مصر تستعد لإعلان تشكيل الحكومة الجديدة خلال أيام

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في اجتماع سابق مع مدبولي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في اجتماع سابق مع مدبولي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تستعد لإعلان تشكيل الحكومة الجديدة خلال أيام

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في اجتماع سابق مع مدبولي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في اجتماع سابق مع مدبولي (الرئاسة المصرية)

حالة من الترقب يعيشها المصريون، في انتظار إعلان تشكيل الحكومة الجديدة، التي كلف الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الوزراء الحالي الدكتور مصطفى مدبولي، بتشكيلها في 3 يونيو (حزيران) الحالي. وأكد مصدر حكومي مصري مطلع «الانتهاء من التشكيل الوزاري وحركة المحافظين في مصر ومراسم أداء اليمين الدستوري خلال أيام»، وفق ما نقلته قناة «إكسترا نيوز» الفضائية المصرية.

وقال المصدر: «ستجري الاستعانة بكفاءات وطنية وخبرات دولية للوصول إلى أفضل تشكيل حكومي يتناسب مع حجم التحديات الحالية»، مشيراً إلى أنه «يجري العمل على إعداد برنامج حكومي شامل للتعامل الفوري مع التحديات الحالية والاستمرار في الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد، وتحسين الخدمات للمواطن».

ووفق توجيهات الرئيس المصري من المنتظر أن «تعمل الحكومة الجديدة على تحقيق عدد من الأهداف على رأسها الحفاظ على محددات الأمن القومي المصري في ضوء التحديات الإقليمية والدولية»، مع «وضع ملف بناء الإنسان المصري على رأس قائمة الأولويات، خصوصاً في مجالات الصحة والتعليم ومواصلة جهود تطوير المشاركة السياسية».

ومنذ الإعلان عن تكليف مدبولي بتشكيل حكومة جديدة انتشرت تكهنات بشأن الوزراء الباقين والراحلين، وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي قوائم عدة تتضمن أسماءً لـ«مرشحين وزاريين»، جرى نفي أحدها من جانب مصدر حكومي مطّلع.

اجتماع سابق للحكومة المصرية برئاسة مدبولي (مجلس الوزراء)

تغييرات واسعة

قال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «الحكومة الجديدة ستشهد تغييرات واسعة، ومفاجآت في عدد من الحقائب الوزارية»، رافضاً الكشف عن تفاصيل، مع تأكيده «إتمام إعداد التشكيل الجديد للوزراء والمحافظين، والانتهاء من مقابلة المرشحين للحقائب المختلفة».

ومن المنتظر أن تعمل الحكومة الجديدة على «مواصلة مسار الإصلاح الاقتصادي مع التركيز على جذب وزيادة الاستثمارات المحلية والخارجية، وتشجيع نمو القطاع الخاص، وبذل كل الجهد للحد من ارتفاع الأسعار والتضخم وضبط الأسواق، في إطار تطوير شامل للأداء الاقتصادي للدولة في جميع القطاعات»، وفق بيان للرئاسة المصرية صدر عقب تكليف مدبولي.

وعانت مصر مؤخراً أزمة اقتصادية تفاقمت مع تداعيات جائحة «كورونا»، والحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب في غزة، ما أدى إلى موجة غلاء تزامنت مع تراجع في قيمة العملة المحلية قبل أن تبدأ الأوضاع بالتحسن مع الإعلان عن صفقات وتمويلات خارجية مثل صفقة «رأس الحكمة»، وزيادة قرض صندوق النقد الدولي.

وأثار التأخر في إعلان التشكيل الحكومي تساؤلات وانتقادات في الشارع المصري. ورجح الخبير بمركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» في مصر، الدكتور عمرو هاشم ربيع، أن «يكون التأخر ناجماً عن رفض البعض تولي حقائب وزارية»، مبدياً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» «عدم تفاؤله بأن ينطوي التشكيل الحقيقي على تغيير حقيقي في السياسات، وأنه لن يعدو كونه تغييراً في الوجوه».

وفي المقابل، أرجع عضو مجلس الشيوخ المصري الدكتور عبد المنعم سعيد، التأخر إلى «الرغبة في البحث عن شخصيات وكفاءات تلائم السنوات الست المقبلة».

السيسي خلال استقبال مدبولي بداية الشهر الحالي وتكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة (الرئاسة المصرية)

الاختيارات المطروحة

وقال سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك وجهة نظر متشائمة تُرجع التأخر إلى نوع من الارتباك الناجم عن خلافات في وجهات النظر بين الاختيارات المطروحة وأهداف الحكومة في المرحلة المقبلة، لكنه (سعيد) لا يتفق مع هذا الرأي»، وأوضح أن «التأخر مبشر، ويعطي انطباعاً أن الأمر ليس مجرد تغيير في الوجوه، بل هناك طموح كبير لإيجاد الكفاءات المطلوبة لتشغيل ما جرى إنشاؤه من أصول خلال السنوات العشر الماضية».

وأضاف: «العثور على هذه الكفاءات التي تمتلك مؤهلات سياسية وإدارية ليس بالأمر السهل، ويتطلب وقتاً، إضافة إلى أن البعض قد يرفض الانضمام للحكومة لأسباب عدة».

وأكد سعيد أنه «لو كان الأمر تغييراً في الوجوه والأسماء لجرى إعلان الحكومة في وقت سابق، دون انتظار كل هذه الفترة».

وكُلف مدبولي بتشكيل الحكومة للمرة الأولى في يونيو (حزيران) 2018، خلفاً لشريف إسماعيل، بينما أجرى 4 تعديلات وزارية على حكومته، كان آخرها في 2022، وشملت 13 حقيبة وزارية.

ووفق لائحة مجلس النواب (البرلمان)، فإنه يتعين على رئيس الوزراء المكلف تقديم «برنامج الحكومة» لمجلس النواب خلال 20 يوماً من تاريخ تشكيلها، أو في أول اجتماع لها، إذا كان غير قائم، على أن تعمل اللجان الخاصة المكلفة بدراسة بيان الحكومة خلال 10 أيام، من أجل حصول الحكومة على ثقة أغلبية أعضاء المجلس في غضون 30 يوماً على الأكثر من تاريخ تقديم برنامج الحكومة.

ويأتي نص اللائحة مكملاً للمادة 146 من الدستور التي تنص على «نيل الحكومة ثقة البرلمان خلال 30 يوماً على الأكثر».


مقالات ذات صلة

مصر: صعود الدولار يرفع الأسعار لكن انخفاضه لا يعني هبوطها

شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال تفقد أحد منافذ بيع السلع الشهر الماضي (وزارة التموين)

مصر: صعود الدولار يرفع الأسعار لكن انخفاضه لا يعني هبوطها

جدد تراجع جديد للعملة الأميركية أمام الجنيه المصري التساؤلات بشأن تأثيرات ذلك على أسعار السلع كافة في البلاد

عصام فضل (القاهرة )
الاقتصاد عوائد خطة «التقشف» الحكومية تفتح الجدل حول جدواها      (الشرق الأوسط)

عوائد خطة التقشف المصرية تفتح الجدل حول جدواها

فتحت عوائد خطة التقشف المصرية الجدل حول جدواها فبينما أعلنت الحكومة نجاحها في «ترشيد استهلاك الكهرباء والوقود» تحدث خبراء عن «خسائر» بقطاعات اقتصادية.

عصام فضل (القاهرة )
الاقتصاد أحد شوارع القاهرة ليلاً (أ.ف.ب)

«تكلفة الخوف» تدفع تجاراً مصريين لـ«المبالغة في التسعير»

أعلن وكلاء عدد من ماركات السيارات والهواتف «زيادات رسمية» عدة مرات مع نقص في المعروض ببعضها، فيما عادت ظاهرة «الأوفر برايس».

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا مستقلو الحافلة في طريقهم لسيارات الإسعاف عقب وقوع الحادث (محافظة قنا)

إصابة 38 شخصاً في انقلاب حافلة بصعيد مصر

تلقت السلطات المحلية، الجمعة، إخطاراً يفيد بانقلاب حافلة على الطريق الصحراوي «قنا - سوهاج» متجهة إلى محافظة أسوان (صعيد مصر).

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا قانون الإيجار القديم يستمر في إثارة الجدل حتى بعد صدوره (الشرق الأوسط)

تسهيلات الحكومة المصرية لا تُهدئ مخاوف مستأجري «الإيجار القديم»

ما زالت الخمسينية أسماء قطب، ترفض أن تستجيب لمناشدات الحكومة لقاطني شقق «الإيجار القديم» والمحتاجين لوحدات سكنية بديلة بالتسجيل عبر المنصة الحكومية.

رحاب عليوة (القاهرة)

انقسام مصري متصاعد إزاء ملف الوافدين

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
TT

انقسام مصري متصاعد إزاء ملف الوافدين

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي انقساماً متصاعداً إزاء تعامل الحكومة المصرية مع «ملف الوافدين»، تزامناً مع بروز مخالفات ارتكبها أجانب في مصر خلال الفترة الأخيرة.

وألقت الجهات الأمنية المصرية، مساء الأربعاء، القبض على أشخاص، قالت إنهم يحملون جنسية إحدى الدول -دون توضيح هويتهم- بعد انتشار مقطع مصور على منصات التواصل يُظهر قيامهم بحركات استعراضية والرقص ملوّحين بأسلحة بيضاء.

وأوضحت وزارة الداخلية في بيان أن المتهمين أقروا بارتكاب الواقعة في أحد شوارع القاهرة خلال احتفالهم بأعياد الربيع، مشيرةً إلى أنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم.

جاء هذا بعد أسبوع من واقعة أخرى في محافظة أسوان بجنوب مصر، حيث ضبطت أجهزة الأمن أشخاصاً يحملون جنسية إحدى الدول -دون الإفصاح عن هويتهم- بعد تداول مقطع يصور مشاجرة استخدم أطرافها الأسلحة البيضاء لخلافات مالية بينهم، دون أن يؤدي الحادث إلى إصابات.

«التمكين الاقتصادي»

وانقسمت «تدوينات» المصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين مدافعين عن إجراءات حكومية من شأنها «تمكين الوافدين اقتصادياً» لكي يتمكنوا من العيش خلال فترة إقامتهم المؤقتة، وآخرين يرون أن الوافدين تحولوا إلى «قنبلة موقوتة اقتصادياً وأمنياً»، وأن الأمر يتطلب ترحيل من يخالفون الإقامات وتحفيز عودتهم الطوعية إلى بلادهم.

ودخل إعلاميون على خط الجدال في برامجهم وعبر منصات التواصل الاجتماعي، وتطرقوا إلى الأزمات الاقتصادية التي تعانيها مصر مع ارتفاع فاتورة استيراد الغذاء والطاقة في وقت تُطرح مبادرات لدمج اللاجئين في برامج اقتصادية.

كما تضمنت التدوينات اتهامات للحكومة بأنها تساعد على دمج أشخاص قد يشكّلون خطورة أمنية، وذلك بعد بروز الحوادث الأخيرة، فيما التزمت الجهات الحكومية الصمت مكتفيةً بالتوضيحات التي أصدرتها مؤسسة «حياة كريمة» بشأن طبيعة برامجها لدعم الفئات الوافدة.

وقالت المؤسسة، التي تعمل في مشروعات مجتمعية وتنموية عديدة وتعتمد في جزء من مواردها على تبرعات منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، إن البرامج المخصصة لدعم الفئات الوافدة داخل مصر ممولة بالكامل من منح دولية مخصصة «دون أي مساس بموارد أو تبرعات المصريين، مع الالتزام بالفصل التام بين الحسابات وفق أعلى معايير الحوكمة، بما يُسهم في دعم جهود الدولة المصرية وتخفيف الأعباء عنها».

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

تحقيق «الانضباط»

مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، اللواء أشرف أمين، أكد أن الحكومة تتابع بشكل مكثف أي وقائع فردية تصدر عن الوافدين، وأنها تتعامل معها بحسم بما يسهم في تحقيق «حالة من الانضباط» بالمناطق التي يوجدون فيها.

وتابع: «بالتوازي مع ذلك، هناك مراجعة مستمرة لملف الوافدين والتعامل مع مخالفي الإقامات، وهو ما انعكس على تراجع أعداد المخالفين بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية».

وأضاف في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»: «الأجهزة الأمنية ترفع درجات اليقظة مع التوترات الراهنة في المنطقة، ووفقاً لما تشهده طبيعة الصراعات في دول الجوار. وهناك إجراءات مشددة لدخول الوافدين عبر الطرق الشرعية التي تكون في حالات عديدة بحاجة إلى موافقات أمنية مسبقة».

ورَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. ولا يوجد إحصاء رسمي معلن بأعداد المُرحَّلين حتى الآن.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وهو ما يكلّفها أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، وفق تقديرات حكومية مصرية.

أزمة اقتصادية ضاغطة

وانعكست الحملات الأمنية للتدقيق في أوضاع الوافدين، وكذلك الخطابات المناوئة لهم من جانب بعض المصريين، على أعداد السودانيين العائدين إلى بلادهم.

وحسب تصريح صحافي أدلى به الشهر الماضي العميد مبارك داوود سليمان، مدير معبر أرقين الواقع على الحدود المصرية - السودانية، والمشرف على المعابر، فإن «المعبر يشهد زيادة مستمرة في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن».

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بدايةً من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت إلى السودانيين المغادرين بقرار مماثل حتى مارس (آذار) الماضي.

ويرى الباحث في شؤون الهجرة ومؤسس «مركز الجنوب لحقوق الإنسان»، وجدي عبد العزيز، أن الانقسام بشأن أوضاع الوافدين في مصر آخذ في التصاعد نتيجة الأزمة الاقتصادية الحالية مع تداعيات حرب إيران وتراجع قيمة العملة المحلية؛ مشيراً إلى أن هذا أمر يحدث في كثير من دول العالم خلال الأزمات الاقتصادية الضاغطة.

ولفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الخطاب الحكومي في مصر، والذي يشير إلى تمتع الوافدين بالخدمات الحكومية من مياه وكهرباء وتعليم وغيرها، يمكن أن يعزز من الانقسامات بشأن آليات التعامل معهم في ظل أزمات معيشية يعانيها قطاع واسع من المصريين، كما أن الجدل يمكن أن توظفه الحكومة المصرية لمناشدة المجتمع الدولي تقاسم أعباء استقبال اللاجئين من دول الصراعات.


محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)
محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)
TT

محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)
محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)

هيمنت سياسات مكافحة غسل الأموال على المحادثات، التي عقدها ناجي عيسى، محافظ مصرف ليبيا المركزي، في واشنطن مع مسؤولين أميركيين، وذلك في ظل تعقّب النيابة العامة لقضايا «فساد».

وقال المصرف المركزي إن المحافظ استعرض جهود تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأنظمة الدفع الإلكتروني، واستحداث أدوات سياسة نقدية غير تقليدية، بما يتوافق مع المعايير الدولية، وهو ما عزّز ثقة المؤسسات المالية الدولية بالمصرف.

ناجي عيسى خلال مباحثاته مع المسؤولين الأميركيين (المصرف)

وأوضح المصرف في بيان، مساء الأربعاء، أن عيسى والوفد المرافق له عقدا اجتماعاً مع عدد من المسؤولين، من بينهم روبرت ب. ثومسون، النائب الأول لرئيس شركة «فيزا». مبرزاً أن اللقاء يأتي استكمالاً لسلسلة من الاجتماعات، التي تهدف إلى تعزيز الشمول المالي في ليبيا، من خلال تحفيز التوسع في خدمات المدفوعات الإلكترونية، ودعم مساعي المصرف المركزي لإحكام ضبط المعاملات المالية وتنظيمها، وفقاً للمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وتُعد ليبيا من بين أكثر خمس دول فساداً في العالم، وفق تقديرات منظمة الشفافية الدولية الصادرة مؤخراً. وتشير البيانات إلى تراجع ترتيب ليبيا في مؤشر مدركات الفساد إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة في تصنيف عام 2025.

وقال المصرف المركزي إن عيسى شارك في اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا وباكستان (MENAP)، الذي عُقد مع مدير عام صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد، والبنك الدوليين لعام 2026 في العاصمة الأميركية.

محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع روبرت ب. ثومسون (المصرف)

وناقش الاجتماع حزمة واسعة من القضايا الاقتصادية والتنموية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها تباطؤ النمو العالمي، وضغوط التضخم، وتحديات أسعار السلع الأساسية والطاقة.

وأضاف المصرف موضحاً أنه تلقى دعوة رسمية من وزارة الخارجية الأميركية، وعقد «اجتماعاً رفيعاً» في مقر الوزارة بواشنطن مع كايل ليستون، مساعد وزير الخارجية الأميركي. ونقل عن ليستون إشادته بنتائج الجهود التي قادها المحافظ ومجلس إدارة المصرف، واصفاً إياها بأنها «نموذج يُحتذى به في الإدارة المالية رغم الظروف القاهرة».

وفيما يتعلق بجرائم الفساد المالي في ليبيا، أعلن «جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب» تفكيك شبكة محلية، وتوقيف خمسة موظفين في أحد المصارف، إثر تورطهم في عمليات اختلاس وتلاعب بحساب أحد المواطنين.

وقال الجهاز إن التحقيقات كشفت أن المتهمين استغلوا سلطتهم الوظيفية لشحن بطاقات دولية، بقيمة 12 ألف دولار، وتنفيذ تحويلات بقيمة 63 ألف دينار، دون علم صاحب الحساب، ما تسبب في إدراج اسمه ضمن قوائم الاشتباه. (الدولار يساوي 6.33 دينار في السعر الرسمي).

ومن خلال تقنيات التتبع الإلكتروني والتحليل المالي، بحسب النيابة، تبيّن ارتباط هذه الواقعة بشبكة أوسع، استغلت بيانات أكثر من 200 ألف شخص في أنشطة غسل أموال منظمة. وبناءً على ذلك، تم ضبط المتهمين وإحالتهم إلى نيابة مكافحة جرائم الفساد، مع تأكيد الجهاز فرض رقابة صارمة لحماية الاقتصاد الوطني.

في سياق متصل، أصدرت محكمة استئناف طرابلس، منتصف الأسبوع، حكماً بسجن المدير السابق لإدارة التسويق الدولي بالمؤسسة الوطنية للنفط لمدة عشر سنوات، مع إلزامه بدفع غرامة مالية تتجاوز ملياراً و825 مليون دولار، إضافة إلى حرمانه الدائم من حقوقه المدنية، وذلك إثر إدانته بمخالفات جسيمة في ملفات تسويق النفط وتوريد المحروقات.

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب النائب العام)

وتعود تفاصيل القضية إلى دعوى رفعتها النيابة العامة، تتهم فيها المسؤول السابق بالتقاعس عن تحصيل أثمان شحنات من النفط الخام، والمشتقات المبيعة بين عامي 2010 و2017، فضلاً عن تورطه عام 2013 في اعتماد عقود لتوريد وقود بنزين، غير مطابق للمواصفات القياسية المعتمدة في ليبيا، وفقاً لما أعلنه مكتب النائب العام.


«قانون استرجاع الممتلكات الثقافية» الفرنسي يعمق «أزمة الذاكرة» مع الجزائر

أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

«قانون استرجاع الممتلكات الثقافية» الفرنسي يعمق «أزمة الذاكرة» مع الجزائر

أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)
أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

يرى مراقبون أن أي تقارب محتمل بين الجزائر وفرنسا بات بعيد المنال، في ظل التعقيدات القانونية التي استحدثها البرلمان الفرنسي بخصوص «ملف استرداد الممتلكات الثقافية المنهوبة من مستعمرات فرنسا السابقة».

الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان الفرنسي)

جاء ذلك بعد أن اعتمدت «الجمعية الوطنية» الفرنسية الاثنين الماضي «قانوناً إطاراً» يتعلق باسترداد «الممتلكات الثقافية المنهوبة» من الدول المستعمرة سابقاً، على أن يتم إصدار النص نهائياً، بعد مروره عبر «لجنة مشتركة» من غرفتي البرلمان.

ووُصفت بنود القانون بأنها مخيبة للآمال، ولا ترقى لمستوى المطالب الجزائرية، حيث يشدد خبراء على أن النص يتجاهل جوهر الملف المتمثل في استعادة آلاف القطع، والرموز المنهوبة منذ بدايات الاحتلال الفرنسي.

يُعد استرداد القطع الرمزية أحد المقترحات الرئيسة في التقرير الذي سلمه المؤرخ الفرنسي الكبير بنجامين ستورا للرئيس إيمانويل ماكرون في يناير (كانون الثاني) 2021، والذي يتضمن خطوات نصح المؤرخ باريس باتخاذها لتفكيك «مشكلة الذاكرة» مع الجزائر.

مقصلة «الاستثناءات»

تحظى هذه القضية بمكانة بارزة في أعمال «اللجنة المشتركة» للمؤرخين الجزائريين، والفرنسيين (5 باحثين من كل جانب) التي تأسست مطلع عام 2023 بمبادرة من رئيسي البلدين؛ عبد المجيد تبون، وإيمانويل ماكرون. ومع ذلك، يستبعد القانون عملياً قائمة طويلة من القطع ذات الشحنة الرمزية القوية، وذلك من خلال إقرار إجراءات مقيدة للغاية لرفع صفة «عدم القابلية للتصرف» التي تحمي الممتلكات التابعة للمجال العام، كما ينص على أن نطاق تطبيقه لا يمتد ليشمل المصادرات العسكرية، أو القطع المملوكة لمؤسسات تخضع لنظام قانوني خاص.

المؤرخ الفرنسي الشهير بنجامين ستورا (حسابه الشخصي)

وذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية، بخصوص القانون، أن ما نجا من مقصلة الاستثناءات يبقى «متواضعاً في أبعاده السياسية»، واصفةً الأمر بأنه «تقدمٌ بلا شك، لكن تداعياته على الجزائر محدودة». وبناءً على بنود القانون المستقبلي الذي يتجاهل «محفوظات كاملة قادمة من الجزائر»، لن تكون أي من القطع ذات الرمزية العالية، مثل سيف الأمير عبد القادر، أو مدفع «بابا مرزوق»، معنية بالاسترداد.

ونقلت «لوموند» عن ماثيو ديلديك، مدير متحف كوندي في منطقة شانتيي (40 كيلومتراً شمال باريس)، أن مؤسسته غير معنية بالاسترداد بسبب «نظامها القانوني المتميز»، رغم أن هذا المتحف يزخر بممتلكات من تراث الأمير عبد القادر، قائد المقاومة الشعبية ضد الاستعمار خلال القرن الـ19، والذي قضى أربع سنوات في الأسر (1884–1852) بقصر أمبواز الشهير وسط فرنسا. ويحتفظ القصر حالياً بالعديد من أغراض الأمير، خصوصاً مصحفه، وسيفه، وبرنسه.

مدفع بابا مرزوق أحد الممتلكات الثقافية التي تطالب الجزائر باسترجاعها (بلدية برست بفرنسا)

وزيادة على الموجودات التي تعود للأمير، يقول باحثون إن دوق أومال الفرنسي استولى خلال سقوط «زمالة» الأمير عام 1843 على 37 مخطوطاً، وخمسة سيوف، ومدفعين فينيسيين، وثلاث بنادق، ومسدسين، وخنجر، بالإضافة إلى أحذية، وقطع معدنية، وحقائب مطرزة بالذهب، ومجوهرات، وصناديق، ومنسوجات، في انتهاك صارخ للقوانين الفرنسية آنذاك.

وفي عام 1886، أورث الدوق مجموعاته لـ«معهد فرنسا»، واشترط في وصيته أن تظل هذه الأشياء «على حالها»، مانعاً بذلك أي خروج لها، ولو على سبيل الإعارة.

وينص القانون، الذي يجري إعداده حالياً، على إمكانية استرداد القطع الناتجة عن هبات، أو وصايا فقط في حالة موافقة الواهب، أو ذوي حقوقه. كما تُستثنى الممتلكات العسكرية من الاسترداد، بذريعة أن غنائم الحرب، شريطة تملك الدولة لها، «لا يمكن اعتبارها غير مشروعة». وينطبق هذا على مجموعات كاملة في «متحف الجيش»، بما في ذلك 38 مدفعاً برونزياً، تم الاستيلاء عليها أثناء سقوط الجزائر العاصمة في 5 يوليو (تموز) 1830، وسبع قطع مدفعية من سقوط تلمسان بغرب الجزائر عام 1842.

الرئيسان الجزائري والفرنسي بالجزائر في 25 أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

في المقابل، يقع القفطان (أو البرنوس)، وبعض المخطوطات، ورايات الأمير، بالإضافة إلى «مفتاح مدينة الأغواط»، ضمن نطاق تطبيق القانون، وبالتالي ستكون قابلة للاسترداد.

وجرى مطلع مارس (آذار) الماضي عرض أسلحة كانت مملوكة للأمير عبد القادر في منطقة ستان بضواحي باريس، وهي الأسلحة التي اشترتها جمعية تسمى «الفيدرالية الفرنسية الجزائرية للتجديد»، حيث صرح المؤرخ بنجامين ستورا، المولود بقسنطينة شرق الجزائر، حينها أن هذه القطع ستُعاد إلى الجزائر «قريباً».

التهرب من الاعتراف بالجرائم

بينما لم يصدر أي رد فعل رسمي من الجزائر على القيود، التي يضعها البرلمان الفرنسي بشأن «الممتلكات المنهوبة» التي تطالب بها، أفادت صحيفة «الشروق» بأن التشريع «يقلل من فرص حدوث تقارب مع الجزائر»، مشيرة إلى أن «اللوبي المهووس بالفكر الاستعماري (في فرنسا) تمكن من تقييد هذا القانون بنصوص تحول دون استعادة الجزائر بعض الممتلكات التي سرقها جيش الاحتلال الفرنسي».

الباحث الجزائري المختص في تاريخ الاستعمار حسني قيتوني (حسابه الخاص بالاعلام الاجتماعي)

وقال الباحث الجزائري المتخصص في تاريخ الاستعمار، حسني قيتوني، إن «ثمة ثغرة فُتحت بالفعل بفضل القانون، تُنهي الحصانة المطلقة ضد التنازل عن الأملاك التابعة للمجال العام، غير أنها ثغرة تترك يد الجانب الفرنسي مطلقة للحفاظ على هيمنته، عبر إدارة ملف الاسترداد وفق مبدأ كل حالة على حدة»، لافتاً إلى وجود «قيود جوهرية على عمليات الاسترداد، يبدو أنها صيغت خصيصاً لعرقلة المطالب الجزائرية».

وأضاف قيتوني موضحاً: «خلف السجالات التقنية حول عدم القابلية للتصرف في الممتلكات العامة، أو مبدأ كل حالة على حدة في عمليات الاسترداد، تبرز مسألة أعمق بكثير؛ وهي مسألة الاعتراف الكامل والشامل بجرائم الاستعمار. وطالما ظلت فرنسا تتحصن خلف الذرائع القانونية الواهية لرفض إدانة هذه الجرائم بوضوح، فلن تتمكن أي قوانين معقدة من تهدئة الذاكرة، أو الاستجابة للمطالب المشروعة للشعوب المنهوبة».

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

وكان وزير المجاهدين الجزائري قد صرح نهاية 2022 بأن «ملف الذاكرة» يتضمن عدة ملفات، منها: فتح واستعادة الأرشيف والممتلكات، واسترجاع رفات شهداء المقاومة الشعبية، التي تحتفظ بها فرنسا في بعض متاحفها، ودراسة ملف ضحايا التجارب النووية (أجرتها فرنسا في صحراء الجزائر مطلع ستينات القرن الماضي)، وملف المفقودين خلال حرب التحرير.