هل تشهد جهود الوساطة بشأن «هدنة غزة» «انفراجة»؟

وفد مصري في تل أبيب لاستئناف المفاوضات

فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة (أرشيفية -  رويترز)
فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة (أرشيفية - رويترز)
TT

هل تشهد جهود الوساطة بشأن «هدنة غزة» «انفراجة»؟

فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة (أرشيفية -  رويترز)
فلسطينيون يسيرون في موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة (أرشيفية - رويترز)

في محاولة لدفع مسار المفاوضات الرامية لتحقيق «هدنة» في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة «حماس»، كثفت القاهرة اتصالاتها مع الأطراف المعنية كافة، ما جدد الآمال بشأن إمكانية أن تشهد جهود الوساطة «انفراجة» خلال الأيام المقبلة، لا سيما مع تأكيدات مصرية بـ«حدوث تقدم ملحوظ» بين القاهرة وتل أبيب في هذا الصدد.

وأفادت قناة «القاهرة الإخبارية» المصرية، الجمعة، بأن «وفداً أمنياً مصرياً وصل إلى تل أبيب لبحث إطار اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة». ونقلت القناة عن مصدر وصفته بأنه «رفيع المستوى» لم تسمه، قوله: إن «الوفد يضم مجموعة من المختصين بالملف الفلسطيني لمناقشة إطار شامل لوقف إطلاق النار في قطاع غزة». وأكد المصدر أن «تقدماً ملحوظاً حدث في محاولات تقريب وجهات النظر بين الوفدين المصري والإسرائيلي بشأن الوصول إلى هدنة بغزة».

وكانت قناة «القاهرة الإخبارية» قد أشارت في وقت سابق، الجمعة، إلى أن «الاتصالات المصرية تجري مع الأطراف كافة بهدف الوصول لهدنة، ووقف الحرب وإنهاء المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني». كما نقلت القناة عن مصدر مصري تأكيده على أن «تلك الاتصالات مقتصرة على الوفود الأمنية فقط»، نافياً ما تردد عن «لقاءات مخططة لمسؤولين مصريين مع نظرائهم الإسرائيليين في هذا الشأن». وأشار المصدر إلى أن «القاهرة حذرت مراراً من التداعيات الخطيرة في حال نفذت إسرائيل تهديداتها باقتحام رفح في جنوب قطاع غزة».

وكانت القاهرة قد استضافت آخر جولة من المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وحركة «حماس» في 10 أبريل (نيسان) الحالي. وأكد مصدر مصري مطلع في حينه أن المفاوضات شهدت «تقدماً ملحوظاً»، مع إشارة إلى «استئنافها خلال يومين»، لكن ذلك لم يحدث، فبعد أيام سلمت حركة «حماس» للوسطاء ردها على مقترح أميركي للهدنة عرض خلال المباحثات، وأكدت «التمسك بمطالبها التي تتمثل بوقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب الجيش من كامل قطاع غزة، وعودة النازحين، وتكثيف دخول الإغاثة والمساعدات، والبدء بالإعمار». وهو ما عدته إسرائيل بمثابة رفض للمقترح الأميركي.

دخان تصاعد عقب غارات إسرائيلية على رفح في جنوب قطاع غزة خلال وقت سابق (أ.ف.ب)

والتقى وفد أمني مصري، الجمعة، بمسؤولين إسرائيليين، «لبحث سبل استئناف المحادثات الرامية لإنهاء الحرب في غزة، وإتمام صفقة لتبادل الأسرى»، وفق ما نقلته «رويترز» عن مسؤول مطلع، تحدث شريطة عدم نشر اسمه. وقال المسؤول إن «إسرائيل ليس لديها أي مقترحات جديدة تقدمها؛ لكنها مستعدة للتفكير في هدنة محدودة يجري بموجبها إطلاق سراح 33 من النساء وكبار السن والمرضى بدلاً من 40 محتجزاً كان النقاش يدور حولهم من قبل». وأضاف: «لا محادثات عن المحتجزين حالياً بين إسرائيل وحركة (حماس)، ولا يوجد عرض إسرائيلي جديد في هذا الشأن، وما يحدث هو محاولة من القاهرة لاستئناف المحادثات باقتراح مصري».

وأكدت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، الجمعة، «وصول وفد مصري إلى إسرائيل لبحث صفقة تبادل المحتجزين». وهو ما أكده أيضاً موقع «واي نت» الإسرائيلي، الذي نقل عن مسؤول أمني، قوله إنه «قد يكون هناك تقدم في الاقتراح المصري بشأن صفقة لإطلاق سراح محتجزين مقابل وقف إطلاق نار طويل الأمد في قطاع غزة».

وبدوره، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، إن «مصر تبذل جهوداً من أجل الوصول إلى حل وسط والدفع نحو تحقيق هدنة ولو مؤقتة في قطاع غزة، يجري خلالها إتمام صفقة لتبادل المحتجزين من الجانبين». وأوضح الرقب لـ«الشرق الأوسط»، أن «المباحثات تجري بشأن هدنة لمدة 40 يوماً يجري خلالها إطلاق سراح نحو 20 محتجزاً لدى (حماس) مقابل عدد من المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية»، لافتاً إلى أن «هذا يختلف عن المقترح السابق الذي كان يتضمن الإفراج عن 40 محتجزاً لدى (حماس)، حيث سبق أن قالت الحركة إنه ليس لديها هذا العدد».

وأكد خبير الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، أن «مصر تبذل جهوداً مكثفة في المفاوضات وفي محاولة منع عملية عسكرية في رفح». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجهود المصرية نجحت حتى الآن في تأجيل اجتياح رفح رغم تكرار الحديث الإسرائيلي عن تحديد موعد العملية». وأضاف أن «القاهرة تمارس ضغوطاً سياسية على تل أبيب، نجحت حتى الآن في الحد من الجموح الإسرائيلي».

فلسطينيون نازحون بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة يطبخون في مخيم الخيام المؤقت بمنطقة المواصي (أ.ب)

وكان المقترح الذي جرت مناقشته في جولة المفاوضات الأخيرة في القاهرة ينص على «هدنة من 6 أسابيع يجري خلالها إطلاق سراح 42 محتجزاً إسرائيلياً في مقابل إطلاق سراح 800 إلى 900 فلسطيني تعتقلهم إسرائيل، ودخول 400 إلى 500 شاحنة من المساعدات الغذائية يومياً وعودة النازحين من شمال غزة إلى بلداتهم، لكن وسائل إعلام نقلت عن مصادر في حركة «حماس» قولها إن «الحركة لا يمكنها تحديد 40 محتجزاً لديها تنطبق عليهم شروط المرحلة الأولى من الهدنة».

ويرى عكاشة أن «إسرائيل تحاول إلقاء الكرة في ملعب (حماس) لإظهارها بأنها الطرف الذي لا يريد الاتفاق، وفي حقيقة الأمر أن كلا الطرفين يناور، وليست لديه نية حقيقية في إنهاء الحرب».

بينما قال الرقب إن «الكرة الآن في ملعب إسرائيل، التي يبدو أنها أكثر انفتاحاً على إتمام الاتفاق لأنها تحتاج الهدنة لترتيب صفوفها إذا ما كانت تريد اجتياح رفح»، لافتاً إلى أن «مصر تبذل جهوداً مكثفة لمنع تنفيذ عملية عسكرية واسعة في رفح».

وتكثف القاهرة جهودها للوساطة في المفاوضات تزامناً مع قلق مصري ودولي من مخاطر تنفيذ عملية عسكرية في رفح جنوب القطاع. ووفق ما نقلته «رويترز» عن مصدر مسؤول، الجمعة، فإن «المصريين يتولون زمام المبادرة حقاً في هذا الشأن... القاهرة تريد أن ترى تقدماً لأسباب من ضمنها قلقها بشأن عملية رفح المحتملة». وأضاف المصدر أن «قطر لا تزال تشارك في الوساطة لكن بقدر أقل». وكانت قطر قد أعلنت في وقت سابق عزمها إعادة تقييم دورها في الوساطة، إثر اتهامات إسرائيلية وأميركية لها بـ«عدم ممارسة ضغط كافٍ على (حماس)».

ومنذ نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، يسعى الوسطاء في مصر وقطر والولايات المتحدة في الوصول إلى اتفاق بين حركة «حماس» وإسرائيل، استناداً إلى «إطار اتفاق من 3 مراحل» جرى التوافق عليه في اجتماع عقد في باريس، بحضور رؤساء استخبارات مصر والولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى رئيس الوزراء القطري، ووصفت نتائجه في حينه بـ«البناءة»، لكنها لم تسفر عن اتفاق حتى الآن.

مساعدة فتاة فلسطينية جريحة بعد غارة إسرائيلية على الزوايدة وسط قطاع غزة في وقت سابق (أ.ب)

وقال الرقب إن «مصر تمارس جهوداً مكثفة لتقريب وجهات النظر يمكن أن يطلق عليها جهود اللحظات الأخيرة»، موضحاً أن «هناك مخططاً إسرائيلياً لتنفيذ عملية عسكرية في رفح بعد عطلة عيد الفصح أي بعد الـ30 من أبريل الحالي». وأشار إلى «وجود مقترحين إما بتنفيذ عملية عسكرية متدرجة وجزئية في رفح، وإما بإخلائها المدينة لتنفيذ اجتياح كامل». وأضاف أن «الوقت ضيق جداً بحسابات المفاوضات، لكن القاهرة تسعى من أجل الوصول إلى اتفاق قد يبرد الحرب، ويؤجل اجتياح رفح أو يلغيه».

وذكرت قناة «القاهرة الإخبارية»، الجمعة، أن «هناك مقترحاً مصرياً قد يجمد العملية العسكرية في رفح». بينما نقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن مسؤول إسرائيلي قوله، الجمعة، إن المفاوضات التي يجريها وفد مصري مع مسؤولين أمنيين في إسرائيل «قد تكون فرصة أخيرة قبل دخول رفح».

ومن جانبه، لفت عكاشة إلى أن «الجهود المصرية تسير في اتجاهين؛ تحقيق الهدنة، وإلغاء اجتياح رفح»، مشيراً إلى أن «هناك حديثاً يتردد في إسرائيل بشأن تأثير حلحلة الأمور في مفاوضات الهدنة على عملية رفح».

ولا يعلق عكاشة آمالاً كبيرة على إمكانية حدوث انفراجة في جهود الوساطة قد تصل إلى هدنة. وقال إن «هناك نسبة لا تتجاوز 10 في المائة لاحتمال قبول (حماس) وإسرائيل بهدنة مؤقتة في غزة في ظل تمسك كل طرف بشروطه ومطالبه».

وتأتي زيارة الوفد المصري إلى إسرائيل بعد يوم من نداء وجهته الولايات المتحدة و17 دولة أخرى، الخميس، لحركة «حماس» لإطلاق سراح جميع المحتجزين لديها بوصفه سبيلاً لإنهاء الأزمة. وكانت «رويترز» قد نقلت، الخميس، عن مصدرين أمنيين مصريين قولهما، إن «القاهرة طلبت عقد اجتماع متابعة مع إسرائيل لاستئناف مفاوضات الهدنة». وأشار المصدران إلى أن «مسؤولين مصريين وإسرائيليين وأميركيين عقدوا اجتماعات مباشرة وعن بُعد، الأربعاء، سعياً للحصول على تنازلات لكسر جمود المفاوضات».


مقالات ذات صلة

أنجلينا جولي تزور الجانب المصري من معبر رفح

يوميات الشرق الممثلة أنجلينا جولي زارت منطقة قريبة من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة (رويترز)

أنجلينا جولي تزور الجانب المصري من معبر رفح

زارت نجمة هوليوود أنجلينا جولي الجانب المصري من معبر رفح الحدودي مع غزة اليوم (الجمعة).

«الشرق الأوسط» (رفح)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في احتفال ليلة رأس السنة في ناديه مارالاغو يوم الأربعاء 31 ديسمبر 2025 في بالم بيتش بولاية فلوريد الأميركية (أ.ب) play-circle

2026... عام يرسم مصير ولاية ترمب الثانية ويحدد إرثه السياسي

يتجاوز العام الجديد كونه استحقاقاً انتخابياً، ليصبح اختباراً حاسماً لولاية الرئيس ترمب الثانية، ولمدى سلطة الرئاسة الأميركية، وموازين القوى السياسية.

شادي عبد الساتر (بيروت)
خاص مقاتلون من «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)

خاص «حماس» لـ«الشرق الأوسط»: أسلحتنا في غزة خفيفة لا تهدد إسرائيل

قالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن ما تمتلكه الحركة في قطاع غزة هي أسلحة خفيفة، ليس لها أي تأثير حقيقي أو يمكن أن تشكل خطراً حقيقياً على الاحتلال الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة ينتظرون تلقي وجبات الطعام يوم الثلاثاء (د.ب.أ)

8 دول عربية وإسلامية تعبّر عن بالغ قلقها من تدهور الوضع الإنساني في غزة

عبّر وزراء خارجية ثماني دول عربية وإسلامية منها مصر والسعودية وقطر في بيان مشترك اليوم (الجمعة) عن قلقهم البالغ من تدهور الوضع الإنساني في قطاع غزة.

الولايات المتحدة​ زهران ممداني (رويترز)

زهران ممداني يلغي أوامر تنفيذية وقّعها رئيس بلدية نيويورك السابق لدعم إسرائيل

وقّع زهران ممداني، في أول يوم له رئيساً لبلدية نيويورك الأميركية يوم الخميس، أمراً تنفيذياً يلغي جميع الأوامر التي أصدرها رئيس البلدية السابق إريك آدامز

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

احتدام الجدل حول فحوى اتفاقية «دفاعية» بين تونس والجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)
TT

احتدام الجدل حول فحوى اتفاقية «دفاعية» بين تونس والجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)

لا يزال توقيع اتفاقية للتعاون الدفاعي بين تونس والجزائر يثير جدالاً كبيراً غير مسبوق في تونس؛ حيث تصاعدت الدعوات إلى نشر مضمونها، خصوصاً إثر ظهور تسريبات لبعض بنودها، وهي بنود أثارت مخاوف الشارع التونسي، رغم أن وزير الدفاع الوطني التونسي، خالد السهيلي، أكّد في تصريحات صحافية أن هذه الاتفاقية ليست جديدة، بل جرى توقيعها منذ عام 2001، وأن مراجعتها جاءت لتتوافق مع المستجدات وتوسيع مجالات التعاون، خصوصاً في مكافحة الإرهاب، والجريمة العابرة للحدود، وتأمين الحدود المشتركة.

لكن هذا التبرير لم يكن مقنعاً لكثير من التونسيين، خصوصاً بعد أن انتشرت في الأيام الماضية تسريبات ووثائق مثيرة للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي لهذه الاتفاقية، تؤكد أنها «غير متوازنة»، وأنها «قد تمس السيادة الوطنية للبلاد».

لكن الرئيس قيس سعيد نفى على هامش لقائه رئيسة الوزراء سارة الزعفراني الزنزري، صحة الوثائق المتداولة، وقال إن «الوثائق مفتعلة، ولا وجود لها إلا في الخيال المريض»، مشيراً إلى أن مَن قاموا بفبركتها «ما زالوا يتخبطون في غيّهم». كما أعاد تأكيد أن «الدولة لا تُدار بالتدوينات، وهؤلاء مكشوفون ومفضوحون».

بدوره، أظهر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون استياءً من الجدل حول الاتفاق الأمني-العسكري مع تونس، الذي عدَّته المعارضة التونسية «مسعى جزائرياً للهيمنة على القرار السياسي والسيادة الوطنية التونسيين»؛ حيث أكّد تبون، في خطابه السنوي التقليدي أمام البرلمان المنعقد بغرفتيه في جلسة مشتركة، أن «الذين يعتقدون أنهم عندما يقطعون صلة تونس بالجزائر ستصبح فريسة سهلة، واهمون... إنهم لا يعرفون التونسيين جيداً». مندداً بـ«محاولة زعزعة استقرار تونس، والإضرار بالأخوّة والصداقة الجزائرية-التونسية... إنهم يحاولون تقسيمنا وبثّ الفتنة بيننا»، مؤكداً أن أمن الجزائر وتونس «مرتبط بعضه ببعض».

كما شدد تبون على أن الجيش الجزائري «لم يسبق أن دخل إلى التراب التونسي، ولن يدخله مطلقاً... لم نتدخل يوماً في شؤون تونس الداخلية، والجزائر تحترم القيادة التونسية».

غير أن تصريحات الرئيسين لم تنهيا الجدل الدائر حتى الآن؛ حيث لا تزال القيادات السياسية وبعض الشخصيات المعارضة تُطالب بنشر مضمون هذه الاتفاقية علناً لمعرفة ما تتضمنه.

في حين رأى آخرون أن عدم نشر النص الكامل للاتفاقية للرأي العام، وعدم عرضه لنقاش مؤسساتي واسع، قد يفتح الباب على مصراعيه أمام مخاوف مشروعة تتعلق بحدود السيادة الوطنية لتونس.

وبخصوص هذا الجدل علَّق النائب بالبرلمان التونسي، بدر الدين قمودي، في معرض حديثه عن الاتفاقية بين تونس والجزائر، وكتب في تدوينة على صفحته بـ«فيسبوك»: «نعم، هناك اتفاقية بين تونس والجزائر، كُتبت بدماء الأحرار الشرفاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 1954».

وتابع النائب عن «كتلة الخط الوطني السيادي»: «عاشت تونس وعاشت الجزائر، وكل أمتنا العربية... وحتى نفهم طبيعة الحملة التي تستهدف العلاقات التونسية-الجزائرية، نحن شعب واحد بدولتين... أمّا عن دعاة الوثيقة المزيفة فالمنطق يقول البيّنة على من ادعى».


الجزائر: الأوساط السياسية تترقب «الحوار الوطني» بإشراف الرئيس

جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
TT

الجزائر: الأوساط السياسية تترقب «الحوار الوطني» بإشراف الرئيس

جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)

تترقّب الأوساط السياسية والحزبية في الجزائر انطلاق الحوار الوطني مطلع هذا العام الجديد، بالتزامن مع اعتماد قانون الأحزاب الجديد، وفق ما أعلنه الرئيس عبد المجيد تبون، وتناقلته وكالات إعلام وصحف محلية.

ويُعد الحوار، منذ أكثر من سنة، أحد التزامات تبون بعد إعادة انتخابه سنة 2024، في وقت تترقب فيه الأحزاب ملامح المرحلة المقبلة.

وفي خطابه الأخير أمام البرلمان، جدد تبون، التزامه الصريح بإجراء الحوار، وقال بهذا الخصوص: «التزمت من هذا المنبر بحوار سياسي مع الأحزاب، وما زلت ملتزماً به، مثلما صرحت وشرحت لبعض رؤساء الأحزاب الذين استقبلتهم».

وأوضح الرئيس الجزائري أن الانطلاق الفعلي في هذا الحوار سيكون «ريثما يصادق البرلمان على قانون الأحزاب»، عادّاً أن هذا الشرط يُشكل الإطار القانوني الضروري لفتح النقاش السياسي مع التشكيلات الحزبية.

وشدد الرئيس الجزائري على أن الحوار الوطني «سيكون بنّاءً»، مؤكداً التزامه بـ«تطبيق كل ما يجري الاتفاق عليه مع الأحزاب».

وربط الرئيس تبون الحوار السياسي بمسار الإصلاحات، التي أكد استمرارها، رغم ما وصفه بـ«محاولات التشويش من الداخل والخارج».

وأشار الرئيس إلى أن الإصلاحات الجارية تشمل مختلف القطاعات المعنية بتجسيد برامج التنمية الاجتماعية، والتكفل بالحاجيات الأساسية للمواطن، مبرزاً أن الهدف منها هو «ضمان النجاعة والشفافية وتكريس قواعد الحوكمة بالشعب ومن أجل الشعب، مع محاربة الفساد».

وفي هذا الإطار، جدد تبون تأكيد أن «العدالة ستكون بالمرصاد لكل مظاهر الفساد وأنواع الإخلال بالواجب المهني، وتأدية المسؤوليات، مع توفير الحماية لإطارات الدولة ومستخدميها النزهاء». كما ذكّر بمراجعة القانون الأساسي للقضاء، عادّاً أن ذلك يأتي «تجسيداً لالتزاماتنا تجاه رجال ونساء القطاع».

وكان تبون قد عرض رؤيته للحوار الوطني في حوار تلفزيوني في وقت سابق، مبرزاً أنه سيتناول قضايا تتعلق ببناء الديمقراطية، ومراجعة القوانين التي تؤطر عمل مؤسسات الدولة العصرية، على أن تتم هذه المراجعات بإشراك الأحزاب من أجل تعميق الطابع التشاركي للعمل السياسي.

وعلى أثر ذلك، طرحت قوى ونخب سياسية فاعلة في الجزائر مقترحاً لإنشاء هيئة للحوار الوطني، تتولى إدارة مسارات الحوار حول القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها البلاد، تضم ممثلين عن الدولة والقوى السياسية والاجتماعية، لتكون إطاراً جامعاً لمناقشة التحديات الوطنية وتنسيق الجهود لمواجهتها»، وكذا «الدعوة إلى بناء شراكة وطنية حقيقية بين الدولة والمجتمع، قواها السياسية والاجتماعية والمدنية تقوم على الحوار والتوافق والعمل المشترك، للتصدي لأي تهديد يستهدف كيان الدولة الوطنية، وتعزيز الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وترسيخ قيم المشاركة والتضامن، بما يضمن وحدة الجبهة الداخلية والأمن القومي للأوطان، ويحمي الاستقرار الوطني».


هل حوّل الانقسام السياسي سفارات ليبيا إلى أداة لكسب الولاءات؟

الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)
الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)
TT

هل حوّل الانقسام السياسي سفارات ليبيا إلى أداة لكسب الولاءات؟

الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)
الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)

أعاد تقرير رقابي حديث صدر، الأسبوع الماضي، عن ديوان المحاسبة الليبي تسليط الضوء على أوضاع السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج، بعدما كشف عن ارتفاع ملحوظ في مخصصات بند الرواتب بنسبة 37 في المائة خلال عام 2024، مقارنة بالعام السابق له.

وأثار هذا الارتفاع موجة انتقادات جديدة وُجهت إلى حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة ووزارة خارجيتها، بشأن معايير الإنفاق وآليات التعيين داخل السلك الدبلوماسي، ودور الترضيات السياسية والميليشيات بهذه التعيينات في بلد يعيش حالة انقسام حكومي، وسياسي وأمني مستمر بين شرقه وغربه منذ 7 سنوات.

وتعكس القفزة التي سجلتها مرتبات العاملين بالسفارات والبعثات الدبلوماسية بأكثر من 953 مليون دينار، بحسب رؤية وكيل وزارة الخارجية السابق، حسن الصغير، «استنزافاً ممنهجاً» لميزانيات السفارات، وعزاها إلى «التوسع غير المبرر في أعداد الموظفين، واستحداث بعثات دبلوماسية لا تستجيب لحاجات فعلية، إلى جانب تضخم المطالبات المالية»، بحسب تصريحه لـ«الشرق الأوسط».

ويستند المسؤول الليبي السابق في تقييمه إلى بيانات ديوان المحاسبة، أكبر جهاز رقابي في ليبيا، التي أشارت إلى ارتفاع إجمالي نفقات الرواتب إلى مليار و999 مليوناً و622 ألف دينار، مقابل مليار و45 مليوناً و846 ألف دينار في عام 2023. (الدولار يساوي 5.41 دينار في السوق الرسمية و8.71 دينار بالسوق الموازية).

ومن منظور أكاديمي، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بنغازي، الدكتور محمد حسن مخلوف، أن هذه الزيادة «غير طبيعية ومُبالغ فيها» في بلد يعاني عجزاً مالياً يقدر بـ300 مليون دولار، مبرزاً ما عدّه «ضعفاً واضحاً لمبدأ الجدارة والكفاءة في التعيينات، مع استخدام محاصصة المناصب لكسب ولاءات سياسية واجتماعية من جانب السلطات في غرب البلاد في ظل الانقسام السياسي».

ويصف مخلوف التوسع في البعثات بأنه «غير قانوني، ولم يحقق أي نجاح ملموس في السياسة الخارجية»، عاداً أن هذه الممارسات تعكس اختلال أولويات الدولة، وتفريطاً في الموارد العامة دون أي أثر إيجابي في الأداء الدبلوماسي.

وحيال هذا الواقع، هناك من قرر اللجوء إلى ساحات القضاء؛ إذ أعلن عبدالسلام أبو غالية، عضو مجلس السياسات في «الحزب الديمقراطي»، عزمه الطعن أمام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس بعدم دستورية القانون المنظم للعمل الدبلوماسي، الصادر في عهد النظام السابق، بحجة أنه لم يعد ملائماً للمرحلة الراهنة، وأسهم في إضعاف الأداء المؤسسي عبر الاستعانة بشخصيات غير محترفة في العمل الدبلوماسي.

في المقابل، دافع مصدر دبلوماسي ليبي رفيع المستوى عن وزارة الخارجية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «ميزانيتها تُعد الأدنى بين الوزارات السيادية؛ إذ لا تتجاوز سقف ملياري دينار»، وبالقياس فإن نفقات المرتبات خلال العام الماضي في وزارة الدفاع بغرب البلاد بلغت نحو 4.2 مليار دينار، أما في وزارة الداخلية فقد بلغت نحو 4.9 مليار دينار خلال العام نفسه، بحسب مصرف ليبيا المركزي.

ورأى المصدر الدبلوماسي أن «تحميل وزارة الخارجية وحدها مسؤولية الإخفاقات القائمة يفتقر إلى الإنصاف»، عاداً أن الخلل الحقيقي يكمن في تدخل أطراف متعددة في العمل الدبلوماسي، وإخراجه عن مساره المهني، ما وضع العاملين في الوزارة «بين مطرقة ضعف القدرة على أداء مهامهم، وسندان اللوم من الرأي العام».

وأشار المصدر نفسه إلى أن الانقسام السياسي ومحاولات السلطات المتعاقبة تقديم ترضيات سياسية لأطراف نافذة، ومجموعات مسلحة وشبكات مصالح، حوّلت السفارات إلى «أداة للمحاصصة»، لافتاً إلى أن نحو 10 في المائة فقط من العاملين في بعض البعثات هم موظفون أصليون تابعون للوزارة، بينما جرى تعيين البقية من خارجها، أو حتى من خارج القطاع العام.

كما أوضح المصدر الدبلوماسي نفسه أن وزارة الخارجية تتحمل أعباءً مالية إضافية، تتعلق بالملاحق الصحية والعسكرية والتعليمية، رغم أن هذه الكوادر تتبع في الأصل وزارات الدفاع والصحة والتعليم، منتقداً تعيين ملاحق في دول لا تربطها بليبيا علاقة أو عسكرية أو عمالية.

وكشف التقرير الرقابي الصادر، الأربعاء، لعام 2024، عن استحداث وظائف جديدة ضمن الملاك الوظيفي للملحقين الفنيين والعسكريين والعماليين والاقتصاديين والصحافيين، إلى جانب تشديد إجراءات تأمين السفارات، والتوسع في برامج الإيفاد إلى الخارج، مع تسجيل ملاحظة لافتة بشأن ارتفاع أعداد العمالة المحلية الأجنبية في بعض البعثات، مقارنة بعدد الدبلوماسيين العاملين فيها.

ولا يعد الجدل حول ميزانية السفارات ومرتبات الدبلوماسيين جديداً؛ إذ شهد غرب ليبيا، صيف العام الماضي، موجة انتقادات مماثلة؛ ما دفع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، إلى إصدار إجراءات تقشفية شملت إغلاق 25 سفارة، وتقليص الكادر الدبلوماسي بنسبة 20 في المائة. وقد قوبلت هذه الخطوات بترحيب سياسي من جهة، وعُدت محاولة لامتصاص غضب الشارع من جهة أخرى.

غير أن المصدر الدبلوماسي يرى عكس ذلك، قائلاً إن «ليبيا بحاجة إلى توسيع تمثيلها الخارجي، خصوصاً في الدول ذات الجاليات الكبيرة»، بينما يؤكد الباحث علي سليم أن الحديث عن أي إصلاح يبدو «شكلياً»، إذا لم يشمل «إغلاق السفارات غير الفاعلة، وتقليص الكادر المتضخم، وربط المرتبات بالأداء والنتائج».