الوساطة الباكستانية تدفع المفاوضات نحو اتفاق صعب

عاصم منير في طهران... وشريف إلى بكين غداً... وتفاؤل حذر يسود واشنطن

سفن تعبر مضيق هرمز يوم 22 مايو 2026 (رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز يوم 22 مايو 2026 (رويترز)
TT

الوساطة الباكستانية تدفع المفاوضات نحو اتفاق صعب

سفن تعبر مضيق هرمز يوم 22 مايو 2026 (رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز يوم 22 مايو 2026 (رويترز)

يحاول قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي وصل إلى طهران، الجمعة، التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، بينما يرى وزير الخارجية ماركو روبيو، أن بلاده لم تصل بعد إلى هذه المرحلة، رغم بعض العلامات الجيدة، مؤكداً أن إسلام آباد لا تزال هي «الطرف الرئيسي في المحادثات».

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصادر أمنية باكستانية، أن «المشير منير وصل (الجمعة) إلى إيران في زيارة رسمية سيعقد خلالها لقاءات مع القادة الإيرانيين».

ومنير شخصية نافذة في باكستان باتت تؤدي دوراً متنامياً في السياسة الخارجية، وكانت له مساهمة أساسية في المحادثات المباشرة التي جرت بين وفدين إيراني وأميركي بإسلام آباد في أبريل (نيسان) 2026، ضمن المساعي التي تقودها بلاده تعاوناً مع دول إقليمية.

وكان الإعلام الإيراني أفاد، الخميس، بأن طهران تترقب زيارة منير بهدف «مواصلة المناقشات مع المسؤولين الإيرانيين»، فيما قال موقع «أكسيوس»، الجمعة، إن قائد الجيش الباكستاني «سيحاول تسريع التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة بشأن إنهاء الحرب».

كما أعلنت بكين أن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، يبدأ غداً (السبت)، زيارة إلى الصين تستمر حتى الثلاثاء. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غوو جياكون، لوسائل الإعلام، رداً على سؤال عمّا إذا كانت المحادثات خلال الزيارة ستتناول الشأن الإيراني، إن «الصين تدعم الوساطة العادلة والمتوازنة التي تضطلع بها باكستان من أجل تحقيق السلام ووضع حد للحرب».

من جانيه، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن «المفاوضات الجارية تتركز على إنهاء الحرب»، مضيفاً أنه «لا يمكن بالضرورة القول إن الأطراف وصلت إلى نقطة أصبح فيها الاتفاق قريباً».

وكان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي قاد وفد بلاده في محادثات إسلام آباد، الشهر الماضي، قد اتهم واشنطن بالسعي إلى استئناف الحرب، محذراً من «رد قوي» إذا تعرضت إيران لهجوم. وتتباين وجهات النظر الأميركية والإيرانية بشأن مسائل عدة؛ أبرزها ملف طهران النووي، والعقوبات المفروضة عليها، وتقييد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز؛ الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره عادة نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ومع ذلك، ساد في الساعات الماضية شعور بالتفاؤل داخل الأوساط الأمنية الباكستانية بأن الاتفاق الأولي بين الولايات المتحدة وإيران بات قاب قوسين أو أدنى.

«علامات جيدة»

في حديثه قبل مغادرته لحضور اجتماع لحلف شمال الأطلسي (ناتو) بالسويد، قال روبيو إن هناك «بعض العلامات الجيدة» في المفاوضات، ومع ذلك، أضاف أنه لا يريد أن يكون «متفائلاً للغاية».

وقال روبيو إن إيران لا ينبغي أن تمتلك أي قدرات نووية أو عسكرية، واصفاً سلوكها في المنطقة بأنه «سلطوي»، ومشدداً على أن معالجة ملف التخصيب واليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب الوضع في مضيق هرمز، عنصران أساسيان لتحقيق هذا الهدف.

كما كرر روبيو تقييم الولايات المتحدة بأن نظام القيادة في إيران «نفسه منقسم قليلاً»، وأكد أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يفضل تسوية تفاوضية.

وأوضح الوزير الأميركي أن باكستان تلعب دور الوسيط الرئيسي في المحادثات بين واشنطن وطهران، قائلاً إن التنسيق جارٍ مع عدة دول، «لكن إسلام آباد هي الوسيط الأساسي». كما أشار إلى عدم وجود طلب مباشر للحصول على دعم من حلف «الناتو» بشأن مضيق هرمز، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة «تعيد باستمرار تقييم وجود قواتها في أوروبا».

ويرى مراقبون أن مسارات التفاوض بين واشنطن وطهران تتحرك على خطّين متوازيين لا يلتقيان حتى الآن؛ تصعيد في السقف السياسي والعسكري من جهة، ومحاولات وساطة متعددة من جهة أخرى.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث على هامش اجتماع وزراء خارجية دول حلف (ناتو) في مدينة هلسينبورغ السويدية (رويترز)

زخم باكستاني

وقبل أن يصل منير إلى طهران، كان وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي يجري لقاءات في طهران. وأكدت وكالة «إرنا» الإيرانية أن نقوي بحث مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مقترحات لإنهاء الحرب والخلافات، في إطار مساعٍ لتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن.

كما نقلت مصادر إيرانية أن جولات وساطة سابقة شملت تسليم ردود أميركية عبر القنوات الباكستانية، في وقت تواصل فيه الأطراف دراسة مقترحات متبادلة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الدبلوماسية بشأن إيران نشاطاً متسارعاً؛ إذ أفادت مصادر بأن تحركات وساطة متعددة تجري بالتوازي. وقال مصدر مطلع لـ«رويترز»، إن فريقاً تفاوضياً من قطر وصل إلى طهران بالتنسيق مع الولايات المتحدة، للمساعدة في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مع إيران ويعالج الملفات العالقة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قد صرح بأن واشنطن ستسعى للحصول على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، معتبراً أنه مخصص لأغراض عسكرية، بينما تصر طهران على أنه لأغراض سلمية. وأضاف ترمب أن بلاده لن تسمح لإيران بحيازة هذا المخزون، مشيراً إلى احتمال تدميره بعد الحصول عليه.

ونقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني رفيع، أن الفجوات بين الجانبين تتقلص، لكنها لا تزال قائمة، خصوصاً في ملفي تخصيب اليورانيوم ومضيق هرمز، الذي تقول طهران إنها تسعى لإعادة تنظيم حركة الملاحة فيه وفق شروطها.

وفي ظل هذا الغموض، ارتفعت أسعار النفط واقترب الدولار من أعلى مستوى له في 6 أسابيع، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات، فيما حذرت وكالة الطاقة الدولية من دخول أسواق الطاقة «منطقة الخطر» خلال أشهر الصيف.

صورة أرشيفية لعاصم منير يتحدث مع محمد باقر قاليباف على هامش لقاء سابق بطهران (البرلمان الإيراني)

مخزون الذخائر الأميركية

ميدانياً، نقلت تقارير عن مسؤول أميركي في «البنتاغون»، أن الولايات المتحدة تضمن جاهزية مخزونها من الذخائر في حال تجدد التصعيد، مع الإشارة إلى تعليق مؤقت لبعض مبيعات الأسلحة لتايوان لضمان تلبية الاحتياجات العملياتية.

من جهتها، قالت القيادة المركزية الأميركية إنها غيرت مسار 97 سفينة، وعطلت 4 سفن منذ بدء الحصار البحري على إيران.

وبدأ الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية يوم 13 أبريل 2026، حيث تم تطبيقه على طول الساحل الإيراني.

في المقابل، حذرت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من احتمال تنفيذ إيران هجمات مفاجئة بصواريخ وطائرات مسيّرة ضد دول في الخليج وإسرائيل، وسط تعزيز التعاون العسكري مع واشنطن لرفع الجاهزية الدفاعية.

على الجانب الإيراني، قال خطيب جمعة طهران؛ محمد جواد حاج علي أكبري، إن القوات المسلحة «أصبحت أكثر استعداداً»، محذراً من ردود عسكرية واسعة في حال تعرضت إيران لهجوم، ومتوعداً بإجراءات قد تشمل توسيع نطاق الصراع وإغلاق ممرات ملاحية إضافية.

وكان المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، قد حذر من أنه إذا اندلعت حرب أو وقع اعتداء جديد على إيران، فإنها «لن تكون إقليمية كما في السابق؛ بل ستصبح حرباً خارج نطاق المنطقة». وأضاف، في منشور على منصة «إكس»، أن طهران ستثبت «من يعرف الحرب»، قائلاً إن «إيران والإيرانيين لن يستسلموا أبداً»، وإن «تاريخنا وحضارتنا يقولان ذلك».

وكان «الحرس الثوري» قد أصدر، الأربعاء الماضي، تحذيراً مماثلاً، قائلاً في بيان: «إذا تكرر العدوان على إيران، فإن الحرب الإقليمية الموعودة ستتجاوز حدود المنطقة هذه المرة».


مقالات ذات صلة

الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

شؤون إقليمية طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط  (الجيش الأميركي)

الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

أعلن الجيش الأميركي، اليوم، البدء بشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران، مشيرا إلى أنها تهدف إلى تقويض قدرة طهران على مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)

إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

خلال الحرب على إيران، قصفت الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية مستودعات صواريخ ومنصات إطلاق، ومقاراً أمنية، لكن الأهداف لم تكن كلها مواقع عسكرية.

يغانه تورباتي (واشنطن)
شؤون إقليمية فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026 p-circle

تجدد القصف على جنوب إيران قرب مضيق هرمز

أفادت وسائل إعلام إيرانية، مساء الأحد، بسماع دوي عدة انفجارات من الجهة الشرقية لمدينة بندر عباس وفي المنطقة البحرية المحيطة بجزيرة قشم قبالة مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)

تأكيد مصري - إماراتي على مواصلة التنسيق لتجنب التصعيد بالمنطقة

شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، على ضرورة مواصلة التشاور بشأن مختلف القضايا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)

لماذا يتفاعل الجنيه المصري سريعاً مع التطورات الإقليمية؟

ما إن بدأ الجنيه المصري يُظهر تعافياً أمام الدولار عقب قرار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، حتى أظهرت المؤشرات تراجعاً ملحوظاً له مرة أخرى.

هشام المياني (القاهرة )

«هرمز» يعيد الحرب إلى حافة الانفجار

 فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية، بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026
فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية، بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026
TT

«هرمز» يعيد الحرب إلى حافة الانفجار

 فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية، بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026
فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية، بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026

أعاد مضيق هرمز الحرب الأميركية - الإيرانية إلى حافة الانفجار، بعدما أعلنت البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» إغلاقه «حتى إشعار آخر» واستهداف سفن قالت إنها خالفت مسارات العبور، لترد واشنطن بجولة ثالثة من الضربات طالت، بحسب «سنتكوم»، أكثر من 140 هدفاً عسكرياً.

وقالت «سنتكوم» إن الضربات جاءت رداً على هجوم استهدف سفينة حاويات في المضيق، وأدى إلى حريق وأضرار في غرفة المحركات وفقدان أحد أفراد الطاقم.

وأفادت وسائل إعلام إيرانية بانفجارات في ميناء بندر عباس وجزيرة قشم وجاسك وبوشهر ومناطق مجاورة لمضيق هرمز، كما امتدت الضربات إلى عمق الأراضي الإيرانية، وطالت موقعاً عسكرياً قرب مفاعل «آراك» للمياه الثقيلة.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن مضيق هرمز مفتوح أمام الملاحة التجارية، وإن واشنطن وجهت لإيران «ضربة قوية للغاية»، مؤكداً أن طهران كانت قريبة من اتفاق قبل استهداف السفينة.

في المقابل، كتب رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف: «ولى عهد الاتفاقات غير المتكافئة». وأضاف: «قلنا لكم: التزموا كلمتكم أو ادفعوا الثمن. وها قد صار الواقع على الأبواب».

وبحث وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الإيراني عباس عراقجي خفض التصعيد، بعدما طالبت واشنطن طهران بتعهد علني بوقف الهجمات وفتح جميع مسارات العبور.


الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط  (الجيش الأميركي)
طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)
TT

الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط  (الجيش الأميركي)
طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)

أعلن الجيش الأميركي، اليوم، البدء بشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران، مشيرا إلى أنها تهدف إلى تقويض قدرة طهران على مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز.

وقالت القيادة المركزية الأميركية في بيان، أن قواتها بدأت عند الساعة 21,00 بتوقيت غرينتش، بشن «المزيد من الضربات ضد إيران لمواصلة تقويض قدرتها على مهاجمة البحارة المدنيين والسفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز بحرية».

وأضافت أن ترمب أمر بشن هذه الضربات "لمحاسبة القوات الإيرانية».


إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)

خلال الحرب على إيران، قصفت الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية مستودعات صواريخ ومنصات إطلاق، ومقاراً لقوات أمنية، وأنظمة دفاع جوي، لكن الأهداف التي استهدفت خلال الحملة التي استمرت ستة أسابيع لم تكن كلها مواقع عسكرية تقليدية. ففي 27 مارس (آذار)، ثم مرة أخرى بعد أيام قليلة، قصفت غارات جوية إسرائيلية مجمعاً ضخماً للصلب يقع مباشرة خارج أصفهان ويُعرف باسم «مباركة للصلب»، ومجمعاً آخر في جنوب غربي البلاد.

وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن ضربات بلاده قلّصت قدرة إيران على إنتاج الصلب، وحرمت «الحرس الثوري» القوي من إيرادات، وهو الجهاز الذي يشكل قمعه إحدى ركائز الحكومة الإيرانية.

وتُظهر شركات مثل «مباركة» التعقيدات الكامنة في الاقتصاد الإيراني. ففي حين أن القيادة وقوات الأمن في إيران متداخلة بعمق مع أكثر الشركات ربحية وأهمية في البلاد، فإن هذه الشركات نفسها حيوية لمعيشة ملايين الإيرانيين العاديين، بصرف النظر عما إذا كانوا يحملون ولاءً آيديولوجياً عميقاً للحكومة.

وأدت الهجمات إلى إغلاق أجزاء كبيرة من مصنع أصفهان لأسابيع، ما أوقف أكثر من 20 ألف عامل عن العمل، وقطع إمدادات الصلب عن المصنّعين المحليين. وقال مصطفى، وهو موظف سابق طلب التحدث، شرط عدم الكشف عن هويته لتجنب انتقام الحكومة: «شعرت وكأن بيتي أنا قد دُمّر».

وتأرجحت الولايات المتحدة وإيران بين محادثات السلام وتبادل إطلاق النار في الأسابيع الأخيرة. وكان من المتوقع أن تتناول مفاوضاتهما المنافع الاقتصادية التي قد تحصل عليها إيران مقابل قيود طويلة الأمد على برنامجها النووي.

وقد يؤدي اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، الذي وُقّع الشهر الماضي، إلى توفير ما يصل إلى 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية. لكن ذلك يبدو الآن احتمالاً بعيداً، بعدما قال الرئيس دونالد ترمب هذا الأسبوع إنه يعتقد أن الهدنة المؤقتة «انتهت».

جانب من هجوم 27 مارس الماضي على منشأة فولاد مباركة في أصفهان (أرنا)

إيرادات لصندوق «الباسيج»

وإذا تدفقت أي استثمارات إلى إيران، فستكون شركات مثل «مباركة» موضع تركيز بلا شك، بسبب أهميتها للاقتصاد الإيراني، وكذلك بسبب ارتباطها بأقوى قوات الأمن في إيران.

وكثيراً ما هدد ترمب بمهاجمة البنية التحتية الإيرانية، وإذا استؤنفت الحرب فسيخضع أي ضرب من هذا النوع لتدقيق واسع.

ويوم الخميس، اتهم «الحرس الثوري» الولايات المتحدة بقصف جسر للسكك الحديدية يربط البلاد بتركمانستان. وأكد متحدث باسم القيادة المركزية الأميركية أن الولايات المتحدة ضربت جسر السكك الحديدية، واصفاً إياه بأنه بنية تحتية لوجستية عسكرية كانت تتيح تدفق أسلحة وإمدادات عسكرية أخرى إلى مناطق رئيسية.

وقد وفرت «مباركة» إيرادات لصندوق استثماري تابع لجهاز تعبئة تديره الدولة، هو «الباسيج»، ذراع «الحرس الثوري»، وفق وزارة الخزانة الأميركية. وحدد تقرير صادر عن البرلمان الإيراني عام 2021 ذلك الصندوق الاستثماري بوصفه مساهماً رئيسياً في «مباركة».

وتُظهر بيانات مالية حديثة من «مباركة» أن من بين مساهميها صندوقاً استثمارياً يخضع في نهاية المطاف لسيطرة المرشد الإيراني. ورغم أن البيانات لا تُظهر صلة بـ«الحرس الثوري»، فإنه غالباً ما يحجب ملكيته عبر مستثمرين بالوكالة.

وفي تبريره الضربات على منشآت الصلب، قال نتنياهو إنها ستحرم النظام «من الموارد المالية ومن القدرة على إنتاج كثير من الأسلحة».

ولم يرد المديرون التنفيذيون في «مباركة» على طلب للتعليق، وليس واضحاً ما إذا كان الصلب المنتج في «مباركة» استخدم في تصنيع أنظمة الأسلحة الإيرانية.

وقال فرزين نديمي، الزميل البارز في «معهد واشنطن» والخبير في الشؤون العسكرية الإيرانية: «قد لا تُستخدم منتجات (مباركة) للصلب مباشرة في إنتاج الصواريخ، لكن الشركة على الأرجح منخرطة في البحث والتطوير لسبائك فولاذية حديثة عالية القوة من أجل إنتاج واسع النطاق مستقبلاً». وأضاف: «مع ذلك، فمن الأرجح أن تُستخدم منتجات (مباركة) للصلب في إنتاج مركبات نقل الصواريخ وإطلاقها».

وقال خبراء في القانون الدولي إن القانون الدولي يحظر الضربات على المواقع الصناعية التي تخدم المدنيين، ما لم تكن المنشأة تقدم مساهمة فعالة في العمل العسكري، وما لم يحقق ضربها ميزة عسكرية محددة.

وقالت سوزانا ساكوتو، مديرة مكتب أبحاث جرائم الحرب في كلية واشنطن للقانون بالجامعة الأميركية، إن الرأي الدولي الغالب يرفض فكرة أن توليد إيرادات للعمليات العسكرية يكفي لتصنيف موقع مدني هدفاً عسكرياً.

وقال مياد ملكي، وهو مسؤول سابق في وزارة الخزانة الأميركية، إنه رغم اعتقاده بأن المجمع كان هدفاً مشروعاً للعقوبات، فإنه يشك في أنه كان ينبغي استهدافه بضربات عسكرية. وقال: «هذه أصول الشعب الإيراني، وسيؤذي ذلك الاقتصاد إلى ما هو أبعد بكثير من الجمهورية الإسلامية».

وأضاف ملكي: «إنه يوظف كثيرين ويدفع رواتب لكثيرين. لكنه في الوقت نفسه مصدر رئيسي للإيرادات لكثير من الفاعلين الفاسدين».

ملكية غامضة

بُنيت «مباركة» على يد مجموعة أعمال إيطالية، ودخلت حيز التشغيل عام 1992، وكانت رمزاً للتطور الصناعي الإيراني وإعادة البناء بعد الحرب الإيرانية - العراقية في ثمانينات القرن الماضي.

وقال موظفان سابقان، رفضا الكشف عن هويتيهما لتجنب تداعيات من الحكومة الإيرانية، إن أشخاصاً لهم صلات بـ«الحرس الثوري» انتقلوا إلى مواقع قيادية في المصنع بدءاً من أواخر التسعينات. فعلى سبيل المثال، شغل مهدي تاج، وهو قائد كبير سابق في «الحرس الثوري»، عضوية مجلس إدارة المجمع وتولى منصباً تنفيذياً فيه في أوائل العقد الأول من القرن الحالي.

ويشغل تاج الآن منصب مدير الاتحاد الإيراني لكرة القدم، الذي لم يرد على طلب للتعليق.

وأدت حملة خصخصة نُفذت في منتصف العقد الأول من القرن الحالي إلى نقل أجزاء من شركات مملوكة للدولة، مثل «مباركة»، إلى أطراف قوية وغامضة، مثل «الحرس الثوري» وتكتلات تجارية تتبع القيادة الدينية في إيران.

وفي عام 2008، اشترى تحالف تقوده شركة «مهر اقتصاد للاستثمار الإيراني»، وهي كيان تابع لـ«الباسيج»، 45 في المائة من أسهم «مباركة». واعتباراً من عام 2021، كانت «مهر اقتصاد» أحد أكبر مساهمي «مباركة»، بحصة تقارب 14 في المائة، وفق تقرير برلماني كُتب في ذلك العام.

وتُعد «الباسيج» إحدى القوى الأساسية التي يستخدمها النظام لقمع الاحتجاجات، بما في ذلك المظاهرات التي عمّت البلاد في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني). وقد اندلعت تلك الاحتجاجات بسبب الاستياء من أزمة العملة الإيرانية وما يُنظر إليه على أنه سوء إدارة اقتصادية من جانب الحكومة.

واندمج مالك «مهر اقتصاد»، وهو بنك، في عام 2020 مع بنك إيراني آخر هو «بنك سبه»، الذي لم يرد على طلب للتعليق.

وحققت «مباركة» نحو 1.6 مليار دولار من صافي الأرباح في 2024 - 2025. وقالت وزارة الخزانة الأميركية عام 2018 إن الشركة «قدمت ملايين الدولارات» سنوياً إلى «مهر اقتصاد».

وقال مهدي قدسي، وهو اقتصادي في «معهد فيينا للدراسات الاقتصادية الدولية»: «جزء من الاقتصاد يُدار عبر الحكومة، لكن جزءاً أكبر من الاقتصاد يُدار عبر حكومة الظل أو (الحرس الثوري)».

ومن بين المساهمين الجدد نسبياً في «مباركة»، وفق وثائق قُدمت إلى بورصة طهران، شركة تابعة لـ«آستان قدس رضوي»، وهي مؤسسة إيرانية فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات عام 2021 لأنها كانت خاضعة لسيطرة المرشد الإيراني السابق آية الله علي خامنئي. وكانت الشركة تملك 1.79 في المائة من «مباركة» حتى العام الماضي.

ومن بين المالكين الرئيسيين الآخرين عدة صناديق تقاعد مملوكة للدولة. وتعاني صناديق التقاعد الإيرانية منذ سنوات من صعوبة دفع مستحقات المتقاعدين، ومن المرجح أن يؤدي تدمير قطاعات رئيسية من الاقتصاد إلى تفاقم تلك المشكلة.

وقد حقق مشرعون إيرانيون عام 2021 في فساد محتمل من جانب مديرين في «مباركة»، وألقوا باللوم في كثير من مشكلاتها على عملية الخصخصة المعيبة، قائلين إنها «باتت الآن تُدار بملكية غامضة تماماً إلى جانب إدارة خاضعة بالكامل لسيطرة الدولة».

ضربات على منشأة 15 خرداد الصاروخية في منطقة بهارستان بأصفهان مطلع أبريل الماضي (شبكات التواصل)

شركة «محبوبة»

وتقدم مقابلات مع بعض الأشخاص الذين كانوا يعملون سابقاً في «مباركة» صورة أخرى عن الشركة. فبالنسبة إلى المهندسين الطموحين الذين نشأوا في أصفهان، كان العمل في «مباركة» «وظيفة الأحلام»، كما قالت مريم، التي تعيش الآن خارج إيران. وطلبت هي وبعض الموظفين السابقين الآخرين الذين تحدثت إليهم «نيويورك تايمز» ألا تُكشف هوياتهم كاملة، خوفاً من تداعيات بسبب الحديث علناً.

وقال بعضهم إنهم شعروا بأنهم يعملون في شركة مرموقة ومتطورة تكنولوجياً، تسهم في البلاد وتهتم برفاههم. وقال مازيار شكراني، الذي عمل في «مباركة» مثل والده: «حتى قبل أن أُولد، كان والدي يعمل في الصلب».

وبدأ شكراني العمل هناك محامياً في منتصف العقد الأول من القرن الحالي، وكان يستقل حافلة يومياً إلى المصنع المترامي الأطراف على بعد 40 ميلاً خارج أصفهان. وقال: «أعرف أن حياتي كلها ووجودي كله من الصلب».

وقال مصطفى، الموظف السابق الذي يعيش الآن خارج إيران، إن «مباركة» تبرعت أيضاً بأموال لبناء ملاعب ومؤسسات تعليمية، ودعمت عائلات فقيرة في المنطقة المحيطة بالمجمع. وأضاف: «كانت محبوبة في تلك المنطقة». وأضاف: «أي صناعة كانت تواجه عقبة، أو أي مجموعة كانت تعاني مشكلة، كان لديها بعض الأمل في أن ترتب (مباركة للصلب) نوعاً من الدعم».

وأفاد موقع الأخبار الإيراني «رويداد 24» في أوائل مايو (أيار) بأنه من بين 27 ألف عامل، كان 2000 فقط لا يزالون يعملون في المصنع. وقال مسؤولون إيرانيون إن إعادة بناء «مباركة» تجري بسرعة أكبر من المتوقع، وفي أوائل يونيو (حزيران) أعادت الشركة تشغيل فرن كان قد تضرر في الضربات.

وفي المقابلات، اختلفت آراء الموظفين السابقين بشأن الجهة التي ينبغي تحميلها مسؤولية الضربات على «مباركة». وقال شكراني، الذي يعيش الآن خارج إيران: «ينبغي إلقاء قدر أكبر من اللوم على (الحرس الثوري)، لأنه دفع اقتصاد البلاد عمداً وبوعي إلى هذا المسار».

وقال عباس كامرانيان - مرناني، وهو مهندس ميكانيكي عمل في «مباركة» أو لدى متعاقدين معها على مدى عقد ويعيش الآن في أوروبا، إن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا، في أذهان الإيرانيين، مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً في طريقة إدارتهما الحرب. وأضاف: «لقد عملتا في الغالب باتجاه تدمير البنية التحتية وتدمير إيران».

وقال كامرانيان - مرناني إن ضربات مثل تلك التي استهدفت مصنع الصلب جعلت الإيرانيين يفقدون الأمل في فكرة علاقات أفضل مع الولايات المتحدة.

وقال مسؤول عسكري أميركي كبير، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة مسائل عملياتية، إنه لا يعلم بأي دور أميركي في ضربات الصلب.

* خدمة «نيويورك تايمز»