مصر تلجأ إلى روسيا لتوفير «مخزون آمن» من السلع الاستراتيجية

وسط مخاوف استمرار تداعيات «حرب إيران»

وزير التموين المصري خلال لقاء رئيس شركة «ديمترا القابضة» في سوتشي الروسية يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزير التموين المصري خلال لقاء رئيس شركة «ديمترا القابضة» في سوتشي الروسية يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
TT

مصر تلجأ إلى روسيا لتوفير «مخزون آمن» من السلع الاستراتيجية

وزير التموين المصري خلال لقاء رئيس شركة «ديمترا القابضة» في سوتشي الروسية يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزير التموين المصري خلال لقاء رئيس شركة «ديمترا القابضة» في سوتشي الروسية يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وسط مخاوف من استمرار تداعيات «حرب إيران»، تلجأ مصر إلى روسيا لتوفير «مخزون آمن ومستدام» من السلع الاستراتيجية في ظل المتغيرات العالمية الراهنة.

والتقى وزير التموين والتجارة الداخلية المصري شريف فاروق، الخميس، بعض ممثلي كبرى الشركات العاملة في قطاع الحبوب على هامش فعاليات «المنتدى الروسي الخامس للحبوب» بمدينة سوتشي.

ووفق إفادة لمجلس الوزراء، فإن اللقاءات تأتي في إطار «حرص الدولة على تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع كبرى المؤسسات والشركات العالمية، وتنويع مصادر إمدادات السلع الغذائية الاستراتيجية، بما يسهم في دعم استقرار الأسواق».

واستعرض الوزير خلال لقائه أليكسي غريبانوف، رئيس شركة «ديمترا القابضة»، إحدى أكبر الشركات الروسية المتخصصة في تجارة الحبوب والخدمات اللوجستية، آليات تطوير التعاون «بما يتجاوز إبرام عقود توريد شحنات القمح الروسي، وصولاً إلى شراكات استثمارية استراتيجية بين الجانبين، ويسهم في دعم استقرار سلاسل الإمداد الاستراتيجية لمصر، ويعزز جهود الدولة في بناء مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية في ظل المتغيرات العالمية الراهنة».

وأكد الجانبان «متانة العلاقات الاقتصادية المصرية - الروسية، لا سيما في مجال الأمن الغذائي».

كما شهد الاجتماع مناقشة آليات إنشاء مركز لوجستي إقليمي لتجارة وتخزين الحبوب بالموانئ المصرية، لا يقتصر دوره على التخزين وإعادة التصدير فقط، إنما يمتد ليشمل مشروعات ذات قيمة مضافة للحبوب الموردة، مثل تصنيع الدقيق والمعكرونة وغيرهما من المنتجات الغذائية، إلى جانب مشروعات تصنيع الزيوت والأعلاف.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو مايو 2025 (أ.ب)

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أبريل (نيسان) الماضي إن بلاده تدرس إنشاء مركز للحبوب والطاقة داخل مصر، وأشار حينها إلى أن «روسيا ستؤمّن إمدادات الحبوب للجانب المصري».

وتطرق اجتماع وزير التموين مع رئيس شركة «ديمترا القابضة»، الخميس، إلى سبل تبادل المعلومات والخبرات الفنية والتكنولوجية المتعلقة بزراعة وتخزين وتداول الحبوب، والاستفادة من التجربة الروسية المتقدمة في رقمنة قطاع الحبوب وإدارته اللوجستية، فضلاً عن بحث فرص الاستثمار المشترك في مشروعات الصوامع ومراكز التجميع والتخزين الاستراتيجي بمصر.

تنويع الموارد

أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية، نهى بكر، أرجعت لجوء مصر إلى روسيا لتأمين مخزون استراتيجي من الحبوب إلى تنويع مصادر الاستيراد، موضحة: «مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، وكانت تعتمد تقليدياً على روسيا وأوكرانيا. وبعد الحرب الروسية - الأوكرانية تعطلت الإمدادات من أوكرانيا جزئياً، فاتجهت مصر لتعزيز التعاون مع روسيا بصفتها أكبر مصدر للقمح عالمياً».

وأشارت في حديثها إلى «الشرق الأوسط» إلى سبب آخر قائلة: «القمح الروسي غالباً ما يكون أقل سعراً من البدائل الأوروبية أو الأميركية، مع توفر مواصفات فنية مناسبة لصناعة الخبز المصري المدعم، فضلاً عن أن التعامل التجاري مع روسيا يتسم بمرونة في التعاملات المالية مثل فتح اعتمادات مستندية بالجنيه أو العملات المحلية؛ ما يشجع على التعاون».

وتابعت: «روسيا لديها فائض إنتاجي كبير، ويمكنها توريد كميات ضخمة؛ لكن الاعتماد على مورد واحد - حتى لو كان كبيراً - يخلق مخاطر جيوسياسية، كما أنه لا يحل الأزمة جذرياً؛ فأزمة سلاسل الإمداد تؤثر على خطوط الشحن من روسيا أيضاً».

وأضافت أن لجوء مصر إلى روسيا خطوة تكتيكية لتأمين احتياجات عاجلة بأسعار منخفضة، لكنه ليس حلاً استراتيجياً دائماً. وهي ترى أن الحل الأمثل الذي تعمل عليه مصر هو بناء شراكات متعددة مع دول مختلفة، مثل رومانيا، وفرنسا، والأرجنتين والهند، إضافة إلى روسيا، مع دعم الزراعة المحلية وتحسين التخزين والنقل.

وزير التموين المصري يستعرض جهود بناء مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

تعاون استراتيجي

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، رخا أحمد حسن، قال إن أكبر دولتين تستورد منهما مصر القمح هما روسيا وأوكرانيا، وأحياناً من فرنسا والهند، وإن هناك تعاقدات مع موسكو على الأسعار والنوعية ومواعيد التسليم، ويضيف: «أحياناً نستورد من روسيا زيوتاً وشعيراً وبعض السلع».

واستطرد متحدثاً إلى «الشرق الأوسط»: «لقاء وزير التموين بحث فرص الاستثمار في مشروعات الصوامع ومراكز التجميع والتخزين؛ لأن مصر ليس لديها عدد صوامع كافٍ». وتابع: «خلال العشرين عاماً الماضية تضاعف عدد الصوامع في مصر 4 مرات، لكن ما زالت بعض مناطق التخزين تحتاج إلى صوامع بدلاً من (الشِوَن) التي يؤدي التخزين فيها إلى فواقد».

ووفق «الهيئة العامة للاستعلامات» بمصر، في مايو (أيار) 2025، اكتسبت العلاقات المصرية - الروسية قوة دفع جديدة في عهد السيسي حتى باتت أكثر تميزاً في ظل الظروف الدولية الراهنة التي تتسم بعدم الاستقرار.

وحول علاقات التعاون بين مصر وروسيا، قال حسن إنها «علاقات متطورة، والتعاون الاستراتيجي بين البلدين وصل إلى مرحلة عالية جداً منذ محطة الضبعة النووية؛ لأن هذا المشروع سوف يربط مصر وروسيا لفترة طويلة، إلى جانب الروابط القديمة من صناعة وتجارة وتسليح، فضلاً عن مشروع المنطقة التجارية الروسية في المنطقة الصناعية بقناة السويس».

وتقيم روسيا عدداً من المشروعات التنموية الكبرى في مصر، من بينها «محطة الضبعة» شمال البلاد لإنتاج طاقة كهربائية بقدرة 4800 ميغاواط، إلى جانب «المنطقة الاقتصادية الروسية» في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. ووقّع البلدان اتفاقاً لإقامتها في عام 2018 باستثمارات تبلغ 4.6 مليار دولار.


مقالات ذات صلة

استقالة مديرة الاستخبارات الأميركية من إدارة ترمب

الولايات المتحدة​ جانب من جلسة استماع أدلت فيها غابارد بإفادتها أمام مجلس الشيوخ 25 مارس (أ.ف.ب)

استقالة مديرة الاستخبارات الأميركية من إدارة ترمب

استقالت تولسي غابارد من منصبها مديرةً للاستخبارات الوطنية في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، معلنةً أنها مضطرة إلى التنحّي بسبب إصابة زوجها بالسرطان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية سفن تبحر في مضيق هرمز (رويترز) p-circle

فرنسا تعد مقترحاً بشأن «هرمز» لطرحه في مجلس الأمن

أفادت وزارة الخارجية الفرنسية، الجمعة، بأن باريس أعدت مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي بشأن تشكيل بعثة دولية لاستعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدَّث على هامش اجتماع وزراء خارجية دول حلف «الناتو» في مدينة هيلسينبورغ السويدية يوم 22 مايو 2026 (رويترز)

روبيو يتحدث عن «تقدم طفيف» في المحادثات مع إيران

تحدث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الجمعة، عن «تقدم طفيف» بالمحادثات مع طهران عبر الوساطة الباكستانية، مبدياً عدم اليقين بشأن إمكان التوصل لاتفاق.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية سفن تعبر مضيق هرمز يوم 22 مايو 2026 (رويترز)

الوساطة الباكستانية تدفع المفاوضات نحو اتفاق صعب

يرى وزير الخارجية ماركو روبيو أن بلاده لم تصل بعد إلى مرحلة اتفاق مع إيران، رغم وجود «بعض العلامات الجيدة»

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية عاصم منير يتحدث مع قاليباف على هامش لقاء سابق في طهران (أرشيفية - البرلمان الإيراني)

قائد الجيش الباكستاني يتوجه إلى إيران في إطار الوساطة مع الولايات المتحدة

توجه قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى إيران، الذي تقود بلاده جهود الوساطة بين طهران وواشنطن لوضع حد للحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)

تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
TT

تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)

جددت مجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا التزامها بمواصلة دعم الجهود الوطنية، الرامية إلى تطهير البلاد من مخلفات الحروب، وتعزيز سلامة المدنيين في المناطق المتضررة بمختلف أنحاء البلاد.

وقالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن مجموعة الدعم عقدت اجتماعها السنوي الثاني، حيث أكد ممثلو عشر دول أن الأعمال المتعلقة بالألغام «تشكل ركيزة أساسية لحماية المدنيين، وتعزيز الاستقرار وبناء السلام المستدام في ليبيا».

وشهد الاجتماع مشاركة ممثلين دبلوماسيين وعسكريين من الاتحاد الأوروبي، ومصر، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وقطر، وجمهورية كوريا، وتونس، وتركيا، والمملكة المتحدة؛ وذلك بهدف تعزيز التنسيق الدولي، وتوحيد الدعم المقدم لجهود مكافحة الألغام في ليبيا.

واستضاف سفير إيطاليا لدى ليبيا، جيانلوكا ألبيريني، بمقر السفارة في طرابلس، الاجتماع وترأسه بالشراكة مع نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أولريكا ريتشاردسون.

خلال عملية سابقة لنقل مخلفات حربية في ليبيا (البعثة الأممية)

وركزت المناقشات على «التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية لمخلفات الحرب القابلة للانفجار»، إضافة إلى «مخاطر التخزين غير الآمن للذخائر، بما في ذلك التهديدات المستمرة، التي تشكلها مستودعات الذخيرة الواقعة بالقرب من المناطق السكنية على المدنيين في مختلف أنحاء البلاد».

وانفجرت مخازن ذخيرة أكثر من مرة داخل ثكنات تتبع تشكيلات مسلحة في مدن بغرب ليبيا، وخاصة مصراتة. وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تظاهر مواطنون في مصراتة للمطالبة بإخراج مخازن الأسلحة والذخائر من منطقتهم، ونقلها إلى مواقع بعيدة عن التجمعات السكنية.

وحسب تقارير المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحروب، تم تحديد أكثر من 688 مليون متر مربع من المناطق المؤكدة، أو المشتبه بتلوثها بمخلفات الحروب في مختلف أنحاء ليبيا منذ عام 2011؛ الأمر الذي لا يزال ينعكس سلباً على المناطق السكنية والأراضي الزراعية والبنية التحتية الحيوية.

ومنذ مايو (أيار) 2020، تسببت حوادث الألغام والذخائر المتفجرة في سقوط 487 ضحية، بينهم 175 قتيلاً و312 مصاباً، من ضمنهم 87 طفلاً. وأكد المشاركون في الاجتماع أهمية تكثيف التنسيق للحيلولة دون وقوع المزيد من المآسي الإنسانية، الناجمة عن الذخائر المتفجرة في ليبيا.

وأشار المشاركون كذلك إلى أن جهود مكافحة الألغام في ليبيا لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية القدرات الفنية، وصعوبات الوصول إلى بعض المناطق، إضافة إلى نقص التمويل مقارنة بحجم التلوث الناتج عن مخلفات الحروب في ليبيا.

وعلى الرغم من تحرير وتسليم نحو 219 مليون متر مربع من الأراضي من خلال عمليات المسح، والتطهير منذ وقف إطلاق النار عام 2020، فإن التلوث بمخلفات الحروب لا يزال يؤثر بشكل مباشر على المدنيين في عدد من المناطق، من بينها جنوب طرابلس، ومصراتة، وسرت، وغريان ومزدة، إضافة إلى بنغازي، وطبرق، ومرزق وسبها.

وأكد المشاركون أهمية ترسيخ الملكية الوطنية، وتعزيز القيادة الليبية للأعمال المتعلقة بالألغام، إلى جانب ضمان استمرار الدعم الدولي لهذه الجهود التي تقودها ليبيا، من خلال بناء القدرات، وتعزيز التعاون الثنائي، ودعم المؤسسات الوطنية العاملة في مجالي مكافحة الألغام، والإدارة الآمنة للأسلحة والذخائر.

كما شددوا على ضرورة تنسيق الجهود الدولية وتوحيد الرسائل والمواقف الداعمة، بما ينسجم مع الأولويات الوطنية، ويسهم في تعزيز فاعلية الجهود الليبية بقيادة وطنية.

وفي هذا السياق، أكد المشاركون ضرورة منح قضايا مكافحة الألغام والإدارة الآمنة للذخائر اهتماماً أكبر، ضمن أعمال مجموعة العمل الأمنية الدولية المنبثقة عن مسار برلين.

جانب من أنشطة «أونماس» التي تعمل على توعية الأطفال بمخاطر الألغام (البعثة الأممية)

وأشاد السفير ألبيريني بالجهود المبذولة للتصدي للتهديد، الذي تمثله مخلفات الحرب القابلة للانفجار والذخائر المتفجرة في مختلف أنحاء البلاد، مشيداً بالاستجابة التي قادها المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام، بالتعاون مع شركائه وبدعم من بعثة الأمم المتحدة، عقب انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة في أغسطس (آب) 2025.

وكان الانفجار قد نجم عن اشتعال ذخائر داخل مستودع ذخيرة يقع في منطقة سكنية مكتظة، محدثاً انفجاراً هائلاً. وأسفر الحادث عن أضرار امتدت ضمن نطاق يتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات؛ ما أدى إلى إصابة ما لا يقل عن 21 شخصاً، فضلاً عن تضرر عدد من المباني التجارية والمنازل السكنية.

وقال ألبيريني: «لقد شهدنا في موقع الانفجار قدراً كبيراً من المهنية والكفاءة في تنفيذ عمليات إزالة المخلفات المتفجرة وأنشطة التوعية بمخاطر الذخائر غير المتفجرة».

كما استحضرت نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة ريتشاردسون رسالة الأمين العام للأمم المتحدة، بمناسبة اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام، والمساعدة في الأعمال المتعلقة بها لعام 2026 تحت شعار: «استثمروا في السلام، استثمروا في الأعمال المتعلقة بالألغام»، داعيةً إلى مواصلة الجهود الرامية إلى الحد من المخاطر الناجمة عن تخزين الذخائر داخل المناطق السكنية، وتعزيز حماية المدنيين، بمن فيهم الأطفال، وتسريع وتيرة التعافي والتنمية.

وأوقعت الألغام ضحايا كثيرين في ليبيا، وخاصة من الأطفال، لا سيما في المناطق التي شهدت حروباً واشتباكات.


التصعيد القائم في المنطقة يربك رهانات خفض الفائدة بمصر

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
TT

التصعيد القائم في المنطقة يربك رهانات خفض الفائدة بمصر

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

لا يزال التصعيد القائم في المنطقة وصعوبات التكهن بتسوية الحرب الإيرانية، يربكان رهانات خفض أسعار الفائدة في مصر، بعد أن لجأ البنك المركزي المصري لتثبيت «سعر الفائدة» للمرة الثانية على التوالي.

ووفق اقتصاديين، فإنه «من الصعب المراهنة على خفض أسعار الفائدة وسط حالة عدم اليقين التي تعيشها المنطقة»، وأشاروا إلى أنه «من المرجح رفع سعر الفائدة في الاجتماع القادم لـ(لجنة السياسات النقدية) حال استمرار الأوضاع الإقليمية على وضعها».

وقررت «لجنة السياسات النقدية» بالبنك المركزي المصري في اجتماعها مساء الخميس «الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير»، وأشارت اللجنة في إفادة لها إلى أن «القرار جاء متسقاً مع رؤية اللجنة لآخر تطورات التضخم وتوقعاته، في ظل بيئة خارجية تتسم بعدم اليقين».

وبحسب القرار، سيتم تثبيت سعرَي عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند 19.00 في المائة، و20.00 في المائة، و19.50 في المائة على الترتيب، إلى جانب «الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.50 في المائة»، حسب البنك المركزي.

وهذه هي المرة الثانية التي يقرر فيها «المركزي» تثبيت سعر الفائدة بعد قرار اللجنة في أبريل (نيسان) الماضي الإبقاء على أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض، على وقع تداعيات الحرب الإيرانية، لينهي سلسلة انخفاض تدريجي لأسعار الفائدة من مستوياتها المرتفعة بدأت في أبريل (نيسان) 2025.

وتعقد «لجنة السياسات النقدية» اجتماعها الدوري كل ستة أسابيع، ويتبقى لها 5 اجتماعات خلال العام الحالي، في ظل ترقب الأسواق لتطورات التضخم وسعر الصرف وأسعار الطاقة العالمية.

ووفق «عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، وليد جاب الله، فإن «حالة التصعيد التي تشهدها المنطقة وعدم حسم ملف الحرب الإيرانية يسببان ارتباكاً لدى القائمين على السياسات النقدية».

وقال جاب الله لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك صعوبات في وضع معايير اقتصادية يمكن البناء عليها في خطط التوسع بالاستثمارات وفي الغذاء والأسمدة»، مشيراً إلى أن «خريطة الاقتصاد العالمي شبه متوقفة لحين وضوح الرؤية على الصعيدين الإقليمي والدولي».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على «فيسبوك»)

ورأى جاب الله أنه «من الصعب المراهنة على خفض أسعار الفائدة بمصر، في ظل حالة عدم اليقين بالمنطقة»، وأضاف أن «البنك المركزي لا يستطيع خفض الفائدة في الوقت الراهن لتأثير هذا القرار على زيادة معدلات التضخم»، مشيراً إلى أن «التضخم سيرتفع بنسب كبيرة حالة خفض الفائدة، نتيجة خروج جانب من الودائع والمدخرات في أنشطة استهلاكية».

وتراجع معدل التضخم في مصر بشكل طفيف الشهر الماضي بعد أن سجل في المدن المصرية على أساس سنوي 14.9 في المائة، مقارنة بنحو 15.2 في المائة في مارس (آذار) الماضي، في حين تراجع على أساس شهري إلى 1.1 في المائة في أبريل الماضي، مقابل 3.2 في المائة في مارس الماضي، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

ويعتقد جاب الله أن قرار «المركزي» تثبيت سعر الفائدة «خيار طبيعي في ظل توقعات تباطؤ الاقتصاد العالمي»، ويشير إلى أن «(لجنة السياسات النقدية) رأت أن معدلات التضخم القائمة في الأسواق تطور عارض بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والكهرباء على وقع الحرب الإيرانية».

حركة الأسواق تتأثر في مصر بسبب زيادة الأسعار (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

ويرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أنه «لم يعد خيار خفض الفائدة مطروحاً في ظل الأضرار الاقتصادية للحرب الإيرانية، وتراجع معدلات النمو وفق تقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ارتفاع معدلات التضخم نتيجة اضطراب سلاسل إمداد الطاقة دفع البنك المركزي لتثبيت الفائدة»، وأشار إلى أنه «من المرجح رفع سعر الفائدة في الاجتماع القادم لـ(لجنة السياسات النقدية) حال استمرار حالة عدم اليقين الحالية».

ويوضح أن «الحكومة تستهدف من تثبيت سعر الفائدة الحفاظ على مستوى التشدد النقدي لإحكام السيطرة على التضخم بالأسواق»، ويشير إلى أن «قرار التثبيت يساهم في تباطؤ حركة السيولة النقدية بالأسواق».

وعدّ بدرة أن ذلك «يساهم في عدم رفع أسعار السلع بالأسواق بشكل مبالغ فيه، وسط تحديات سلاسل الإمداد القائمة».


تشديد مصري على المطوّرين العقاريين بعد أزمات تأخّر التسليم

الحكومة المصرية تتدخل لضبط سوق العقارات (العاصمة الإدارية الجديدة)
الحكومة المصرية تتدخل لضبط سوق العقارات (العاصمة الإدارية الجديدة)
TT

تشديد مصري على المطوّرين العقاريين بعد أزمات تأخّر التسليم

الحكومة المصرية تتدخل لضبط سوق العقارات (العاصمة الإدارية الجديدة)
الحكومة المصرية تتدخل لضبط سوق العقارات (العاصمة الإدارية الجديدة)

تتجه الحكومة المصرية لضبط سوق العقارات، عبر تشريع يحكم العلاقة بين المطورين العقاريين من جهة، ومشتري الوحدات من جهة أخرى، في ظل شكاوى متزايدة من تعثر بعض المطورين في استكمال مشاريعهم، بما يؤثر سلباً على سمعة السوق العقارية النامية.

يأتي هذا التوجه في وقت أكد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي على «الأهمية القصوى التي توليها الحكومة لمتابعة هذه السوق، باعتبارها أحد الروافد الأساسية للاقتصاد الوطني»، وذلك خلال اجتماعه مع وزيرة الإسكان راندة المنشاوي، وعدد من مسؤولي القطاع، الخميس.

وأضاف مدبولي، وفق بيان رسمي، أن «الحكومة تستهدف الحفاظ على معدلات النمو في هذا القطاع الحيوي، والتعامل مع أي تحديات به، بما يضمن تحقيق الحوكمة والانضباط المستهدف، وتحقيق التوازن الكامل بين حقوق جميع الأطراف، من الدولة والمستثمرين (المطورين العقاريين)، والمواطنين حاجزي الوحدات؛ لضمان استدامة قطاع العقارات وحمايته من أي ممارسات غير منضبطة يقوم بها البعض».

رئيس الحكومة المصرية خلال اجتماعه مع وزيرة الإسكان ومسؤولي القطاع لتطوير السوق العقارية المصرية (رئاسة الوزراء المصرية)

وتعدّ سوق العقارات المصرية من أكثر الأسواق نمواً وتطوراً خلال العقد الأخير، مدفوعةً بتوجهات رسمية لتوسعته بعدد من المشاريع الضخمة، في مقدمتها مشروع العاصمة الإدارية الجديدة.

وبلغ حجم سوق العقارات في مصر 18.04 مليار دولار (الدولار يساوي نحو 53 جنيهاً)، في عام 2023، وسط توقعات أن يتجاوز 30 مليار دولار في عام 2028، بمعدل نمو سنوي 10.96 في المائة، وفق ما نقله مركز معلومات مجلس الوزراء عن مؤسسة «موردر إنتلجنس» العالمية.

خطوة لحماية السوق

ورحّب عدد من المتخصصين في سوق العقارات المصرية بالتوجه الحكومي الأخير لحوكمة هذه السوق، معتبرين أن الخطوة ضرورية لحمايته، وإن تأخرت، «فكان لا بد أن تصاحب النمو الكبير في هذا السوق قبل 10 سنوات».

وقال المسوق العقاري وأحد مؤسسي شركة «هب إمباير»، أنس الكيلاني، لـ«الشرق الأوسط»، إن سمعة سوق العقارات المصرية تأثرت مؤخراً بعد تعثر العديد من المطورين في استكمال المشاريع، ما جعل بعض المشترين يشعرون أنهم تعرضوا لعمليات نصب، مشيراً إلى أن بعض هذه المشاريع توجد في العاصمة الإدارية الجديدة نفسها، التي أغرت التسهيلات الحكومية فيها العديد من المطورين على الاستثمار بمشاريع هناك، دون أن تكون لديهم الملاءة المالية الكافية.

وسيتضمن مشروع القانون الجديد لحوكمة وتنظيم قطاع التطوير العقاري، «إنشاء كيان رسميّ للمطورين العقاريين وتصنيفهم وفقاً لمعايير وضوابط محددة. وذلك في إطار جهود الدولة لتعزيز البيئة الاستثمارية، والحفاظ على هذا القطاع المهم، وحماية حقوق المواطنين»، وفق وزيرة الإسكان راندة المنشاوي.

وأشارت إلى أنه «سيتم إقرار ضوابط محددة تهدف إلى تجنب دخول أي مطور عقاري ليست لديه الملاءة المالية أو الفنية الكافية لتنفيذ المشروعات، وتتضمن الالتزام بمواعيد التسليم المحددة، بما يمنع أي تعثرات قد تسيء إلى سمعة القطاع».

ويرى المسوق العقاري أنس الكيلاني أن «وضع ضوابط من هذا النوع سيؤثر إيجاباً على القطاع ونموه وجذب مستثمرين أجانب»، مقترحاً أن تتضمن الضوابط وسائل لمعالجة الوضع القائم أو المتوقع حدوثه من تعثرات، مثل أن تتدخل الحكومة في استكمال المشاريع المتعثرة، مقابل حصول هيئة المجتمعات العمرانية على حقوق المشروع من المطور.

تأثير التضخم على البناء

التطوير العقاري يتضمن رؤية استراتيجية للمكان وليس مجرد تشييد (العاصمة الإدارية الجديدة)

وأرجع الخبير العقاري، عبد المجيد جادو، تكرار التأخيرات في مواعيد تسليم الوحدات العقارية خلال السنوات الماضية إلى التضخم، وتأثيره على البناء، خصوصاً في ظل عدم وجود القدرة المالية الكافية لدى المطورين لتغطية المشاريع، واعتمادهم على مقدمات الحجوزات والأقساط في ذلك.

وسجّلت مصر معدل تضخم سنوياً في أبريل (نيسان) الماضي بلغ 14.9 في المائة، مقارنة بـ15.2 في مارس (آذار).

وشدّد جادو، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة أن يتضمن التشريع الجديد كافة الأمور الفنية والهندسية المتعلقة بالمشاريع، وليس عمليات التسليم فقط، خصوصاً مع طرح بعض المطورين وحدات بمساحات كبيرة نظرياً، بينما تخرج الوحدة في النهاية بعيدة كل البعد عن هذه المعايير.

ويشيد المتخصص في مجال التطوير العقاري ومدير قطاع التطوير في عدة شركات مصرية، محمود سامي، بالتوجه الرسمي الأخير لضبط السوق، معتبراً أنه توجه تأخر كثيراً، مضيفاً: «توجد ضوابط حاكمة لأسواق العقارات الكبيرة في تركيا والإمارات وكندا وغيرها، بينما اقتصرت القوانين في مصر إما على ضوابط البناء نفسه واستخراج رخص التشييد، أو على ضرورة تشييد 30 في المائة من العقار قبل البدء في بيع وحداته، وهو ما لا يحدث عملياً».

ورأى سامي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة إنشاء كيان للمطورين أشبه بنقابة، تواجه فوضى السوق، موضحاً أن «المطور العقاري مسمى يجب ألا يُلصق بأي أحد، فهو مرتبط بالاستدامة والرؤية الاستراتيجية لتطوير المكان والتوسع في مدن جديدة، ووضع خطة لتطويره وجعل الأصل العقاري يحتفظ بقيمته مع تحقيق زيادات مستمرة، وهو أمر لا يرتبط بالوحدات السكنية فقط، لكن بالخدمات، وهذا عكس عمل المقاول الذي لا يسعى سوى للربح».

وكانت وزيرة الإسكان نوّهت خلال اجتماعها مع مدبولي، إلى أن الهيكل التنظيمي المقترح لكيان المطورين العقاريين يرتكز على نموذج محوكم، يماثل في آلياته وضوابطه الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء، بما فيها تصنيف المطورين العقاريين وفق معايير محددة.

وشدّدت أيضاً على وجود حزمة من العقود واللوائح الداخلية الصارمة بهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، تضمن التعامل مع أي مخالفات تصدر عن أي مطور عقاري؛ بما يكفل ضمان حقوق الدولة، وحقوق المواطنين، ويعزز من تنافسية السوق العقارية المصرية على المستويين الإقليمي والعالمي.