مسيّرات «الدعم السريع» تهدد عمق الجيش السوداني في ولاية القضارف

قصفت مقرات الجيش والمخابرات... والأمم المتحدة: الآلاف ما زالوا يفرون يومياً بعد عام على الحرب

قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
TT

مسيّرات «الدعم السريع» تهدد عمق الجيش السوداني في ولاية القضارف

قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في السودان التي تقترب من دخولها العام الثاني، دخلت ولاية القضارف (شرق)، في غمار الحرب، بعد أن شهدت الثلاثاء، قصفاً جوياً بمسيرات تابعة لقوات «الدعم السريع»، استهدف مقرات تابعة للجيش وجهاز الأمن والمخابرات السودانية، ما أدى إلى وقوع إصابات بين المواطنين.

وأشاعت الغارات حالة من الهلع والذعر الشديدين وسط المواطنين، مع استمرار المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على تخوم ولاية الجزيرة بوسط البلاد.

وتبعد القضارف نحو 650 كيلومتراً من بورتسودان (العاصمة المؤقتة للسودان)، وهو ما يهدد بدخول مناطق الشرق في أتون الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023 بين قوات الجيش و«الدعم السريع».

وسارعت السلطات الحكومية الولائية إلى رفع درجة الاستعداد القصوى بفرض إجراءات أمنية مشددة، بإغلاق السوق الرئيسية، ومنع الدخول أوالخروج من المدينة نهائياً، بينما انتشر رجال الأمن بكثافة في الشوارع والأحياء السكنية، وفق مصادر محلية.

وقال حاكم ولاية القضارف المكلف، محمد عبد الرحمن محجوب، إن «العدو استخدم طائرات مسيرة لضرب الأمن والاستقرار في عاصمة الولاية القضارف»، مضيفاً: «خابت مساعيهم»، حيث تم إسقاط واحدة، وانفجرت الثانية بالقرب من أحد المساجد، وأن الأوضاع الآن مستقرة في الولاية.

وأشار إلى أن «العدو يكثف من الحملات الإعلامية لضرب تماسك قواتنا ومواطنينا على مستوى الولايات»، مؤكداً في حديث موجه للقيادة العليا بالدولة والمواطنين، أن الوضع في ولاية القضارف آمن، وأن هنالك ترتيبات لمراجعة المداخل والارتكازات التي تقيمها الأجهزة الأمنية.

وطالب الحاكم من المقاومة الشعبية في كل محافظات الولاية، بتكوين خلايا أمنية في المناطق والأحياء السكنية. وقال إن هناك إجراءات مشددة أمنية اتخذت بمنع الخروج والدخول إلى مدينة القضارف عبر المداخل والمعابر البرية، عدا بعض الاستثناءات.

سودانيون ينتظرون ملء صهاريج ماء في بورتسودان اليوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وهددت «الدعم السريع» أكثر من مرة بأن ولاية القضارف ستكون هدفاً لقواتها بجانب سعيها للاستيلاء على ولاية سنار الوسطية.

من جهته، قال مسؤول أمني لوكالة الصحافة الفرنسية التي لم تذكر اسمه، إن «مسيّرة قصفت مقر جهاز الأمن والمخابرات وسط مدينة القضارف، لكنها لم تحدث أضراراً». كما «قصفت مسيرة أخرى المنطقة (الواقعة) أمام مقر الجهاز القضائي المجاور لمبنى جهاز الأمن». وفي الوقت نفسه، أفاد شهود عيان في الولاية عن قيام مسيرة ثالثة بقصف مقر الجيش في القضارف، من دون الإشارة إلى وقوع خسائر، فضلاً عن «أصوات كثيفة للمضادات الأرضية».

وأكد مصدر في المخابرات السودانية لوكالة «أنباء العالم العربي»، أن طائرات مسيرة مجهولة استهدفت مباني جهاز المخابرات العامة في ولاية القضارف. وأبلغ شهود عيان الوكالة أن دفاعات الجيش تصدت لمسيرة كانت تحلق في سماء مدينة القضارف. وأوضح الشهود أن المسيرة قصفت مسجداً في مباني جهاز المخابرات أصيب على أثرها مواطن واحد.

ويشير مصدر في المخابرات إلى أن الأجهزة الأمنية بالقضارف تفرض حصاراً على المناطق المحيطة بموقع سقوط المسيرات الثلاث. كما جرى التحفظ على عربة قتالية يشتبه في تعاونها مع منفذي الهجوم. وأشار المصدر إلى أن فريقاً أمنياً وهندسياً مختصاً بدأ فحص حطام المسيرات وتوسيع دائرة البحث. وأضاف أن الهجوم أسفر عن إصابة 7 مواطنين بإصابات خفيفة.

وكان مقر الفرقة الثانية للجيش السوداني، تعرض لهجوم بمنطقة «الفاو» بولاية القضارف للقصف الاثنين. وتبعد المنطقة نحو 25 كيلومتراً عن المنطقة التي تشهد اشتباكات عنيفة بين قوات الجيش والدعم السريع على الحدود بين ولايتي القضارف والجزيرة.

مواطن ينتظر ملء صهريج ماء في بورتسودان اليوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وفي سياق متصل، أكد مسؤول عسكري لوكالة «الصحافة الفرنسية»، أن قوات الجيش «أحرزت تقدماً في اتجاه غرب مدينة ود مدني (عاصمة ولاية الجزيرة) وصارت على بعد نحو 10 كيلومترات منها». كما تدور مواجهات عنيفة بين الجانبين، بحسب ما قال المسؤول، في الاتجاهين الشرقي والجنوبي لود مدني، التي أعلنت قوات «الدعم السريع» سيطرتها عليها نهاية العام الماضي.

والأحد، دانت لجنة أطباء السودان المؤيدة للديمقراطية في بيان «المجزرة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في قرية أم عضام» بولاية الجزيرة.

وأشارت إلى أن «هذا العمل البربري أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 28 من أبناء القرية الأبرياء، وإصابة أكثر من 240 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة».

من جهتها، قالت الأمم المتحدة الثلاثاء، إن آلاف الأشخاص اليائسين لا يزالون يفرون يومياً من السودان بعد مرور عام على اندلاع النزاع، «كما لو أن حالة الطوارئ بدأت بالأمس».

وقالت أولغا سارادو مور، المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: «بعد مرور عام، ما زالت الحرب مشتعلة في السودان الذي يعاني وجيرانه واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية وأزمات النزوح وأصعبها في العالم».

وأضافت في مؤتمر صحافي بجنيف: «لقد حطم الصراع المستمر حياة الناس، وملأهم بمشاعر الخوف والخسارة. والهجمات على المدنيين، والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي المرتبط بالنزاع، مستمرة بلا هوادة».

وقالت أيضاً: «لقد شهد السودان تدميراً شبه كامل للطبقة الوسطى الحضرية: فقدْ فقدَ المهندسون المعماريون والأطباء والمعلمون والممرضون والمهندسون والطلاب كل شيء».

وقالت سارادو مور: «الآلاف يعبرون الحدود يومياً كما لو أن حالة الطوارئ بدأت بالأمس». وأضافت أن الفارين من البلاد، وأغلبهم من النساء والأطفال، يصلون إلى مناطق نائية عبر الحدود «مع القليل أو بلا أي شيء، وبحاجة ماسة إلى الغذاء والماء والمأوى والرعاية الطبية».

وأضافت: «مع استمرار النزاع، وتفاقم النقص في المساعدات والفرص، سيضطر مزيد من الأشخاص إلى الفرار من السودان إلى البلدان المجاورة أو الانتقال إلى أماكن أبعد، معرضين حياتهم للخطر من خلال الشروع في رحلات طويلة وخطيرة بحثاً عن الأمان».

ولم يتم حتى الآن تمويل خطة الاستجابة الإنسانية، داخل السودان سوى بنسبة 6 بالمائة، في حين تم تمويل خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين لعام 2024 بنسبة 7 بالمائة.

وأدى القتال منذ 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، الرجل الثاني السابق في السلطة العسكرية، إلى مقتل آلاف الأشخاص. كما أسفر عن نزوح نحو 8 ملايين آخرين، لجأ أكثر من 1.5 مليون منهم إلى الدول المجاورة، بحسب الأمم المتحدة.

ووفقاً للأمم المتحدة، أصبح 70 في المائة من المرافق الصحية في السودان خارج الخدمة. وتسبب النزاع بكارثة إنسانية، إذ يحتاج نحو 25 مليون شخص، أي ما يعادل أكثر من نصف السكان، إلى المساعدات، بينهم نحو 18 مليوناً يواجهون انعداماً حاداً للأمن الغذائي، وفق بيانات الأمم المتحدة. ويُتهم طرفا النزاع بارتكاب جرائم حرب، بما فيها استهداف مدنيين وقصف عشوائي لمناطق سكنية ونهب المساعدات وعرقلة وصولها.


مقالات ذات صلة

السودان... الهدنة تسابق مسيرات الحرب

تحليل إخباري جانب من الاجتماع التشاوري بشأن السودان في جنيف 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

السودان... الهدنة تسابق مسيرات الحرب

بين قاعات الاجتماعات الدولية وسماء المدن السودانية، يتسارع سباق غير متكافئ... وساطات تحاول انتزاع هدنة... ومسيّرات توسّع رقعة القصف.

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا قوات حفظ السلام الأممية (يونيسفا) في أثناء محاولات إطفاء النيران في سوق النعام بمنطقة أبيي (الأمم المتحدة - «فيسبوك»)

الخرطوم تنفي مسؤولية الجيش عن «مجزرة أبيي»

نفت الحكومة السودانية أي صلة للجيش بهجوم الطائرة المسّيرة الذي استهدف سوق النعام بمنطقة أبيي الحدودية مع دولة جنوب السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لمأساة إنسانية تتسع يوماً بعد يوم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا البرهان متحدثاً لأهالي مدينة حلفا (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:33

البرهان يفتح باب العودة ويستبعد حمدوك وتحالف «قحت»

رحّب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بعودة السودانيين الراغبين في السلام، والحوار، لكنه استبعد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقوى «قحت».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

انفراجة في أزمة «تقنين» أرض دير «سانت كاترين» بمصر

محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)
محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)
TT

انفراجة في أزمة «تقنين» أرض دير «سانت كاترين» بمصر

محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)
محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)

في انفراجة لأزمة الوضعية القانونية لدير «سانت كاترين»، الأثري بجنوب سيناء، قالت وزارة الخارجية المصرية، السبت، إنها تلقت خطاباً من مطران الدير سيميون، بالموافقة على توقيع العقد الخاص بالدير والأراضي المحيطة به، التزاماً بالحكم القضائي الصادر في عام 2025، الذي يقنن أرض الدير وفقاً للتشريعات المصرية.

وأكد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية «تقنين وضعية أرض الدير بما يحافظ على وضعيته الدينية والتاريخية في مصر»، إلى جانب «الحفاظ على مسار العلاقات المصرية - اليونانية»، وأشاروا إلى أن «الدير يمثل رمزاً دينياً بالنسبة لليونانيين وكثير من الدول الأوروبية، ومن المهم استثماره لتعزيز السياحة الثقافية والدينية».

وأثار حكم قضائي صادر من «محكمة استئناف الإسماعيلية» (شرق)، في شهر مايو (أيار) 2025، جدلاً حول وضعية دير «سانت كاترين»، بعد أن قضى بأحقية «تابعي دير سانت كاترين» في الانتفاع بالدير والمواقع الدينية الأثرية بالمنطقة، مع ملكية الدولة لهذه المواقع بوصفها من الأملاك العامة.

وتضمن حكم المحكمة «وجوب احترام العقود المحررة بين الوحدة المحلية لمدينة سانت كاترين والدير بشأن بعض قطع الأراضي المستغلة بمعرفة تابعي الدير»، وأكدت المحكمة أن باقي قطع الأراضي المتنازع عليها، محميات طبيعية، وجميعها من أملاك الدولة العامة، ولا يجوز التصرف فيها أو تملكها بالتقادم.

وآنذاك، ذهبت بعض التفسيرات إلى أن السلطات المصرية تعتزم إخلاء الدير وانتزاع الأراضي التابعة له بدعوى «إقامة مشروعات تطوير أو بيعها لمستثمرين»، وانتقد رئيس أساقفة أثينا واليونان للكنيسة الأرثوذكسية، إيرونيموس الثاني، الحكم، ما دفع الحكومة المصرية لتقديم تطمينات للجانب اليوناني، بـ«عدم المساس بالدير والأماكن الأثرية التابعة له»، إلى جانب «الحفاظ على قيمته الروحية ومكانته الدينية».

وفود سياحية في دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)

ويقع «دير سانت كاترين» على سفح جبل سيناء، ويعد من أقدم الأديرة العاملة في العالم، ويعرف باسم «دير القديسة كاترين»، وبُني بأمر من الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول لإيواء الرهبان الذين كانوا يعيشون في شبه جزيرة سيناء منذ القرن الرابع الميلادي، وتم تسجيله على قائمة التراث العالمي عام 2002، حسب وزارة السياحة المصرية.

وتلقى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خطاباً، السبت، من مطران «دير سانت كاترين» سيميون، تضمن الموافقة على توقيع العقد الخاص بالدير والأراضي المحيطة به، وفقاً للحكم القضائي الصادر في 2025، وحسب إفادة للخارجية المصرية، أكد الخطاب «الالتزام الكامل بالتشريعات الوطنية، بما ينهي كافة المسارات القضائية».

ولم يحدد بيان الخارجية المصرية التفاصيل الكاملة لبنود العقد، وأشار إلى أنه «سيتم تحديد موعد لتوقيع العقد الجديد».

ورحب وزير الخارجية المصري بخطاب مطران دير «سانت كاترين»، وأكد «اعتزاز بلاده بالدير، باعتباره أحد أعرق المعالم الدينية والتراثية في العالم، الذي احتضنته مصر لأكثر من 1600 عام، امتداداً لنهجها في حماية مقدساتها وتراثها الإنساني»، حسب بيان الخارجية المصرية.

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري، السفير حسين هريدي، أهمية «الاتفاق الجديد»، بشأن أراضي دير «سانت كاترين»، وقال إنه «من المهم أن يأتي الاتفاق الجديد بموافقة من الحكومة اليونانية، حتى لا يؤثر على مسار العلاقات الثنائية بين القاهرة وأثينا».

وشدد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على ضرورة «حماية الوضعية التاريخية والدينية لدير (سانت كاترين)، بوصفه إحدى أبرز المناطق الدينية التي تحظى بمكانة دينية لدى المصريين واليونانيين»، وقال إن «الدير يعد رمزاً للكنيسة اليونانية»، مشيراً إلى أن «مصر تولت عبر عصور طويلة حماية الدير والدفاع عنه».

من زوار دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)

وجدد وزير الخارجية المصري تأكيد «التزام بلاده الثابت والممتد بصون دير سانت كاترين، وعدم المساس بالمكانة الروحية والدينية له»، مشيراً إلى أن «الدير يحظى بقيمة تاريخية فريدة تجسد قيم التسامح والتآخي والتعايش بين الأديان والحضارات».

وتنطلق أهمية تقنين وضعية أرض دير سانت كاترين، وفقاً للتشريعات المصرية، من أهميته الدينية والسياحية والسياسية، وفق كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار المصري، مجدي شاكر، الذي قال إن «هناك اهتماماً بوضعية الدير، باعتباره يقع على أرض سيناء»، مشيراً إلى أن «مكانته التاريخية جعلته أحد روافد السياحة الثقافية والدينية، خصوصاً من أوروبا».

ويرى شاكر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك اهتماماً من الحكومة المصرية بتطوير الدير والخدمات المحيطة به، ضمن مشروع (التجلي الأعظم)، الذي يستهدف تطوير وتعمير المنطقة، لتشكل مقصداً مهماً للسياحة الثقافية في البلاد»، مشيراً إلى أن «هناك أهمية بيئية لمنطقة الدير، نظراً لوجود بعض المحميات الطبيعية هناك».

وقاربت الحكومة المصرية على الانتهاء من تنفيذ مشروع «التجلي الأعظم»، لتطوير منطقة سانت كاترين، والذي أعلنت عنه في عام 2022، بهدف «إنشاء مزار روحاني على الجبال المحيطة بالوادي المقدس، لتكون مقصداً للسياحة الروحانية والجبلية والاستشفائية والبيئية على مستوى العالم، بجانب توفير جميع الخدمات السياحية والترفيهية للزوار، وتنمية المدينة ومحيطها»، وفق وزارة الإسكان المصرية.


هل يخفف طرح تركيا اتفاقاً بحرياً مع مصر التوتر بشرق المتوسط؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع الرئيس التركي بحضور وزراء الآلية الرباعية الجمعة في إسطنبول (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع الرئيس التركي بحضور وزراء الآلية الرباعية الجمعة في إسطنبول (وزارة الخارجية المصرية)
TT

هل يخفف طرح تركيا اتفاقاً بحرياً مع مصر التوتر بشرق المتوسط؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع الرئيس التركي بحضور وزراء الآلية الرباعية الجمعة في إسطنبول (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع الرئيس التركي بحضور وزراء الآلية الرباعية الجمعة في إسطنبول (وزارة الخارجية المصرية)

طرحت تركيا، السبت، التوصل لاتفاق بشأن ترسيم الحدود البحرية مع القاهرة، عقب يومين من رفض مصري لمذكرة التفاهم بين أنقرة وطرابلس التي تعدّها القاهرة «مخالفة لقانون البحار الدولي»، وعدتها، السبت، «حبراً على ورق».

ذلك الطرح، بحسب محلل تركي، هو «محاولة من أنقرة لتخفيف حدة الخلافات والتوترات المحتملة بشأن الحدود البحرية وتجنب التصعيد مع القاهرة»، فيما أكد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن «أي طرح يجب أن يتفق مع القواعد والقوانين الدولية ومبادئها الحاكمة»، مشدداً على أن «مياه مصر الاقتصادية وحقوقها لا تخضعان لمنح أو تنازل من أي طرف».

وسبق أن وقعت طرابلس ممثلة في رئيس «المجلس الرئاسي» لحكومة «الوفاق الوطني» السابق فايز السراج، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع أنقرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، رفضته القاهرة ونيقوسيا وأثينا، وبعد ذلك عارضه الاتحاد الأوروبي لمخالفته القانون الدولي فيما يخص البحار والمحيطات، والثلاثاء، صادق عليه البرلمان الليبي.

وأعلن وزير الدفاع التركي يشار غولر «استعداد بلاده لتوقيع اتفاق مع مصر بشأن ترسيم الحدود البحرية ومناطق الولاية في شرق البحر الأبيض المتوسط»، الاقتراح التركي يمنح القاهرة مساحة إضافية تبلغ نحو 15 ألف كيلومتر مربع ضمن نطاق ولايتها البحرية، مقارنة بأي اتفاق قد تبرمه مع اليونان، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة.

وبالتزامن، أبلغ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، نظيره المصري بدر عبد العاطي في لقاء بإسطنبول على هامش اجتماع دولي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، رداً على تأكيد المسؤول المصري رفض الاتفاق بين أنقرة وطرابلس.

بدوره، قال مصدر مصري مطلع، السبت، إن الطرح الأخير لوزير الدفاع التركي بشأن ترسيم الحدود البحرية ومياه مصر الاقتصادية «لا يمكن قبوله إذا لم يتوافق تماماً مع قواعد القانون الدولي ومبادئه الحاكمة»، مشدداً على أن «مياه مصر الاقتصادية وحقوقها لا تخضعان لمنح أو تنازل من أي طرف».

بدر عبد العاطي خلال اجتماع الآلية الرباعية في إسطنبول الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)

وأوضح المصدر أن «الحديث التركي الأخير يعكس توجهاً لتجنب التصعيد والبحث عن التهدئة، إلا أن القضايا السيادية وتحديد الحصص البحرية يتم حسمها وفقاً للأطر القانونية الدولية المنظمة وليست قرارات انفرادية».

واستبعد أن «تؤثر هذه الخلافات على مسار العلاقات الجيدة المتصاعدة بين مصر وتركيا، شريطة الوصول لاتفاق يتوافق مع القانون الدولي»، مؤكداً أن «أزمة شرق المتوسط لا سيما بين تركيا واليونان وقبرص، تحتاج إلى الحوار لمعالجة الملفات العالقة بأسلوب سياسي، بما ينهي أي بؤرة توتر».

كما استبعد أن «تخسر مصر حلفاء لها في تلك الأزمة»، مشدداً على أن «مصر علاقاتها جيدة مع تركيا، وتنسق في عديد من الملفات، وكذلك اليونان وقبرص، والقاهرة تدرك جيداً كيف تدير ملفاتها وشراكاتها بشكل يحقق المصالح المشتركة، دون المساس بالقانون الدولي أو الحقوق البحرية».

من جهته، أكد المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الإقليمية والتركية طه عودة أوغلو لـ«الشرق الأوسط»، أن «توقيت الطرح التركي الأخير يحمل دلالات استراتيجية بالغة الأهمية، لا سيما أنه جاء بعد أيام قليلة من التنسيق الذي أجراه مجلس النواب الليبي حول مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا».

وأوضح، أن «أنقرة وجهت من خلال هذا الطرح رسالة واضحة مفادها، أن خلافات شرق المتوسط يجب ألا تتحول إلى عائق أمام الحوار والتفاهم».

وأشار إلى أن «اللقاء الذي جمع وزيري خارجية مصر وتركيا في إسطنبول يعكس رغبة تركية حقيقية في معالجة التحفظات المصرية عبر مفاوضات مباشرة، بدلاً من ترك الخلاف يتسع أو السماح لأطراف أخرى، مثل إسرائيل، بالتدخل لتعكير صفو العلاقات الثنائية التي شهدت قفزة نوعية خلال العامين الماضيين».

وأوضح طه عودة أوغلو أن «نجاح المبادرة التركية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى استعداد البلدين للانتقال من الرسائل الإعلامية إلى طاولة مفاوضات فنية وقانونية تأخذ بعين الاعتبار مصالح وطموحات كلا الطرفين».

وزير الخارجية المصري ونظيره التركي في إسطنبول الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)

ويتواصل الموقف المصري الرافض لمسار ليبيا - تركيا البحري، وقال بدر عبد العاطي في تصريحات، السبت، إنه أكد في إسطنبول «الرفض القاطع للاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا»، مضيفاً: «نتمسك بحدودنا البحرية المعلنة، ونحتفظ بحق الرد إذا اتخذ أي طرف إجراءات تتعارض مع سيادتنا البحرية».

كما أشار المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، نادر زكي، السبت، في تصريحات لوكالة «أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، إلى أن عبد العاطي «أبلغ فيدان بلغة واضحة لا تقبل تأويلات، أن مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بين فايز السراج وجمهورية تركيا بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط معدومة الأثر القانوني وباطلة بطلاناً مطلقاً، ولا يرتب التصديق عليها من مجلس النواب الليبي أي آثار قانونية بالنسبة لمصر».

ووصف زكي تلك المذكرة بأنها «مجرد حبر على ورق، بمعنى أنه لا قيمة قانونية لها ولن تترتب عليها أي نتائج».

عن المستقبل، يرى المحلل التركي أن «استمرار الخلافات البحرية يكلف دول شرق المتوسط خسائر فادحة تعرقل مسار التعاون الاقتصادي والسياسي»، متوقعاً أن «المرحلة المقبلة ستسعى للتركيز على إيجاد صيغ مبتكرة لحل الخلافات عبر قنوات الحوار المباشر والتفاوض، بما يحافظ على مصالح الطرفين دون المساس بالحقوق المتبادلة».


ليبيا تؤكد حرصها على شواغل مصر المرتبطة بالحدود البحرية

عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً اللواء حسن رشاد في طرابلس 21 يونيو الماضي (مكتب الدبيبة)
عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً اللواء حسن رشاد في طرابلس 21 يونيو الماضي (مكتب الدبيبة)
TT

ليبيا تؤكد حرصها على شواغل مصر المرتبطة بالحدود البحرية

عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً اللواء حسن رشاد في طرابلس 21 يونيو الماضي (مكتب الدبيبة)
عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً اللواء حسن رشاد في طرابلس 21 يونيو الماضي (مكتب الدبيبة)

أكدت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا الحرص على مراعاة «الشواغل المصرية، بما في ذلك المرتبطة بالحدود البحرية والمياه الاقتصادية بالبحر المتوسط»، جاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، السبت.

وحسب بيان صادر عن مكتب الدبيبة، مساء السبت، أكد الدبيبة الحرص على معالجة الشواغل المصرية «عبر الحوار والتنسيق المشترك، بما يصون الحقوق والمصالح البحرية المشروعة للبلدين الشقيقين». وأدرجت الحكومة الليبية هذا الاتصال ضمن محادثات تركزت على «العلاقات الثنائية والتنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك».

وأكد رشاد خلال الاتصال الهاتفي «عمق العلاقات بين البلدين الشقيقين، والحرص الدائم على تطويرها في مختلف المجالات بما يخدم مصالحهما، وأهمية استمرار التواصل والتنسيق بين الجانبين».

جاء الاتصال الهاتفي غداة مشاورات مصرية - تركية، تناولت تطورات الأوضاع في المنطقة، بما فيها الخلاف الذي أعقب تمرير البرلمان الليبي الأسبوع الماضي مذكرة التفاهم البحري الليبي - التركي، الذي أعاد فتح ملف التداخل في المطالب البحرية بشرق المتوسط، وسط اعتراضات مصرية وأوروبية ويونانية وقبرصية.

ويرى المحلل السياسي الليبي، حسام فنيش، أن الاتصال الهاتفي بين الدبيبة ورئيس المخابرات المصرية «مهم» بالنظر إلى توقيته وطبيعة الملفات التي يتناولها. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن رئيس حكومة «الوحدة» الليبية «سيضع علاقته بالقاهرة في الاعتبار عند التعامل مع أي خطوات تنفيذية مرتبطة بالاتفاق، ولن يتجه إلى التضحية بهذه العلاقة تحت أي ظرف».

ومن منظور فنيش فإن تأكيد الدبيبة مراعاة الشواغل المصرية «يعكس أهمية استمرار التواصل بين طرابلس والقاهرة، خصوصاً في ظل تباين المواقف بشأن ترسيم الحدود البحرية، وما يفرضه ذلك من ضرورة التعامل مع الملف عبر القنوات السياسية والدبلوماسية».

وتعاني ليبيا من انقسام حاد بين حكومتين تنفيذيتين؛ إحداهما في طرابلس برئاسة الدبيبة، وأخرى مكلفة من البرلمان ويترأسها أسامة حماد، وهي تسيطر على شرق وأجزاء من جنوب البلاد، وتحظى بدعم من الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.