شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

تغيير معادلة القوى وسط مخاوف من ازدياد نفوذ إريتريا

تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
TT

شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)

قبل أيام، وقعت 5 فصائل مسلحة، ذات ثقل اجتماعي مؤثر في شرق السودان، على ميثاق تحالف «شرق السودان»، الذي نأى بنفسه عن الدخول إلى جانب الجيش السوداني في حربه ضد «قوات الدعم السريع».

هذا الموقف الصريح بث «مخاوف جدية» من استغلال هذا الوضع ذريعة من قِبَل بعض الجهات وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة بين مكونات الإقليم، ما يبقي نفوذ القوة بيد مجموعات قبلية عرفت بولائها للسلطة القائمة في بورتسودان.

حسب قيادات سياسية مؤثرة في الإقليم تحدثت لــ«الشرق الأوسط»، فإن المشهد المحلي يظل هشاً، بوجود تكتلين: التحالف الجديد (مجموعة الخمس)، في مقابل تكتل آخر بقيادة ناظر عموم قبيلة الهدندوة، محمد الأمين «ترك»، الحليف الرئيسي للجيش والإسلاميين، مع تموضع «الجبهة الشعبية» وذراعها العسكرية «الأورطة الشرقية»، بقياة الأمين داوود، في تحالف «الكتلة الديمقراطية» الموالية للجيش.

قائد قوات حركة «تحرير شرق السودان» إبراهيم عبد الله دنيا (فيسبوك)

قوات الحركات الموقعة على الميثاق مؤخراً تأسست وتدربت في الأراضي الإريترية، وينتمي معظم أفرادها إلى قبائل وعشائر قومية البجا، وهي: الهدندوة والبني عامر والأمرار والجيملاب والرشايدة. وجميع هذه المكونات تربطها علاقة وثيقة بالرئيس أسياس أفورقي، ومع أن كل هذه الخطوات تمت بتنسيق بين إريتريا والجيش السوداني، فإن ذلك الارتباط يثير قلقاً داخلياً من تمدد النفوذ الإريتري في السودان.

ورأت المصادر، التي فضل بعضها عدم الكشف عن هويته لحساسية القضية، أن التحالف فرض واقعاً جديداً، وإن كان ما زال غير واضح الملامح، إذ استطاع حصد تأييد شعبي «غير مسبوق»، في إشارة إلى التفاعل الكبير مع خطاب قائد قوات «حركة تحرير الشرق»، إبراهيم عبد الله، المعروف باسم «عبد الله دنيا».

وعزت المصادر هذا القبول الواسع إلى مخاطبة قضايا قديمة متجددة بخصوص التهميش السياسي والاقتصادي لشرق السودان من قِبَل السلطة المركزية الحاكمة في البلاد، بالإضافة إلى رفض إقحام الإقليم في الحرب الدائرة حالياً، مع أن ثمة مواقف لتيارات أخرى تتحدث عن أن الشرق بأسره يصطف خلف الدولة السودانية وعلى رأسها مؤسسة القوات المسلحة.

حشود تستمع لخطاب قائد قوات حركة «تحرير شرق السودان» إبراهيم عبد الله دنيا (فيسبوك)

ويتخذ الجيش السوداني من بورتسودان، أكبر مدن شرق السودان، عاصمةً بديلةً، وأصبحت مقراً لقائد الجيش ورئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

رفض الحرب

لكن «عبد الله دنيا» في خطابه بمناسبة الذكرى الثانية لتأسيس «حركة تحرير الشرق» بمنطقة شبوب في مدينة كسلا، وفي مناسبات أخرى متتالية، تحدث بلهجة حاسمة أن حركته ترفض أن يكون إقليم الشرق جزءاً أو وقوداً من حرب لم يتسبب فيها، إذ قال: «دربنا قواتنا لحماية إقليمنا ومواردنا وأراضينا... وأن نحكم أنفسنا بأنفسنا لأننا جديرون بذلك».

مسيرة في بورتسودان مؤيدة للجيش السوداني (أرشيفية - أ.ف.ب)

الظهور القوي لقائد الحركة لقى رواجاً في منصات التواصل الاجتماعي، لكنه أثار المزيد من الجدل بتحديه سلطة الجيش بقوله: «نحن جاهزون ولدينا جيوش جرارة... وسنقتلع حقوقنا بالقوة». وتطرق «دنيا» إلى التنافس الدولي الإقليمي في السيطرة على البحر الأحمر وممراته الحيوية ومواني السودان، وقال: «إن أهل الشرق أصحاب الحق التاريخي، وأي ترتيبات بشأنه يجب أن يكونوا شركاء أساسيين». مشدداً على أن التحالف تعاهد بعدم السماح لأي جهة بإثارة الفتن بين مكونات الشرق وتحويله لساحة للفوضى والاقتتال خدمةً لأجندات خارجية ومصالح ضيقة تحت شعارات زائفة.

وأضاف في خطابه: «نتابع الجهود الرامية عبر (الرباعية الدولية) وجهود المملكة العربية السعودية، ونرى ضرورة عاجلة لإنهاء معاناة الشعب السوداني ووقف نزيف الدم، نرحب بكل مبادرة جادة لتحقيق السلام».

ومنذ سنة 2019 شهدت مدن شرق السودان (القضارف وخشم القربة وبورتسودان وحلفا الجديدة وكسلا) حوادث ومواجهات عنيفة بين مجموعاتٍ من مكونات الإقليم الاجتماعية، وقع ضحيتها العشرات من المدنيين والعسكريين، بتدخل أيادي النظام السابق بعد سقوط الرئيس عمر حسن البشير مباشرةً في مايو (أيار) 2019، بالإضافة للخلافات السياسية حول «اتفاق جوبا» للسلام الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، الذي كان يتضمن مساراً خاصاً بالإقليم.

البرهان وآبي أحمد خلال اجتماع في بورتسودان (أرشيفية - مجلس السيادة السوداني)

وكان «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات» بقيادة ناظر قبيلة الهدندوة، محمد الأمين ترك، قد قاد حراكاً بالتحالف مع القادة العسكريين، عبر إغلاق ميناء بورتسودان والطرق الرئيسية لخنق الحكومة الانتقالية، برئاسة عبد الله حمدوك، ما مهد الطريق لانقلاب 25 أكتوبر 2021.

تحالف استراتيجي

يعد التحالف الجديد التكتل العسكري والاجتماعي الأكبر الذي يضم شخصيات نافذة لها ثقل قبلي مؤثر في الشرق، أبرزها رئيس مؤتمر البجا، موسى محمد أحمد؛ و«الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» التي يتزعمها محمد طاهر بيتاي، وهو رجل دين له نفوذ واسع ينحدر من قبيلة الجميلاب التي كانت جزءاً من نظارة قبيلة الهدوندة قبل أن تنفصل لنظارةٍ مستقلة، وتتمركز قواته في منطقة همشكوريب شمال شرقي كسلا؛ وقائد قوات «حركة تحرير الشرق»، إبراهيم دنيا. هذا التحالف، حسب المصادر السياسية، يمثل محاولة لإعادة التموضع عسكرياً وسياسياً وميدانياً، بما يضمن رسم معادلة نفوذ قوة جديدة واستراتيجية في الإقليم، لا يمكن تجاوزها، تعيد صياغة العلاقة مع السلطة المركزية على أسس جديدة.

ويتمتع الإقليم الشرقي بموقع جغرافي استراتيجي بالغ الحساسية، ويمتلك السوداني ساحل على البحر الأحمر يبلغ أكثر من 853 كيلومتراً، تقع عليه مواني بورتسودان وسواكن، وتتاخم ولاياته الثلاث (القضارف وكسلا البحر والأحمر) كلاً من إريتريا وإثيوبيا ومصر بحدود برية مفتوحة. هذا الموقع يجعل من الإقليم ذا بُعد استراتيجي لهذه الدول، حيث إن أي توترات أمنية وعسكرية تلقي بظلالها مباشرة عليها، إضافة إلى تأثير التوترات الإقليمية بين هذه الدول في ملفات أخرى مثل المواني وسد النهضة، ما يجعل شرق السودان ملفاً أمنياً مهماً.

وقال الناطق الرسمي باسم «تحالف القوى المدنية لشرق السودان»، صالح عمار: «نختلف مع المجموعات العسكرية في حمل السلاح، ونطالب بتكوين جيش واحد يمثل كل السودانيين، لكننا نرحب بأي خطوة تؤدي إلى وحدة أهل الشرق عبر المصالحات والتفكير الإيجابي نحو المستقبل».

وأضاف عمار، وهو مرشح سابق للحكومة الانتقالية لولاية كسلا: «هناك نقاط إيجابية في الخطابات التي قدمها القادة العسكريون لحركات الشرق، برفضهم الحرب والانحياز للسلام، وتأييد مبادرة (الرباعية الدولية) ورفض تفكيك السودان والمطالبة بحقوق الإقليم». وأشار إلى أن هذه المضامين الإيجابية للخطابات وجدت ترحيباً من كل مكونات الشرق والسودان.

مطار بورتسودان (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

ارتباطات إقليمية

ازدياد عدد هذه الحركات لم يأتِ بمعزل عن تفاهمات غير معلنة مع القوات المسلحة السودانية والاستخبارات العسكرية، في سياق ترتيبات أمنية فرضتها الحرب. إضافة إلى تقاطعات إقليمية مع إريتريا، التي سمحت لبعض هذه الحركات باستخدام أراضيها لإقامة معسكرات تدريب وتمركز.

وتتمركز «الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة» في منطقة «قرمايكا» داخل الأراضي الإريترية، فيما يوجد كل من «الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» و«مؤتمر البجا» في منطقة لوكيب داخل إريتريا، في المقابل، تتخذ «حركة تحرير شرق السودان» مدينة كسلا مقراً لها.

وأثارت العلاقة بين هذه الحركات المسلحة ودولة إريتريا جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، خصوصاً مع تكرار تقارير تتحدث عن تنسيق لوجيستي وأمني، وفتح قنوات اتصال مباشرة، في إطار ما تصفه مصادر إقليمية بأنه «ترتيبات أمن حدودي» في ظل هشاشة الوضع السوداني. وتحتفظ إريتريا بتاريخ طويل من التأثير في ملفات شرق السودان، وتسعى إلى إدارة المخاطر الأمنية على حدودها الغربية، في وقت يخشى فيه سودانيون من أن يؤدي هذا الانخراط إلى تعقيد المشهد وزيادة الاستقطاب داخل الإقليم.

مساندة الجيش

وأعلن نائب رئيس «الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة»، جعفر محمد الحسن، إن قوات الجبهة في الأورطة الشرقية استجابت منذ اندلاع الحرب لمساندة الجيش السوداني ضد مشروع «قوات الدعم السريع» في تجريف الدولة السودانية، وأضاف: «أن انحيازنا لمشروع الدولة الوطنية وليس لفكرة الحرب في حد ذاتها، ونحن مع السلام العادل وبندقية واحدة في البلاد وفي إطار ذلك عملنا ترتيبات مع الجيش وأفرادنا يقاتلون إلى جانبه».

وقال: «نحن مع أي شخص يُطالب بحقوقهِ. ويجب الاستماع لكل الأصوات وإدارة حوار معها بدلاً من شيطنتها... إننا نطرح مشروعاً يخاطب قضايا الإقليم جغرافياً، ويتبنى حلولاً من ضمن حل أزمة السودان ككل... إن المخاوف من حصول ارتدادات واستقطاب أمر طبيعي، ولكن نحن مطمئنون إلى أن كل مكونات الشرق الاجتماعية ونظارات قبائل البجا مؤيدة للجيش ولن يسمحوا بأي استقطاب ينسف الاستقرار المجتمعي».

موقف تكتيكي

ورأى مصدر مطلع من تيار آخر في شرق السودان، طلب أيضاً عدم الكشف عن اسمه، أن تحالف «الحركات الخمس» موقف تكتيكي ومناورات سياسية في إطار الصراع على السلطة والنفوذ، يمكن أن يتغير هذا الموقف في أي لحظة، محذراً من وصول الأوضاع في الشرق إلى نقطة حرجة ما لم يتدارك قادته كيفية التعامل بحكمة لتجاوز خلافاتهم.

وأوضح أن موقف التحالف ليس ضد الجيش السوداني، وحسب تصريحات قادته فإنهم يرفضون جر الشرق إلى الحرب، مشيراً إلى أن قواتهم تأسست لحماية الإقليم من «قوات الدعم السريع» أو أي تدخل خارجي عسكري.

وقال إن التخوف الأكبر أنْ تستغل بعض الجهات الداخلية التطورات الأخيرة، وتحريك أدواتها المحلية بإثارة خطاب الكراهية والعنصرية والاقتتال الأهلي، لتفجير الأوضاع في الشرق، مثلما حدث في سنوات سابقة، بهدف أن تظل مسيطرة على نفوذ القوة في الإقليم. وحسب المصادر ذاتها، تبدو المؤشرات واضحة على أن الوضع في شرق السودان مرشح نحو مزيد من التوترات السياسية وتباين المواقف، لاختلاف أجندات ومصالح الفاعلين من حاملي السلاح. قد لا تصل هذه التوترات إلى المواجهة العسكرية بين المكونات الاجتماعية، لكنها قد تحدث تغيرات كبيرة في «موازين القوى» وإعادة رسم مسارات السلطة بقوى عسكرية وسياسية جديدة.


مقالات ذات صلة

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

شمال افريقيا جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لمأساة إنسانية تتسع يوماً بعد يوم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

أحمد يونس (كمبالا)
الخليج المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال مشاركته في الاجتماع الذي استضافته جنيف الأربعاء (واس)

السعودية: لا يمكن المساواة بين الحكومة السودانية والميليشيات

شدّدت السعودية، الأربعاء، «أنه لا يمكن المساواة بين الحكومة السودانية ومجلس السيادة وبين ميليشيات ارتكبت جرائم بحق الشعب السوداني».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقين مصريين (أ.ف.ب)

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان تطمينات بشأن أوضاع المصريين المقيمين بالسودان

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان متحدثاً لأهالي مدينة حلفا (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:33

البرهان يفتح باب العودة ويستبعد حمدوك وتحالف «قحت»

رحّب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بعودة السودانيين الراغبين في السلام، والحوار، لكنه استبعد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقوى «قحت».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

مصر تجدد رفضها مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

مصر تجدد رفضها مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)

جدّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، اليوم الجمعة، رفض بلاده القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بشأن ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا، وذلك خلال محادثات مع نظيره التركي هاكان فيدان في إسطنبول، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ورفضت القاهرة يوم الأربعاء اتفاقية صدّق عليها مجلس النواب الليبي، ومقرّه شرق البلاد، لتعيين الحدود البحرية مع تركيا، وقالت إن المصادقة لن يكون لها «أي آثار قانونية بالنسبة لمصر».

وتشكّل الاتفاقية التي جرى إقرارها يوم الثلاثاء جزءاً من نزاع ممتد منذ سنوات بسبب مطالبات متعارضة بالسيادة على مناطق بحرية وحقوق الاستكشاف والتنقيب عن موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط.

وقالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، اليوم الجمعة، إن عبد العاطي شدد على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 فيما يتعلّق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول».

وأضاف البيان أن الوزيرَيْن بحثا تطورات الأوضاع في ليبيا، وأكد عبد العاطي موقف مصر «الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها واستقرارها ودعم مؤسسات الدولة الليبية».

وجاء اللقاء على هامش اجتماعات الآلية الرباعية التي تضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان مع الدول الأوروبية الثلاث بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

ووفقاً للبيان، أكد فيدان «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا».

توصلت الحكومة الليبية في طرابلس بغرب البلاد إلى الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا في الأصل في 2019، لكن الحكومة في الشرق بقيادة القائد العسكري خليفة حفتر امتنعت عن الموافقة عليها لسنوات.

وتعارض اليونان وقبرص كذلك منذ فترة طويلة اتفاقية تعيين الحدود البحرية المبرمة بين ليبيا وتركيا، وتعتبرانها تعدياً على مطالبات بالسيادة على مناطق بحرية.


اجتماع جنيف: لا حل عسكرياً في السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
TT

اجتماع جنيف: لا حل عسكرياً في السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)

أكد اجتماع دولي في جنيف أنه لا يوجد «حل عسكري للأزمة السودانية»، داعياً الجيش و«قوات الدعم السريع» إلى هدنة إنسانية عاجلة تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، والانخراط في مسار سياسي شامل ذي مصداقية، مع وقف التدخلات الخارجية التي تؤجج نيران الحرب.

وشدد المشاركون، ممثلو 22 دولة ومنظمات إقليمية ودولية، على حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، ورفض إنشاء حكومات موازية، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته ومؤسساته، محذرين من تفاقم الكارثة الإنسانية ومخاطر امتداد الصراع إلى دول الجوار.

وأكد نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، أن جهود المملكة لوقف الحرب وصون وحدة السودان تستند إلى «إعلان جدة» للالتزام بحماية المدنيين، الموقع في مايو (أيار) 2023، واتفاق وقف إطلاق النار قصير الأمد. وأكد أيضاً دعم الرياض المبادرات الإقليمية والدولية، بما فيها «المجموعة الخماسية»، للتوصل إلى حل سياسي يحفظ سيادة السودان ووحدة أراضيه، ويحقق السلام والاستقرار.


الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
TT

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان وأسواقه ومساجده مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لوجع إنساني يتسع يوماً بعد آخر، في بلد تشير تقديرات رسمية إلى أن الفقر يطول نحو 73 في المائة من سكانه داخل البلاد وخارجها.

وخلف كل يد ممدودة حكاية فَقْد ونزوح وعجز عن توفير لقمة العيش؛ فعامل حرمته الإصابة من القدرة على العمل، وأب أثقل النزوح كاهله، وأم فقدت زوجها لتجد نفسها وحيدة في مواجهة أعباء إعالة أطفالها...ومع تآكل مصادر الدخل وارتفاع تكاليف الغذاء والعلاج والتعليم، يجد هؤلاء أنفسهم أمام خيار قاسٍ: طلب العون من الآخرين، أو ترك أسرهم تواجه الجوع والحرمان.

وهكذا، لم تعد الحرب تسرق البيوت ومصادر الرزق فحسب، بل تدفع مزيداً من السودانيين إلى حافة العوز، حيث تصبح الكرامة الإنسانية نفسها موضع اختبار يومي.تتسع رقعة الفقر في السودان على نحو غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023.

ففي يونيو (حزيران) الماضي، أعلن وزير الموارد البشرية، معتصم أحمد صالح، أن نسبة الفقر بلغت نحو 73 في المائة بين السودانيين داخل البلاد وخارجها، واصفاً النسبة بأنها «صادمة»، وتعكس حجم التدهور الذي خلّفه الصراع المستمر.

وفي السياق نفسه، حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير صدر في أبريل الماضي، من أن استمرار الصراع قد يرفع نسبة الفقر المدقع إلى 60 في المائة من السكان بحلول عام 2030، بما يعادل نحو 36 مليون شخص.

إصابة تسلب عاملاً مصدر رزقه

حركة المتسوقين تناقصت بشكل ملحوظ في الأسواق الشعبية (الشرق الأوسط)

يروي حسين عبد الله لـ«الشرق الأوسط» جانباً من المعاناة التي دفعته إلى التسول بعدما فقد مصدر رزقه بسبب الحرب؛ فقد أدت إصابته بشظايا إلى بتر إحدى يديه، ما حرمه من مواصلة العمل في البناء، الذي كان يوفر له دخلاً يومياً يعين به أسرته.

ومع تضاؤل خياراته وعجزه عن تلبية احتياجات عائلته، وجد نفسه مضطراً إلى مد يده للمارة في السوق، بعدما كان يتمتع بقدر أكبر من الاستقرار المعيشي قبل إصابته.

أما صلاح التيجاني، فقد قادته رحلات النزوح المتكررة بين الولايات والمدن التي هي أكثر أمناً إلى مواجهة أعباء معيشية تفوق قدرته على الاحتمال. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن تأمين الغذاء والسكن أصبح تحدياً يومياً لأسرته، في ظل غياب مورد مالي يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية.

ويضيف أن هذه الظروف اضطرته إلى التسول لتوفير الطعام وتكاليف العلاج والدراسة، في محاولة لتجنيب أفراد أسرته مزيداً من المعاناة.

أرامل في مواجهة العوز

القدرة الشرائية تراجعت بسرعة كبيرة في سنوات الحرب (الشرق الأوسط)

تواجه فاطمة عبد الكريم واقعاً أشد قسوة بعد أن فقدت زوجها خلال الحرب، لتجد نفسها وحيدة في تحمل مسؤولية إعالة أطفالها، من دون مصدر دخل ثابت يلبي احتياجاتهم الأساسية.

وتقول إنها اضطرت إلى التسول لتوفير متطلبات الحياة اليومية، رغم محاولاتها المتكررة الحصول على مساعدة من الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية، لكنها لم تجد ما يعينها على تجاوز محنتها.

وتضيف فاطمة لـ«الشرق الأوسط»، بصوت يمتزج فيه التعب بالأمل، أنها باتت تتجول في الأسواق بحثاً عما يسد رمق أطفالها ويوفر ثمن العلاج، مشيرة إلى أنها تعاني حالياً من الملاريا، ولا تملك سوى ما تجمعه من طلب المساعدة لتغطية تكاليف علاجها.

ولا تخفي فاطمة رغبتها في الخروج من دائرة التسول، التي تقول إنها تتعرض خلالها للمضايقات والاستغلال. وتحلم بالحصول على دعم يمكّنها من إقامة مشروع صغير يوفر لها دخلاً ثابتاً، ويساعدها على إعالة أطفالها بعيداً عن مشقة السؤال، بما يحفظ كرامتها ويمنح أسرتها فرصة لحياة أكثر أماناً واستقراراً.

ومن جهته، يقول عبد اللطيف الحسن، وهو من ذوي الإعاقة الحركية ويتنقل على كرسي متحرك، إن تداعيات الحرب والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة دفعاه إلى طلب المساعدة في الشوارع والمساجد لتأمين احتياجات أسرته اليومية، بما في ذلك متطلبات زوجته وأبنائه الذين يواصلون دراستهم.

ويؤكد أن الحرب فاقمت الضغوط المعيشية على الأسر السودانية، لا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يواجهون تحديات مضاعفة في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة، ما يجعل تأمين أبسط متطلبات المعيشة معركة يومية.

من التسول إلى بيع الشاي

وتروي فتحية عبد الله، وهي امرأة مطلقة، جانباً من معاناة النزوح والتشرد؛ إذ دفعتها قسوة الظروف إلى التجول في الشوارع ومد يدها للآخرين سعياً إلى توفير لقمة العيش لأطفالها.

لكن وطأة هذه المعاناة دفعتها إلى البحث عن بديل، فقررت العمل في بيع الشاي بإحدى أسواق أم درمان، أملاً في تأمين مصدر رزق يعينها على مواجهة أعباء الحياة.وتقول فتحية لـ«الشرق الأوسط»: «أحياناً لا أجد ثمن وجبة الفطور، فأكتفي بسندويتش طعمية أتناوله في الصباح، وأظل من دون طعام حتى أعود إلى منزلي مساءً».

وتكشف شهادتها جانباً من الضغوط اليومية التي تواجهها الأسر التي فقدت مصادر دخلها؛ إذ لا يقتصر العوز على العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من وجبة الطعام إلى تكاليف التعليم والعلاج.

الظاهرة انعكاس للانهيار الاقتصادي

جزارة في سوق أم درمان بالعاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

وشددت الباحثة الاجتماعية رندا حسين على ضرورة تعامل المجتمع مع ظاهرة التسول بقدر كبير من التعاطف والمسؤولية، بعيداً عن الإهانة أو التمييز أو افتراض أن جميع المتسولين ينتمون إلى الفئة نفسها.

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن بعض هؤلاء فقدوا أعمالهم ومنازلهم وشبكات الأمان الاجتماعي، وأصبحوا عاجزين عن توفير أبسط متطلبات الحياة.

وأضافت أن اتساع الظاهرة في زمن الحرب لا يمثل مجرد مشهد لأيدٍ ممدودة في الشوارع، بل يعكس واقع أسر فقدت مصادر رزقها، وأطفال باتوا مهددين بالحرمان من التعليم، وأشخاص دفعتهم الحاجة إلى التخلي عن استقلالهم المعيشي.

وتشير هذه المعطيات إلى أن التعامل مع الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على الحد من انتشارها في الشوارع، بل يتطلب أيضاً معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى التسول، وتوفير بدائل تتيح لهم استعادة قدرتهم على كسب العيش.

تحركات حكومية لمواجهة الظاهرة

وفي ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة بشأن أعداد المتسولين والمشردين، وجّهت وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم بإجراء حصر شامل للمشردين، وتصنيفهم وتحديث بياناتهم، بالتوازي مع تشكيل لجان فنية مصغرة لوضع منهجية متكاملة لمكافحة ظاهرة التسول، وإعداد تصور عملي للتعامل معها ومعالجة أسبابها.

وشدد وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، على ضرورة إطلاق حملات واسعة لمكافحة الظاهرة، قائلاً إنها «لم تعد مجرد تحدٍّ اجتماعي، بل أصبحت ملفاً أمنياً يهدد سلامة مواطني الولاية، ما يتطلب التعامل معها بحزم».

ويضع هذا التوجه السلطات أمام تحدي الموازنة بين تنظيم المجال العام والاستجابة للاحتياجات الإنسانية للفئات التي دفعتها الحرب إلى التسول، خصوصاً في ظل تراجع فرص العمل واتساع دائرة الفقر والنزوح.

الاعتماد على الذات

أصبح حديث الناس الدائم هو الغلاء وارتفاع الأسعار (الشرق الأوسط)

في نهاية المطاف، لا تقف مأساة هؤلاء عند الأيدي التي امتدت طلباً للمساعدة، بل تتجاوزها إلى الحياة التي كانوا يعيشونها قبل أن تنتزع الحرب منهم القدرة على الاعتماد على أنفسهم.

فخلف كل يد ممدودة أب يخشى العودة إلى أطفاله خالي الوفاض، وأم تحاول إخفاء عجزها عن توفير احتياجات صغارها، ورجل أثقلته الإصابة فلم يعد قادراً على ممارسة عمله، وآخرون دفعتهم قسوة النزوح وغلاء المعيشة إلى طرق أبواب لم يعتادوا الوقوف أمامها.

وفي بلد أنهكت الحرب اقتصاده ومجتمعه، لا تبدو هذه الحكايات مجرد حالات فردية من العوز، بل وجوهاً لأزمة إنسانية تتسع، وتضع آلاف الأسر أمام معركة يومية من أجل البقاء؛ إذ لم تعد لقمة العيش وحدها هي التحدي، بل الحفاظ على الكرامة والأمل في حياة أكثر أمناً واستقراراً.