مسيّرات «الدعم السريع» تهدد عمق الجيش السوداني في ولاية القضارف

قصفت مقرات الجيش والمخابرات... والأمم المتحدة: الآلاف ما زالوا يفرون يومياً بعد عام على الحرب

قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
TT

مسيّرات «الدعم السريع» تهدد عمق الجيش السوداني في ولاية القضارف

قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في السودان التي تقترب من دخولها العام الثاني، دخلت ولاية القضارف (شرق)، في غمار الحرب، بعد أن شهدت الثلاثاء، قصفاً جوياً بمسيرات تابعة لقوات «الدعم السريع»، استهدف مقرات تابعة للجيش وجهاز الأمن والمخابرات السودانية، ما أدى إلى وقوع إصابات بين المواطنين.

وأشاعت الغارات حالة من الهلع والذعر الشديدين وسط المواطنين، مع استمرار المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على تخوم ولاية الجزيرة بوسط البلاد.

وتبعد القضارف نحو 650 كيلومتراً من بورتسودان (العاصمة المؤقتة للسودان)، وهو ما يهدد بدخول مناطق الشرق في أتون الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023 بين قوات الجيش و«الدعم السريع».

وسارعت السلطات الحكومية الولائية إلى رفع درجة الاستعداد القصوى بفرض إجراءات أمنية مشددة، بإغلاق السوق الرئيسية، ومنع الدخول أوالخروج من المدينة نهائياً، بينما انتشر رجال الأمن بكثافة في الشوارع والأحياء السكنية، وفق مصادر محلية.

وقال حاكم ولاية القضارف المكلف، محمد عبد الرحمن محجوب، إن «العدو استخدم طائرات مسيرة لضرب الأمن والاستقرار في عاصمة الولاية القضارف»، مضيفاً: «خابت مساعيهم»، حيث تم إسقاط واحدة، وانفجرت الثانية بالقرب من أحد المساجد، وأن الأوضاع الآن مستقرة في الولاية.

وأشار إلى أن «العدو يكثف من الحملات الإعلامية لضرب تماسك قواتنا ومواطنينا على مستوى الولايات»، مؤكداً في حديث موجه للقيادة العليا بالدولة والمواطنين، أن الوضع في ولاية القضارف آمن، وأن هنالك ترتيبات لمراجعة المداخل والارتكازات التي تقيمها الأجهزة الأمنية.

وطالب الحاكم من المقاومة الشعبية في كل محافظات الولاية، بتكوين خلايا أمنية في المناطق والأحياء السكنية. وقال إن هناك إجراءات مشددة أمنية اتخذت بمنع الخروج والدخول إلى مدينة القضارف عبر المداخل والمعابر البرية، عدا بعض الاستثناءات.

سودانيون ينتظرون ملء صهاريج ماء في بورتسودان اليوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وهددت «الدعم السريع» أكثر من مرة بأن ولاية القضارف ستكون هدفاً لقواتها بجانب سعيها للاستيلاء على ولاية سنار الوسطية.

من جهته، قال مسؤول أمني لوكالة الصحافة الفرنسية التي لم تذكر اسمه، إن «مسيّرة قصفت مقر جهاز الأمن والمخابرات وسط مدينة القضارف، لكنها لم تحدث أضراراً». كما «قصفت مسيرة أخرى المنطقة (الواقعة) أمام مقر الجهاز القضائي المجاور لمبنى جهاز الأمن». وفي الوقت نفسه، أفاد شهود عيان في الولاية عن قيام مسيرة ثالثة بقصف مقر الجيش في القضارف، من دون الإشارة إلى وقوع خسائر، فضلاً عن «أصوات كثيفة للمضادات الأرضية».

وأكد مصدر في المخابرات السودانية لوكالة «أنباء العالم العربي»، أن طائرات مسيرة مجهولة استهدفت مباني جهاز المخابرات العامة في ولاية القضارف. وأبلغ شهود عيان الوكالة أن دفاعات الجيش تصدت لمسيرة كانت تحلق في سماء مدينة القضارف. وأوضح الشهود أن المسيرة قصفت مسجداً في مباني جهاز المخابرات أصيب على أثرها مواطن واحد.

ويشير مصدر في المخابرات إلى أن الأجهزة الأمنية بالقضارف تفرض حصاراً على المناطق المحيطة بموقع سقوط المسيرات الثلاث. كما جرى التحفظ على عربة قتالية يشتبه في تعاونها مع منفذي الهجوم. وأشار المصدر إلى أن فريقاً أمنياً وهندسياً مختصاً بدأ فحص حطام المسيرات وتوسيع دائرة البحث. وأضاف أن الهجوم أسفر عن إصابة 7 مواطنين بإصابات خفيفة.

وكان مقر الفرقة الثانية للجيش السوداني، تعرض لهجوم بمنطقة «الفاو» بولاية القضارف للقصف الاثنين. وتبعد المنطقة نحو 25 كيلومتراً عن المنطقة التي تشهد اشتباكات عنيفة بين قوات الجيش والدعم السريع على الحدود بين ولايتي القضارف والجزيرة.

مواطن ينتظر ملء صهريج ماء في بورتسودان اليوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وفي سياق متصل، أكد مسؤول عسكري لوكالة «الصحافة الفرنسية»، أن قوات الجيش «أحرزت تقدماً في اتجاه غرب مدينة ود مدني (عاصمة ولاية الجزيرة) وصارت على بعد نحو 10 كيلومترات منها». كما تدور مواجهات عنيفة بين الجانبين، بحسب ما قال المسؤول، في الاتجاهين الشرقي والجنوبي لود مدني، التي أعلنت قوات «الدعم السريع» سيطرتها عليها نهاية العام الماضي.

والأحد، دانت لجنة أطباء السودان المؤيدة للديمقراطية في بيان «المجزرة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في قرية أم عضام» بولاية الجزيرة.

وأشارت إلى أن «هذا العمل البربري أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 28 من أبناء القرية الأبرياء، وإصابة أكثر من 240 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة».

من جهتها، قالت الأمم المتحدة الثلاثاء، إن آلاف الأشخاص اليائسين لا يزالون يفرون يومياً من السودان بعد مرور عام على اندلاع النزاع، «كما لو أن حالة الطوارئ بدأت بالأمس».

وقالت أولغا سارادو مور، المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: «بعد مرور عام، ما زالت الحرب مشتعلة في السودان الذي يعاني وجيرانه واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية وأزمات النزوح وأصعبها في العالم».

وأضافت في مؤتمر صحافي بجنيف: «لقد حطم الصراع المستمر حياة الناس، وملأهم بمشاعر الخوف والخسارة. والهجمات على المدنيين، والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي المرتبط بالنزاع، مستمرة بلا هوادة».

وقالت أيضاً: «لقد شهد السودان تدميراً شبه كامل للطبقة الوسطى الحضرية: فقدْ فقدَ المهندسون المعماريون والأطباء والمعلمون والممرضون والمهندسون والطلاب كل شيء».

وقالت سارادو مور: «الآلاف يعبرون الحدود يومياً كما لو أن حالة الطوارئ بدأت بالأمس». وأضافت أن الفارين من البلاد، وأغلبهم من النساء والأطفال، يصلون إلى مناطق نائية عبر الحدود «مع القليل أو بلا أي شيء، وبحاجة ماسة إلى الغذاء والماء والمأوى والرعاية الطبية».

وأضافت: «مع استمرار النزاع، وتفاقم النقص في المساعدات والفرص، سيضطر مزيد من الأشخاص إلى الفرار من السودان إلى البلدان المجاورة أو الانتقال إلى أماكن أبعد، معرضين حياتهم للخطر من خلال الشروع في رحلات طويلة وخطيرة بحثاً عن الأمان».

ولم يتم حتى الآن تمويل خطة الاستجابة الإنسانية، داخل السودان سوى بنسبة 6 بالمائة، في حين تم تمويل خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين لعام 2024 بنسبة 7 بالمائة.

وأدى القتال منذ 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، الرجل الثاني السابق في السلطة العسكرية، إلى مقتل آلاف الأشخاص. كما أسفر عن نزوح نحو 8 ملايين آخرين، لجأ أكثر من 1.5 مليون منهم إلى الدول المجاورة، بحسب الأمم المتحدة.

ووفقاً للأمم المتحدة، أصبح 70 في المائة من المرافق الصحية في السودان خارج الخدمة. وتسبب النزاع بكارثة إنسانية، إذ يحتاج نحو 25 مليون شخص، أي ما يعادل أكثر من نصف السكان، إلى المساعدات، بينهم نحو 18 مليوناً يواجهون انعداماً حاداً للأمن الغذائي، وفق بيانات الأمم المتحدة. ويُتهم طرفا النزاع بارتكاب جرائم حرب، بما فيها استهداف مدنيين وقصف عشوائي لمناطق سكنية ونهب المساعدات وعرقلة وصولها.


مقالات ذات صلة

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

شمال افريقيا منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

تصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة في السودان، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي مع دخول الحرب عامها الرابع.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

«مؤتمر برلين»... تعهدات بمساعدات للسودان وآمال في دعم جهود السلام

تزامناً مع دخول حرب السودان عامها الرابع استضافت العاصمة الألمانية برلين الأربعاء مؤتمراً يهدف لدعم جهود السلام وحشد تعهدات بتقديم مساعدات للشعب السوداني

«الشرق الأوسط» (برلين)
خاص مشهد من أحد شوارع الخرطوم (الشرق الأوسط)

خاص مع دخول الحرب عامها الرابع... حكايات من شوارع الخرطوم الجريحة

تدخل الحرب السودانية، الأربعاء 15 أبريل (نيسان)، عامها الرابع، بعد انقضاء 3 سنوات من الاقتتال المرير، رسمت ملامح واقع مُعقد عاشه الملايين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون لتقاسم حصص من مواد غذائية وزّعها برنامج الأغذية العالمي يوم 9 مايو 2023 (رويترز)

24 قتيلاً وعشرات الجرحى جراء قصف بمسيّرات على مدن دارفور

قُتل 24 مدنياً على الأقل وأُصيب العشرات، يومي الأحد والاثنين، في غارات منفصلة بطائرات مسيَّرة تابعة للجيش السوداني استهدفت مدن إقليم دارفور غرب السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا النور أحمد آدم المعروف بـ«النور القُبة» اللواء المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)

انشقاق ضابط بارز بـ«الدعم السريع» وانضمامه للجيش السوداني

أعلنت «منصات إعلامية» انشقاق ضابط كبير في «قوات الدعم السريع»، هو اللواء النور أحمد آدم، الشهير بـ«النور القُبة»، وانضمامه إلى الجيش السوداني.

أحمد يونس (كمبالا)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.