والمصالحة المزمع إنشاؤها، واعتماد إطار شفاف لجبر الضرر ومنح الأولوية لعودة النازحين، بالإضافة إلى إنهاء ممارسات الاحتجاز التعسفي وحماية الفضاء المدني والصحافيين، وتعزيز تمثيل المرأة والمكونات الثقافية في عملية صنع القرار.

وفي سياق متصل، استعرض المشاركون نتائج استطلاع للرأي العام المحلي شمل نحو 6 آلاف ليبي، عكس حالة من عدم الرضا الشعبي والمخاوف الأمنية؛ حيث أيّد 82 في المائة من المستطلعين استبعاد الشخصيات المتورطة في الانتهاكات والمتسببة في الانقسام من مناصب السلطة.

كما أظهر الاستطلاع أن 67 في المائة من المشاركين لا يزالون يخشون الاعتقال أو الانتقام، ما يشكل عائقاً رئيسياً أمام المشاركة السياسية وحرية التعبير في البلاد التي تعاني عدم استقرار مزمناً منذ سنوات.

وأكّد سفراء وممثلون عن «مجموعة عمل القانون الدولي الإنساني» المنبثقة عن «عملية برلين»، الذين انضموا إلى اليوم الختامي لمناقشات مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان»، على ضرورة استقلال القضاء الليبي كضمانة وحيدة لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب.

الدبيبة يتوسط ليبيات خلال فعاليات إحياء «اليوم الوطني للمرأة الليبية» 26 أبريل (مكتب الدبيبة)

اليوم الوطني للمرأة

على صعيد آخر، حضر رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الأحد، في العاصمة طرابلس، فعاليات الاحتفاء بـ«اليوم الوطني للمرأة الليبية»، المخصص هذا العام للمرأة العاملة بالقطاع الحكومي.

وأكّد الدبيبة خلال كلمته «استمرار دعم الحكومة لبرامج تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مواقع صنع القرار، بما يضمن حضوراً أكثر فاعلية داخل مؤسسات الدولة».

وأشاد بالدور الذي تضطلع به المرأة العاملة في مختلف القطاعات، معتبراً أنها ركيزة أساسية في استقرار المؤسسات واستمرار أدائها، مؤكداً «أن ما حققته من إنجازات يعكس قدرتها على تحمل المسؤولية والمساهمة في دفع عجلة التنمية».

وقالت المبعوثة الأممية، التي التقت مع بعض الليبيات بهذه المناسبة، إنه «رغم التحديات والعقبات، تواصل النساء في ليبيا التقدم للمساهمة في بناء وطنٍ يسوده السلام والازدهار للجميع»، مؤكدة أن النساء «عنصر أساسي في تعزيز وحدة المجتمع الليبي واستقراره وجعله أكثر عدلاً».


وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
TT

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)

قررت الحكومة المصرية وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي. وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، مساء الأحد، إن «(اللجنة المركزية لإدارة الأزمات) وافقت خلال اجتماعها على إيقاف العمل بقرار غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم في تمام الساعة 11 مساءً، والعودة إلى المواعيد الطبيعية المعمول بها سابقاً».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وترأس رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماع «لجنة الأزمات» لمتابعة مستجدات تداعيات الحرب الإيرانية. وقال الحمصاني إنه «تم خلال الاجتماع استعراض آخر تطورات موقف العمليات العسكرية في المنطقة وانعكاسات تلك العمليات على الأوضاع الاقتصادية، إقليمياً وعالمياً، وكذا على المستوى المحلي».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن جهود مختلف جهات الدولة المعنية للتعامل مع تداعيات ومستجدات هذه الأزمة غير المسبوقة، وما يتم إعداده بشكل متواصل ومستمر من سيناريوهات مختلفة، وفقاً لرؤى وتوقعات أمد الصراع، ومدى اتساع دائرته.

ولفت إلى ما يتم من تنسيق وتعاون بين مختلف الجهات لتأمين أرصدة واحتياطات بكميات ومدد طويلة من السلع والمنتجات البترولية، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الشأن، وبما يسهم في توفير وتلبية مختلف المتطلبات الاستهلاكية والإنتاجية.

وشدد مدبولي على «أهمية الاستمرار في تطبيق مختلف الإجراءات الرقابية من جانب الجهات المعنية، سعياً لمزيد من الاستقرار والانضباط في حركة الأسواق ومنعاً لأي تلاعب، وهو الذي من شأنه أن يسهم في إتاحة السلع بالكميات والأسعار المناسبة لمختلف المواطنين».

مصريون وأجانب أمام مطعم مغلق في وسط القاهرة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

وتابع مدبولي خلال اجتماع «لجنة الأزمة» موقف ما يتم تطبيقه من إجراءات وخطوات تتعلق بترشيد استهلاك المنتجات البترولية والكهرباء، وكذا ما يتعلق بترشيد الإنفاق الحكومي، مؤكداً «أهمية العمل على تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، في ظل ما نشهده من تداعيات لأزمة ألقت بظلالها على مختلف دول المنطقة والعالم، وهو الذي من شأنه أن يسهم في تحسين الأداء واستقرار التشغيل لمختلف المرافق الحيوية».

كما وجه رئيس الوزراء المصري بسرعة الإعلان عن مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى الطاقة الشمسية، مؤكداً أن «الحكومة تضع هذا الملف على أجندة اهتماماتها».

وكانت قرارات «الترشيد الحكومية» قد واجهت اعتراضات في وقت سابق من قطاعات إنتاجية ومواطنين بسبب تأثيرها السلبي على الأنشطة التجارية. وسبق أن ذكرت الحكومة أن قرار «الإغلاق المبكر» لمدة شهر واحد جاء بهدف «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وأشار وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أحمد رستم، خلال الاجتماع، الأحد، إلى أن «صندوق النقد الدولي يتوقع انخفاض معدل النمو إلى 3.1 في المائة عام 2026 مقارنة بمعدل بلغ 3.4 في المائة عام 2025. كما يتوقع الصندوق تراجعاً حاداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصل إلى 1.1 في المائة عام 2026، وذلك يأتي انعكاساً لارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً، وخاصة الطاقة والغذاء، فضلاً عن عزوف المستثمرين عن المخاطر في الأسواق المالية».

كما لفت بحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» إلى «التوقعات والسيناريوهات المرجحة فيما يتعلق بمعدلات التضخم العالمية، وكذا ما يتعلق بمعدلات التجارة العالمية وانخفاض حجم نموها من 5.1 في المائة عام 2025 إلى 2.8 في المائة في عام 2026».


«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

يربط تقرير أممي ودراسة محلية حديثة بين تعثر آليات الرقابة في ليبيا على النحو الأمثل، وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، في ظل واقع سياسي وأمني مضطرب.

وكان تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد أفاد الأسبوع الماضي بأن «جماعات مسلحة وكيانات نافذة تمكنت، عبر واجهات سياسية، من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي، بما أفضى إلى تكريس نفوذها داخل بنية الدولة».

رئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك في لقاء مع نائبتي مبعوثة الأمم المتحدة في طرابلس 24 أبريل 2026 (البعثة الأممية)

وبحسب التقرير، فإن «هذه التشكيلات المسلحة استخدمت أدوات العنف دون مساءلة، ما مكّنها من تعزيز تدفق مكاسبها، وأتاح لها الإفلات من العقاب»، كما أُجبرت مؤسسات الدولة على العمل في «بيئة تكرّس نفوذ هذه الجماعات وتُضعف آليات المساءلة، بما يعزز هيمنتها على الدولة».

ويتفق أبو عجيلة سيف النصر، عضو «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية راهناً، مع هذه المعطيات، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما ورد في تقارير لجنة الخبراء بشأن الفساد في ليبيا «يتسق مع الواقع». وقال إن هذه الآفة «وجدت بيئة خصبة» في ظل الانقسام السياسي وفوضى السلاح ونفوذ التشكيلات المسلحة.

ويشير سيف النصر إلى أن الأجهزة الرقابية «دفعت جزءاً كبيراً من فاتورة الانقسام السياسي والعسكري وتزايد نفوذ المجموعات المسلحة».

وأضاف أن ما تكشفه التقارير الدورية لهذه الأجهزة الرقابية «لا يعكس الحجم الحقيقي للفساد في ليبيا»، لافتاً إلى أن «وقائع الفساد المرصودة من ديوان المحاسبة تبقى حبيسة الأدراج، دون مسار قضائي فعلي».

وسبق أن شدّدت البعثة الأممية على ضرورة تحصين المؤسسات الرقابية من أي نفوذ سياسي أو تدخل من تشكيلات مسلحة، وذلك خلال لقاء نائبتَي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، في طرابلس الأسبوع الماضي مع رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك.

وتستشعر أحزاب ليبية خطورة ما ورد في تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا، الذي كشف عن «تشابك بين السلطة وحملة السلاح، والاقتصاد غير المشروع»، واعتبر «التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني» ذلك «نمط حكم موازياً تُدار فيه الموارد خارج الأطر القانونية وتتآكل فيه أدوات الرقابة».

وعلى مدار السنوات الماضية، تعرض ديوان المحاسبة الليبي لاقتحامات متكررة من قبل ميليشيات مسلحة دون إجراءات ردع كافية. بل خُطف رضا قرقاب، وهو أحد مديري ديوان المحاسبة، عام 2020، وسط اتهامات متبادلة بين الديوان ووزارة الداخلية بشأن «عرقلة أعمال الرقابة».

وفي ظل الانقسام السياسي، تتركز تقارير ديوان المحاسبة في طرابلس على غرب البلاد، بينما لا تُنشر تقارير عن فرعه في الشرق الخاضع لسلطة «الجيش الوطني» الليبي بقيادة خليفة حفتر.

لكن تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أشار إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة و«الجيش الوطني» «استخدما آليات مرتبطة بتهريب النفط في سياقات تتصل بالتمويل والتسليح».

رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة خلال إطلاق استراتيجية مكافحة الفساد في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ويصف مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» الدكتور مصطفى بن حكومة، هذه الممارسات بأنها «فساد بقوة السلاح»، عاداً أن «هذا النمط الهجين الذي يتداخل فيه النفوذ المسلح للميليشيات مع المصالح الاقتصادية والسياسية بات أحد أبرز العوائق أمام عمل الأجهزة الرقابية وسبباً رئيسياً في تعطّل مسارات الإصلاح وبناء الدولة».

ويحذر بن حكومة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «مخاطر مستقبلية»، منها «تهديد وحدة الدولة عبر ترسيخ مراكز قوى موازية للسلطة الشرعية، وتآكل فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وإعاقة الاستثمار والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى تعزيز اقتصاد الظل وتغذية شبكات غير رسمية تتحكم في الموارد».

وسبق أن أطلقت حكومة غرب ليبيا استراتيجية لمكافحة الفساد في نهاية عام 2024. وتشير تقارير دولية إلى تراجع ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد، إذ جاءت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة عام 2025، مقارنة بالمرتبة 173 من أصل 180 دولة في 2024، وفق منظمة الشفافية الدولية.

وخلصت دراسة أكاديمية في جامعة فزان، بجنوب ليبيا، حول معوقات أداء الرقابة، إلى أن الانقسام وعدم الاستقرار السياسي يضعفان استقلالية العاملين بديوان المحاسبة ويؤثران سلباً على أدائهم. علماً بأن الدراسة التي أعدّها الباحثان هشام مسعود وإسراء دنكم شملت 70 موظفاً بالديوان.

ويتفاقم القلق مع نذر انقسام القضاء الليبي منذ نهاية العام الماضي، مع تشظيه بين مجلسين في طرابلس وبنغازي، ما يثير مخاوف «من ضعف قبضته في مكافحة الفساد».

ويرى مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» أن التحدي الرئيسي يتمثل في استعادة سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام، مشدداً على «ضرورة توحيد المؤسسات السيادية، وفكّ الارتباط بين السلاح والاقتصاد، وتمكين القضاء من ملاحقة قضايا الفساد، وتوسيع الشفافية عبر رقمنة المعاملات الحكومية للحدّ من التدخلات».